اردت الاستسلام لانني لم ارى جدوى من الكفاح، شعرت انه لا شيء يمكن اثباته او اقراره او اضافته او اسقاطه في وجود لم اختره. هنري ميلر: لماذا تقسو الحياة بتلك الطريقة على الضعفاء؟ وكيف استطاعت ان تحول تلك القوية التي تحدت الصعاب الى ما هي عليه الآن؟ مجرد جسد خاو بلا روح ولا عزيمة. احبطت عزيمتها وفقدت كل داع للتشبث بالحياة. هي تعترف دائما لنفسها بانها اخطأت باختيارها، ولكن الا يراْف بها من حولها؟
الا يلتمسون لها الاعذار لذلتها؟ حتى وان اخطأت فلما تتحمل هي وحدها نتيجة ذلك الخطأ؟ الم يشاركها الجميع ذلك الخطأ؟ هي لم تسير على اهواءها ولا اتبعت قلبها رغم اعتراضهم، بل هم ايضا وقعوا بنفس المكيدة التي دبرها شخص محنك بالتمثيل وقادر على تطويع الجميع لصالحه.
والآن هي تستمع لصراخ والدها الصام للآذان، والذي اجتمع على اثره الحرس وطاقم التمريض ومعهم كبير الاطباء الذي اكتفى من التجاوزات، فصاح هادراً بالجميع للخروج بعد ان وجدها تدخل في نوبة ليست نوبة بكاء ولكنها نوبة قاتلة قد تودي بحياتها للابد. ويا لها من امنية ان تتحصل من حياتها البائسة. لاحظت فدوى اختناقها وانسحاب حدقتيها، فلا يظهر من عينها سوى ذلك البياض الواسع ليغيب ورائه ادراكها بمن حولها.
بدأ كبير الاطباء باسعافها بعد ان اخرجهم جميعاً. وظلت فدوى تبكي وتنوح معاتبة: "حرام عليك يا هشام…. هي البنت ناقصة؟ بنتي لو جرالها حاجة بسببك انا مش حاسامحك ابداً." اظل هو على حالته المتسمرة بعد ان رأى حالة صغيرته وما آلت اليه، وبدأ يؤنب نفسه على تسرعه باصدار الاحكام. ولكن الم تخبره هي بحقيقة الامر؟ وانها فعلاً ذهبت معه طواعية لشقه. ابتلع غصة الم بحلقه وهو يتضرع للمولى بصوت خافت وحزين: "استرها معانا يا رب."
جلس جمال على احد المقاعد بجوار زوجته التي ظلت تربت عليه لتآزره وتهون عليه الامر، ولكنها ظلت محنية الرأس تسندها على مرفقيها، تكتم عبراتها وحنقه من تلك المرأة التي اهدمت كل شيء. *** ظل الطبيب يحاول انقاذها، فتلك النوبة هي الاخطر على الاطلاق خصوصاً بعد ان اختنقت بدماءها ولم يساعدها بلعومها الذي لم يطيب بعد على البصق او التقيؤ او حتى البلع لتبدو وكانها تموت غرقاً، ولكن بالدماء بدلاً من الماء. صاح بالممرضة التي تساعده:
"روحي بسرعة اندهي على طاقم دكاترة ييجي هنا وجهزي لي العمليات يمكن نحتاجها." هرعت للخارج، فحاولت فدوى ايقافها حتى تستعلم منها عن حالة ابنتها، فامسكتها من ذراعها هاتفة بتوسل: "طمنيني بالله عليكي يا بنتي." سحبت يدها سريعاً وبعنف وهي تصرخ بها: "سبيني الحق قبل ما بنتك تموت." *** كن صبوراً حتى في وجعك وهمك قل الحمد لله دوماً فكم من صدر ضاق ثم برحمة الله اتسع الحمد لله دائماً وأبداً على كل حال.
أقوال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. تسمر بمكانه وهو يرى هذا المشهد المحزن والمؤثر. واستمع لحديث الممرضة مع والدتها، فاختل توازنه وغيم بصره واغرورقت عيناه بالعبرات الحارقة. وانحنى يستند على احد الجدران يحدث عقله بعد ان نسج له آلاف السيناريوهات في رأسه، ولكن كان اقصاها فظاعة هو فقدان من احبها وعشقها كما حدث معه من قبل. ردد بداخله: "اللهم رب الناس، اذهب البأس واشفها فانت الشافي."
دلف الممرضة تجر وراءها مجموعة من الاطباء ليغيبوا بالداخل حتى انتهوا من اسعافها. فخرج كبير الاطباء وهرع الجميع ناحيته. فنظر لسيف الواقف كمن صعقه تيار كهربائي لا يشعر بما حوله. فناداه: "سيف باشا." اقترب منه ببطء، فهتف هشام صارخاً: "طمنا يا دكتور ارجوكم." نظر لسيف وحدثه هو وكانه يعطيه اوامر. فردد بصرامة وحسم:
"انا من انهارده مش حاسم ح لأي تجاوز…. المريضة كانت بينها وبين الموت شعرة، ووجود كل الناس دي معاها مش بيساعدها، بالعكس ده بيدخلها في نوبات خطر جدا احنا في غنى عنها." ظل صامتاً يستمع له، ثم رفع بصره وهتف بصوت مبحوح: "هي بقت كويسة؟ يماء له كبير الاطباء هاتفا بتحذير: "انا دخلتها العناية المركزة حتفضل فيها يومين على الاقل وحمنع عنها الزيارة ويا ريت تخلي اهلها يروحوا لان الحال كده مش نافع."
عاد لايماءته الصامتة، فتحرك الطبيب من امامه ونظر لسيف ولعائلتها وهتف بحزن والم ظاهراً على وجهه: "ايه اللي حصل لها؟ انا كنت سايبها كويسة." صاحت فدوى بحدة: "ما هي الست…." قاطعها هشام فوراً بصوت هادر: "فدوى ااااا، خلاص خلصنا." ثم نظر لسيف وردد شاكراً: "احنا متشكرين على كل اللي عملته معانا علشان خاطر دارين… بس كفاية جمايل لحد كده يا باشا لانى مش حعرف اردها." نظر له بدهشة من حديثه وردد: "مفيش جمايل ولا حاجة، اناااا…."
قاطعه جمال: "اجل الكلام في اي حاجة لما دارين تخرج من اللي هي فيه، ومش قصدي المستشفى وبس." سماء مرحبا وهتف بفرحة طفيفة ظهرت على وجهه: "براءتها ظهرت…. خلاص اكرم اعترف بكل حاجة، ومش فاضل غير شوية اجراءات وتخرج، وانا حخلص لها الاجراءات دي بأسرع وقت ممكن عشان انقلها مستشفى خاصة و…." قاطعه هشام: "يا بني كتر خيرك… متتعبش نفسك، المحامي بتاعها أكيد عارف حيعمل ايه؟ كفاية تعرض نفسك وشغلك للمشاكل اكتر من كده."
شعر بأن هناك أمراً ما، فهذا ليس بنفس الشخص الذي تحدث معه أمس وأخبره برغبته الزواج من ابنته، ولا ذاك هو نفس الرجل الذي أخبره بمباركته على زواجه من أخته. ولكن آثر الصمت حتى يطمئن أولاً على مهجة الفؤاد، وعشقه الأبدي الذي لا يعلم متى وأين وكيف تم زراعته بداخل قلبه لينمو بتلك السرعة ويستحوذ على كل ما بداخله. *** قادت سيارتها بعد ان اتمت مهمتها بنجاح، عرجت على ابنتها وقصت لها ما فعلته بالمشفى معها ومع اهلها. فامتعض
وجهها وهتفت بمعاتبة: "ليه كده يا ماما؟ انتي كده حتخلي سيف يقاطعني." رفعت حاجبها بدهشة وهتفت: "ابني مستحيل يعمل كده…. هو بيهددنا بس انما ساعة الجد حيحكم عقله وحيعرف انها متناسبهوش." زفرت سارة باختناق من حديث والدتها وهتفت: "يا ماما محدش سمع منه، وانا لما قعدت وفكرت مع نفسي لقيت فعلا ان سيف مستحيل يعرف اي واحدة، واكيد في تفسير، لانه مش بعد السنين دي حياخد اي واحدة والسلام." اجابتها منار بحدة:
"اخوكي اتجنن خلاص…. عشان لو فرضنا انها محترمة وبنت ناس وبريئة، فبرده حتفضل سوابق." لمعت عينها بالذعر وهي تكمل: "انتي متخيلة سمعتنا حيحصل فيها ايه؟ الناس مش حتسيبنا في حالنا يا بنتي… حيقولوا سيف المهدي اتجوز واحدة رد سجون." جلست باجهاد على الأريكة واكملت: "ده غير انها مش ڤيرچين يا سارة… ولا كانت متجوزة، فده يعنى معناه ايه تقدري تقولي لي؟ اجابتها:
"اكيد في تفسير يا ماما، وزي ما سيف قال انه عنده تفسير لو انتو حابين تسمعوه." توسلتها قائلة: "عشان خاطري اقعدوا واسمعوه يا ماما…. بلاش نخسره، سيف عنيد، وغير كده احنا ما صدقنا رجعت الأمور بينا زي زمان واكتر، وانه بدأ ينسى ويعيش حياته…. انتي يعني كنتي مبسوطة بعيشته لوحده وزعله اللي ما كانش له آخر؟ قوست فمها وأطنبت: "اكيد كنت زعلانة عليه، بس لما يختار لازم يختار صح، وانا مستحيل اوافق عليها، على جثتي انه يتجوزها."
تنفست بعمق ورددت بداخلها: "انا عارفة كويس مين اللي حيقدر يأثر عليه." *** دلف مكتب كبير الاطباء بعد ان ذهب اهلها من المشفى بأوامر منه، ووقف يحدثه بحيرة: "حالتها عاملة ايه؟ طمني عليها يا دكتورة." رأى كبير الاطباء حالته فتعجب مما يراه، فهتف متسائلاً بفضول: "ممكن اسألك سؤال يا سيف باشا؟ أماء سيف بالموافقة، فاكمل الآخر: "هي تعنيلك ايه بالظبط؟ أجابه بحبور: "خطيبتي." لمعت عين كبير الاطباء مما سمعه وردد بدهشة: "ازاي؟
أجابه بإيجاز: "القضية متلفقة واتحلت الحمد لله وحتخرج قريب جدا." ابتسم كبير الاطباء وهتف موضحاً: "هي حالتها مستقرة وخلعنا كمان الأنبوب بتاع الاكل وبقت قادرة تتكلم." ابتسم بفرحة وتساءل: "امال تعبت ليه كده؟ أجابه بعملية شديدة: "شدت الأنبوبة من مناخيرها فنزفت وكانت حتتخنق بس ربنا ستر، وأنا مانع عنها الزيارة عشان القوانين بتقول كده يا باشا، وبصراحة الوضع كان فوق تحميلي، أنا عمري ما شفتك بتتجاوز كل التجاوزات دي قبل كده!!!
اعتذر منه سيف باحترام: "انا عارف اني غلطان وبعتذر لك يا دكتور، بس عندي رجاء أخير." ابتسم وكأنه يعلم طلبه ووقف مكانه وهتف: "تقدر تدخلها يا باشا." *** دلف بلهفة واقترب منها فوجدها جالسة على فراشها تنظر له بألم وحسرة، وتؤنب نفسها لتركها مشاعرها تنساق ناحيته، وها هي تخطئ مرة أخرى باختيارها، ولكن هذه المرة لن تدع مشاعرها تقودها أبداً. جلس على طرف الفراش وأمسك راحتيها يضمهما معاً وحدثها بصوت رقيق: "حمد الله على السلامة."
رددت بصوت هامس ضعيف ومبحوح: "الله يسلمك." ردد بفرحة وتهليل: "الله أكبر…. صوتك كان واحشني أوي." أطرقت رأسها ليس خجلاً ولكن رفضاً لأي مشاعر قد تخرج منه أو منها. فعاد يردد: "انتي أحسن دلوقتي؟ أجابته: "الحمد لله." أخبرها بعملية قليلاً: "طيب كويس جدا عشان لو قادرة نخلص التحقيق لان كل ما كان بدري كل ما قدرت اقفل القضية مع القاضي المنتدب والمحامي العام عشان سعد الدين يخلص اجراءات الافراج بدري." أجابته ببحة: "انا مستعدة."
ابتسم لها وقبل يدها وأماء بالموافقة، ثم عاد يحدثها برقة وغزل: "بحبك أوي…. انا ساعات بقعد مع نفسي وافكر انا امتى وازاي مشاعري مش بس اتحركت! لا وبقت بالقوة دي؟ ليمزح معها هاتفا: "تكونيش عملالي عمل على رجل برص كسيح ومخبياه تحت بيت نملة عايشة لوحدها." ابتسمت رغماً عنها من مزحته، فقبل راحتها بعمق وهتف مؤكداً: "انا جنبك وحفضل جنبك لحد ما تخرجي من كل اللي انتي فيه." ***
عقلها وقلبها يتصارعان الآن وبتلك اللحظة صراع حياة أو موت، والنتيجة الحتمية هي الموت. موت مشاعرها ومشاعره لعلمها الحقيقة العارية أن المجتمع لن يرضى بتلك المشاعر ولن يراْف بها ولن ينسى ابداً ما حدث. ظلت صامتة وهو يتحدث ويثثرثر بجوارها عن الكثير والكثير مما ينوي فعله فور خروجها من المشفى وإتمام شفائها وانتهاء محنتها.
عاد يخبرها بتفاصيل اعتراف أكرم وتمثيله للجريمة دون الدخول في تفاصيل أعماله الغير مشروعة، فهى ليست بحاجة لمعرفتها. أذهلت مما سمعته عن أكرم… الهذا الحد كانت كفيفة لا تبصر حقيقته؟ كل ما كان معه عبارة عن مخطط مع زوجته ولماذا؟ لم تستطع تصديق أن هناك من يفعل كل تلك الأفعال دون الشعور بالندم ولا الخوف، ليس من البشر ولكن الخوف من الله. صمتها الطويل جعله يهتف مشاكساً: "طيب ايه ساكتة ليه كده ولا صدعتك؟ رفعت وجهها الباكي
ناحيته فردد باهتمام: "طيب ليه كده بس؟ "الحقيقة بانت وحتخرجى وكل واحد اخد جزاءه والندل ده جزاءه الإعدام إن شاء الله." فكرت وقررت أن تنهي الأمر، فهي لن تقف في مواجهة مع أهله أو حتى تجعله يحاربهم من أجلها. فهتفت مدعية الحزن: "إعدام…. مش ممكن." نظر لها بعدم فهم، فاضافت كذباً: "انااا…. انا ما كنتش عايزاه يتأذى بالشكل ده." ابتعد عن فراشها ونظر لها من مكان وقوفه، وقوس حاجبيه بتعجب وهتف متسائلاً:
"امال كنتي عايزاه ياخد ايه على جرائمه؟ أضافت بحزن مصطنع: "مش لدرجة الإعدام…. انا مش حستحمل انه يموت." ظل ينظر لها وأنفاسه تعلو وتهبط بعنف، صارخاً بها: "ايه الكلام ده؟ انتي ايه حكايتك…. انتي لسه بتحبيه؟ أطرقت رأسها لأسفل حتى توهمه أنها ما زالت تكن المشاعر لذلك الوغد المسمى بأكرم، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يردد بحدة: "انا مكنتش مفكرك كده….. بس انا اللي غلطان لما سمحت لمشاعري تتحرك ناحية واحدة زيك."
غادر مسرعاً، فخرجت شهقات بكائها العالية حتى تحول لنحيب عالٍ وهي تشعر بقلبها قد تمزق لقطع صغيرة من الألم. *** علمت تماماً وجهتها التالية، فهي لن يهدأ لها بال حتى تنتشل فلذة كبدها من البئر الذي يريد أن يوقع نفسه به. طرقت على الباب عدة طرقات حتى فتحت لها تلك السيدة التي فور أن رأتها رحبت بها وأدخلتها. فجلست منار وهتفت: "وحشتيني أوي يا عزة." ابتسمت لها الأخرى وبادلتها الاشتياق: "وانتي والله يا منار… مشفتكيش من زمان."
تنهدت بتعب وهتفت: "واكيد تلاقيكي مشفتيش سيف برده من مدة؟ ابتسمت وأجابتها: "يعني مش من زمان أوي…. آخر مرة شفته يوم سنوية الغاليين، كان هناك في المقابر واتقابلنا معاه." تنهدت باشتياق وأكملت: "لسه يا حبيبي بيروح ويجيب لعب وورد يحطها على قبره." نظرت منار لها بسخرية وهتفت تخبرها: "انتي عارفة أنا جايلك النهارده ليه؟ رمقتها عزة بحيرة وهتفت: "في ايه يا منار ما تتكلمي دوغري."
حبست أنفاسها تقص عليها أمر زواجه المزعوم من تلك الفتاة المحتجزة وإصراره عليها. فهتفت عزة: "طيب وأنا أعمله ايه؟ أنا كنت حماته يا منار…. كنت فاهمة يعني ايه كنت؟ واللي بيني وبينه كانت نيفين وميرا وبس والاتنين راحو خلاص." زفرت بضيق وأصرت على حديثها: "كنتي وما زلتي حماته يا عزة ولكي عنده معزة خاصة وبيسمع منك… اتكلمي معاه يمكن يسمع، لكن المصيبة اللي عايز يحط نفسه ويحطنا فيها دي مش ممكن تعدي." أماءت بالموافقة ورددت:
"حاضر يا منار….. حأتكلم معاه واللي فيه الخير يقدمه ربنا." *** عاد لعمله بعد أن وجد نفسه يدور بسيارته دون وجهة معلومة، ليتكرر على مسامعه حديثها عن غريمه وتمثل مشهد حزنها عليه أمام أنظاره. دلف مكتبه وارتمى على المقعد باجهاد وكأنه كان يعدو لساعات حتى انقطعت أنفاسه ولم يعد يستطيع أن يكمل مسعاه، فقرر الاستسلام. أخذ عقله يوبخه بأحد وذع الكلمات:
"هي دي اللي وقفت قصاد اهلك ومستقبلك وشغلك عشان خاطرها، مفيش ولا مرة حسستك انك ليك قيمة عندها ولا حتى حست بحبك ليها." أخرج من جيبه الورقة المطوية بخط يدها والتي تقر بها بحبها له وظل ينظر لحروفها وهو يشعر بغصة، فقبض عليها بقوة وهم على تمزيقها ولكن تراجع بضعف وعاد يطويها ووضعها بمكانها قريباً لقلبه. غلق عينيه يحاول استرجاع أنفاسه الحارقة ونبضاته المسروقة، حتى صدح هاتفه بالرنين ليرى اسم حماته السابقة على شاشته،
فاجاب على الفور: "ايوه يا حماتي عاملة ايه وعمي اخباره ايه؟ أجابت عزة: "الحمد لله يا حبيبي، عايزاك يا سيف تعدي عليا انهارده وانت راجع من الشغل." وافقها دون أن يستفهم منها سبب طلبها واتجه لمنزلها فور أن انتهى دوامه وجلس برفقها يرتشف القهوة وردد: "خير…. محتاجة حاجة يا حماتي؟ نظرت له ببسمة ورددت بتساؤل: "يعني انت لسه شايفني حماتك يا سيف؟ نظر لها بحيرة وردد: "في ايه يا طنط ما تتكلمي على طول."
ابتلعت لعابها وقصت عليه ما علمته من والدته بأمر زواجه ورددت بنهاية حديثها: "معقول يا سيف…. هي دي اللي اخترتها عشان تكون مكان بنتي؟ هي دي اللي قعدت 3 سنين رافض الجواز عشانها؟ تنهد بحزن ورفع بصره اليها وأخبرها بصوت حزين: "لو من ناحية الجواز فاطمني…. انا صرفت نظر عن الموضوع." انتفض من مكانه واتجه للباب وردد بحدة طفيفة: "بلغي امي اني صرفت نظر، خليها ترتاح بقى." *** تربعت بجسدها تستمع لجاسوس زوجها
الذي ينقل لهما كل الأخبار: "الجلسة اتأجلت عشان شهادة اللي اسمها دارين دي." زفرت لواحظ بحنق وهتفت بغل: "زي القطط بسبع أرواح… قلت حخلص منها ومن شهادتها اللي حتخلي المؤبد يبقى إعدام." أجابها زوجها بضيق: "اهو ده اللي بناخده من الحريم الخرعة اللي مشغلهم." ردد جاسوسه: "الفترة اللي فاتت الحراسة عليها كانت شديدة أوي، بس اليومين دول مبقاش فيه حراسة خالص يا دوب حراسة المستشفى وخلاص." ردد عتريس بتجهم: "ايوه قصدك ايه؟ أجابه:
"حقنة هوا." نظرا كل من عتريس المر وزوجته بعضهما لبعض، فشرح لهما الأمر: "حقنة هوا تتحطلها ونخلص منها خالص يا معلم." أماء موافقاً وردد: "تقدر تعمل ده امتى؟ أجابه: "اديني الموافقة انت بس يا معلم وبعدها كله يخلص في ساعة زمن… رجالتنا كتير جوه." ابتسم له وردد بتأكيد: "يبقى متضيعش وقت." ***
أخذ حماماً لينعشه قليلاً وخرج يرتدي ملابس النوم، فاستمع لطرقات خفيفة على الباب فاتجه وفتحه ليجدها أخته الصغرى، فتنحى جانباً حتى يتيح لها فرصة للدخول. جلست بجواره على الأريكة وهي تنظر له بتفحص لملامحها الحزينة وهتفت: "احكيلي عنها يا سيف…. قولي ايه اللي حبيته فيها؟ نظر لها بألم وحزن وأعاد رأسه يستند على مسند الأريكة وتنهد ببطء وأغلق عينيه، فعادت تحدثه: "مش عايز تتكلم معايا يا اخويا؟ اعتدل بجسلته وهتف بحدة:
"خلاص بقى يا سارة…. قولي لهم اني صرفت نظر، سيبوني بقى… سيبوني." انتفض من مكانه فشعرت بفاجعته، واقتربت منه تربت عليه وهتفت بحنين: "للدرجة دي بتحبها يا سيف؟ ابتلع غصته بداخله وردد: "خلاص يا سارة اللي يخليكي…. قومي روحي لبيتك وابنك." شعرت بأن الأمر به شيئاً غريباً، فهو بالأمس القريب كان حانقاً على الجميع وعنده إصرار شديد عليها، فماذا حدث الآن حتى يبدو عليه الانكسار هكذا؟ اقتربت منه تحدثه بهوادة:
"ايه اللي حصل وخلاك تغير رأيك؟ مش كنت عايزها؟ ولا تكونش ماما قدرت تخليك تغير رأيك؟ أجابها بحزن: "يا ريتها جت من ماما كنت حابقى فاهم مش حاسس اني زي الغبي اللي اتضرب على قفاه، بس للأسف الضربة جت منها هي." فهمت على الفور أنه ربما أنهت معه علاقتهما بسبب ما فعلته والدتهما، فقررت إخباره لعله يفهم ما يحدث حوله. فرددت بتردد: "بص يا سيف…. اصل ماما اا... نظر لها باهتمام، فاكملت: "ماما راحت لها في المستشفى و…."
صمتت، فلمعت عيناه بالحدة وردد بغضب أهوج: "راحت لها امتى وليه؟ قصت عليه تفاصيل زيارة والدته وحوارها معها ومع أهلها، فربط سريعاً تدهور حالتها الصحية وادعاءها الكاذب حتى تبعده عن طريقها. فقاده ذكاؤه إلى ربط الأحداث ببعضها، فاتجه لغرفة وغير ملابسه واتجه للخارج، فصرخت أخته تستفهم: "ايه يا سيف؟ ردد متسرعاً: "روحي انتي يا سارة." ***
قاد سيارته مسرعاً للمشفى وهو عازم أمره أن يفهم منها الحقيقة كاملة، فاندفع لداخل المشفى ومنها لغرفتها ليتفاجأ بذلك الرجل المتنكر بزي التمريض ويحمل بيده حقنة هواء وكاد أن يضعها في المحلول الموصل بكفه. تشابك معه بالأيدي وصرخ بحدة حتى اجتمع حوله الحرس وقاموا بالقبض عليه وتكبيل يده بالأصفاد وإلقائه بالسجن. وهاتف سيف زملاءه بقسم البوليس وأخبرهم: "عايزك تحط عليه حراسة، عشان أنا بنفسي اللي ححقق معاه، فاهم؟
ضحك رفيقه رئيس المباحث وردد مازحاً: "تعالى خد وظيفتي يا حضرة المعاون… انت مش كنت شغال معانا؟ ايه اللي خلاك روحت مصلحة السجون بس؟ زفر سيف باختناق وردد بفراغ صبر: "يا ابني روح أنا مش فايقلك، شوف شغلك وسيبني أشوف اللي ورايا." *** الذعر والخوف الذي شهدته لم يكن بالهين، فهي كانت ستذهب لتقابل الخالق بعد لحظات من الآن دون أن تدري.
ظلت تجلس على فراشها متخوفة تنظر حولها وتستمع للأصوات بالخارج وتركز بصرها على مقبض الباب وهي تبتلع في وجل. فتح الباب ودلف منه سيف بطلته الساحرة، فرفرف قلبها فور أن أبصرته، فهي تخيلت أنه لن يقترب منها مرة أخرى ولن تراه مجدداً، ولكن ها هو أمامها بهيئته المهلكة ينظر لها نظرات حالمة. اقترب منها بلهفة وأمسك راحتها ينظر لها بتدقيق وهتف بخوف لم يعاصره إلا مرات قليلة: "انتي كويسة؟
حركت رأسها بانكسار ولم تستطع كتم بكائها، فسحبها داخل أحضانه وربت على ظهرها يمسح عليه بكفه وظل يهدأها: "خلاص يا حبيبتي…. خلاص أنا موجود ومش حاسيبك أبداً." ابتعدت عن أحضانه و دفعته بعيداً عنها تنظر له بحزن دفين، فهتف: "انا عرفت اللي عملته أمي معاكي." نظرت له بذل ومهانة شعر هو بها، فصرخ بحدة: "مش عايز أشوف الكسرة اللي في عينيكي دي أبداً…. فاهمة؟ ارفعي راسك زي ما أنا حارفع راسي بيكي قدام الناس وافتخر إنك وافقتي عليا."
زفرت بحزن وأردفت: "انت اللي حتفتخر بيا؟ انا؟ ابتسم وسحبها داخل أحضانه رغماً عنها ولم يهتم لدفعها له، فهتفت: "بابا مش حوافق وأنا مش حقدر أضغط عليه بعد اللي حصلي." ابتسم لها وردد بثقة: "أمي بتحبني وأنا ابنها الوحيد، تفتكرى ممكن تزعلني؟ أجابت: "معرفش…. انت الأدرى بأهلك، بس لو ربنا أراد إن الموضوع ده يكمل فلازم تعرف إني مش حأقبل غير باللي بابا عايزه."
توغل كثيراً بملامحها التي يعشقها وشرد ببحور عينها، وأمسك طرف ذقنها بسبابته وحملق فيها بعشق مقرباً وجهه منها ببطء حتى قاربت أنفاسه من وجهها، ولكنها ابتلعت لعابها ودفعته على الفور هاتفه بصوتها المجهد والضعيف: "ميصحش كده." رفع حاجبه بانزعاج بائن قبل أن يردد بمعاتبة: "كده برضه يا ديدو؟ انا ماكنتش حعمل اللي جه في بالك على فكرة."
رددها فلمحت هي سخريته منها ودفعته بقوة ليسقط على الأرض، فابتسمت بانتصار، ليقف هو يهندم ملابسه وأقبل عليها وقبلها من أعلى رأسها وردد بجدية: "انا مضطر أمشي عشان أروح أشوف الكلاب دول آخرتهم ايه؟ أمسكته من راحته بذعر ونظراتها الخائفة وجسدها المتجمد من الرهبة وهتفت متوسلة: "متسبنيش لوحدي….. عشان خاطري خليك معايا، أنا خايفة." جلس بجوارها يطمأنها وهو يمزح معها: "امال فين دارين الشامي بطلة الجمهورية في فنون القتال؟
أجابته بانكسار وضعف: "ماتت….. اللي قدامك دي بقايا إنسان وما عنديش أي طاقة للمقاومة أو التحمل." مسح على شعرها وهتف برقة: "ولو طلبت منك تتماسكي وتحاربي عشاني أنا حتعملي كده؟ شعرت بالخجل من غزله العفيف، فاطرقت رأسها لأسفل، ليعود ويتلمس ذقنها يرفع وجهها إليه وتغزل بجمال طلتها وسحر عيونها: "عيونك سحرتني وجمالك أسرني وبقيت أسير عينيكي." ابتسمت له فطمأنها:
"متقلقيش…. أنا حاطط عليكي حراسة مش موجودة عند وزير الداخلية بذات نفسه، وحكلم سعد الدين عشان يخلص الإجراءات بسرعة وتطلعي على مستشفى تانية محدش يعرف مكانها عشان عيون لواحظ وعتريس المر ما يعرفوهاش." رددت بصدمة: "هم عايزين مني ايه؟ مش عايزيني يسبوني في حالي ليه؟ أجابها بهدوء: "انتي الشاهد الوحيد عليهم واصرارهم على محاولة قتلك مش بيدل غير على حاجة واحدة." بفضول هتفت: "ايه هي؟ أجابها:
"إنهم لسه في مصر ومش عارفين يخرجوا منها وده حيساعدنا كتير إننا نمسكهم." تضرعت لربها وهتفت بتمني: "يا رب…. يا رب نجيني." ابتسم وأجابها: "آمين." وقف من مكانه واتجه للباب ووضع يده على المقبض وقبل أن يديره عاد أدراجه ناحيتها وانحنى بلهفة وأطبق شفتيه بخاصتها بقبلة عميقة بث فيها عشقه وهيامه ولم يمهلها حتى فرصة الرفض أو الاعتراض. ابتعدت عنه ينظر لملامحها التي يعشقها، فابتلعت لعابها بحرج وردد وهو يتجه للخارج: "بحبك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!