غرب ما في الحب…. أنك تجد نفسك في شخص، وتفقد نفسك معه. تصبح قوياً به…. وأضعف ما تكون أمامه. ونفس الشخص الذي تشكلت فيه تناقضاتك، له القدرة على تعميرك وتدميرك. صعدت بالخلف تجلس بجوار والدتها، وجلست منار بالامام بجوار ابنتها التي بدأَت القيادة، وهي تردد بتساؤل: "هتروحو على فين تاني؟ أجابت منار دون إعطاء أحد مجالاً للاختيار: "اطلعي على أي كافيه نقعد فيه شوية يا سارة."
نظرت كل من فدوى ودارين بعضهما البعض بدهشة، فقد توقعتا بعد تجهم وجهها وتركها لمحل الأثاث، إما أن تتجه للمنزل رأساً، أو على الأقل تستكمل تسوقها معهن في مكان آخر، ولكن أن تطلب الجلوس معهن بمقهى؟ فهذا أمر عجيب.
ذهبن أربعتهن إلى أحد المقاهي القريبة، وجلسن بانتظار أن تستهل منار حديثها. وشعرت سارة بالخوف من انسياق والدتها خلف مشاعرها الكارهة لدارين فتتصادم معها بسبب ما حدث، فأمسكت هاتفها وأرسلت رسالة لأخيها تخبره برسالة عاجلة بما حدث أمامها. ليرسل لها الآخر رده: "انتو فين؟ أرسلت له الإجابة على الفور على شكل مشاركة موقع المقهى. فانهى معها التراسل على الفور، لتجلس هي بتحفز. تستهل منار حديثها قائلة بضيق:
"أنا عارفة إن ابني بيحبك ودي حقيقة لا أنا قادرة أنكرها ولا أغيرها، بس…" صمتت قليلاً تنظر لهما بنظرات متفحصة، واستطردت: "بس شفت حبك ليه انتي كمان، نفس نظرات نسرين الله يرحمها، نفس الحب واللهفة." لتبتسم قليلاً وهي تكمل بمشاكسة: "ما أصل ابني يتحب ولا إيه؟ انتظرت إجابتها فلم تجد منها أي رد فعل، فعلمت أنها لا تزال ترهب تعاملها، فأصرت على توضيح الأمور أكثر، فاطنبت:
"أنا منكرش إني كنت رافضة، ومش رفض وبس ده كان من رابع المستحيلات أوافق على جوازه، بس رجعت بعدها فكرت إنهي أحسن… يفضل طول عمره عايش وحيد ولا يتجوز اللي بيحبها ويكون أسرة؟ صمتت لتدمع عيناها قليلاً وهي تكمل: "ابني عاش أصعب فترة في حياته بعد ما دفن بإيده بنته ومراته." أطرقت سارة رأسها وهي تشعر بالذنب ينخر بعظامها. وأكملت منار:
"وعمري ما شفته سعيد قد اليومين دول… عشان كده أنا من انهارده مش هضايقك ولا هزعلك مني وهعتبرك بنتي زيك زي سارة بالظبط، بس بشرط." انتظرت منها أن تسألها، ففعلت: "اتفضلي يا طنط." ابتسمت الأخيرة هاتفة بمرح: "شرطي إنك تبسطي سيف وأفضل شيفاه سعيد وبيضحك كده على طول… وحاجة كمان." نظرت لها باهتمام، واستطردت:
"أنا مش قادرة أتخطى موضوعك القديم عشان كده مش عايزة زعلي مني لو غصب عني خرجت مني كلمة ولا نظرة، يعني فوتيلي رد فعلي زي ما هفوت مضايقتي من الموضوع نفسه." أومأت بهدوء معقبة: "تمام يا طنط." ابتسمت لها منار هاتفة بمداعبة واستنكار: "يعني أنا لسه بقولك هتبقي عندي زيك زي سارة وأنتي تقوليلي طنط؟ تحرجت منها، والأخيرة تقف تفتح ساعديها تحثها على الاقتراب واحتضانها، هاتفة بمودة: "تعالي بقا خليني أحضنك يا دارين."
اقتربت منها واحتضنتها بقوة، وربتت على ظهرها هاتفة بتضرع: "ربنا يفتحها عليكم يا بنتي ويجعلكم سند لبعض وتملوا لبعض حياتكم كلها حب، وتملولي البيت عيال." أبعدتها قليلاً لتتفرس ملامح السعادة البادية على وجهها، وهي تجيبها ببسمة باكية: "ربنا يخليكي لينا يا ماما."
في نفس تلك اللحظة، دلف سيف كالبرق مستعداً للشجار مع والدته ما إن فعلت ما يتوقعه منها، ولكن وجد هذا المشهد الذي اقشعر له بدنه على الفور، فوقف بعيداً بمسافة كافية تجعله يتابع ما يحدث ويستمع لحديثهما دون أن تنتبه أياً منهن لوجوده. فشعر بغبطة من السعادة تغمره، وتراجع للخلف عائداً إلى سيارته، ومنها إلى عمله الذي تركه في عجالة. ***
كعادتها، ظلت تتحرش بالمسجونات الجديدات اللاتي أتين اليوم، فظل أتباعها يضايقونهن ويتحرشن بأجسادهن بأسلوب فج، وكأنها تملك السجن. وهي تنظر لهن بنظرات متدنية، هاتفة بصوت أجش شبيه بصوت الرجال: "جايه في إيه يا حرمة منك ليها؟ ظلت كل واحدة منهن تخبرها بتهمتها تباعاً، وأخرهن أجابت بثقة وشموخ: "أنا نور البرهومي يا معلمة، الدراع اليمين للمعلم شاكر الحرش كبير منطقته." ضحكت لواحظ بسخرية، فهو من منافسيها بالسوق بتجارة المخدرات،
فسألتها بسخرية: "هو بطل يغش في البودرة واشتغل في الدعارة ولا إيه؟ أنهت كلماتها بضحكة عالية رقيعه لا تتناسب مع خشونة صوتها. فاقتربت منها نور وهتفت بقوة: "لأ، وأنتي الصادقة، أصله قتل كل رجّالته اللي كانوا بيبيعوا أسراره للمعلم عتريس المر، ألف رحمة تنزل عليه، وأنا اللي فضلت جنبه."
حاولت إحدى السجينات الاقتراب منها وتلقينها درساً قاسياً لمناطحة كبيرتهن، ولكن نور كانت الأسبق بضربهن جميعاً بحركات سريعة ومتتالية بمهارة فائقة، جعلت لواحظ تتراجع ولم تحبذ خوض المعركة مرة أخرى معها مثلما فعلت مع دارين من قبل، لشعورها أنها خرجت خاسرة بشكل أو بآخر. صدح صوتها العالي يأمر أتباعها بغلظة: "سيبها يا مرة منك ليها… مين اداكي الإذن تتعدي على واحدة تحت حمايتي يا راس البهيمة انتي؟
أطرقت التابعة رأسها بعدم فهم من موقف كبيرتهم غير المعتاد، لتجدها تقترب منها بمودة زائفة، وتربت على كتفها هاتفة: "لأ، واضح إن المعلم عرف يختار صحيح… أنتي من انهارده تحت حمايتي ياااا." صمتت لتتحايل عليها قليلاً، هاتفة: "أنتي قلتيلي اسمك إيه؟ أجابتها الأخرى بتعالٍ: "نور… اسمي نور البرهومي." ربتت بغلظة على ظهرها هاتفة بمدح: "عاشت الأسامي يا نور." سحبتها من ذراعها وأجلستها بجوارها، وهتفت تأمر إحدى أتباعها:
"روحي يا بت اعمليلنا اتنين شاي عشان أعرف أرحب بالضيفة." اتجت الأخيرة لتنفيذ أوامرها، وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة متعجبة وناقمة على ما يحدث. فاستطردت لواحظ تسألها باهتمام زائف: "قوليلي بقا تهمتك إيه؟ سألتها وهي تخرج علبة سجائر تشعل منها واحدة وتناولها لنور، فاخذتها بدورها وتنفسَت دخانها قبل أن تضعها في فمها، وهتفت: "سيجارة متلغمة؟ ابتسمت لواحظ تجيبها: "أنظف صنف في السوق." سحبت نفساً داخلها وأعقبت: "ده أمير الظلام."
ملامح لواحظ المندهشة جعلت بسمة الأخيرة تتسع لتصل لأذنها، بعد أن فهمت أنها تحاول معرفة مهارتها بالعمل، فأجابت بعد أن استنشقت من سيجارتها عدة أنفاس: "عيب عليكي يا معلمة تخلطي أمير الظلام بشوية قش وتبغ… ده ما يكيفش صح إلا بالكوباية." عضت لواحظ على شفتها السفلى وأخرجت قطعة خام من صدرها، وهتفت بصوت عالٍ: "هاتي يا بت كوباية هنا للمعلمة نور." ابتسمت نور بحبور، وهتفت بامتنان وهي تربت بيدها على صدرها:
"تعيشي يا معلمة… أنتي هنا المعلمة، وأنا واحدة من رجالتك، العين متعلاش عن الحاجب بردك." كانت تشتعل لواحظ فرحاً، فها قد عادت لها هيبتها بعد أن تخوفت من أن تهدر على يد تلك الدماء الجديدة التي دخلت حديثاً على عالمهم في تجارة الممنوعات، واستطاعت أن تتفوق عليهم، وها هي وحدها بالسجن من دون زوجها الراحل التي كانت دائماً ما تتحامى به. *** دلف مكتب رفيقه بتعجل، وهتف بحيرة: "سكنت الوارد الجديد يا عماد؟ أجابه الآخر:
"أيوه متقلقش، بس طمني سيادة المستشارة عملت إيه في عروستك؟ ابتسم على الفور ملء فمه، ولم يعقب. فهتف عماد بفضول: "ياااه… للدرجة دي مبسوط؟ ده اللي يشوفك وانت خارج من هنا كان ممكن يفتكرك رايح تحارب." قص عليه سيف ما استمع له من حديث والدته، واكتملت الصورة أمامه برسائل أخته التي شرحت له تفاصيل اللقاء بينهما. فمال عماد رأسه للجانب، وهتف بغير تصديق: "انت عايز تفهمني إن مامتك قبلت بالأمر الواقع؟ أجابه
و بسمته لا تزال تزين ثغره: "مش قبلت وبس… دي موافقة قلباً وقالباً يا بني." ردد بحبور: "ربنا يكمل فرحتك على خير يا سيف، أنت تستاهل الخير." تنهد ببطء، وردد بحزن: "سنوية الغاليين قربت." قوس عماد فمه بدهشة، هاتفا: "معقول عدت سنة بالسرعة دي؟ أومأ مؤكداً: "أيوه، كمان شهرين… بس اللي مضايقني إني بطلت أحلم بيهم كتير زي الأول." هتف عماد مفسراً: "أنت كنت مضايق عشان أحلامك كانت دايماً ذكرى لليوم مش حلم عادي." أومأ معقباً:
"أيوه، وبعد كده لما حبيت دارين، جولى في الحلم وكأنهم بيقولولي إحنا موافقين، وميرا قالتلي خليك مع ريان أخويا." بسمة عماد المذهولة جعلت سيف يستفيض بالشرح: "أنا فعلاً ناوي اسمي ابني ريان، وقلت لدارين كمان على الموضوع ده من زمان." سأله: "وهي عارفة إنك اخترت الاسم بناءً عن حلم؟ أجابه بعفوية: "ما أعتقدش الموضوع ممكن يضايقها في حاجة." أخرج سيجارته وأشعلها، وردد بصوت متحشرج من أثر استنشاقه للنيكوتين الموجود بها:
"المهم خلينا في الشغل… وزعت الوارد الجديد إزاي؟ أجابه بعملية: "زي ما اتفقنا… حطيت نور البرهومي مع لواحظ؟ سأله باهتمام: "وإيه الأخبار؟ مفيش أي مشاكل ولا خناق؟ حرك رأسه رافضاً، وأعقب: "ولا أي حاجة… شكلها مش سهلة أبداً." *** المرأة تحب الرجل ليس لأنه أقوى الرجال أو أوسمهم، المرأة تحب الرجل لأنه هو…. بضعفه وقوته. فالحب ليس استعراض قوة، بل هو عطاء دافئ ومستمر.
هذا ما عليه عطاء من الجانب الأقوى والأشجع، وأحياناً دون انتظار لمقابل. ولكن عندما تجد لذلك الشعور المرضي بداخلك مقابلاً سخياً، وقتها يشعر ذلك الطرف بأنه امتلك العالم بأكمله. هاتفها بعد أن أنهى أعماله، فأجابت بصوتها الرقيق الذي يشع فرحاً وسروراً: "سيفو…. حبيبي، وحشتني." قوس حاجبيه وأبعد الهاتف عن أذنه ينظر لشاشته ليتأكد أنه طلب الرقم الصحيح، وعاد يضعه على أذنه مبتسماً، هاتفا بمشاكسة: "داررين معايا؟
ضحكت بعفوية وهتفت بغزل: "عيون دارين وقلب دارين." صدحت ضحكته عالياً، وردد بذهول: "لأ بجد مش عايز هزار… دارين فين؟ امتعض وجهها، وأجابته بنبرة طفولية مشاكسة: "اخص عليك يا سيفو… كده برده مش عارف صوتي؟ أجابها وهو لا يزال على حالته الغير مصدقة أو مستوعبة ما يحدث: "عارف صوتك يا قلبي، بس مش مصدق وداني… هي دارين الخجولة اللي بتتكسف راحت فين؟ زفرت بضيق وصوت مسموع، فردد بسرعة: "خلاص خلاص، والله ما قصدت." زفرت مجدداً،
هاتفة بصوت عابث: "طيب… عايز إيه بقا؟ أجاب: "أنا تحت… أبوكي عندك؟ أجابته بضيق: "حتى لو مش عندي… هو مش سيادتك يا حضرة المعاون المفروض إنك جوزي ولا إيه؟ ترجل من سيارته، وأكمل تحدثه معها وهو يتوجه لمصعد بنايتها، هاتفا: "الأصول متزعلش حد." أجابته بإيجاز: "عموماً بابا هنالي يجيبها هو الآخر." "وعموماً أنا على السلم، افتحي."
أغلقت معه الهاتف، وخرجت من غرفتها تخبر والديها بحضوره، واتجهت للباب وفتحت، فظهر أمامها ببدلته الميري. فابتسمت باقتضاب، هاتفة: "أنت جاي من الشغل على هنا على طول؟ أومأ وهو ينحني مقلصاً المسافات بينهما، مقبلاً إياها بجبيتها، هاتفا: "في حاجة اسمها إزيك الأول يا ديدو." تحرجت منه، فهتفت بدلال: "إزيك يا سيفو؟ اقترب من أذنها، وهتف بنبرة خطيرة: "لأ عايز واحدة حبيبي."
عضت على شفتها بعد أن ضربت أنفاسه وذبذبات صوته أذنها وجعلتها بحالة يرثى لها، فهتفت بخجل: "وحشتني يا حبيبي." لم يتمالك نفسه فور مناداتها له بذلك الدلال القاتل، فسحبها داخل أحضانه وأحكم قبضته على خصرها، وقبلها قبلة اشتياق طويلة، قابلتها هي في البداية بالرفض والخوف من أن يراهما أحد، ولكن ما لبثت أن تجاوبت معه، فأحاطت عنقه بذراعيها ليرفعها قليلاً لمستوى طوله فلا تلامس قدميها الأرض. حتى استمعا لصوت
نحيب والدها وهو يردد بحدة: "واقفين هنا…" لم يكمل كلامه بعد أن رآهما على تلك الحالة، فابتلع لعابه بغضب من ردة فعل السيف الأقل من العادية، حيث أنزلها بحرص من أحضانه وسط ارتباكها وإطراقها لرأسها خجلاً من والدها. أما هو فاقترب بهدوء، ومد ساعده الأيمن يردد بترحيب: "إزيك يا عمي؟ بادله التحية بتحية مقتضبة، وهتف بصوت خشن ونبرة محذرة: "اتفضل جوه، بلاش الوقفة دي تاني."
أومأ الآخر مبتسماً بخبث، وكأنه يتوعده بداخله، وتبعه لغرفة الضيوف، وجلس أمامه على المقعد الفردي. ولكن ما لبث أن استقام واقفاً واتجه ناحية الأريكة المزدوجة التي تجلس عليها دارين بمفردها، لدرجة أنها تجلس تقريباً بمنتصفها، فاشاح لها بيده هاتفا بمرح: "اتأخري كده شوية، خليني أقعد جنبك."
تحركت من مكانها وهي تنظر لأبيها بتخوف، والأخير يرمقه بنظرات نارية غاضبة. لم يهتم بها سيف على الإطلاق، حيث مسك بأناملها وخللها بخاصتها، وقبلها من كفها، هاتفا بصوت مسموع: "أصلك وحشتيني أوي… المهم خلصتوا كل حاجة ولا لسه؟ بالطبع تطرق لأمر الزواج وتجهيزاته، حتى لا يعطي مجالاً للجالس معهما وعيونه محتقنة بالغضب أن يتدخل بأمرهما أو حتى يوبخ أي منهما على تجاوزاتهما. وأعقب سيف:
"أنا مريت كده على القاعات بتاعة الأفراح اللي تبع الداخلية عشان أتفرج عليها، ولقيت واحدة حلوة أوي وكبيرة." أخرج هاتفه وردد: "هوريكي صورها." ظل هشام جالساً ينظر لهما بحنق، حتى دلفت فدوى ترحب به، فاحتضنها وقبلها من رأسها، هاتفا بمودة: "إزيك يا ماما." انتشت فدوى من تلقيبه إياها بذلك، وجلست أمامه بجوار زوجها الذي تعمد أن يجلس على الأريكة الثلاثية، ظناً منه أنه سيمنع جلوسهما معاً عليها، ليتفاجأ بما فعله سيف.
ظلت الثرثرة بين ثلاثتهم، وفدوى تريه صوراً للأثاث الذي معظمه من اختيار والدتها. فردد بحبور: "أمي عارفة ذوقي… بس المهم عندي إن العفش يعجب العروسة." أجابت دارين بصوت مبحوح من أثر رهبتها من نظرات والدها المحتقنة والمتوعدة لها: "مامتك ذوقها جميل أوي، عشان كده أخدت برأيها في كل حاجة اختارتها." تنهد بارتياح، ونظر لهشام الجالس حرفياً على جمرات من نار، هاتفا: "طيب يا عمي، إيه رأيك أحجز الفرح الخميس بعد اللي جاي؟
أجابه بصوت غاضب: "ده أنت بتاخد رأيي ولا بتعرفني يا حضرة المعاون؟ غصة حارقة آلمت حلقها من رد والدها الجاف، ولكن دبلوماسية سيف جعلته يلين قليلاً: "لأ يا عمي، باخد رأيك طبعاً." لم يمهله الكثير من الوقت للإجابة، وردد بخبث: "القاعات محجوزة عشان ده سيزون للجواز، فقلت أنسب يوم هيكون الخميس، فشوف حضرتك يتناسب معاك الخميس ولا تحب نخليه الجمعة مثلاً… بس خد بالك الجمعة الشوارع بتبقى زحمة وممكن نتعطل بالطريق."
مكره ودهاؤه كبير، فأعطاه الاختيار إما الخميس أو الجمعة كأقصى تقدير، وكأنه حقاً يخيره لا يقرر بالنيابة عنه. وفهم هشام هذا الأمر بسهولة، ولكن اختار تجاهل الأمر حتى لا يكسر فرحة ابنته، وأيضاً حتى يظهر أمام عائلته أن الأمر من اختياره هو. فهتف: "لأ طبعاً الخميس أفضل… عشان الزحمة فعلاً معاك حق." ابتسم سيف منتشياً، ونظر لمعشوقته هاتفا باهتمام: "هاااا… اتكل على بركة الله؟ أومأت باستحسان. فوقف مكانه وردد:
"طيب أنا همشي عشان ألحق اللي ورايا، ويا ريت تنجزوا في شرا النواقص." حاولت فدوى كعادتها أن تنحيه عن الرحيل، هاتفة: "خليك اتعشى معانا." هتف بحبور: "وقت تاني يا ماما، عشان واعد أمي هتعشى عندها النهارده… خليني بكرة." هتفت بحب: "خلاص، هعمل حسابي على العشاء بكرة." ضحك بخفة وهتف: "غدا وعشاء كمان لو تحبي… بكرة إجازتي وهقضيه مع دارين مكان ما تكون." صمت لينظر لها هاتفا بغمزة من عينه:
"بس اعملي حسابك إن ورانا كام مشوار كده نعملهم في السريع، وبعدها نرجع نتعشى مع أهلك." أجابت برجفة متخوفة من والدها: "أوكي، ماشي. لو بابا موافق! أومأ هشام موافقاً، فأوصلته للباب، فوجد والديها لا يزالان واقفين أمامهما. فانحنى يهمس لها: "هيفضلوا واقفين كده؟ عايز أبوسك." تحرجت وأطرقَت رأسها بخجل، ليضحك ويعود يهمس بإذنها: "أبوكي مُصر يشوفني وأنا ببوسك، مش عارف ليه؟
لم يمهلها الفرصة حتى لتندهش، فطبع قبلة سطحية على شفتيها بحضور والديها، وهو يودعها بصوت عذب: "بااااي يا ديدو." *** استيقظت لتبدأ روتينها المعتاد من الاغتسال وتصفيف شعرها المجعد وارتداء ملابسها بعد تنظيف جرحها الذي قارَب على الشفاء. وهاتفَتْه، فأجاب بغزل: "مولاتي…. جميلة الجميلات." لم تعتد أبداً على غزله، فرغم عنها ابتسمت ببلاهة وفتحت فمها تطلق ضحكة رنانة. عندما شاكسها أكثر وهو يردف:
"اقفلي بوقك بدل ما الدبانة تدخل فيه." هدأت من نوبة ضحكها، وردت بتساؤل: "ها، فينك دلوقتي؟ أجاب بإيجاز: "قدامي عشر دقايق، أول ما أوصل هرنلك تنزلي على طول." أغلقت معه الهاتف، وأكملت زينتها. فدَلفت فدوى تمسك بيدها علبة بلاستيكية، وأعطتها لها مرددة: "خدي دي معاكي بدل الأكل بره بيتعبلك معدتك." زفرت بفراغ صبر، وهتفت بتذمر: "مش عايزة يا ماما، و أصلاً لو اتغدينا بره فسيف بياخد باله كويس جداً من أكلي، متقلقيش انتي."
أصرت عليها قائلة: "بتتعبي بعد كده، ومع ذلك لازم تعاندي." نظرت لها نظرات حزينة، ورددت: "يا أمي، أنا بحرج أوي لما باكل الأكل ده قدام حد، وبجد زهقت." اقتربت فدوى على كتفها هاتفة بمواساة: "نقول الحمد لله… أنتي كنتي فين وبقيتي فين يا دارين… المهم متتأخروش عشان العشاء." أومأت ليصدح هاتفها بالرنين، فتجيبه بدلال: "سيفو." ضحك وداعبها بمزاح: "فتحتِ عليا ليه بس، معيش رصيد؟ عادت تضحك من قلبها، وهتفت بمشاكسة: "هشتريلك كارت فكة."
نهار ضاحكاً، وهتف: "يا نهار أبيض، هي حصلت لحد كارت فكة؟ يعني محصلتش حتى شحنة على الطاير." سألتها فدوى بصوت مسموع للطرف الآخر: "متعرفيش رايحين فين؟ أجابت بجهل: "معرفش، ومش راضي يقول من امبارح." قاطعها بحدة مصطنعة: "دارين…. أنا ملطوع تحت وأنتي لسه هتتكلمي، اخلصي وانزلي." تفاجأت من حدته، فهتفت برقة: "حاضر." عاد صوته الحنون المداعب لحواسها قائلاً: "أحلى حاضر سمعتها في حياتي…. انزلي بقا يا مولاتي، الشوق قتلني."
زينت بسمتها العريضة وجهها النضر بحبه وغزله، الذي أشعرها بكم من المشاعر التي لم تتعايش معها من قبل. فتنهدت براحة بعد أن أعطاها الله العوض عن الأيام العجاف التي عاشتها، لتسكن أخيراً بداخل قلب يعرف الرحمة والمودة والحب، والأهم من كل ذلك، يعرف الله ويراعيه قبل أن يراعي البشر.
خرجت من البناية فوجدته أمامها يرتدي زي رياضي أسود اللون، ومستنداً على سيارته، عاقداً قدميه ومكتفاً ساعديه أمام صدره، مرتدياً نظارته الشمسية، ورائحة عطره كمّت أنفها. اعتدل فور أن لمح طيفها، فاقتربت منه لينكس رأسه مقترباً من أذنها، هاتفا بغزل: "مولاتي… جميلة الجميلات، بحبك." انتشت وبادلته بنظرات ولهة، وأعقبت: "وأنا كمان بحبك أوي يا سيف…. ربنا يخليك ليا." جلست بجواره، وبدأ بالقيادة. فسألته باهتمام: "عربية مين دي؟
نظر لها بطرف عينه، وهتف: "بتاعتي…. اشتريتها امبارح، هو أنا مقلتلكيش؟ أومأت رافضة، فهتف: "أكيد سهى عليّا." تنهدت وهتفت: "مبروك عليك." "مبروك علينا… أنتي كلها أسبوعين و تبقي في مملكتك يا مولاتي، وكل حاجة بتاعتي هتبقى بتاعتك." رفعت حاجبها تداعبه: "كمان أسبوعين؟ من دلوقتي يا أستاذ… أنا مراتك من دلوقتي يا حضرة المعاون." أمسك راحتها اليسرى وقبلها قبلة رقيقة عليها، هاتفا بغزل: "طبعاً يا قلبي." ثم نظر لها بنظرات وقحة مشاكسة،
وردد: "طيب بما إنك مراتي من دلوقتي بقا ما تجيبي بوسة." ضربته ضربة خفيفة على كتفه موبخة إياه: "بطل قلة أدب بقا." ضحك عالياً وهتف: "لأاااا، لسه قلة الأدب كلها جاية بعد الفرح يا مولاتي، و خدي بالك أنا عايز دارين الجريئة اللي بترد عليا، واللي أول ما شوفتها وقفت تناطحني بالكلام…. مش عايز أنا دارين الخجولة اللي بتتكسف دي. خليها للناس الغرب، مفهوم؟ أومأت موافقة، وردت: "مفهوم يا حبيبي." ترك المقود من يده، وصفق بسوقيه، مردداً
بصوت جهوري: "اللهم صل على النبي… أيوه كده." سألته بحيرة: "لسه مش عايز تقول رايحين فين؟ أومأ رافضاً، وأعقب: "مفاجأة يا ديدو، بس أنا متأكد إنها هتعجبك أوي." *** وصلا وترجلا، وهو يضع شريطاً حريرياً على عينيها، وأسندها وهي تضحك برقة، هاتفة: "افتح بقا؟ وقف خلفها، وانحنى بالقرب من أذنها، هاتفا بتساؤل: "إيه أكتر حاجة نفسك تعمليها؟
تنهدت وهي تفكر باختياراتها، فوضعت سبابتها تحك بها ذقنها بأسلوب استعراضي. فضحك الواقف خلفها، وقبلها من جانب عنقها، لتهتف هي مجيبة: "بص، أنا نفسي في حاجات كتير بصراحة. يعني نفسي آكل أكل طبيعي، ونفسي أتمرن زي زمان، ونفسي اشتغل." سحب الشريط من على عينيها، وهتف بنبرة رجولية بحتة: "يعني الاختيار التاني بالنسبة لك هو التمرين؟
أومأت وهي لا تزال تحاول فتح عينيها من أثر ضوء الشمس القوي الضارب بعينيها. فأشار هو بيده ليافطة كبيرة لأحد النوادي الرياضية الخاصة، وأعقب: "لو كان بإمكاني إنّي أقدم لك طلبك الأول، مكنتش هتأخر، بس للأسف ده في إيد الدكتور. أما بقا الطلب التاني، فبصي كده." رفعت رأسها لأعلى لتصرخ بفرحة وتتعلق برقبته بحب، هاتفة بامتنان: "بجد يا سيف؟ هتمرن؟ أومأ وهو يقودها أمامه، هاتفا:
"ده جيم بتاع واحد صاحبي. اتفقت معاه إنهاردة عشان يفضيه لينا احنا وبس، واتمرني براحتك." تعجبت منه، فلماذا يطالبها بذلك؟ لتسأله: "ليه لوحدنا؟ هو أنت عندك مشكلة إني أتمرن بعد كده في جيم؟ أجاب: "لأ معنديش مانع، بس عايز نبقى لوحدنا عشان أقضي معاكي الوقت ده لوحدنا." شاكسها، فابتسمت. وفور أن دلفت للداخل، صرخت بخضة: "هتمرن بإيه؟ معيش هدوم؟ ربت على ظهرها وابتسم برقة، هاتفا: "متقلقيش، عامل حسابي."
دَلفت معه تنظر بانبهار للتصميم الرائع، فتقابل مع رفيقه الذي هتف بترحيب: "أهلاً سيف باشا…. كله تمام." غمز بطرف عينه، وأعطاه المفاتيح الخاصة بالمكان، وهتف موضحاً: "اقفل على نفسك من جوه عشان لو حد من الأعضاء جه ولا حاجة، وأنا طفيت الكاميرات كلها." أومأ له باستحسان، فغادر الأخير وأغلق سيف الباب وراءه، وسحبها من يدها لمكان تغيير الملابس، هاتفا: "هدومك أهي، غيري وتعالي نتمرن سوا."
بالفعل فعلت ما أخبرها به، وخرجت لتبدأ معه تمارين الإحماء، وبعدها بعض تمارين الملاكمة. فاقترب منها وهمس يسألها بنبرة عبثية: "أنتي قلتيلي إنك بطلة الجمهورية في فنون القتال؟ أجابت بثقة: "أيوه، بس ده طبعاً كان من كام سنة كده، لما كنت لسه بدرس." ابتسم بمكر، هاتفا: "يعني مستواكي نزل مش كده؟ أجابت بثقة وغرور: "حتى لو نزل شوية، فأنا لسه زي ما أنا بطلة الجمهورية، وفي مدة قصيرة جداً أقدر أرجع مستوايا تاني زي ما كان وأحسنه."
هتف باستثارة: "بس مهما عملتي مستحيل تغلبى راجل لأنه أقوى منك بالفطرة." تهكمت بوجهها بشكل واضح، وهي ترد عليه: "لأ طبعاً الكلام ده مش صحيح…. الست أقوى من الراجل وأسرع، والدليل على كده إن الستات بتقدر تتحمل ألم الولادة والرجالة لأ." اقترب منها أكثر، وردد: "طيب تراهنيني؟ هتفت بحيرة: "أراهنك على إيه؟ أجابها: "نلعب ماتش…. والغالب يحكم." وضعت إصبعها على ذقنها تفكر حتى تتخذ قرارها، فهتفت:
"بس بشرط نتفق على الأحكام من دلوقتي." أومأ موافقاً، وهتف يسألها: "لو كسبتينى هتحكمي عليا بإيه؟ أجابته: "تجيبني هنا مرة في الأسبوع على الأقل عشان أتمرن." أومأ موافقاً، فهتفت هي تسأله: "و أنت حكمك هيكون إيه؟ أجابها بعبث: "بوسة." نظرت له ببلاهة، وقضمت داخل فمها بحيرة، فردد متعجباً: "إيه ده! كل ده تفكير عشان خاطر بوسة؟ ابتلعت بخجل، فعاد يشاكسها هاتفا: "مش قلنا مش عايز دارين اللي بتتكسف، وقلتي أوكي؟ تنهدت بحيرة، وأجابته:
"أوكي… كده كده أصلاً أنا اللي هكسب." ابتسم ملء فاهه هاتفا: "واثق أنت يا عسل." شمرت ساعديها، هاتفة باستثارة: "تحب أوريك؟ أمال رأسه جانباً، واتخذ وضع الاستعداد، هاتفا بحذر: "يلّا."
بدأت المبارزة بينهما، فتارة تهجم عليه، وتارة يهجم هو. ولكنها استطاعت أن تركله بقسوة في معدته، أسقطته أرضاً. فرفع حاجبيه بدهشة، لتبتسم هي بتشفى. فاتخذت وضعية الاستعداد، وأشارت له بصمت تحثه على المواصلة. فتحفز سيف ضدها وهجم عليها بشراسة، فاستطاع أن يسقطها أرضاً وينقض عليها. ولكنها بلمحة سريعة منها انقلبت وتدحرجت، فأصبح هو أسفلها. فضحكت عالياً وهي تردد: "هاااايه… ما يقع إلا الشاطر يا سيف باشا."
احتقن بالغضب من استثارتها له، فجاهد حتى يقلب الأدوار من جديد، لتعود وتصبح هي أسفله. فكبل قدميها وهو مستند بركبتيه، وأمسك قبضتيها ورفعهما فوق رأسها، مثبتاً جسدها بالكامل، هاتفا بحنق وغضب: "هاا…. قادرة تتحركي دلوقتي؟ ظلت تتحرك أسفله في محاولة منها لفك حصار جسده لجسدها، ولكنها فشلت، فقوتها الجسدية تفوقها بمراحل. فهي نحيلة وضعيفة، فتذمرت بطفولة: "أنت جاي وأنا خسة عشرة كيلو، ومتمرنتش من سنة تقريباً، و…"
قاطعها ببسمة عبثية، هاتفا: "هتحمرئى بقا مش كده؟ أنا كسبت، والحكم بتاعي هو اللي هيتنفذ." ظلت تتحرك أسفله بعفوية تحاول الهرب من حصاره، وهي لا تعلم ماذا تفعل به بحركاتها العفوية تلك التي أشعرته بإثارة عارمة. فصرخ بها بحدة: "بطلي حركة." لم تفهم أن طلبه كان في مصلحتها بالمقام الأول، فظلت تعافر وتعافر حتى أحكم قبضتيه أكثر على ساعديها، وانحنى يهمس بإذنها: "بطلي تتحركي، متبقيش غبية… أنتي مش فاهمة أنا بيحصل فيا إيه دلوقتي؟
فهمت تلميحه الوقح، فشُهقت بخضة وخجل، وأغمضت عينيها تحاول أن تتحاشى نظراته الجريئة التي تلتهمها، وسكنت تماماً في انتظار أن يتركها. ولكنّه ظل هكذا حتى هدأ هو الآخر، وردد بصيغة آمرة: "افتحي عينك."
فتحتها على الفور، فتلاقت مع حدقتيه المتفحصة إياها بوهج وشغف لم تراه من قبل. ودارت بينهما مبارزة من نوع آخر، أو بالأحرى حرب نظرات، كل منهما تقص قصة عشق وشغف لم يعاصر قبلها. فلم يتحمل أكثر، فانحنى بجسده حتى التصق بجسدها، وبدأ بتقبيلها برقة، فبادلته في البداية حتى طالت بهما وتحولت من تلك الرقيقة إلى أخرى ملهوفة وهمجية وممتلئة بالإثارة والشهوة. فتخوفت من انسياقها وراء مشاعرها الفطرية، فحاولت أن توقفه، ولكنّه كان مغيباً،
ولم تجد القوة لسحب قبضتيها من بين خاصته، وهو لا يزال يثبتها أعلى رأسها. فلهثت بعنف، ليشعر باختناقها، فابتعد لحظة لتتنفس قليلاً، وقبل أن تفتح فمها للحديث أو للاعتراض، عاد مرة أخرى يقبلها بشغف حقيقي ومشاعر جياشة لم يعرف طريقها إلا معها هي.
استطاعت بالنهاية إبعاده بعد أن ضاعت أنفاسها بخاصته، ونهضت لتقف بأحد أركان الحلبه تلهث بأنفاس مثارة حد اللعنة، وهي تحاول أن تهدأ من روعها. فاقترب منها، وأبعد خصلاتها المجعدة والمبعثرة بهمجية، ووضع سبابته أسفل ذقنها ليجبر وجهها للنظر له، وهتف بغزل: "أطعم شفايف ذقتها في حياتي…. الواحد ممكن يكتفي بيهم ومش لازم المواضيع التانية دي."
أنهى غزله بوقاحة، ظنت أنها اعتادت عليها، ولكنّه كعادته دائماً ما يفاجئها بتطوره في الحديث الوقح. فاطرقت رأسها، ولكنها تنبهت لجملته، فهتفت بغيرة وهي تضع يدها بخصرها: "أطعم إيه؟ هو حضرتك ذقت قد إيه بقا إن شاء الله يا سيف باشا يا اللي بتصلي فروض ربنا؟ حرك رأسه ببسمة مقتضبة، مستسلماً، فجميع النساء سواسية في الغيرة، ليردد بهدوء وهو يحتضنها:
"الواحد عدى عليه وقت مراهقة وشقاوة، يعني مكنتش طول عمري كده…. أكيد يعني غلطت وأنا صغير، شاب طايش زي باقي الشباب، بس عمري ما تخطيت الحدود." زفرت بضيق، هاتفه بحنق: "وهو حضرتك لما تبوس بنات الناس اللي مفيش بينك وبينهم أي صفة، تبقا متعديتش الحدود؟ أومأ مؤيداً وموضحاً: "آه طالما بموافقتها مش غصب يعني." ليكمل استثارتها أكثر، هاتفا بمشاكسة:
"يعني مثلاً أول مرة أبوسك لما كنتي في المستشفى، أنا عارف ومتأكد إني لو كنت أدّيتك فرصة ترفضي أو تعترضي، كنتي هتعملي كده، عشان السبب ده أنا أخدتها غصب وسرقة." بللت شفتها بطرف لسانها، وهتفت تسأل: "يعني كنت عارف إنك بتتخطى الحدود؟ أومأ معقباً: "أيوه طبعاً، بس وأنا بتخطاها كنت عارف ومتأكد إننا هنوصل للنقطة اللي إحنا فيها دلوقتي…. إنك مراتي وكل حتة في جسمك حلال لي." دفعته بعيداً عنها بغضب مصطنع، ودبت الأرض بقدميها،
هاتفة بتذمر: "بس بطل الطريقة دي يا سيف عشان خاطري، أحسن بتكسف أوي وبابا هيتجنن منك." ضحك ملء فاهه، وهو يردد بعبث: "أنا مستحلفله إنه لازم يشوفني وأنا ببوسك عشان يبطل يرخم عليا." هتفت بضيق: "وهو ليه ما شافكش؟ ما أنت امبارح عملت كده." أجابها بعبث: "لأ يا مولاتي، دي كانت غير مقصودة، بس أنا ناوي على مرة كده أعملها قاصد عشان يتجنن." ***
ظل يتصفح صفحتها الشخصية وصورها، وهو مبهور بها. يعلم تمام العلم أنها ليست بأجمل النساء، بل أن جمالها عادي، ولكن لها انجذاب من نوع آخر لم يعاصره من قبل مع أي امرأة…. فبالرغم من تعدد علاقاته، بالرغم من كبر سنه، إلا أنه دائماً ما يغير النساء كما يغير الأحذية، وذلك بسبب حبه للتملك، وسرعان ما يتركهن بسبب ملله السريع بالأشياء.
مثل الأطفال تماماً، عندما يجد لعبة فيصر عليها ويظل يطلب من والديه بإلحاح أن يقتنيها، وبعد أن يلعب بها يوماً أو اثنين يزهدها ويرميها بمخلفاته. ولكن الفرق أنه لا يلح على أحد، فالنساء ترتمى تحت قدمه بسبب سلطته ونفوذه القوي دون بذل أي مجهود منه. ولكن تلك المرة يشعر بالغرابة من نفسه، فكيف يشعر بتلك المشاعر تجاه فتاة لم يراها وجهاً لوجه… فقط بعض الصور والأخبار عنها كانت كافية بتعلقه بها بشدة.
استدعى المحامي ناصر الصواف لمكتبه، بعد أن اتخذ قراره أن تكن له في غضون أيام، حتى ينتهي من ذلك الشعور سريعاً، فهو أعلم الناس بنفسه من اشتهاءه لشيء، وبمجرد أن يتذوقه ينتهي ذلك الشغف نهائياً. ليظن أن الأمر سينتهي فور أن يشاركها الفراش ليلة أو أكثر، وينتهي الأمر. دلف ناصر باحترام، مهللاً باحترام: "إزيك يا ريس؟ أجاب بإيماءة طفيفة، وأشار له أن يجلس، واستهل حديثه بسؤاله عن أكرم، هاتفا: "أنا مش قلت أكرم تخلص حكايته؟
منفذتش ليه؟ أجابه ناصر برهبة: "والله يا باشا بقاله فترة في الحبس الانفرادي، بعد ما قدوم بلاغ في معاون السجن بتاعه، وسيف المهدى معاون سجن النسا، ومن ساعتها والمعاون بتاعه حابسه انفرادي." ضحك شهاب هاتفا: "بيكدّره يعني، وانت مش عارف تدخل له حد في الانفرادي؟ أومأ ناصر مؤيداً، وردد: "لسه عمره في بقية يا ريس." سحب نفساً عميقاً من سيجاره، ليردد بعد أن زفره دفعة واحدة: "والبنت دي اللي كانت معاه في القضية؟
تحايل عليه وكأنه قد تناساها تماماً، فأجاب الآخر: "قصدك دارين الشامي؟ اتكتب كتابها على المعاون، وحالياً قللت المراقبة عليها لأنها تقريباً مبتخرجش، وغير كده مش مهمة بالنسبة لنا ولا ليها أي ضرر." استند بظهره على المقعد الجلدي الفخم الموجود خلف مكتبه، وهتف: "والبت دي ملهاش سكة؟ لم يفهم ما يعنيه بالضبط، فسأل بجهل: "مش فاهم قصد حضرتك يا كبير! أجابه بصورة أوضح: "عايزها."
امتلأت عين ناصر بدهشة، وابتلع لعابه بعد أن فهم مطلب رب عمله، وبَلّل شفتيه بطرف لسانه في محاولة منه لمماطلته واكتساب بعض الوقت ليبحث عن الرد المناسب الذي يجيب به دون أن يواجه غضب الجالس أمامه، فهو يعلمه تمام العلم ما إن أراد شيئاً. ابتلع مرة أخرى بعد أن هدر به شهاب: "ما تنطق يا بجماعة." جابه على الفور: "سكتها الحب يا باشا…. أكرم جابها بالحب والرومانسية، والمعاون نفس الكلام." أومأ وهو يقوس فمه بضيق، متسائلاً
بصوت مسموع: "يعني ملهاش سكة تانية؟ فلوس، مشاريع، طموح، أو أي حاجة غير الحب ده؟ أومأ رافضاً، وموضحاً: "لأ يا باشا ملهاش…. ولو دخلت الداخلية غلط ممكن تعند والحكاية تبوظ خالص." جلس أمامه واستند على المكتب بمرفقيه، هاتفا بتساؤل: "لازمة أوي يعني؟ أومأ بصمت، فاعقب: "طيب سيبني أظبطلك الدنيا… بس هتاخد وقت شوية." سأله بضيق: "ليه؟ أجابه يشرح باستفاضة: "أولاً لازم نزيح الأخ سيف من الطريق، لأنها حالياً مش شايفة غيره."
قاطعه عن استكمال شرحه، هاتفا بقسوة: "سهلة…. اقتله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!