الفصل 43 | من 46 فصل

رواية سجينتي الحسناء الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم أسماء عادل

المشاهدات
16
كلمة
4,819
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

لا تزال تتوتر و تشعر بالألم من أي لمحة لذكرياتها بذلك المكان الملعون. فحتى تقبل رؤية زوجها يوميًا بزيه العسكري، والذي يذكرها بأيامها السيئة التي قضتها بالسجن، إلا أن كل تفاصيل مكوثها هناك تزعزع كيانها. وقفت وتلعتمت وهي تنظر له بزيه الميري، وهو يبتسم لها هاتفا بمودة لم تعتدها من أي ممن عملوا بالسجن إلا بعد أن تزوجت واحدًا منهم: "إزيك يا بنتي؟ سيف موجود؟ ابتلعت بحرج وهي تجد سيف من خلفها يسحبها للخلف للترحيب

برئيسه بالعمل هاتفا: "أهلاً يا فندم، اتفضل." دلف المأمور وهو مطرقًا لرأسه هاتفا باحترام: "السلام عليكم يا أهل الدار." رحب به سيف وأجلسه بغرفة الصالون، ونظر لزوجته هاتفا بهدوء مصطنع: "ممكن تعمليلنا اتنين شاي؟ أومأت بصمت وتوجهت للمطبخ وهي تزرف الدموع. فالتفت هو ينظر لرئيسه بالعمل مبتسمًا، وردد بحيرة: "خير يا فندم؟ في حاجة في الشغل؟ أومأ رافضًا وردد بجدية: "أنا جاي لك النهارده بتوصيات من وزير الداخلية." لمعت عينه

بدهشة وتعجب وهتف بحيرة: "وزير الداخلية حتة واحدة!! إيه الحكاية؟ ابتلع المأمور لعابه بتوتر وردد يخبره بتفسير: "وائل بلغ الإدارة بفشل المهمة، وسيادة الوزير بعد ما اطلع على الأوراق اللي مع سعد الدين عرف إن الحكاية مش سهلة والأسامي اللي موجودة صعب إنها تقع. عشان كده جه وكلمني عشان أكلمك." قوس حاجبيه فهو لا يعلم ما يريده بالضبط، فسأله: "أيوه يعني إيه المطلوب؟ ردد بتلعثم: "تسيبها تكمل الخطة."

دَلَفَت دارين في نفس اللحظة لتستمع لكلام المأمور وترى الرفض القاطع لسيف الذي صاح بحده: "لأ… لأ والف لأ، على جثتي ولو التمن حياتي." حاول المأمور تهدئته وإقناعه بالأمر، فهتف: "أنا عارف إنك مش مقتنع بالخطة بتاعة وائل، بس مين يقدر يخطط ويعمل شغل مباحث أشطر منك يا سيف؟ وأنا والوزير متأكدين إنك هتعمل شغل كويس جدًا." صاح مهللاً باعتراض: "شغل جامد عشان مراتي هتكون تحت الميكروسكوب، والندل ده بيتحرش بيها مش كده؟

هو انتو فاكريني إيه؟ حاول التحدث معه بعقلانية ولكن أمام ثورته لم يستطع التوصل معه لأي حل، فخرج خالي الوفاض وهو يحمل خفي حنين. وفور خروجه نظر لها سيف بحدة وغضب وهدر صارخًا: "كل ده بسبب غبائك وتصرفاتك الغلط اللي مش هخلص من توابعها أبدًا." صمتت ولم تعقب عليه، مما دفعه للاستمرار بتوبيخها:

"كل حاجة فيكي غلط، وكل اختياراتك غلط. والمفروض إني أوافق وأقبل بكل ده عشان بحبك. يا شيخة ملعون الحب اللي يخلي الراجل ملوش كرامة بالشكل ده." بكت وانتحبت ولم ترد عليه، فظل على هياجه هاتفًا: "في راجل يقبل على نفسه الوضع اللي إنتي حطاني فيه ده؟ وفي الآخر بتقوليلي بتتحول لواحد لا يعاشر!! عايزة إيه من راجل عمل كل حاجة عشانك ومش طالب منك أكتر من إنك تديله الاحترام اللي يستحقه وبس." ابتلع لعابه بغصة مؤلمة وأكمل:

"قد إيه احترامك ليا صعب؟ قد إيه مش شايفاني راجل أقدر أحميكي؟ أجابته بصوتها الباكي: "عارفة إنك تقدر تحميني بإنك تضحي بنفسك عشاني، وأنا عايزاك مش عايزة أخسرك." زفر أنفاسه عدة مرات متتالية وجلس يُشعل السيجارة العاشرة بهذا اليوم، ونفخ دخانها ليعبأ بها صدره المتقد بنار حارقة. وظلت هي واقفة أمامه لا تتحدث ولا تبدي أي ردة فعل، حتى قطع الصمت هاتفا:

"إنتي بره الليلة دي وأنا هتصرف. ودي آخر مرة تتصرفي من دماغك أو تلغيني وكأني مش موجود. فاهمة؟ أومأت دون تعقيب، فهدر بغضب: "عايز أسمع ردك! فاهمة؟ أجابت بوهن: "حاضر." أدار وجهه عنها، فاقتربت منه واستندت على عجزتيها أمامه، ونظرت له برجاء هاتفه بصوت رقيق متوسل: "سامحني… أنا غلطت بس غصب عني." رمقها بنظرة جادة، ولكن عيونها المتجمع بها عبرات كثيفة جعلته يشعر بالحزن من شكلها الحزين، فزفر بضيق هاتفا:

"مبحبش أبقى ضعيف، بس معاكي مش بقدر أكون غير كده." أمسكها من ذراعها وأجلسها على قدمه وردد بأسف: "أنا كمان آسف إني مديت إيدي عليكي، أول وآخر مرة أعملها… سامحيني." ارتمت بأحضانة تبكي بحرقة، فربت على ظهرها يواسيها ويؤازرها هاتفا بتأكيد: "مش هسمح لحاجة تضايقك بعد كده ولا لأي حد يقرب منك." ابتعدت عنه تتفرس ملامحه التي تعشقها، ورددت: "اوعدني إنك متتهورش وتفضل معايا، اوعدني إنك هتفضل جنبي ومش هتضحي بنفسك بأي شكل."

ابتسم وسحبها يقبلها قبلة حب، قبلة أسف واعتذار، قبلة حنين وعشق موثق بالتحام أجسادهما في دوامة الحب الأبدي. ابتسم فور أن دلف ووجدها تتناول طعامها بمساعدة والدتها، فردد بعد أن تنحنح بحرج: "لا سلام على طعام يا جماعة." ابتسمت والدتها ودعته بمودة: "اتفضل يا ابني، منورنا." أطرق رأسه هاتفا: "ده نورك يا أمي." سحب مقعدًا بجوار فراشها وجلس ينظر لها بغزل واشتياق، وردد يسألها: "أحسن النهارده؟

أومأت بعد أن تورّدت وجنتاها من نظراته التي فضحته، ورددت: "الحمد لله." تدخلت والدتها هاتفه: "ده انت كتر خيرك لولاك مكانوش سابوني أفضل معاها هنا." نظر لوالدتها وردد باحترام: "في الأول والآخر حضرتك مرات المرحوم اللوا علاء البرهومي، ودي بنته، ومحدش كان يقدر يقول كلمة واحدة." ابتسمت والدة نور بحبور وتنحت لتخرج حتى تعطيهما مجال للتحدث بانفراد، فابتسم فورًا بعد أن وجدها تتحجج هاتفه:

"كويس إنك هنا بقا أما أروح البيت أغير هدومي وأجيب لها هدوم معايا." أومأ موافقًا ومؤكدًا: "هفضل معاها لحد ما ترجعي." فور خروجها وقف مكانه واستند بطرف جسده على الفراش، وأمسك راحتها هاتفا بغزل: "وحشتيني." قوس حاجبها ورددت: "كده على طول؟ ردد بتأكيد: "ضيعت وقت طويل." تنهدت عميقًا وحاولت إخفاء بسمتها، ورددت بجدية حاولت استدعاءها: "التحقيقات وصلت لفين؟ شفتيه بامتعاض وردد بحزن: "بتتهربي؟ ماشي يا نور." أجابته برجاء:

"معلش حقك عليا، بس أنا فعلاً مش هقدر أركز في أي حاجة غير في القضايا اللي أنا فيها، وبعدين أبقى أفكر في الحب والمشاعر." ردد بمشاكسة: "يا بخت اللي في بالي." عقدت حاجبيها، ففسر لها: "سيف ودارين، في وسط مشاكل وقضايا وهم ما بعده هم، وده ممنعهمش من إنهم يحبوا بعض ويتجوزوا كمان." اعتدلت بجسدها ورمقته بنظرة حزينة، فتمهل قليلًا ولكن عاد يسألها: "ليه دايما بحس إنك بتتضايقي من سيرة سيف ومراته؟ أجابت بخفوت: "مش عارفة."

غصة آلمته وردد بتوتر: "سألتك قبل كده لو في حاجة جواكي ناحيته، ووقتَها زعلتي مني؟ تنهدت بهدوء وهتفت بتأكيد: "لأن فعلاً مفيش جوايا المشاعر دي. بس لحد ما اتقابلت معاها كنت مفكرة إنه هيفضل الأخ والسند والعيلة اللي فقدتها… لكن بعد ما اتقابلت معاها وشفتها قد إيه متحكمة وغيورة، عرفت إنها هتبعده عني، يمكن عشان كده بضايق من سيرتها." تعجب وردد بحيرة: "بس دارين إنسانة كويسة، ولو عرفتيها كويس هتحبيها." ابتسمت بسخرية وهتفت:

"مظنش، هي أخدت مني موقف وما اعتقدتش إنها ممكن تقبلني في حياتهم بأي شكل! ابتسم وسألها بحيرة: "ليه يعني؟ ده اللي يسمع كلامك يقول شافتكم في وضع مخل ولا حاجة." رأى توترها، فاعقد حاجبيه وسألها بوجل: "مش فاهم." أجابت وهي مطأطئة رأسها لأسفل: "من كتر خوفي عليه أول ما شفته حضنته، وهي طبعًا مقبلتش ده." شعر بنيران تحرقه حيًا، ورمقها بنظرات حادة، ورأت غضبه الوشيك وهو متحفز بجسده ومردد: "وكنتي عايزها تعمل إيه؟

تاخدك هي كمان بالحضن؟ إنتي إزاي تتصرفي كده؟ ولا واخدة على سيف للدرجة دي؟ حاولت تبرير الأمر له حتى يهدأ قليلًا، فرددت مفسرة: "سيف زي أخويا وأنا اتصرفت كده بدافع خوفي عليه…" صاح مقاطعًا: "وتصرفك مش مقبول أبدًا يا نور، ولو ربنا أراد إن يكون في بينا أي حاجة قدام مش هقبل أبدًا بنوع العلاقة اللي بينك وبين سيف. فيا ريت تقرري دلوقتي عشان لو مش موافقة يبقا آخدها من قاصرها وأقفل الباب على قلبي اللي بيتحرك عشانك ده." تعجبت

من طريقته ورددت بمهادنة: "سيف ده أخويا وأعز أصحابك…" عاد لمقاطعتها هاتفا بغضب: "وهو مسموح لأعز أصحابي إنه يحضن مراتي؟ تفاجأت من تشبيهه للأمر، وابتسمت بمكر وسألته بدهاء: "مراتك؟ مراتك إزاي يعني؟ ابتسم لبسمتها التي أنارت وجهها، وردد بحزم: "أومال إنتي فاكرة إيه؟ هتسلى وأهرب؟ طبعًا النهاية الحتمية للي حاسس ناحيتك هي الجواز… بس ده طبعًا بعد ما إنتي تبادليني نفس المشاعر."

ابتلعت بحرج وشعرت بانتشاء وفرحة من طريقته في التعبير عن مشاعره، فاطرقت رأسها بخجل، ليقترب منها أكثر هاتفا بتساؤل: "ها؟ أطمن؟ بللت طرفي شفتيها وابتسمت بخجل، وأومأت برأسها مؤكدة عليه بصوت هامس: "اطمن." استلت نفسها من بين أحضانه واعتدلت بجسدها تنظر له بولع واشتياق، وكيف واللعنة تشعر بالاشتياق وهي معه وبين أحضانه، لتبتسم بحب على ذلك الشعور الغريب الذي غلف كيانها وجعلها تهيم به عشقًا.

دَلَفَت للمرحاض لتغتسل، وخرجت على إثر صوت قرع جرس الباب، لتجده وقد ارتدى سرواله المنزلي وخرج ليفتح، فوجده حارس العقار الذي أحنى رأسه احترامًا وردد: "الطرد ده جه لحضرتك يا باشا." أخذه منه وأغلق الباب وتوجه للداخل، فتعجبت دارين وسألته: "إيه ده يا سيف؟ أجابها وهو يزيل الأغلفة من على الطرد: "مش عارف."

فتح تلك العلبة الكرتونية فوجد بداخلها بعض الصور الفوتوغرافية لأخته وابنها الصغير بأوضاع مختلفة، ما بين اصطحابها الصغير من المدرسة، أو دخولها البناية التي تقطن بها، أو شراءها لمستلزمات المنزل. ولم يجد أي رسالة برفق الصور أو ما يوضح المغزى من هذا، ولكن نزعته البوليسية جعلته يبتسم بمرار في قراره نفسه وهو يعيد إغلاق الصندوق، ويتنفس بحدة. حتى تساءلت بحيرة: "إيه ده؟ رفع بصره ناحيتها وردد بغضب:

"ده تحذير… البيه بيخيرني ما بينك وما بين أختي وابنها." شهقت بخضة من تفسيره للأمر، فحاولت إثناءه عن هذا التفكير هاتفه: "أكيد إنت فاهم غلط، وبعدين مفيش أي حاجة تثبت استنتاجك ده!! مسح بيده على وجهه وردد من بين أسنان أسنانه بحدة الغيظ: "هو مش غبي وفاهم كويس إن لو بعتلي رسالة هتكون دليل عليه، والخطه الهبلة بتاعة وائل مدخلتش عليه من الأساس. وقال إيه المأمور جاي يطلب مني نكملوا الخطة."

ابتلعت برهبة، فهل تخبره أن شهاب البدراوي قد أخبرها بكشف خطة وائل من البداية وتجازف بثورة غضبه وربما تهوره، أم تصمت وتعرض حياة سارة وصغيرها للخطر؟ اقتربت منه واحتضنته بقوة وهتفت وهي على هذا الحال: "اوعدني إنك مش هتتهور، عشان خاطري يا سيف أنا مقدرش أعيش من غيرك." لمعت عينه بالعبرات المكتومة وردد بحزن دفين: "الدنيا كلها واقفة ضدي، أنا تعبت." شهقات بكاءها خرجت منها وهي تنظر لحاله الوهن والضعف الذي أصابه

وتردده وهو يردد بحيرة: "أعمل إيه؟ أعرض حياة أختي للخطر؟ ولا أروح أقدمك ليه بإيديا؟ ابتلعت لعابها بغصة ألم وهتفت بحسم: "لا ده ولا ده." نظر لها يستمع لما تقوله، فاكملت: "تطلقني." أدار وجهه عنها وابتسم بمرار وردد: "أتخلى عنك يعني وأسيبك لمصيرك مش كده؟ ليحتد قليلًا هاتفا بصوت أجش: "إنتي إمتى هتشوفيني راجل أقدر أحميكي؟ كل ما أسامحك على أخطائك ترجعي تغلطي أكتر!! ليه كده؟ احتضنت وجهه هاتفه: "عشان بحبك ومش عايزك تحتار و…"

قاطعها بغضب أهوج: "عايزاني أطلقك وأسيبك لمصيرك؟ لأ يا دارين مش هيحصل ولو فيها موت." دلف كالصاعقة وأغلق وراءه الباب ليغتسل، وخرج مرتدياً ملابسه، وأمسك سلاحه ووضعه بخصره، واستعد للخروج، فأسرت باللحاق به تتوسله: "عشان خاطري يا سيف استنى لما يتصرفوا بالمستندات اللي معاهم يمكن يخاف ويرتجع؟ ابتعد عن حصار يديها وخرج كالطلقة التي تركت فوهة المسدس لا يمكن أن تعود مجددًا، فصرخت بحرقة: "يااا رب…" استقبل مكالمتها

ببسمة فرحة وردد بترحيب: "حبيبتي… وحشتيني." صرخت به هادرة: "إنت عايز إيه مننا؟ مش اتفقت معاك تبعد عن سيف وأنا هعملك اللي إنت عاوزه؟ أجابها شهاب ببرود وهدوء قاتل: "إنتي فاكرة إني مش عارف كل تحركاتكم والخطط اللي بتخططوها؟ صرخت به بغضب أهوج: "أنا هتصرف بعيد عن كل ده… بس إنت مش مديني فرصة أعمل حاجة ومصر تأذيني فيه، وأنا قولتلك لو سيف اتأذى مش هتطول مني شعرة." ابتسم وجلس على مقعده بارتياح وردد بهدوء:

"صبري نفذ من ساعة ما اتقابلنا وعايزك بأسرع وقت." حاولت كتم بكاءها، فمسحت على وجهها بقوة وهتفت بصوت مختنق: "حاضر، بس ابعد عنه وعن أهله أرجوك." هتف بجمود: "المستندات اللي اتسلمت للداخلية من سعد فيها إيه؟ اختنقت بلعابها من دهشتها لمعرفته هذا الأمر، فرددت بتردد: "معرفش." ردد بنبرة ساخرة: "كده هزعل منك يا مولاتي، مش بيقولك يا مولاتي برضه! لم تتصور أن تكره سماع تلك الكلمة التي تعشقها من حبيبها عندما تخرج من فم وغد مثله،

فرددت بحزن: "ممكن متقولش كده، وأديني فرصة أعرف لك الأوراق فيها إيه وبعدها…" قاطعها بحزم: "لأ يا قطة." صمتت ولم تعِ مقصده، فهتف موضحًا: "الأوراق هتجيلي لحد عندي، متشغليش عقلك القمر ده بيها." قضمت شفتيها بحنق بعد أن تأكدت أنها وقعت بشباك من لا يرحم، وأن القانون لن يستطيع مساعدتها في معضلتها، لتستمع له يُكمل: "اسمعيني عشان مش هكرر كلامي مرتين." ارتمت على الأريكة بوهن وهي تستمع له يخبرها بما يريد:

"أنا عايزك… هتجيلي بكرة بنفسك وبموافقتك لقصرى المتواضع نقضي سوا وقت لطيف." ابتلعت لعابها بغصة، وهو يردد: "الساعة عشرة صباحًا هيكون البيه بتاعك في الشغل، وتقدر تيجي من غير مشكلة." ظلت صامتة تبتلع لعابها بتوتر، وهو يكمل: "عشرة وربع لو مجتيش هدي أوامري…" صمت ليزيد إثارتها وخوفها، فهتفت تسأل: "مش هتأذيه أرجوك." أجابها وهو يزيل الغلاف البلاستيكي عن سيجارة الكوبي الضخم ويشعلها بهدوء وروية:

"يبقا هأذي أقرب الناس ليه لحد ما هو اللي يجيبك عندي بنفسه." بكت وانتحبت وترجته: "أرجوك لا… هعمل اللي إنت عايزه بس اديني وقتي أرجوك، أنا مقدرش أعمل حاجة غلط، والله أنا طلبت منه الطلاق بس إنت بالصور اللي بعتها دي بوظت كل حاجة وفهم إنها منك." لم يعقب عليها وتركها تكمل: "هخليه يطلقني بس اصبر عليا شوية…" قاطعها رافضًا:

"لأ… مفيش صبر، طلاق وجواز يعني وقت وعدة، وأنا خلاص مبقتش عارف أركز في شغلي من ساعة ما شوفتك في مكتبي، وده الحل الوحيد اللي عندي. وبعدين…" صمت من جديد وأكمل بعد أن أخذ أنفاسه: "مش يمكن أزهق منك بسرعة وما تضطريش تطلقي منه؟ أنا عارف نفسي بمل بسرعة، جربي مش هتخسري حاجة." ابتلعت حديثه المهين وتساءلت بحيرة: "ولو محصلش؟ ابتسم وردد بتأكيد: "ساعتها يا تطلقي منه وتبقى ليا، يا هقتلهولك يا دارين، وهسيب ده لاختيارك وقتها."

تنحنح قليلًا ليجلي صوته الأجش من أثر تدخينه الشره، وردد بتأكيد: "وبعدين متسبقيش الأحداث، خلينا بس نتبسط سوا بكرة وبعدها…" قاطعته هاتفه بتضرع: "بس بلاش بيتك أرجوك!! سألها باهتمام: "عايزة فين يا قمر؟ ابتلعت لعابها وهي حقًا لا تعلم ماذا تفعل بنفسها، ورددت بحيرة: "مش عارفة، أي مكان إلا بيتك." هتف يسألها: "إيه رأيك في جناح في فندق خمس نجوم؟ أومأت وكأنه يراها، وهتفت باستسلام: "ماشي، موافقة." اتسعت

بسمته على وجهه وردد بحماس: "هبعتلك لوكيشن الفندق ورقم الغرفة في رسالة." اندفع كالبرق الغاضب المستعد لإحراق الأرض وما عليها، متوجهًا لمنزل والديه، ودلف بخطى متعجلة ينادي والده بذعر: "بابا… إنت فين؟ خرج والده من غرفته ونظر لابنه بحالته الرثة، فأشار للخادمة بالانصراف، وردد بقلق بالغ: "في إيه يا سيف؟ اقترب منه ونظر حوله يسأله: "ماما فين؟ أجابه الأب: "عند أختك، ابنها تعبان شوية وراحت تقعد معاها. في إيه الحكاية؟

جلس على الأريكة التي تتوسط الصالة وردد بضعف لم يسبق لوالده أن رآه به إلا مرات تعد على أصابع اليد الواحدة، أولها عندما فقد زوجته وابنته الوحيدة، وثانيها عندما كاد أن يفقد عشقه الوحيد وحبيبته، فردد يسأله باهتمام: "مالك يا سيف؟ إيه اللي حصل؟

ابتلع لعابه بغصة ألم، ومعها شعر بالحرج من إخبار والده ما هو آتٍ، ولكن حسم أمره، فوالديه يعلمان بتهديد شهاب له بسبب طمعه بزوجته منذ زفافهما، والآن هو مضطر أن يخبره بما آل إليه الأمر حتى الآن. قص عليه ملابسات الموضوع انتهاءً بتهديده الخفي لأخته الوحيدة، فلمعت عين طلعت بالضيق والغضب في آن واحد، وردد بحدة غاضبة: "لآآآ… ده شكله خلاص عايز حد يقف له، هو عامل كده عشان فاكر إنه فوق القانون بس…" قاطعه سيف وردد بضيق:

"بالرغم من المستندات اللي سلمها سعد الدين، إلا إني مش متفائل وعارف إن الناس دي فوق القانون يا بابا." امتعض وجهه بالغضب وهدر بنجله هاتفا: "اجمد كده ومتبقاش ضعيف، لأنه لو لقاك ضعيف هياكلك." سأله بحيرة: "طيب أعمل إيه؟ أجاب طلعت بعد تفكير: "أختك هخليها تسافر لعمك في لندن تقعد هناك لحد ما نلاقي حل." ابتسم سيف مستنكرًا وردد: "وهي في لندن هتبقى صعبة عليه يوصلها يعني؟ أجابه والده بتأكيد:

"آه، لأني هعرف إزاي أخفي أثرها وهي مسافرة، متقلقش من النقطة دي." سأله بتهدل أكتافه: "ودارين؟ أجاب طلعت بعد أن أطال التفكير وردد بحيرة: "أكيد ليها حل يا ابني، متخافش مش هنسيبك تقف قصاده لوحدك… كلنا معاك."

عاد بعد يوم شاق وطويل لمنزله بعد أن ظل يدور بدوائر مغلقة في محاولة يائسة منه أن يتوصل لحل الأزمة التي هو بصددها ومحاولته حماية أحباءه. ولكن تفاجأ بنهاية اليوم بتبليغه أسوأ خبر يمكن أن يتلقاه، ألا وهو سرقة الملفات من مكتب اللواء حامد الأسيوطي المتولي القضية والرئيس المباشر لوائل مندور ومساعديه. ليشعر بتهدم عالمه وشعوره بالهزيمة، فها هي الورقة الرابحة الوحيدة التي كانت بحوزتهم ضده قد ضاعت بمجرد أن تسلموها بالداخلية، ومما أكد له وجود رجال بقلب الداخلية تابعين لشهاب البدراوي ويعملون لحسابه.

دلف المنزل فوجد جميع الأضواء مطفأة إلا من شمعة صغيرة موضوعة على منضدة صغيرة تتوسط الصالة، فتعجب ودلف يتحسس مكان الإضاءة حتى وجده، أضاء الأنوار فوجدها تقف أمامه بهيئة مهلكة لرجولته، ترتدي لباسًا ليليًا جذابًا وتضع مساحيق التجميل وتتعطر بأجمل العطور، وتبتسم له بحب وهي تردد برقة: "حمد الله على السلامة يا حبيبي." تعجب من طريقتها، فهل الوقت مناسب لتلك الرومانسية؟

ولكنه عاد موبخًا نفسه، فهما بأحلك أوقاتهما أزالا حزنهما بوجودهما معًا وبرومانسيتهما وعشقهما المتقد، لذلك اقترب منها وسحبها بقوة من خصرها حتى اصطدمت بجسده، فأسندت كفيها على صدره العريض بحركة لا إرادية منها حتى تدعم جسدها من قوته المهلكة لجسدها الغض والمتقد دائمًا بعشقه. انحنى بجسده مقربًا وجهه من أذنها وهتف بنبرة مثيرة دافعًا أنفاسه الساخنة ليوزعها على طول عنقها: "إيه يا وحش… مش قولتلك أنا مش قدك."

ضحكت ضحكة رقيقة وارتمت بأحضانة تتعلق برقبته هاتفه بإثارة: "النهاردة إنت ليا أنا وبس… مش عايزة أفكر في أي حاجة ولا أي حد يعكر علينا حياتنا يا سيفو." أنهت كلماتها وأخذت هي الخطوة الأولى بتقبيله قبلة اشتياق وحب –من وجهة نظره –ولكنها كانت بالنسبة لها قبلة أسف ووداع بعد أن اتخذت قرارها المصيري.

حملها وهو يفكر عميقًا، نعم يريد أن ينسى ويتناسى ما مر به وما سيمر به بلحظات مسروقة مع من عشقها قلبه، حتى وإن كانت لوقت قليل، فهو قد اتخذ قراره هو الآخر ولن ينحيه عنه أحد بعد تأكده أن أمثال ذلك الذئب لن يرتجعوا عن أفعالهم إلا عندما يجدون من هم أقوى وأشرس منهم.

وضعها على الفراش وبدأ بمساعدتها على إزاحة تلك القطعة التي لا تسترها من الأساس، وساعدته هي الأخرى بالتخلص من ملابسه، ليهيما شغفًا بالتحام أجسادهما معًا بلهفة، وكأنها ستكون آخر مرة لهما أن يتحدا معًا بهذا الشكل، فتفننوا في إظهار مشاعرهما الجياشة والمتلهفة للطرف الآخر.

استيقظ كعادته مع صوت أذان الفجر، فدلف ليغتسل استعدادًا لتنفيذ ما شعر أنه ضروري وهام، وتصنعت هي النوم بإجهاد وكسل، وانتظرت بالفراش حتى غادر، لتنتفض هي الأخرى تستعد للمغادرة بعد اغتسالها وارتدائها لملابسها. نظرت لخزانة ملابسه فرأت سلاحه الاحتياطي بجارور الخزانة وبجانبه مخزن الطلقات، فاستلته من مكانه ووضعت الخزنة بتجويف السلاح، ونظرت أمامها بالمرآة وهي حاملة إياه، تردد لنفسها:

"ربنا أكيد هيسامحني، بس سيف لأ، عمره ما هيسامحني." بكت وترقرقتا عيناها بالعبرات الحارقة وهي تردد بتضرع: "ساعدني يا رب!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...