بعده امتار بعيدا عن مقصدها، قاصدة ذلك حتى لا يعرف احد وجهتها. مشت الهوينة و هي تتلفح بتلك العباءة السوداء التي تغطيها من رأسها لاخمص قدميها، وتغطي وجهها بوشاح اسود اللون. نظرت للورقة التي بيدها حتى تتأكد من موقعها طبقا للوصف الذي اخبرتها به، فوجدت نفسها تقف امام مخزن مهجور بمنطقة نائية. اقتربت اكثر وتذكرت وصف لواحظ لها مرددة:
"اول ما توصلي المخزن حتلاقي صف طوب احمر متثبت جنب البوابة…. مفتاح المخزن جوه الطوبة الخامسة." عادت تنظر امامها فوجدت ذلك الطوب بالفعل، فمدت يدها للطوبة المنشودة واخرجت المفتاح. فلمعت عين فتحية بالطمع وفتحت باب المخزن ودلفت للداخل. اضاءت مفتاح الإضاءة لتجد الكثير من كاوتش السيارات والاشولة والعديد من قطع الخردة. عادت تتذكر حديث لواحظ:
"اول ما تدخلي حتلاقي كاوتش عربيات كتير، كله شبه بعض ما عدا واحدة حتلاقيها متعلم عليها ببوهية بيضا، افتحيها من جوه حتلاقي جواها المعلوم." فعلت ما اخبرتها به فوجدت رزم النقود مرصوصة بالداخل بكم هائل، فلمعت عيناها بالدهشة وهتفت بطمع: "يا دين النبي….كل دي فلوس؟ هو انا حعرف اعدهم دول كلهم؟ بدأت باخذ الاموال ووضعها بداخل حقيبة بلاستيكية سوداء، وبعدها وضعتها داخل حزام عريض تربطه على وسطها.
واتجهت خارجة من ابواب المخزن تتجه للطريق العام لتقل اول سيارة اجرة تجدها بطريقها، وهي تردد لنفسها: "يا ترى حتطلبي مني ايه يا لواحظ قصاد الفلوس دي كلها؟ ثم هتفت بطموح: "انا حاخد الفلوس منها اعمل بيهم مشروع لولادي يعيشوا منه واترحم من بهدلة الشغل، وتطلب اللي تطلبه بقا محدش حيقول للفلوس لأ." *** هبّت به همة يحييه بالتحية العسكرية هاتفا باحترام: "تحت امرك يا فندم." نظر له المأمور ببسمة أبوية حنونة هاتفا بخجل:
"مبروك يا سيف…عقبال الليلة الكبيرة يا بني." أماء مبتسما باقتضاب، فاستطرد المأمور: "المهم مش عايزك تزعل مني اني اتكلمت من سيادة اللوا، انا كان غرضي مصلحتك." أجابه بوجوم، راسماً على وجهه بسمة صفراء: "محصلش حاجة يا سيادة المأمور، حضرتك تأمرني بحاجة." أجابه بتلعثم: "هو…انت الاصمت." وعاد يكمل: "خف شوية على لواحظ يا سيف…انا عارف ان في تار بينك وبينها بس…." قاطعه سيف بحدة طفيفة محاولا كتم غيظه:
"تار وبس….ده مش تاري لوحدي يا سيادة المأمور، ده تاري وتار الظباط والعساكر اللي ماتوا، وتار دارين اللي لحد انهارده لسه بتتعالج من اللي عملته فيها." قوّس فمه زاما على شفتيه باعتراض هاتفا: "سيب القانون ياخد مجراه، واهي رجعت السجن وجوزها مات وعماد قام بالواجب مع المساجين اللي عملوا العملة دي في دارين….يبقى نتصرف بالعقل بدل ما…." انتفخت عروق رقبته وهو يصيح بغضب متناسيا انه بحضرة رئيسه المباشر: "بدل ما ايه؟
لو شايف ان في عقاب مناسب للي انا عامله معاها، اتفضل عاقبني، بس ده مش حيخليني ارجع عن اللي في دماغي وناويها عليه." زفر المأمور باختناق وقلة حيلة هاتفا بمهادنة: "طيب خلاص اهدى بس، انا بس خايف حد يبلغ عن التجاوزات دي ولا بتوع حقوق الانسان ينطولنا هنا وساعتها…." ضحك عاليا بسخرية، فصمت المأمور عن استكمال حديثه. فاندفع سيف يعقب عليه:
"ما طول عمرنا بنعرف نصرف أمورنا يا سيادة المأمور…ولا هو لحد لواحظ المر وحقوق الانسان حتحط علينا؟ زفر أنفاسه الغاضبة خارج صدره وأكمل: "لآخر مرة بقول لحضرتك، لو شايفني اتجاوزت في حاجة اتفضل عاقبني….بس حرجع اتجاوز تاني وتالت ورابع، لاني مش ناوي اخلي اقامتها في السجن هنا تعدي كده، لازم ادوقها المرار بسبب اللي عملته فيا وفي دارين." زفر المأمور بإحباط واستسلام، محركا رأسه بإيماءة طفيفة مشيرا له بالانصراف.
فحياه سيف التحية العسكرية وخرج من مكتبه. *** بكت حتى انتفخت عيناها من كثرته، ولكنها ليس بيدها حيلة ولن تجرؤ حتى على معارضة والدها، فهو بالتأكيد لن يتهاون هذه المرة عن قراره. جلست فدوى بجوارها تربت عليها بحنان أمومي هاتفة: "كفاية عياط، انتي مش ناقصة، حرام عليكي يا دارين اللي بتعمليه في نفسك وفيّا ده….انتي يا بنتي مش شايفة وشك بقى عامل ازاي؟ لازم تحرقي قلبي عليكي! رفعت وجهها ناظرة لها باستعطاف وحزن، فاستطردت:
"قلتلك أكلم أخوكي، هو بيعرف يتفاهم مع أبوكي ويقنعه…رفضتي." أماءت تعقب: "عايزاني أدخل جمال زي المرة اللي فاتت، وفي الآخر الدنيا كلها تدربك، وبابا يقول إنه كان صح وإنه رضخ لإصرارنا، مش كده؟ زفرت فدوى بقلة حيلة مرددة: "كل حاجة وليها حل….أهدي انتي بس وربنا إن شاء الله حيحلها من عنده، عشان سيف ابن حلال وشاريِكِ، لولا العقربة أمه أم أربعة وأربعين دي، كان أبوكي لا اتكلم ولا فتح بوقه." هزت رأسها باستسلام وهتفت بحسرة:
"أنا اللي عملت كده في نفسي….وثقت في إنسان معندوش ضمير، وحفضل أدفع التمن طول عمري." قطع حديثهما صوت جرس الباب، فاتجهت فدوى لتفتح، فوجدت حارس العقار يقف أمامها باحترام وممسك بيده حقيبة ورقية. فسألته بحيرة: "خير يا عم رجب؟! أجابها: "في واحد ظابط تحت يا ام جمال، وأداني الشنطة دي أسلمها للست دارين." اقتربت دارين بلهفة تهتف: "ده سيف يا ماما." أرادت التباهي أمام الحارس، فردت: "ايوه يا عم رجب، ده خطيب بنتي."
أماء الآخر باحترام، وهي تعلم تماماً أنه لن ينتظر حتى يبتلع لعابه ليخبر جميع السكان بقلب العقار بل وبالعقارات المجاورة، فتزيل تلك الوصمة التي وُصمت بها ابنتها بسبب قضيتها الملفقة. استلمت دارين الحقيبة وفتحتها لتجد بداخلها هاتفاً خلوياً من أحدث الإصدارات، فأخرجته من علبته لتجده يصدح برنينه واسمه مزين على شاشته (حبيبي)
ابتسمت ملء فمها من تسجيله لرقمها بنفسه، والأدهى أنه لم يسجله حتى باسمه، وإنما بصفته التي يريدها مناداته بها. أجابت على الفور، فجاءها صوته الرزين يهتف: "مولاتي." أطرقت رأسها خجلاً من غزلِه، فأجابته: "عامل إيه؟ أجاب: "الحمد لله." صمت وأعقب بكلماته: "ما تطلعي البلكونة أشوفك." تنبهت لكلماته وهتفت بحيرة: "انت لسه تحت! طيب ما طلعتش ليه؟ قوّس حاجبيه وسألها: "هو أستاذ هشام فوق؟ أجابت: "لأ."
ضحك بسخرية من تلك الطفلة التي تصر على إصابته بالجنون من براءتها الزائدة عن الحد، فردد هاتفا: "وهو ينفع أطلع وراجل البيت مش موجود برضه يا جملة الجميلات؟ تحرجت من شهامته ومعرفته للأصول والأعراف، فاتجهت للشرفة تنظر له وهو يستند إلى سيارته، يرتدي زيه الميري، واضعاً قبعته ونظارته الشمسية، فظهر شكله مهيباً. هاتفها برقة فور أن رأى طيفها: "وحشتيني." ابتسمت وأجابته: "لحقت؟ تجهم وجهه وهتف بمعاتبة: "إيه الغلاسة دي يا مولاتي؟
بقولك وحشتيني." ردد كلماته بتأكيد على أحرف الكلمة، فابتسمت بخجل وأجابت: "وأنت كمان، ليه اشتريت موبايل؟ أنا كنت حشتري واحد لما أنزل." رقّق صوته مجيباً إياها بغزل: "وأنا عندي أغلى منك عشان أجيبه، وبعدين كل ما أحب أكلمك حتصلي على موبايل مامتك أو باباكي…مينفعش طبعاً، المهم يكون عجبك." شكرته ممتنة: "ميرسي يا سيف، انت كلك ذوق والله وتستاهل الخير." حدثها بحنين: "ما ربنا أداني الخير أهو." حركت رأسها باعتراض هاتفة بحزن:
"لأ….انت تستاهل أحسن من كده." شعر بتغيرها قليلاً، فسألها باهتمام: "مالك يا ديدو؟ انتي لسه موضوع الدجال ده مضايقك؟ ضحكت بسخرية هاتفة: "لأ خالص….ولا جه في بالي من الأساس." استعجب من طريقتها، فعاد يسأل باهتمام: "امال مالك؟ ليه مضايقة كده؟ لم تعِ تماماً نفسها إلا وعبراتها الساخنة تملأ مقلتيها مهددة بالانفجار، فخرج صوتها مختنقاً بالبكاء: "خايفة….خايفة أوي يا سيف." زفر أنفاسه بضيق من نبرة صوتها الحزينة وهتف: "في إيه بس؟
قصت عليه حوار والدها ورغبته بإتمام إجراءاته لإثبات زواجها المزعوم من أكرم، ورغبته بالتوجه للقضاء، بل وإصراره على الأمر. خرج سيف عن طور هدوئه صارخاً بحدة: "انتي أبوكي مصر يجيبلي جلطة؟ شهقة خوف خرجت منها مرددة بلهفة حقيقية: "بعد الشر." صمتت وعادت تستعطفه: "بلاش تقول لبابا إني حكيت لك حاجة يا سيف، استنى لما هو يكلمك."
هو الآن يعلم تماماً أسباب القصور الموجود بشخصيتها، فهي لا تستطيع التمييز بين الصواب والخطأ، بين الجائز والغير جائز. فشرح لها الأمر من وجهة نظره البحتة: "دارين….اللي انتي بتقوليه غلط، مينفعش أبداً أعمل نفسي معرفش ولا من الطبيعي أسكت على اتفاق أبوكي عايز يغيره، ولا أنا من الرجالة اللي ممكن أقبل بالكلام ده." حدته وغضبه جعلها تتخوفه قليلاً، فحاولت تبرير موقف والدها: "مامك السبب على فكرة، لولا كلامها وتلميحها على جوازي…."
صاح مقاطعاً بصوت أجش غاضب يحذرها بنبرة خشنة: "داريييين….أوعي تكرري اللي قلتيه ده تاني، ولما ابقى معرفش أجيبلك حقك من أي حد يتجاوز معاكي، ابقى ساعتها اتكلمي معايا، لكن غير كده محبش أبداً أسمعك تقولي مامتك عملت ومامتك قالت، مفهوم؟ ولجت لداخل المنزل تاركة إياه يقف بالشارع، ورددت بصوت باكي: "مع السلامة يا سيف." قوّس حاجبيه محدقاً أمامه بالفراغ، وأغلق معها الهاتف مقرراً أن يضع النقاط على الحروف حتى لا يقع بمشاكل مستقبلاً.
*** رجفات قلبه وهو يتم التحقيق معه جعلته يتلعثم أكثر من مرة وهو يدلي بأقواله في مقر النيابة العامة بشأن أفعاله المنافية للقانون، وتضمن اعترافه أسماء عدة من كبرى الأسماء. لم يغفل عن طلب محامٍ آخر للدفاع عنه بعد أن أصبح خصماً معه في القضية لتستره على الكثير من الأعمال الإجرامية بل ومشاركتهم إياها. انتهى التحقيق بتوجيه قضيته للقضاء لتعدد القضايا من ابتزاز وسرقة وتبييض أموال وتهريب، ونهاية لتوجيه تهمة القتل الخطأ.
علم سعد الدين بكل التفاصيل بصفته محامي المدعي بالحق المدني، ألا وهي نيللي، وذهب بعدها لمنزل هشام مطرقاً على بابه عدة طرقات. فتح له هشام بنفسه، الذي تفاجأ بحضوره، فردد مرحباً: "أهلاً وسهلاً يا متر….اتفضل." دلف الآخر وتنحنح بصوت مسموع حتى تتخذ نساء المنزل حذرهن، وجلس بالاريكة. فأطرق هشام رأسه بضيق، فهو غير مستعد مادياً لدفع أتعابه الآن، ولكنه أرجأ الأمر كثيراً ظناً منه أنه أتى اليوم لاسترداد مستحقاته. هتف هشام
بعد أن طال الصمت هاتفا: "أنا عارف إني اتأخرت عليك في باقي الأتعاب بس…." قاطعه سعد الدين رافضاً: "أنا مش جاي عشان أتعاب….أتعابي وصلت وزيادة." نظر له بدهشة وظن أن سيف من دفع تلك الأموال، فهتف برفض: "لأ يا متر ارجوك….أنا مش كنت أقبل إن سيف يدفعلك…." قاطعه ضاحكاً وهز رأسه باستنكار: "حيلك حيلك….سيف باشا لا دفع ولا شفته من ساعة الإفراج." قوّس حاجبيه بدهشة، فاستطرد الأول:
"نيللي هي اللي صممت تدفع، وفي الآخر أنا لا أخدت منها ولا من غيره." لاحت شبه ابتسامة ساخرة من تعابيره غير المفهومة، فأكمل: "ما هو مش معقول آخد أتعابي من خطيبتي! صمت ليبتسم هشام بفرحة هاتفا بمباركة: "ألف مبروك يا متر….انت تستاهل كل خير والله." أماء مبتسماً وهتف بحيرة: "المهم انت دخلتني في موال تاني غير اللي كنت جايلك عشانه." نظر له باهتمام واستمع له يهتف:
"أنا مضطر أستدعي دارين للشهادة في القضية….ومحبتش أدخلها تاني في الحوار ده من غير موافقتك." ابتلع باقي حديثه بجوفه عندما استمع لصوت سيف الآتي من خلفه مجيباً: "وموافقتي أنا كمان يا متر، ولا إيه يا عمي؟ نظر له هشام بدهشة، فهتف سيف: "أظن أنا جيت في الميعاد اللي قلت لحضرتك عليه؟ أماء مؤكداً: "أيوه يا بني اتفضل، أنا بس مسمعتش صوت جرس الباب." جلس على الاريكة بعد أن حيا سعد الدين وأكمل حديثه بإقرار:
"انت عايز تدخل دارين في موال إيه تاني يا متر؟ مش كفاية عليها كده؟ حاول سعد الدين التحدث، فحمحم هاتفا ببسمة: "هو اللي سمعته صح بقى؟ فعلاً اتخطبتوا؟ أماء سيف مؤيداً وأعقب: "عقبالك." ابتسم بحبور وهتف: "قريباً إن شاء الله." رفع سيف حاجبه وسأله بمكر: "لأ بجد؟ نيللي مهران مش كده؟ أجابه بالموافقة وعاد يكمل طلبه: "أنا محتاج دارين تشهد في المحكمة عشان…." قاطعه سيف بحدة طفيفة:
"أنا قلت دارين كده خلاص يا متر، انت مسمعتنيش ولا إيه؟ ابتلع لعابه بحرج، فتدخل هشام: "يا بني عشان القضية…." عاد سيف لمقاطعته وزجر بضيق: "أنا متأكد إنه حيعرف يتصرف من غيرها، سعد الدين مبيغلبش." حرك بصره تجاه سعد الدين الذي يتصبب عرقاً، فسأله غامزاً بعينه: "انت عايز تفهمني إن دفاعك قايم على شهادة دارين؟ أجابه بثقة: "لأ طبعاً، ياما في الجراب يا حاوي." غمز له سيف بصرف عينه مكرراً كلماته بتأكيد:
"والحاوي يعرف يصرف نفسه من غير دارين." وافق مضطراً، فبالنهاية أصبحت العلاقة بينهما ليست مجرد محامٍ وموكلته، بل أصبح هناك تقارب وصداقة نشأت في الأزمات وأظهرت معادن الناس. فور أن استأذن سعد الدين، جلس سيف بوجوم ووجهه يخرج براكين ثائرة تتصاعد دخانتها من أنفه وأذنيه. فلاحظ هشام تجهمه المبالغ فيه، فنظر له بتدقيق وسأله باهتمام: "خير يا سيف؟ قلقتني لما اتصلت بيا في الشغل!! أخرج علبة سجائره ونظر له بحرج يسأله: "تسمحلي أدخن؟
أجابه بالموافقة، فأشعل سيجارته لينفس عن ثورانه الداخلي، وظل هشام مترقباً لحديثه حتى هتف بحدة: "احنا اتفقنا إن موضوع دارين القديم يتقفل، مش كده؟ نفخ هشام بصوت مسموع ورفع حاجبه الأيمن هاتفا: "أنا مغيرتش كلامي معاك، لكن الظروف هي اللي اتغيرت." ضغط على أسنانه حتى تكاد تسمع صوت اصطكاكها وزجر بخشونة: "حتقول كلام أمي هو السبب، مش كده؟ أجابه باستهزاء: "واضح إن دارين حكيالك كل حاجة! اعتدل الأخير بجلسته وأحكم قبضته
على مسند الاريكة وهتف: "كنت عايزها تخبي عليا؟ بص يا عمي، موضوع والدتي مش جديد عليكم، وحضرتك عارف إنها رافضة، وعارف أنا تعبت وحاربت قد إيه عشان انفذ طلبك إني أجيب أهلي معايا؟ أخرج دخان سيجارته من أنفه بزفرة قوية وأكمل: "حضرتك طلبت والدي ووالدتي….وأنا جبت خالي وعيلته واختي وجوزها، وده عشان أثبت لحضرتك قد إيه أنا جد وشاري بنتك." صاح هشام موضحاً بحدة: "أنا مش حستنى لما ألاقي سيرة بنتي على كل لسان لما الحكاية تتعرف و…."
قاطعه سيف بصوت أجش: "أنا مش حسمح لحد يتكلم نص كلمة، وأولهم أمي، وكل اللي حوالينا عارفين….لكن حضرتك عايز تعرف المجرة كلها بقضية وشوشرة ملهاش أي لازمة غير إنها تأثر على مركزي وشغلي، وابقى مضطر أوضح لكل الناس الحكاية." إصراره على قراره يبدو قاطعاً فقط من نظرات عينيه. فدقق سيف النظر بملامحه التي تبدو ساكنة وهتف: "واضح إنك واخد قرارك ومش حاطط في اعتبارك الراجل اللي خاطب بنتك رأيه إيه؟ أجابه هشام: "أنا أدرى بمصلحة بنتي."
هدر سيف بصياح هادر، حضرت فدوى ودارين على أثره: "ليه مُصر تأذيني بالشكل ده؟ مش كفاية اللي أنا فيه؟ دلفت فدوى تحمل بيدها أكواب الشاي ووضعتها أمامهما وهتفت بمهادنة: "اهدوا كده وكل حاجة وليها حل، أنا اتصلت بجمال وجاي في الطريق." جلس سيف واستند بمرفقيه على فخذيه وأخذ يقضم شفتاه. فسمع صوت انفاسها الحزينة، فرفع وجهه ينظر لها تقف بجوار الباب.
لاحظ احمرار حدقتيها وأنفها، فعلم أنها ربما لم تكف عن البكاء منذ أن أغلق معها الهاتف، أو ربما من قبل ذلك. فابتسم بحب هاتفا: "متخافيش….حتتفاهم أنا وباباكي." أماءت برقة، فجاء صوته الغاضب: "حتتفق على إيه يا سيف؟ أنا بقولك حاخد حق بنتي بالقانون، وهو عنده ميت قضية يعني…." قاطعه سيف: "عنده ميت قضية من نصب لاحتيال لقتل، وانت عايز تربط اسم بنتك بيه؟ لأ، والاكتر من كده قضية إثبات عقد الجواز ده حتاخد وقت قد إيه؟
محاكم وقضايا ويا عالم تخلص امتى؟ وبعدها ندخل في موال طلاق بقا بعد ما تثبت الجواز….كل ده وأنا المفروض أعمل إيه؟ أقعد حاطط إيدي على خدي مستني، ولا أصلاً خطوبتنا تمشي إزاي وإنت عايز ترجعها في عصمته؟ أجابه الآخر بسذاجة: "لأ منا حثبت الجواز بفيديو الطلاق اللي انت مصوره، وكده حتبقى إثبات طلاق وخلاص…." قاطعه صارخاً باستنكار: "يا نهار مش فايت….هو حضرتك عايز تقدم مستند يوديني أنا وزمايلي في داهية عشان تثبت الجواز ده؟
هو انت بتفكر إزاي؟ انت عارف ده ممكن يعمل إيه فينا ويدخلنا في إيه؟ صمت هشام يعيد تفكيره من جديد، فأكمل سيف بحدة: "لأ ولو كل ده عدى، اقعد استنى بقا لما العدة تتعاد من جديد وتخلص، وأنا قاعد بعد الأيام عشان العدة بتاعتها تخلص." أطرق هشام رأسه لأسفل وأعاد رفعه بحيرة، وقد اتخذ قراره: "خلاص أنا حسأل سعد الدين واللي حيقول عليه حعمله."
صمت وظل واجماً ينظر له بحيرة، فلماذا كل هذا الإصرار وهو أقر بموافقته على الزواج منها، متماشياً مع ظروفها. فوقف من مكانه واضعاً يده بجيب بنطاله وسأله بآخر أنفاسه الهادئة كملاذه الأخير: "حضرتك مصر على قرارك؟ أماء هشام، فكرر سيف نفس الإيماءة المتخاذلة وهتف بتحذير: "طيب آخر كلام بالنسبة لي يا عمي، أنا مش موافق ومُصر على اتفاقنا، واللي نفذت كل حاجة تخصني فيه، واللي مستني منك تنفذ اللي يخصك منه." حرك
رأسه باعتراض وردد بترقب: "حاسس بنبرتك بتحذير، ولو منفذتش حتعمل إيه؟ حك ذقنه ليخفي توتره وأجابه بصوت متوتر: "حتضطرني أعمل حاجات مش عايزها ولا حكون مبسوط منها." تحداه ووقف قبالته هاتفا: "إيه؟ حتفسخ الخطوبة اللي لسه معموله امبارح؟ أطرق رأسه بخزى، أعقب: "للأسف لو الموضوع خرج من إيدك حتضطرني أعمل كده." لمعت عين دارين التي تقف بجوار الباب تشاهد وتسمع ما يحدث وهي تبكي بغزارة، فسمعت لصوت والدها يجيبه:
"وأنا بعفيك من أي ارتباط حصل يا سيف، ومعرفتنا ببعض كانت معرفة خير." لمعت عينه بالدهشة، ووجده يناديها هاتفا: "تعالي يا دارين، أنا عارف إنك واقفة بره." أفلتت ضحكة باكية محنية الرأس، فسمعت صوت والدها يجيبها: "ما تيجى ندخل جوه شوية، عايزك في موضوع." أتاح المجال بالطبع لذلك الجالس بنيران عشقه المتقدة، منتظراً أن يختلي بها ولو دقائق حتى يطمئنها بأنه لم ولن يتخلى عنها، وأنه السند والعوض الذي سيحارب من أجلها.
اقترب من مقعدها وأمسك راحتها وهتف بصوت حاني: "ديييدو." رفعت وجهها المتعب والذي ظهر عليه أثر البكاء جلياً، فمد أنامله يمسح وجهها بابهامه وردد بطمأنة: "مولاتي بتعيط ليه بس؟ بطلي عياط عشان خاطري…انتي متخيلة إني كنت ممكن أسيبك أو أخلي حد يفرق بينا؟ ابتسمت بعذوبة هاتفه بصوت مختنق بالبكاء: "بجد يا سيف….بجد مش حتسيبني ولا تتخلى عني أبداً."
سحبها داخل أحضانه بقوة، دافناً رأسها بصدره لتستمع لدقات قلبه النابضة بعشقها، وأمال فمه تجاه أذنها مردداً بتأكيد: "سامعة دقات قلبي دي؟ بيدق عشانك انتي وبس." تنفشت من غزله، فحاولت الابتعاد عن صدره، ولكنها أحكم قبضته عليها، فسحبها مقرباً وجهها منه، ملتهماً شفتاها بقبلة عميقة دافئة بث لها مشاعره وخوفه من فقدانها. دفعته براحتيها بقوة ونظرت له وهي تلهث من فرط ما شعرت به.
فنظر لشفتاها التي ازدادت حمرة من أثر قبلته، فابتسم برضا وأعاد فعله بتقبيلها قبلة أخرى أشد وأعمق. بادلته إياها هذه المرة، فأخرجته من تماسكه الزائف لتصبح قبلة جامحة. لم يفصلهما سوى دخول جمال المفاجئ ورؤيتهما بذلك الوضع الحرج، فتجهم وجهه ونظر لأخته وردد بحدة: "داااريييني." يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!