الفصل 8 | من 46 فصل

رواية سجينتي الحسناء الفصل الثامن 8 - بقلم أسماء عادل

المشاهدات
20
كلمة
6,534
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

لا تيأس إن رجعت خطوة للوراء… فلا تنس أن السهم يحتاج أن ترجعه للوراء لينطلق بقوة إلى الأمام. هكذا حال سهم الحب، لا بد وله عثرة، كعودة للخلف خطوة أو اثنتين… كالنبذ أحياناً، وربما التهرب، قد يكون الرفض الصريح والموجع في أبهى صورة. تلقى سيف كل تلك المشاعر عندما هتفت بردّه الحاسم: # لا

أشعر باجتياح هائج داخل صدري، أحيا الألم الذي بداخلي من جراء إصابته، أو ربما من جراء رهبته وخوفه من فقدان الشيء الوحيد الذي جعله يتنفس مرة أخرى بعد أن فقد حتى الرغبة بالحياة. تسمّر مكانه مدهوشاً من وجهها الحانق، وأخذت تنظر له بغل وربما غضب أو كره، لا يعلم بالتحديد، لما أصبح في تلك اللحظة عاجزاً عن فهم خلجات وجهها النضر. فاقترب خطوة ليعود ويصبح نصب عينيها، وهتف بجمود: # لا… لا إيه بالضبط؟ أجابته بحدة:

# لا مش قابلة مشاعرك دي… ومش معنى إنك ساعدتني في القضية أو إنك سهلت الزيارات لأهلي وللمحامي بتاعي، فده يديك الحق إنك تستخدم موقعك وسلطتك بالشكل ده. أوشك على أن يفقد هدوءه وسيطرته على نفسه من عصبيتها المستفزة لرجولته، فسحب شهيقاً بعمق وطرده من صدره ليئنّ بألم من قوة دفعه للهواء، ونظر لها بعيون جاحظة غير متفهمة لسبب عصبيتها تلك. فهسهس بضيق: # ممكن أفهم أسبابك؟ صمت ليعود وينظر لها بتدقيق ويهتف بفضول: # لسه بتحبيه؟

امتعض وجهها وظهرت عليه أمارات التقزز، وصرخت بانفعال: # أنا مبكرهش في حياتي حد قده، بس ده ميدلّكش الحق إنك تتكلم معايا كده. لانت نبرته قليلاً ليعلم سبب رفضها، فهو بالتأكيد خوفها من تكرار أي تجربة، أو ربما خوفها من المجهول. فتحدث معها بلين ولطف: # دارين… اهدّي واسمعيني. صرخت مرة أخرى غير عابئة بأحد وهي تهتف: # أنا سمعتي بقت في الأرض بسببك، مش كفاية عليا اللي أنا فيه؟

واللي انت بتعمله ده غلط بكل المقاييس يا باشا… أنا لا أنفعك ولا أنفع أي حد. قاطعها: # براءتك مسألة أيام و… قاطعته صارخة: # مش مسألة سجن وقضية وبسم… متحفزاً هتف: # أمال إيه؟ لو مشاعري دي من طرف واحد فأنا عارف ومقدر ده، بس مش طالب منك أكتر من إنك تعرفيها وتحطيها في حساباتك، ولو ربنا أراد إنك تبادليني… قاطعته مسترسلة: # لا لا لا… غلط ومش هاسمح أبداً إني أغلط الغلطة دي مرة تانية. بحذر وتعجب ردّد: # غلطة؟!!

أجابته ببكاء وعبراتها تنزل كفيضانات هائجة على وجنتيها: # أيوه غلطة… انت متجوز وعندك بيت وأسرة و… قاطعها على الفور باقترابه منها وإمساك راحتيها معاً بحركة غافلة شلّت تفكيرها وأوقفتها عن الكلام، مباغتةً، وابتلعت لعابها بتوتر من اقترابه بهذا الشكل. أما هو، فقد ابتسم بسمة ممزوجة بالألم والحزن، وردد بصوت مجهد ومتألم: # عيلتي… صمت ليمد يده يمسك بالإطار الموضوع على مكتبه ويوجهه ناحيتها ويردد:

# نسرين… مراتي، وحب عمري. حبيتها وأنا لسه بدرس واتجوزتها أول ما اتخرجت من الشرطة، وربنا رزقنا بعدها بميرا بنتي. نظرت لعبراته المناسبة فتوجست برعشة، هي استمعت لنفس الأحاديث من قبل، أوقعها بها أكرم داخل شباكه، يحب زوجته وأسرته، ولكنّه وقع لها، فما العمل؟ نفس الفخ القديم.

نعم، نفس الحديث الناعم بإخلاصه وحبه ما جعلها في السابق تقع بشباك تلك الخدعة، أما تلك المرة فقد تعلمت درسها، فالحياة لا تعطي دروساً مجانية، فعندما تقول الحياة علمتني، فتأكد بأنك قد دفعت الثمن غالياً. وياله من ثمن باهظ دفعته هي مقابل حبها لذلك الندل، فحاولت إيقافه عن استكمال حديثه، ولكنّه أصرّ على استكماله وهتف بتأكيد: # مراتي وبنتي حيفضلوا معايا طول ما أنا عايش، وحتى بعد ما أموت، بس ده ميمنعش إني… عاذب.

لمعت عيناها بالدهشة والفضول، وابتسم بجانب ثغره وهتف: # يعني أنا لا متجوز ولا رب أسرة ولا عندي أطفال.

نظرة مستفسرة منها اتبعتها بتقويس حاجبيها بشكل عفوي مضحك، رسم البسمة على محياه وهو يتخيل التخبط الذي بداخلها، وبالرغم من الألم الذي يعتريه عند ذكر غاليتيه، إلا أنه أصرّ على استكمال حديثه، لعلها تتخلى عن عنادها ورفضها للأمر، أو حتى تترك الباب مفتوحاً ولو قليلاً حتى تواتيه الفرصة لتعويضها عن ما حدث لها من ذلك الندل، وربما منه هو الآخر بعد أن شارك بتعذيبها وإيذائها نفسياً وجسمانياً بأيامها الأولى بالسجن.

ابتلعت لعابها وهي تنتظر منه تفسيراً، فاقترب منها وهمس بصوت خافت: # أنا أرمل يا دارين… مراتي وبنتي ماتوا في حادثة من تلت سنين، ولحد اللحظة اللي شوفتك فيها ما كنتش عايش ولا عايز أعيش. صمت ليبتلع لعابه بتوتر وأكمل: # أنا كنت بتمنى من ربنا إنه يجمعني بيهم كل ليلة، بتمنى الموت حرفياً عشان أبقى معاهم… لحد ما قلبي اتحرك ناحيتك، ساعتها اتمنيت إني أعيش عشان أفضل جنبك، وأنا بجد مش عارف السبب. أمسك راحتيها وهتف بحيرة:

# ليه انتي بالذات من وسط كل الناس اللي أعرفها وقابلتها في حياتي… أي حد ممكن يسمع كلامي حيقول إزاي؟ معاون وسجينة!! ابتسم بجانب فمه وأردف: # وعارف إنك لسه بتعاني من موضوعك وقضيتك، وحتاخدي وقت للتعافي من الأزمة دي، وبرضه عارف إني اتسرعت، بس انتي عارفة أنا اتسرعت ليه؟ صمتها حثّه على استكمال استرساله:

# عشان لما كنت بين الموت والحياة شفت نسرين وهي بتضحكلي وبتقولي ارجع، لسه مش ميعادك تيجي لينا دلوقتي، وبعدها شفتك وشفت لهفتك عليا وحسيت بيكي وبقلبي اللي في اللحظة دي كان كل أمنياته إنه يفضل يدق عشان بس يشوفك تاني يا دارين. انهمرت عبراتها وهي تستمع لحديثه، أيعقل أن تظل البحار هادئة بعد هكذا حديث، أو أن تظل الجبال ساكنة في مكانها بعد ذلك الغزل العفيف؟

لا والله، لتهيجنّ البحار ولتتحركنّ الجبال من تلك الكلمات الرقيقة، ولكن… نظرت أمامها بوجل وانتابها التوتر، وهتفت بحدة طفيفة: # برده غلط… مينفعش. بعصبية غاضبة هتف: # لييييه؟ صرخت بعد أن فقدت أعصابها: # عشان المجتمع عمره ما حيقبل بحاجة زي دي… وعشان أهلك مستحيل يوافقوا على واحدة زيي، وعشان… صمتت وبكت وانتحبت، وهو يحاول تهدئتها لتكمل:

# وعشان حتى لو كل الناس قالت إن جوازي من أكرم باطل أو مزور، فأنا بقولك لا… جوازي شرعي وحقيقي وأنا لحد اللحظة دي لسه على ذمته. *** ظل كل العاملين بالمكتب يفرغون محتويات تلك التسجيلات، والتي ظن سعد الدين أن أمرها بسيط وسهل، ولكنّه تفاجأ بمدى صعوبة استخراجها من ذلك الكم الهائل من الملفات المدمجة والمحفوظة. انتبه بالأخير للساعة والتاريخ موضع الجريمة، فكانت ظاهرة أمامه بالتفصيل الملحوظ والقاطع للبراءة.

نقل المقطع المصور من على الحاسوب لشاشة أكبر وأوضح، واستعان بخبراء التكنولوجيا لتحسين جودة الصورة، وبدأوا بتفحص التسجيل المرئي بصورة دقيقة. ركز أنظاره على الكاميرا المثبتة على البوابة الداخلية، والتي عندما تنفتح يظهر كامل البهو وجزء كبير من داخل الفيلا. لاحظ دخول دارين من بوابة الفيلا وإغلاقها خلفها، ومكوثها ما يقرب النصف ساعة، ثم خروجها بسرعة هرعاً وكأن أمر ما قد حدث، ليفقه تماماً ما قصته عليه وسبب عدوها بهذا الشكل.

عاد ليركز بصره على البوابة المفتوحة على مصراعيها لتظهر جيهان بوضوح الشمس أمام البوابة وهي تنظر في أثر دارين بوجهها الساخر والمبتسم، ثم أغلقت البوابة بعد أن تأكدت من رحيل دارين. لمعت عيناه على الفور وابتسم بانتصار، فهو قد وجد الدليل القاطع على برائتها، فهي حتى لحظة مغادرة دارين كانت لا تزال على قيد الحياة، مما يعني أنه سينحصر الاتهام ما بين البواب وزوجها.

التقط هاتفه ليتحدث مع سيف الذي كان قلقاً للغاية ليخبره آخر التطورات. *** ظل يمطرها بنظرات مطولة وهي صامتة أمامه تتحاشى النظر إليه، فتلوح ابتسامة مقتضبة على وجهه، وردد بعد صمت طويل: # يعني إيه لسه على ذمته يا دارين؟ رفعت رأسها بعزة وشموخ، فهي لم تقترف خطيئة، وإن كان هناك مخطئ فهو ذلك الندل وليس هي، لتردد بثقة: # هو الجواز عبارة عن إيه؟ حاول كبت جموح غضبه وأجابها بهدوء مصطنع: # قبول وإشهار. أومأت بنعم وهتفت:

# وأنا قبلته، وأهلي كانوا عارفين، والجواز كان بوجود شهود حتى لو مزورين. ابتعلت غصة وقفت بحلقها لتكمل: # أنا الفترة اللي قضيتها في الرعاية خليتني أجيب كتب من مكتبة السجن عشان أعرف أكتر وأفهم أكتر، ومن اللي قريته عرفت إني لسه على ذمته. لمعت عيناه بنيران حارقة، هل تعي ما تبوح به تلك المعتوهة؟ تحدثه بزواجها وهو أمامها، لا يريد حتى أن يتخيل بأن رجل آخر قد امتلكها قبله. فأغمض عينيه ليستحضر هدوءاً مزيفاً واستمع لها تسترسل:

# الجواز الشرعي للبنت لازم يكون بوكيل ينوب عنها، وإلا يبقى باطل، وبابا كان وكيلي… لازم يكون بشهود وكان فيه أخويا والاتنين صحابه، واللي كان عامل مأذون… ولازم يحصل… تحمحمت بحرج لتكمل: # احم… لازم يحصل معاشرة بين الطرفين و… رفع يده أمام وجهها لتصمت وتُبتلع بخجل، وهو يصرّ على أسنانه ويجيبها بضيق واضح: # فاااهم… وعارف، مش لازم توضحي. التفت ليعض على شفته السفلى بحنق ويهدر بحده:

# أنا بولع كل ما أفتكر إن في راجل تاني سلمتيله قلبك، ما بالك بقا وأنتِ بكل بساطة بتقوليلى إنه لمسك كمان!! أنتِ واعية لنفسك بتقوليلى إيه؟ احتدمت تعابيرها من كلامه، فبماذا يحاسبها؟ هل اقترفت ذنباً؟ حتى وإن أخطأت باختيارها، فهي لم تخالف شرع الله بزواجها من رجل متزوج. أضافت بحدة: # مش بس لمسني يا باشا، أنا كمان كنت حامل منه و… صرخ يوبخها بشراسة: # خلاااص يا دارين، كفاية. ألقت على المقعد المقابل لمكتبه بانكسار وهتفت:

# أنا مش بفكر في حاجة دلوقتي غير براءتي، وبعدها هعمل المستحيل عشان أثبت جوازي منه. تجهّم وجهه على الفور من إصرارها استكمال تلك الزيجة المزيفة، لتنظر له بوجل، ولكنها تكمل على أي حال: # ومش حبّاً فيه، أنا مش طايقة حتى أسمع اسمه… بس ده حيكون رد لشرفي وكرامتي، وعلى الأقل يبقى معايا ورقة طلاق أثبت بيها للناس إني معملتش حاجة غلط.

حاول أن يتفهمها، ولكن رجولته أبت أن تتقبل الأمر، فاقترب منها واستند على الطاولة المستديرة الصغيرة الموضوعة أمامها وانحنى بجزعه ناحيتها وهمس بتحشرج صوته: # أنا ميهمنيش الورق… وعارف ومتأكد إنك معملتيش حاجة غلط، بس احسبيها صح وانتِ تلاقي إنك حتطلعي من الموضوع ده خسرانة مش كسبانة زي ما انتي فاهمة. نظرت له بدهشة، فأكمل حديثه يشرح لها: # مجتمعنا دايماً بيحط الحق على الست، وعمره ما حيجى في صفك ومش حينوبك غير كلام الناس.

قوست فمها وهتفت بغل: # عايزني أسكت على حقي؟ أومأ رافضاً وهتف: # حقك هاخده منه تالت ومتلت، بس مش بالطريقة دي، ولو على الجواز الشرعي فانا هخليه يطلقك شرعي زي ما اتجوزك شرعي. لم تفهم ما يعنيه، ولكن قطع حديثهما رنين هاتفه، فاعتذر منها ونظر لشاشته ليجده سعد الدين، فهتف وهو يجيب: # ده سعد الدين المحامي… الوو. *** التقطت أذنيه صوته من الطرف الآخر، فأجاب بتوقير: # أيوه يا سيف باشا. جاءه صوت الأخير: # خير يا متر؟

رقق صوته قليلاً ليفهم من نبرته بوجود أخبار سارة، فردد مهللاً: # كل خير يا باشا، عندي أخبار زي الفل. انتظر سيف ليستمع له، فأكمل الأول: # أولاً معايا دليل البراءة. لمعت عيناه بالفرحة، ونظر باتجاهها يبتسم بسرور، وظل يستمع لسعد الدين وهو يكمل: # وثانياً كان فيه استدعاء من النيابة لدارين لإعادة التحقيق لأن الحيوان بلغهم إنها بتلعب فنون قتالية، فحطها موضع اشتباه مرة تانية. عاد الوجوم لوجهه وسأل مستفسراً:

# وده حيفرق في حاجة؟ أجابه بصوت فرح: # كان ممكن يفرق قبل ما ألاقي الدليل، إنما دلوقتي ولا أي هري يا باشا، الدليل اللي معايا قاطع ومفيهوش كلام. عادت البسمة ترتسم على وجهه وتنهد براحة وهتف مستفسراً: # طيب إيه الخطوة الجاية يا متر؟ أجابه سعد الدين على الفور:

# ابدأ، المفروض التحقيق كمان يومين، لأنها بكرة عندها تحقيق تاني بخصوص قضية هروب المساجين، بس عموماً أنا في طريقي للنائب العام وهقدم الدليل اللي معايا عشان يوقفوا إجراءات الإفراج عنه، لأنه كده بقى المشتبه به الأول هو والبواب. قال سيف: # ودارين موقفها إيه؟ أجابه بعملية:

# بعد ما أقدم الدليل اللي معايا، حتعاد فتح التحقيقات، بس المرة دي بتوجيه التهمة للبواب ولاكرم بس، وحيحذف اسمها من قائمة المتهمين، وبعدها هقدم طلب والتماس للنائب العام والمحامي العام أو للقاضي المنتدب بتسريع إجراءات الإفراج عنها، يعني الحكاية ممكن تدخل في عشر أيام بإذن الله وتخرج.

شعر بسعادة تغمر خلاياه وهو يستمع له، ولكنّه عاد لملامحه المقتضبة عندما علم أنها لن تعود معه وأمامه بعد عشرة أيام من الآن، ولكن أليس من الجيد أن يحاول التودد لها وهي خارج أسوار السجن؟ أنهى محادثته ليعود لها يهتف بفرحة: # دليل البراءة بقا في إيد سعد الدين. لمعت عيناها من الفرحة وابتسمت ورفعت يديها عالياً تتضرع للمولى وتهتف بشكر: # الحمد لله يا رب… ألف حمد وألف شكر لك يا رب. تنهدت براحة ونظرت بتساؤل تهتف: # حاخرج؟

أجابها بحزن وفرح في آن واحد: # في خلال عشر أيام. آه، خرجت منها تعبر عن فك كربتها وشعرت بسلام داخلي وراحة غير عادية، فتوجهت للأريكة الموضوعة بأحد أركان غرفة المكتب وجلست عليها تستند برأسها للخلف وصمتت وأغلقت عينيها، فلم يبدر منها أي حركة سوى استماعه لصوت تنفسها. فاتجه ليجلس بجوارها ووضع كفه على راحتها المسندة بجوارها، ففتحت عينيها ببطء وسحبت يدها من أسفل يده وهتفت بضيق: # مش قلنا مينفعش؟ ابتسم بسخرية وردد:

# لا قلنا هطلقك منه وهاخدك ليا. كلماته جعلت قلبها يصعد في حلقها، فارتبكت وعجزت عن الرد، لتطرق رأسها لأسفل وتنفست براحة، فلاول مرة ستنام هانئة البال. وقفت بعد فترة ليست بالقليلة ورددت بخجل: # قعادك معايا في المكتب كل ده معطلك عن شغلك ومخلي الشاويش سماح بتتكلم عني مع كل اللي في السجن. اقترب منها وأحاط كتفيها بساعديه ورقّق صوته ليهتف هامساً: # اللي يتكلم يتكلم، أنا ميهمنيش حد… بس لو انتي مضايقة فأنا هأوقفها عند حدها.

أومأت بالموافقة وأضافت: # طيب خليها ترجعني العنبر بتاعي بقا، كفاية كده، أنا بقالي ساعة هنا. أجابها ببسمة عابثة: # مش قبل ما تجاوبي على طلبي! بحيرة أضافت: # طلب إيه؟ أجابها برقة متناهية: # إنك تكوني ليا. سحبت نفساً عميقاً وطردته خارجاً وأجابته بتأكيد: # خلينا نأجل الكلام ده بعد البراءة… ممكن؟ أومأ لها متفائلاً، فهي لم ترفض رفضاً قاطعاً، ولكنها على الأقل أرجأت الرد حتى تنتهي من أزمتها، فضاف:

# بكرة في استدعاء للنيابة عشان قضية لواح. أومأت بالموافقة، فهتف: # أنا اللي حكون معاكي. اعترضت بجسدها وملامحها قبل أن تنطقها بفمها ورددت: # بلاش… كفاية كلام الناس و… قاطعه بحزم: # مينفعش… أنتي الشاهدة الوحيدة عليهم، حتى أنا شهادتي مجروحة لأني كنت مصاب ومشفتش حاجة، فإنتي في خطر عشان كده أنا أقنعت المأمور إني آخدك بملبس مدني وتركبي عربيتي من غير حراسة… تمويه يعني. ابتسمت من مزحته بعد أن غمز لها بطرف عينها، فهتفت بدهشة:

# ووافق؟ أومأ لها مؤكداً: # هو بنفسه قالي إنك لو كنتي عايزة تهربي كنتي هربتي وقتها، وبعدين أنا كده كده عندي تحقيق أنا كمان. استدعى الحارسة لتعيدها لعنبره، وهو في قمة سعادته، لتلتفت وهي ممسكة من قبل الحارسة تهتف برجاء: # ممكن أطلب منك طلب؟ أجابها أمام الحارسة غير مهتم برد فعلها: # عنيا عشانك. ابتسمت بخجل وأضافت: # ممكن تطمن بابا بالكلام بتاع المتر؟ أومأ لها والبسمة ترتسم على وجهه وهتف للحارسة آمراً:

# وديها العنبر بتاعها وارجعيلي عشان عايزك. أجابته بالموافقة والتحية العسكرية، واقتادتها سماح وهي تنظر لوجهها النضر والمصبوغ بحمرة غير عادية، فأخذت تتلمذ بالحديث: # لااا… ده الحكاية فيها إن كبيرة أوي وأنا لازم أفهم. امتعض وجه دارين وهي تهتف بتحذير: # بلاش تدخلي في اللي ملكيش فيه. تعجبت من ردها وجرأتها لتهتف بسخرية: # وماله… ما يا بخت اللي معاون المأمور ضهره في المخروبة دي. عادت سماح لمكتبه ودلفت تحييه

بالتحية العسكرية تهتف: # أوامرك يا باشا. رفع وجهه ناحيتها وتحدث بصوت قاتم وهادئ، ولكن ينم عن الغضب المكبوت: # اسمعيني كويس عشان مش هكرر كلامي تاني، لو سمعت أي كلام من اللي داير في السجن عني وعن دارين مرة تانية مش هيكون قدامي غيرك وحتكوني كبش الفداء اللي حيدفع الثمن. حاولت استجداء عطفه: # يا باشا ده أنا تحت أمرك… قاطعه بسخط وحدة:

# محدش بيطلع أسرار المكتب غيرك، وسمعة دارين اللي على لسان الحوش دول انتي السبب فيها، ولو زودتي أكتر من كده حتكوني الجانية على نفسك، وقد أعذر من أنذر. صرفها من أمامه بغلظة وأمسك هاتفه ليهاتف والدها، وفور أن أجاب ردد بفرحة: # مبروك يا أستاذ هشام، البراءة مقدماً. بفرحة أجابه الأخير: # هو حضرتك عرفت؟ ده أنا لسه قافل مع سعد الدين. أجابه بإيجاز: # ربنا مبيرضاش بالظلم، والحمد لله على كل حال. ***

دلفت مكتبه بحدة بعد أن أخبرها بما وجده على تسجيلات المراقبة، فاقتحمت مكتبه توبخه بعصبية: # أنا قلتلك إن التسجيلات دي عشان تساعدك وفي نفس الوقت تساعدني مش عشان تبرئ موكلتك وبس. ابتسم لحدتها التي أظهرت جمالها ووقف مكانه ينظر لها بهدوء وأردف: # اهدّي بس واقعدي، أنا عندي أخبار حتفرحك أوي. جلست بتحفز تنتظر أن تستمع له، فهتف سعد الدين برقة: # تشربي إيه الأول؟ زفرت بحنق وغضب وهتفت: # أنا كل ما أجيلك حتقولي تشربي إيه؟

مش عايزة حاجة غير حقي. نظر لها بتسلية وهتف مسترسلاً: # أكرم المغربي خلاص، بح، فنيتو… والأدلة اللي معايا حتلف حبل المشنقة حوالين رقبته، بس… صمت، فنظرت له بتركيز ليكمل: # معاه محامي عقر، وأنا مش عايز أتفاجئ بحركة منه تبوظ القضية، فالأحسن إني أنا اللي أفاجئه وهو مش متوقع. رددت بحدة: # أنا مش فاهمة حاجة. أجابها بتبسيط:

# بصي يا آنسة نيللي… دلوقتي لو رميت كل الورق اللي معايا على الترابيزة يبقى كأني بكشف كل ورقي بدري وبلعب ع المكشوف، والمحامي الداهية اللي معاه ممكن يزور ويخفي في الأدلة ومش بعيد يبعت ناس تخليني أحصل المرحومة. لمعت عينها برهبة وخوف، فعاد يطمئنها: # انتي كده كده بره الموضوع، متخافيش، بس سيبيني أنزل ورقي بالترتيب اللي أنا شايفه. زفرت باستسلام ورددت بتنهيدة حارة: # المهم عندي إنك متأكد إنه مش حيفلت منها. أومأ موافقاً

وهتف: # إعدام إن شاء الله. ابتسمت بفرحة، فعاد يمزح معها بمرح: # هااا… تشربي إيه بقا ولا نخليها غدا!! *** اتجهت للتحقيق برفقته وداخل سيارته الخاصة، مرتدية بنطال جينز وقميص قطني أبيض اللون، وتاركة لشعرها الغجري منسدلاً خلف ظهرها. أدلفا معاً لمكتب رئيس النيابة الذي رحب بدوره برفيقه ترحيباً حاراً وهتف بمودة: # اقعد يا سيف باشا… وحمد الله على سلامتك. شكره وجلس وهو ينظر لها ويردد بهدوء: # اقعدي يا دارين.

انتبه رئيس النيابة لوجودها، فتعجب قليلاً وهتف متسائلاً: # مش دي المسجونة اللي مطلوبة في التحقيق؟ أومأ سيف مؤكداً، فأضاف الأخير: # هي لابسة مدني وجاية من غير حراسة ولا مرافقة إزاي؟ أخبره بتوضيح: # أنا والمأمور شفنا إن كده أفضل عشان سلامتها، لأنك عارف إنها الشاهدة الوحيدة. فهم ما يرمي إليه وفتح التحقيق معها لاستكمال التحقيقات السابقة والمتصلة بالحادث حتى يصلوا لأكبر كم من الوقائع، حتى انتهى رئيس

النيابة من استجوابها فهتف: # كده حيكون آخر استدعاء ليكي في المحكمة عشان تشهدي ضدهم، ده لو اتمسكوا! ردد سيف بحنق: # حيتمسكوا. زفر حانقاً وأخبره: # حتى لو متمسكوش يا سيف باشا، في النهاية حياخدوا حكم غيابي والقضية حتتقفل على كده. *** انتهى التحقيق وأسطحبها معه للعودة للسجن، ولكنّه توقف أثناء قيادته للسيارة ونظر لها بوله وهتف بغتةً: # إيه رأيك نتغدى في أي مكان قبل ما نرجع؟ نظراتها المدهشة من عرضه السخي جعلتها

تبتسم وتهتف بعدم تصديق: # إزاي؟ مش حيكون غلط؟ أجابها بصوت رقيق حالم: # ما أنا مش حلاقي فرصة زي دي وأفوتها برده، ومتقلقيش لسه معانا وقت عشان نرجع قبل ما يحسوا إننا اتأخرنا. أطرقت رأسها بخجل عندما غمز بعينه وهو يحدثها، فتحولت بشرتها لحمرة رهيبة، ليضيف: # أنا النهاردة رهن إشارتك، المكان اللي نفسك تروحيه والأكل اللي نفسك فيه، يعني من الآخر كده أنا الجني اللي في المصباح وشبيك لبيك عبدك بين إيدك.

ضحكت من قلبها على طريقته وأدمعت عيناها قليلاً، فتضايق من حزنها ومد ساعده ليمسح عبراتها وهتف برجاء: # بلاش عياط عشان خاطري… أنا عايز أبسطك النهاردة. تنفست عميقاً وعادت برأسها تستند على مسند المقعد وهتفت بتنهيدة حارة: # عارف أنا فعلاً نفسي في إيه؟ ردد: # إيه؟ أجابته ببسمة مقتضبة: # نفسي آخد دش في حمام نضيف… لوحدي من غير ما يكون فيه ألف عين عليا، من غير ما حد يحدد لي وقت عشان أخلصه.

اعتدلت بجلستها داخل السيارة لتصبح بمواجهته، لتكمل حديثها معه وهي تركز بصرها له: # ويا سلام لو بانيو ومياه سخنة بدل المياه المتلجة اللي بيحمونا بيها في عز الشتا دي. شعر بغصة تؤلمه من حديثها، الهذه الدرجة أصبح أقصى أمانيها أن تحصل على أقل القليل؟

لم تطلب شراء ملابس أو مقتنيات مثل باقي الفتيات، ولا حتى طلبت أن تأكل بأرقى المطاعم… بل جل ما طلبته هو الاختلاء بنفسها عند قضاء حاجتها أو عند الاستحمام، ويا له من مطلب صعب المنال بأجواء السجن القاسية. ظل يمطرها بنظرات الحب والإعجاب وردد من بين غصات قلبه التي تؤلمه على حالها، يرسم بسمة مزيفة على وجهه: # بتثقي فيا؟ أجابته بعفوية: # أثق فيك بإمارة إيه؟

ردها السريع والعفوي جعله يطلق ضحكة رنانة مدهوشة من جرأتها، فهتف مازحاً: # الواحد يرد يقول آه، طبها بثق فيك… أو يقول لو موثقتش فيك يبقى حثق في مين؟ إنما أنتِ بتحدفي دبش. رددت بحيرة: # أيوه أنا مش فاهمة إيه المغزى من كلامك؟ أشار أمامه لبنايات عالية ومنظمة تبعد مسافة ربع ساعة فقط من موقعهما وهتف: # شايفه عمارات الضباط اللي هناك دي؟ أومأت بنعم، فأضاف:

# حاخدك الشقة عندي تعملي اللي نفسك فيه، تاخدي دش وتنامي في البانيو وتعملي كل اللي نفسك فيه. نظرت له بوجل ولم تعقب على حديثه، فأكمل هو ليطمئنها: # وأنا أصلاً مش هطلع معاكي الشقة، هديكِ المفاتيح تدخلي وتقفلي على نفسك وخذي راحتك على الآخر، ولما تخلصي انزليلي حتلاقيني مستنيكي في العربية. أمام ذلك العرض السخي لم تستطع أن ترفض رغم المخاوف التي أرقتها، فقاد سيارته وصفها أمام البناية وأخرج مفتاح شقته من بين سلسلة مفاتيحه

وردد والبسمة تلمع بوجهه: # اتفضلي…. اركبي الأسانسير، أنا في الدور الرابع شقة عشرين. هتفت بتخوف: # محدش حيقولي طالعة فين ولا مثلاً ممكن حد يشوفني عندك، ف… قاطعها بوضع كفه الغليظ على فمها وهتف داعماً: # متشغليش بالك بحاجة. ***

ظل يتجرع مرارة الحبس والتنمر والإقصاء، ومن ذلك هو اعتداء المساجين عليه نفسياً وجسدياً، مما جعله هشاً وضعيفاً، فتذكرها وهو بذلك الوضع ليحدث نفسه كيف استطاعت أن تصمد كل هذا الوقت بداخل تلك الجدران التي تسحب روح الإنسان. لعن بداخله انسياقه وراء تخطيط محاميه وشريكه بكل شيء، وتذكر بداية معرفته به عندما تخرج وعمل بمكتبه كسكرتير. *فلاش باك* ظل يصيح ناصر للعاملين لديه بحنق:

# أنا كده حخسر القضية… لازم كلكم تشتغلوا وتطلعولي أدلة أعرف أستخدمها. تذكر أكرم أن الخصم بتلك القضية يعمل مدير قطاع بأحد المصالح الحكومية، أو بالاحرى بنفس القطاع الذي يعمل به والده كساعي. لمعت الفكرة برأسه، فاخيراً جاء الوقت ليستغل وظيفة والده المغزية من وجهة نظره، فتحرك وذهب لأحد مراكز بيع أجهزة التسجيل المتطورة، واتجه بعدها لمقر عمل والده.

دلف يبحث عنه حتى وجده ينظف المكاتب بقطعة قماش صفراء اللون وهو يرتدي ذلك الزي الخاص بالسعاة. رحب به والده وهتف بسخرية: # ياااه، جاي بنفسك لحد أبوك الفراش؟ ابتسم أكرم بتصنع وهتف: # يعني أنا غلطان إني جاي أشوفك وأطمن عليك؟ أجابه بتهكم واستهزاء: # لااا، فيك الخير يا أكرم، بس ابقى اسأل عن أمك أحسن. ظل يتجول معه أثناء تنظيفه للمكاتب حتى وصل لمبتغاه وهو مكتب الخصم، ودس جهاز التسجيل بالمكتب.

وظل يتابع بعدها التسجيلات من تطبيق تابع للجهاز قام بتحميله على هاتفه، حتى استطاع أن يجد الحل الجذري والقاطع للقضية. وهنا دخل لمكتب ناصر بخيلاء وتباهٍ هاتفا: # أستاذ ناصر. نظر له الأخير وهو منشغل بالأوراق التي لديه، فتلك القضية هي حد فاصل لمسيرته العملية والمهنية، والتي من الممكن أن تنقله لمستوى آخر. هتف بانشغال: # عايز إيه يا أكرم؟ أنا مش فاضي. ابتسم أكرم بمكر وهتف باستعراض:

# اللي يجيبلك مفاتيح القضية دي كلها ويضمنلك المكسب الأكيد، تعمل معاه إيه؟ بالطبع حاول الاستفادة من هذه الفرصة التي لن تعوض، فأجابه ناصر: # عندي استعداد أخليه شريك معايا في المكتب. ردد بحيرة: # طيب لو مش محامي… يعني حد زيي كده؟ رمقه بنظرات متفحصة وهتف بنفاد صبر: # ما تخلص يا أكرم بقولك مش فاضي. أخرج التسجيلات ووضعها أمامه وقام بتشغيلها حتى استمع لها ناصر والدهشة تعلو وجهه، فابتسم بانتصار وهتف بإعجاب: # يا ابن اللعيبة؟

… لااا، ده أنت داهية وحقك تطلب مني اللي أنت عايزه. أجابه بثقة وكأنه يعلم تماماً ما يريد: # چيهان مهران. نظر له الأخير وهو منشغل بالأوراق التي لديه، فتلك القضية هي حد فاصل لمسيرته العملية والمهنية، والتي من الممكن أن تنقله لمستوى آخر. هتف بانشغال: # عايز إيه يا أكرم؟ أنا مش فاضي. ابتسم أكرم بمكر وهتف باستعراض: # اللي يجيبلك مفاتيح القضية دي كلها ويضمنلك المكسب الأكيد، تعمل معاه إيه؟

بالطبع حاول الاستفادة من هذه الفرصة التي لن تعوض، فأجابه ناصر: # عندي استعداد أخليه شريك معايا في المكتب. ردد بحيرة: # طيب لو مش محامي… يعني حد زيي كده؟ رمقه بنظرات متفحصة وهتف بنفاد صبر: # ما تخلص يا أكرم بقولك مش فاضي. أخرج التسجيلات ووضعها أمامه وقام بتشغيلها حتى استمع لها ناصر والدهشة تعلو وجهه، فابتسم بانتصار وهتف بإعجاب: # يا ابن اللعيبة؟ … لااا، ده أنت داهية وحقك تطلب مني اللي أنت عايزه.

أجابه بثقة وكأنه يعلم تماماً ما يريد: # چيهان مهران. نظر ناصر أمامه بتعجب، فأضاف الأول: # تساعدني أوصلها. فهم على الفور ما يريده منها، فهي إحدى موكلاته هي وأبوها رجل الأعمال الثري والغني، فهتف ناصر: # بسيطة، أنا هقولك على كل مفاتيحها وانت عليك تشعلقها بيك. حرك رأسه معترضاً وردد: # مينفعش وأنا شغال هنا… لازم أشتغل عندهم في الشركة عشان أبقى قريب منها، وبعدها بقا تبقى تقوللي مفاتيحها على مهلك. ***

دَلفت شقته وأخذت تتلفت حولها بعد أن أوصدته من الداخل، حتى وقعت عينها على غرفة النوم. دَلفت بخطى بطيئة وهي تنظر حولها للإطار الكبير الذي يتوسط الحائط وبه صورة زفافه مع زوجته الراحلة فائقة الجمال. التفتت لتجد مرآة الزينة لا يزال عليها أدوات التجميل الخاصة بزوجته وعطورها متراصة وكأنها لا تزال على قيد الحياة.

دفعها فضولها لتفتح خزانة الملابس، وكما توقعت تماماً، وجدت ملابسها معلقة ومغلفة بأكياس للحفظ ومتراصة بشكل منظم، والأعظم أنها معطرة بعطر أخاذ.

خرجت لتتوجه للغرفة المجاورة والتي أيقنت أنها تخص غاليته الأخرى وصغيرته الراحلة، وبالفعل وجدتها هكذا بلونها الوردي وألعابها المتراصة على الأرفف وفراشها الصغير، فتملكها البكاء وهي تنظر لصورهم المعلقة على جدران الغرفة، تظهر مدى سعادتهم، وحتى سيف نفسه يبدو أصغر سناً وأكثر شغفاً وسعادة بالحياة، حتى بسمته مختلفة، ونظرته مختلفة.

عادت تدلف غرفة النوم الأساسية ودخلت المرحاض لتجد ذلك المغطس الكبير، فابتسمت دون إرادة منها عندما فتحت صنبور المياه لتنزل منه مياه دافئة، وأمسكت علب الصابون الخاص بالمغطس وأفرغت منها بداخله، وخلعت ملابسها ورفعت شعرها واستكانت بداخله لتنسى تعبها وإرهاقها طوال فترة حبسها وتنسى معها إحساسها بالوقت. ***

صف سيف سيارته بعيداً قليلاً عن مدخل البناية حتى لا يعيق حركة المرور، وظل يتصفح هاتفه، فلم ينتبه لوالدته التي دلفت برفقة خادمتها كزيارة دائمة منها لشققته في أوقات عدم تواجده لتنظيفها وتعطيرها. صعدت كعادتها وأدخلت المفتاح بالباب، ولكنها تفاجأت بإغلاق المزلاج من الداخل، فزفرت بضيق وهتفت: # يوووه… ده سيف باين عليه جوه، مش هنعرف نخلص تنضيف وهو موجود. أجابتها خادمتها: # متقلقيش يا ستي… أنا هعرف أنجز في السريع.

أومأت موافقة وبدأت برن جرس الباب، فانتبهت تلك النائمة داخل المغطس لتنتفض بفزع وتهتف دون وعي: # يا خبر أبيض، أنا نمت ولا إيه؟ وقفت من مكانها تبحث عن منشفة، فوجدت رداءين للاستحمام، لتتيقن على الفور أن أحدهما يتبع زوجته الراحلة، فأمسكت خاصته ترتديه على جسدها المبتل وهي تردد: # ده أكيد سيف بيستعجلني. هرعت للباب والقرع لا يزال على حالته، ووالدته تردد بتذمر: # قافل على نفسك ليه طيب.

فتحت دارين بلهفة ظناً منها أنه سيف وأنهما قد تأخرا على العودة وربما قد تسببت بإيذائه بعمله دون قصد، لتتفاجأ بتلك السيدة الوقورة والتي يبدو عليها الشيب قليلاً، وخلفها سيدة أخرى ملامحها وملابسها توحي بأنها خادمة. فرفعت حاجبيها بدهشة عندما هتفت منار بحدة: # أنتِ مين؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...