الفصل 19 | من 46 فصل

رواية سجينتي الحسناء الفصل التاسع عشر 19 - بقلم أسماء عادل

المشاهدات
17
كلمة
6,461
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

جلست تنتظر دورها برفقة والدتها وزوجة أخيها الأكبر. حتى دلفت، وانتهى الطبيب من تضميد جرحها ووضع عليه اللاصق الطبي. هتف بعملية: "البلاستر ده تشيليه بعد تلات أيام، وبعدها تقدرى تجيبى عليها ميه وتعيشي حياتك عادي جدا." تَهللت أسارير فدوى هاتفة بفرحة: "الحمد لله يا رب، ألف حمد الله على سلامتك يا ديدي." ابتسمت ابتسامة مقتضبة لشعورها بوخزة قوية لا تعلم سببها. فهتفت فدوى تسأل الطبيب: "والأكل؟

أجابها وهو يعود ليجلس على مكتبه ممسكاً بقلمه استعداداً لكتابة الإرشادات الطبية: "لا الأكل لسه شوية، متستعجليش. بس نقدر ندخل الفاكهة في نظامها الغذائي، وهكتبلك على كل الإرشادات الجديدة عشان متحتاري." انتابتها غصة قوية، فهي ستظل تأكل بنفس الطريقة المقززة. فتنهدت بيأس هاتفة بتساؤل: "هو أنا ينفع اتمرن؟ انعقدت حاجبا الطبيب متسائلاً: "تدربي إيه مش فاهم؟ أجابته: "رياضة… ألعب رياضة." أماء معقباً:

"لو مفيهاش عنف… ويكون من غير مجهود جامد، يعني شوية مشي يبقى أوكي." تضايقت من تقييدها بنوع معين، فتساءلت باطناب: "يعني الجري ونط الحبل لا؟ تنهد قليلاً هاتفا: "ماشي، بس مرتين في الأسبوع كفاية أوي." أطرقت رأسها بيأس، فربتت ليلى على رأسها بحنين مواسية إياها: "هانت يا عروسة." رفعت وجهها تنظر لها بحزن وحسرة على حالها. فوجدت تلك الوجوه المبتسمة تعطيها ولو قدر ضئيل من الأمل والانطلاق على الحياة.

ولكن ما هلل أساريرها حقاً هو صوت هاتفها المعلن عن اتصال تعلمه جيداً. فأجابت بصوت ملهوف: "سيف." ردد بغزل: "مولاتي… جميلة الجميلات، انتي فين؟ أجابته وهي تهم بالخروج من العيادة الطبية: "لسه خارجة من عند الدكتور." خرجت أصوات تنهداته الحارقة وسألها باهتمام: "و قالك إيه؟ أجابته بإيجاز: "مفيش جديد يا سيف… بس سمحلي اتمرن شوية." حمسها قائلاً: "طيب ده جميل جداً، اعملي حسابك تتمرني في وشي." ضحكت على مزحته ودلفت المصعد.

فتقطّع الصوت قليلاً حتى وصلت للطابق الأرضي. وفور أن خرجت سألته: "كنت بتقول إيه مسمعتكش؟ ابتسم وهو ينظر لها مستنداً إلى سيارته هاتفا بصوت مسموع: "بقولك أنا تحت." اتسعت شفتاها حتى أذنها فور أن رأته بطلته الخاطفة للأنفاس. واصراره دائماً على التواجد بكل ما يخصها وارتداءه الدائم لبدلته الميري حتى يدعمها ويراه الناس برفقتها. وكأنه يعطي فكرة لمن أمامه أنها تخصه وحده. وكل الأقاويل الكاذبة عنها لا تهمه.

رحبت فدوى به ترحيباً حاراً هاتفة بمحبة صادقة: "حبيبي يا ابني… تعبت نفسك ليه بس؟ رفع نظارته الشمسية قليلاً ونظر لها من أسفل عينه هاتفا: "وده اسمه كلام برده!! خلل أصابعه بخاصتها واتجه ناحيته سيارته هاتفا كمن يعلمهم لا يستأذنهم: "يلا عشان نتغدى، أنا ميت من الجوع." صعدا بالخلف بعد أن انحنى وفتح لها الباب المجاور له وفعل بالمثل مع فدوى وليلى. فشعرن بمدى رُقيه وذوقه الرفيع. ***

انتظر وانتظر أمام أبواب السجن حتى يسمحوا له بالدخول في موعد الزيارة المقررة. فور أن وجدها أمامه هتف بغل: "أهلاً ببنت عمي." قوست فمها لأعلى بطريقة سوقية هاتفة وهي تمصمص شفتاها: "توك افتكرت إن ليك بنت عم، يعني مش كفاية إني مرات أخوك وبنت عمك ومتجيش تزورني إلا لما أبعتلك!! تحشرج صوته الأجش هاتفا بسبّة نابية: "بلا قرف يا وش البومة يا ****، نحس من يومك، قال مرات أخويا… قصدك أرملته يا أم وش عكر." زفرت

أنفاسها بضيق وهتفت بملل: "اخلص يا عطوة… وقت الزيارة حيخلص." اقترب منها أكثر وسألها باهتمام: "عايزة إيه يا لواحظ؟ ما كنتي بعتي اللي عايزاه مع الولية إياها." ضحكت بخفة هازئة منه مرددة بخبث: "وهو ينفع تكشف ورقك كله قدام الغريب؟ أماء معقباً: "أنا وأخويا على ابن عمي." لتكمل وهي تشير بسبابتها على اثنتيهما:

"وأنا وابن عمي على الغريب، وبردك أنا مش واثقة فيها أوي يعني… في الأول والآخر دي كلبة فلوس وزي ما باعت الباشا ممكن تبعني." زم شفتيه باهتمام قائلاً: "إيه المطلوب؟ اقتربت بوجهها ناحيته هامسة: "اديني ودنك وأنا أقولك." *** وقف يرتجف خوفاً وهو مطرقاً رأسه لأسفل يستمع لتوبيخ لاذع من رؤسائه. فهتف أحدهم ذو المنصب العالي وهو رجل الأعمال المشهور شهاب البدراوي: "اعتمدت عليه وسلمته رقبتنا، وأدى النتيجة."

ابتلع لعابه بذعر حقيقي، فهو يعلم تماماً أن اللعب مع الكبار قد يؤدي إلى كارثة حقيقية. فردد بوجل: "كل المستندات اللي معاه صور مش أصول يا ريس و…." قاطعه شهاب صارخاً: "يكفي إن أسامينا جت في قواضي زي دي، ولسه لما يشهد في المحكمة." اقترب ناصر الصواف منه واتكأ على مكتبه هاتفا بطمأنة: "متقلقش يا ريس، كله تحت السيطرة." ابتسم رافعاً حاجبيه ونظر له نظرات ممتعضة هاتفا من بين أسنانه: "وهو أنا جايبك هنا النهارده عشان تطمني؟

أنا لو عندي شك واحد في المية إن فيه قلق عليا أو على أي حد من رجالتنا كان زمانك أنت والزفت اللي اسمه أكرم مفرومين تحت عجل عربيتي." عاد الوجل والذعر لملامح وجهه وهتف بتلعثم: "أو.. أوما..ل حضرتك..عاايزني في إيه؟ اتكأ شهاب على مقعده الضخم خلف مكتبه العريق هاتفا بعجرفة: "جايبك أطمنك يا ناصر إنك في الأمان بس لازم تعمل اللي عليك الأول عشان تفضل معانا." ابتسم ابتسامة مزيفة وسأله: "إيه المطلوب مني يا ريس؟ أجابه بسلاسة:

"تقتل أكرم." *** انساق بدفعات قوية مهينة من قبل حراس السجن وتناول ملابسه البيضاء ليُوضع بزنزانته لحين البت في قضيته. لم يظن يوماً أنه بعد أن خرج أخيراً من حارته المتواضعة وسكن القصور أن يؤول به الأمر قابعاً بعنبر السجن المكدس بالمحكوم عليهم. جلس على طرف الفراش المهترئ يسترجع لحظاته معها ويقر بداخله أنه أحبها حقاً. ولكن هل أحبها أكثر من نفسه أو من المال؟ بالطبع لا…. فعبادته هي المال وحياته هي المال.

وهو مستعد أن يبذل الغالي والنفيس في سبيل استعادة ما فقده. حنّى رأسه مغزياً وكلمات ناصر ترن بأذنيه: "انت ورطت نفسك لما اعترفت وكمان دخلت أسامي الناس الكبيرة دي في الليلة بتاعتك." زفر بضيق هاتفا: "ما أنت سبتني أخبط لوحدي هنا." رفع شفته بحنق موبخاً إياه: "كنت بضبطلك الدفاع يا قفل، عشان تخرج من جريمة القتل وانت بريء وكمان تقدر تورث فيها." تعجب وفقد باهتمام واضح وهو يسأله باطناب: "إزاي؟

إزاي تقدر تخرجني براءة وإزاي تقدر تخليني أورث فيها وأنا اللي قتلتها؟ لاحت ابتسامة خبيثة على شفتيه وشعر أنه مهيمناً على الموقف برمته وهتف بثقة وغموض: "لأن القاتل بحق يرث." ماذا؟ ماذا قال لتوه؟ القاتل بحق يرث!! ما اللعنة التي تفوه بها الآن؟ وماذا يقصد؟ هو يحتاج لأن يفهم ولكن يعلم تمام العلم بأن ناصر يستحيل أن يكشف أوراقه هكذا وبسهولة ودون ثمن. فتساءل بحيرة: "حتفهمني؟ ولا حتسيبني كده أعمى في الضلمة دي؟

اقترب بمقعده منه وهتف: "عندي إثبات لخيانه مدام جيهان، وبحاول أجمع الخيوط إنك تكون عرفت وواجهتها واعترفتلي فمستحملتش وقتلتها بلحظة جنون و نبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد." لم يعِ تماماً ما ألقاه على مسامعه. فعاد يسأل: "يعني إيه لحظة جنون؟ انتي ناوي تدخلني المصحة ولا إيه الحكاية؟ سأله بحيرة: "والدليل التاني بتاع حمايا والتشريح؟ ابتسم بخبث وهتف ماكراً: "انت مستعجل ليه؟

اصبر، بس المهم دلوقتي إن الحسبة بتاعتك تعدي على خير وتنكر كل حاجة حتى المستندات اللي قدمتها وطبعاً حتقول إنك مضيت على الاعتراف تحت التعذيب." ابتسم بانتصار هاتفا: "والضرب اللي أخدته من الباشا العاشق الولهان حيساعد جدا، عرفت ليه أنا وقتها صممت أثبت آثار الاعتداء عليك في النيابة؟ ومعايا كمان صورك وانت متبهدل عشان أقدر أثبت ده." زفر أنفاسه الغاضبة وسأله بضيق: "وإيه آخر أخبارهم؟ حرك رأسه للجانب قليلاً هاتفا بتلاعب:

"متأكد إنك عايز تعرف؟ أومأ محركاً رأسه بحركات متتالية عدة مرات. فأجابه ناصر: "اتخطبوا رسمي وكتب كتابهم على الأبواب." لا يعلم لما انتابه ذلك الشعور بالقهره والألم. ظل زامّاً شفتيه بحنق وغِل لا مثيل لهما وصر على أسنانه بغلظة كاتماً صرخته الغاضبة. فلاحظ ناصر وجومه فهتف محذراً: "سيبك منها ومنه دلوقتي، تفوق من اللي أنت هببته وبعدها ليهم رووقة، بس نخرج من الورطة اللي حطيتنا فيها مع البوليس ومع الكبير بتاعنا ورجالته."

بلل شفتيه بطرف لسانه وعاد يقضمها بقسوة مؤمئاً بالإيجاب. فخرج ناصر من زيارته بصفته الدفاع عنه. عاد من شروده على صوت غليظ بجانبه يسأله: "جاي في إيه يا أخينا؟ نظر له ولا تزال نظرات التقزز من المكان برائحته الكريهة مرسومة على وجهه: "جاي في قتل." اندهش الرجل منه وهتف بسخرية: "مع إن شكلك توتو خالص." مزهواً بنفسه أجاب: "متنخدعش بالمظاهر." اعتدل بجلسته ومد ساعده يسلم عليه معرفاً بنفسه: "أكرم المغربي."

قابله بنفس الترحيب وردد: "حلاوة السلاموني… اتجار ومدبس في قتل وهروب وليلة كبيرة." هرت أكرم على كتفه مردداً بحميمية زائفة ونبرة خشنة مصطنعة: "السجن للجدعان." ابتسم بإعجاب وأومأ موافقاً ومعقباً: "منهم لله بقا، ولا بصراحة المعلم ميجوزش عليه إلا الرحمة دلوقتي، ما هو مات في المداهمة بتاعة البوليس… قال يا أموت يا أهرب لكن أدخل السجن."

ظل يثرثر ويثثر يقص عليه عمله مع كبيرة الذي ضحى بحياته من أجل إنقاذ زوجته من المؤبد ولكنه فشل وعادت هي للسجن واندثر هو تحت التراب. ليهتف مستنكراً: "وأهو مات وكله من بت الابالسة دي اللي كانت مع المعلمة لواحظ." سأله أكرم بحيادية: "ما أنت بتقول المعلمة لواحظ كانت حطاها في دماغها، ليه مقتلتهاش؟ أجابه بعفوية غير مبالٍ بشيء ولا يعلم أنه سيلقى قنبلة نووية تعادل قنبلة هيروشيما التي فجرت شبه قارة بأكملها وتركت وراءها

الخراب هاتفا باستفاضة: "على ما سمعت من المعلم الله يرحمه، البت دي أول ما دخلت السجن لعبت مع المعلمة وضيعت هيبتها." سأله بتعجب: "إزاي؟ أجابه: "ضربت الحريم اللي تبعها وبهدلتهم على الآخر وطلعت في الآخر بتلعب حاجة كده زي اسمه إيه ده فان دام وسيلفستر والناس دي." عقد حاجبيه بدهشة هاتفا بتساؤل: "كراتيه يعني وفنون قتال؟ ببسمة ربت على كفه مؤيداً لما قاله:

"الله ينور عليك…. وبعدها بقا عملت جو مع معاون المأمور وبقا ليها ضهر في السجن وعرف يحميها من المعلمة." هنا بدأت الخيوط تتجمع أمامه وكأن القدر يلاحقه حتى يعطيه فرصة للثأر منها ومنه. فاستمع للسجين يوضح: "ولما المعلمة هربت سابتها قال إيه عشان تكيدها لما قتلت المعاون، بس طلع بسبع أرواح وخرج منها صاغ سليم يا أخي.

وراحت شهدت ضد المعلم عتريس والمعلمة لواحظ وبقا الراجل هربان لحد ما عرفوا مكانهم وهاجموهم وأنا كنت معاهم واتأخدت كبش الفدا لباقي الرجالة اللي هربوا." أومأ برأسه مستمعاً بتفحص وتركيز وهو يكمل: "بس أنا لو معرفش المعلمة على حق كنت قلتلك الحكاية خلصت على كده… إنما متبقاش لواحظ المر إن ما أخدتش حقها منهم الاتنين وأنا أهو وأنت أهو والأيام بينا، حتخليهم عبرة لمن يعتبر.

ده المعلم مات وهي رجعت السجن يعني خلاص مش باقيه على الدنيا." اقترب منه أكرم هاتفا بحذر: "تعرف توصل للمعلمة دي؟ سأله بدهشة: "ليه؟ ابتسم وأجاب بصوت به لمحة انتصار: "ما أنا هنا بسببهم برده… معاون المأمور وحبيبة القلب ومش حأرتاح إلا لما آخد بتاري منهم." هتف حلاوة متسائلاً بوجل: "لاااا… واحدة واحدة كده وفهمني القصة إيه وأنا ساعتها أوصلك بالمعلمة لواحظ والمعلم عطوه أخو المعلم عتريس الله يرحمه وساعتها بقا اللعب حيحلو." ***

شعر بالغرابة قليلاً، فهو يعلم أنهم لو أرادوا قتله لن يحتاجوا لمساعدته هو. ولكن لهم ألف طريقة وطريقة… لذا لما اختاروه هو بالتحديد لتصفيته؟ انحنى باحترام وعاد لينتصب بجسده هاتفا: "أوامرك يا شهاب بيه…. بس في حاجة صغيرة فايتة على جنابك يا ريس." أمسك شهاب بسيجاره الضخم وأخرجه من كيسه البلاستيكي وأمسك بمقصلة صغيرة قص بها طرف السيجار وبدأ بإشعاله بولاعته الذهبية. واتكأ بمقعده واضعاً قدم فوق الأخرى هاتفا بعجرفة:

"ما أنت من المستشارين بتوعي وأنا مشغلك عشان تقولي الحاجات اللي بتعدي عليا، أنا سامعك يا ناصر." جلس أمامه بخجل وضم قدميه معاً باحترام هاتفا بتأكيد: "أكرم كده ولا كده ميت، بس لو مات دلوقتي الشوشرة حتبقى كبيرة واسم سعادتك حيجي في الموضوع حتى لو بالتلميح من بعيد. أنـماااا…." صمت ليزيد الموضوع إثارة. فاخرج الآخر سيجاره من فمه وهتف بصوت أجش: "أنما إيه يا ناصر انطق؟ أومأ الآخر موضحاً:

"لو اتقتل دلوقتي الناس والصحافة ما حيصدقوا وحيمسكوا في الأوراق والمستندات وتبقا حكاية. أنما لو مات بعد ما يكذّب النيابة والمباحث ونطعن في صحة الأوراق ساعتها الحكاية حتبقى أحسن." شرد لحظة يفكر في صحة ما قاله محاميه، فهو حقاً سيأتي اسمه دون قيد أو شرط إن قتل أكرم الآن. لكن إن انتظر ريثما ينفذ ناصر اتفاقه معه ويُكذّب اعترافه بالمحكمة سيُنسى الأمر تماماً وبعدها لن تحدث أي جلبة أمام مقتل مسجون بالسجن بأي حادث عفوي.

أومأ موافقاً على حديثه هاتفا بدعم: "أنا معاك يا ناصر.. عفارم عليك، فعلاً كانت تايهة عني الحكاية دي؟ عاد يسحب نفساً من سيجاره الباهظ ويزفره بتمهل هاتفا بتأكيد: "نفذ أنت في الوقت اللي تشوفه مناسب والأهم من ده كله إن لا اسمي ولا أي اسم من الناس اللي تبعي ييجي في القضية دي." باحترام وتحية عسكرية منمقة أجاب ناصر: "أوامر معاليك يا ريس وزي ما قلتلك، كله تحت السيطرة." ***

قضت يوماً من أحلام يقظتها لتعلم أن ما شعرت به سابقاً لم يكن حباً على الإطلاق. وأن سُمي حب فما تشعره الآن هو العشق الخالص دون قيد أو شرط. الانصهار بداخل شخص تسلم له كل كيانها. فهو لم يتوانَ أبداً عن إظهار حبه ومشاعره تجاهها. وما زادها انصهاراً هو تباهيه بها أمام الجميع كأنه فاز باليانصيب أو وجد كنزاً ثميناً. فحينما تقابل بالمطعم مع بعض من معارفه اقتربوا منه حتى يرحبوا به.

فوقف بزهو يخبرهم من هي بأسلوب خطف أنفاسها بل وسرق نبضات قلبها هاتفا باعتزاز: "الملكة دارين… خطيبتي ومراتي كمان كام يوم." تعللت الدهشة وجوه رفاقه ورحبوا بها وبوالدتها وزوجة أخيها. ليهتف أحدهم: "معقول في حد عرف يوقع سيف المهدى؟ دي معجزة." ابتسمت بصمت ليعقب بتواضع: "يكفي شرف إنها رضت بيا." يهتف مازحاً: "أنت مش شايف منك له أنا خاطب إيه؟ دي شبه الطلاينة (نسبة لإيطاليا) يا بني." اقترب أحدهم وهمس له:

"فرحانلك يا سيف إنك انخطيت موضوعك القديم، والف مبروك." ليهتف الآخر: "عارف لو معزمتناش على الفرح؟ ببسمة فرحة هتف: "كتب الكتاب فاضل عليه تلت أيام في الدار اللي تبعنا بتاعة الشرطة، وأكيد حأعزمكم على الفرح." ليهتف زميله بمشاكسة: "لا معلش…. إحنا جايين كتب الكتاب يا باشا." لينظر حوله محدثاً باقي رفاقه: "ولا إيه يا بشوات؟ أجابوا جميعاً بالموافقة. فابتسم لهم هاتفا بترحيب:

"تنوروا والله بس على الله متجوش بقا أنا خلاص عملت حسابي إنكم جايين." يتحدث آخر هاتفا: "نيجي خفيف ولا نجيب الحكومة معانا؟ ضحكاتهم الساخرة علت حتى وصلت لمسامع رواد المطعم. فهتف سيف من بين انهياره الضاحك مؤكداً: "لو تقدر تيجي من غيرها تعالى، عشان حتلاقي شوية مزز في الفرح. أنما إيه… أصل قرايب العروسة كلهم نفس العينة القمر دي." رفعت حاجبها ببسمة ضاحكة وهي تجده يتغزل بأقاربها ويشاكس ويعاكس ويمرح.

فابتسم لها بطرف عينه وأمسك راحتها مقبلاً إياها وهو يردد: "بس أنا أخدت الألفا اللي فيهم." استأذنوا رفاقه بعد الكثير من المرح والسخرية والمشاكسة. ليعود ويجلس بجوارها مخللاً أصابعه بخاصتها يتحدث مع والدتها بأمور الفرش والجهاز. وكأن شغله الشاغل هي تلك الزيحة وكأن أول اهتماماته هو تجهيز منزل الزوجية. لتشعر بتضخم قلبها من فرط المشاعر الجياشة التي تشعر بها تجاهه. وصلها بسيارته حتى أسفل بنايتهم فهتفت فدوى بترحيب:

"اطلع شوية يا سيف اقعد مع عمك." اعتذر متحججاً: "معلش يا طنط والله ورايا مشاوير كتير… وقت تاني إن شاء الله." غمزت ليلى لحماتها هامسة: "ما تيجي نطلع أنا وأنتي وتبقى دارين تحصلنا؟ وافقت على اقتراحها واقتربت للأمام من ابنتها الجالسة بجواره وهتفت: "دارين…. متتأخريش عشان أبوكي ما يزجرنش." التفتت لها سيف وأكد لها: "حنشرب حاجة على السريع في الكافيه اللي على أول الشارع وحطلعها على طول يا طنط." أماءت موافقة واتجهتا صوب المصعد.

ليبدأ سيف بالقيادة صوب المقهى القريب من منزلها واستدعى النادل هاتفا بمرح: "بما إن الدكتور سمح بالفاكهة يبقى أجيبلك عصير… ها إيه رأيك؟ وافقت وتلك البسمة البلهاء لا تزال مرسومة على وجهها. فمد ساعديه وأمسك راحتيها الممدودتين أمامها على المنضدة. ونظر بعمق عينيها وهتف متغزلاً بحسنها الذي سرقه: "مولاتي…. أنا مش مصدق إن خلاص فاضل أيام وتبقى مراتي." أجابت بصوت خجول:

"لا صدق… أنا اللي مش مصدقة إن ربنا كتبك ليا وأنت كتير عليا أوي يا سيف." امتعض وجهه ورفض حديثها: "متقوليش كده… إنتي اللي كتير عليا، وأنا محظوظ وربنا بيحبني إنك وقعتي في طريقي." أطرقت رأسها بخجل. فعاد يقترب من مقعدها ووضع سبابته أسفل ذقنها هاتفا كلمته المعتادة: "أوعي تخبي عنيكى عني… مقدرش أعيش من غير ما أشوفهم."

شعرت بالانتشاء والتخمة من مشاعره الجياشة وشعر هو بنيران عشقه الذي توغل بسائر جسده بدءاً من عقله مروراً بشرايينه حتى تربعت على عرش قلبه. ظلا هكذا حتى صدح رنين هاتفها برقم والدها. فهتفت بتوتر: "بابا أكيد بيستعجل." سحب منها الهاتف وأجابه بجدية وصوت رجولي: "أيوه يا عمي." سأله الآخر بصوت رزين: "انتو فين؟ أجاب على الفور: "حدفع الحساب وعشر دقايق ونكون قدامك." أغلق معه ودفع حساب المشروبات واتجه لبنايتهم. وصمم على إيصالها حتى

باب شقتها ولكنها تمنعت: "مش كان وراك مشاوير؟ … روح شوف وراك إيه؟ أومأ رافضاً ومؤكداً بتحركاته صوب المصعد هاتفا: "اطمن إنك دخلتي البيت الأول." دلفا المصعد وضغط على زر الطابق الذي تقطن به. ولكن عقله تلاعب معه وجعله يضغط زر إيقافه. فنظرت له بفضول هاتفداً: "وقفت الأسانسير ليه؟ اقترب منها حتى أصبحت حبيسته وانحنى بالقرب من أذنها هاتفا بنبرة خطيرة: "أنا وعدت جمال إني مش حأتجاوز معاكي ولا حقرب منك إلا لما تبقي مراتي."

ابتلع لعابه بإثارة وهو ينظر لشفتيها المصبوغة بحمرة قاتلة وهتف: "بس مش قادر أوفي بالوعد ده…. سامحيني." فور أن انتهى من حديثه لم يمهلها الفرصة لتجيب فالتقط شفتاها بقبلة عميقة بث لها فيها مشاعره الفياضة وسط دفعاتها له ورفضها لتخطيه الحدود معها. فتوقف فور أن وجد رفضها الصريح. ابتعدت عنه فور أن تركها وضغطت على زر إعادة تشغيل المصعد وهي متجهمة الوجه. فحاول أن يلاطفها بالحديث ولكن لم يسعفه الوقت لوصول المصعد للطابق المنشود.

خرجت مندفعة بضيق. فأمسكها من ذراعها بحدة ونظر بعمق عينيها والفضول يأكله من ردة فعلها تلك المرة على قبلته. تلاقت الأعين وتساءلت عينه بالكثير من الأسئلة التي لم يجد بعينيها إجابة سوى الوجوم. فحرك رأسه وهو لا يزال ممسكاً بذراعها وسألها بحيرة: "كل ده ليه؟ أجابت بضيق وهي تكتم عبراتها: "مش شايف إنه غلط؟ أجاب وهو يصر على أسنانه: "عارف إنه غلط… ومش بنكر ده، بس أنا بحبك وكتب كتابنا فاضل عليه أيام." صاحت بحدة: "ووعدك لجمال؟

إن حتى بعد كتب الكتاب…." قاطعها: "إنتي زعلانه مني عشان بحبك ومش قادر أبعد عنك؟ بكت وهتفت بحزن: "لا…. زعلانه منك إنك بتتعامل معايا كده عشان أنا مطلقة وافتكرت إن كل حاجة مباحة." لم يستطع الرد عندما انفتح الباب أمامه ليطل منه جمال بطوله الفارع وصوته الرجولي هاتفا: "بلاش كلام على السلم… ادخلوا جوه أحسن." ابتلعت بضيق وتحركت للداخل وهي تؤكد: "مفيش داعي للكلام من الأساس." غابت عن عينه فظل متسمراً مكانه. فاقترب منه

جمال يسحبه للداخل هاتفا: "تعالى يا سيف نتكلم جوه… هو إيه اللي حصل؟ سحب ذراعه ببطء وتوجه للمصعد هاتفا: "بعدين يا جمال…. حكلمك لما أخلص اللي ورايا." *** طرقت بيدها على الباب ففتحت لها الخادمة وأخبرت منار بوجودها. فرحبت بها كثيراً وأدخلتها غرفة الضيوف. فأخذت تتلفت حولها وهي متوترة. فنظرت لها منار بحيرة متسائلة: "مالك يا هايدي؟ ابتلعت لعابها بوجل هاتفه بحسرة: "موضوع سيف ماشي زي ما هو موقفش يا عمتو." قوست فمها بغل وهتفت:

"ومش حيقف يا هايدي… إنتي عارفة سيف قد إيه عنيد ولما بيحط حاجة في دماغه بينفذها. ده غير إني فعلاً أول مرة أشوفه كده.. حتى أيام نيفين الله يرحمها مكانش كده." لمعت عينها بالضيق متسائلة بحسرة: "يعني قصدك إنه بيحبها أكتر من نيفين؟ أماءت مؤكدة على حديثها هاتفه: "ده مش بيفكر غير فيها هي وبس، ويمكن عنده استعداد يخسر الدنيا كلها عشانها." ضربت بكفيها على فخذها بحسرة وانكسار تندب حظها العسر:

"بعد كل اللي عملته ده وبرضه راح مني تاني يا عمتو." تعجبت قليلاً من حديثها فسألتها بحذر: "إيه ده اللي عملتيه؟ ابتلعت برعب وإجابت: "عملت عمل عشان يسيبوا بعض بس منفش." ضربت صدرها بكف يدها تصرخ بدهشة: "ليييه؟ يا نهارك أسود…. عملتي لابني عمل؟ إنتي اتجننتي يا هايدي؟ عايزة تأذي سيف؟ حركت وجهها ويديها رافضة ومؤكدة: "أبدا والله…. الراجل قال إن العمل حيخليه مش عايزها وبس، بس المفروض يعدي أربعين يوم وكده مش حيلحق ييجي.

هيكونوا وجه هيكونوا كتبوا الكتاب." امتعض وجهها وهي تصرخ بها: "بت انتي…. إنتي تروحي للزفت اللي عملتي عنده عمل لابني وتخليه يفكه أحسن. قسماً بالله ما حاسكتلك وحروح لابوكي يتصرف معاكي. هي حصلت أعمال وشرك بالله كمان…. استغفر الله العظيم من كل ذنبٍ عظيم." توترت خلجاتها وهي تنظر لعمتها تبتلع بخوف. فاقتربت منعا الأخيرة تسألها بتفحص: "إنتي شكلك مش مطمنيني… قوللي عاملة مصايب إيه تاني؟

أصابتها رهبة جعلتها تتسمر مكانها من شكل عمتها وهي تنظر لها بعيون تطلق شرر. وهتفت الأخيرة: "ما هو لما العمل كان حياخد وقت فهو طلب حاجة من قطرها أو قطرة عشان يعمل سحر يخليهم…." صرخت منار بذعر حقيقي مقاطعة إياها: "يا خبر مش فايت…. إنتي بتقولي إيه؟ سحر؟ و جبتي قطرها منين يا مصيبة؟ أطرقت رأسها تنظر للأرض وأجابت: "معرفتش أجيبه فاخدت…." لم تستطع إكمال جملتها حيث صاحت منار: "أخدتي قطر سيف ووديتيه للدجال ده عشان يأذي ابني؟

إنتي واعية للي بتقوليه وبتعمليه؟ منك لله يا شيخة… وحسبي الله ونعم الوكيل." وقفت تمسكها بعنف من ذراعها هاتفة: "قومي خلينا نروح للدجال ده عشان يوقف الزفت اللي هببتيه وحسابك معايا بعدين يا مصيبة." *** ارتمى على فراشه بعد يوم طويل وشاق. ظل ممدداً عليه ينظر للسقف وهو يسترجع آخر لحظات جمعته بها. فتجهم وجهه لمجرد التفكير بما ألقته على مسامعه. كيف لها أن تظن به السوء وهو لا يفكر بشيء سوى سعادتها؟

تنفّس بحده زافراً أنفاسه بحرقة وأمسك هاتفه ليتصل بها حتى ينتهي من المشاجرة التي لا تزال بداخل رأسه. فور أن ضغط بإصبعه على شاشته فانارت ضوءها بصورة وجهها الذي يهيم به عشقا. هدأ قليلاً وهدأت أنفاسه قليلاً وهاتفها. أجابت بصوت حزين فرددت بصوته الحالم بعشقها: "أنا آسف…. متزعليش." أجابته بنفس النبرة الحزينة والمنكسرة: "مش زعلانه يا سيف… حصل خير." تنهد عميقاً واستجمع أكبر قدر من الهواء برئتيه وزفره خارجاً بقوة مردداً:

"الدنيا بتبقى وحشة أوي وأنتي زعلانه، ممكن متزعليش وأنا أوعدك إني مش هعمل كده تاني." صمتها جعلته يسترسل بحديثه: "أنا عمري ما فكرت فيكي بالطريقة اللي إنتي قولتيها دي… ولما بقرب منك فده من حبي ليكي مش أكتر ووجعني أوي تفكيرك فيا بالشكل ده." ظلت صامته فاستطرد: "أنا بحبك أوي…. ومحبتش غيرك بالطريقة دي." خرج صوتها ضعيفاً وهي تعقب: "وأنا كمان بحبك يا سيف." وابتسم منتشياً فقرر مناغشتها قليلاً فردد:

"طيب هاتي بوسة في التليفون طالما اتحرمت منها في الحقيقة." لم تصمد أمام خفه ظله فانفجرت ضاحكة وأغلقت معه الهاتف بعد أن أرسلت له قبلة طائرة. دلفّت ليلى تُدخل لها طعامها المهروس وجلست بجوارها تربت على ظهرها. فنظرت لها بحيرة، هل تخبرها ما حدث وتسألها رأيها؟ فهي وحيدة ليس لها أخوات وأخوها البكر برغم طيبته إلا أنه متشدد معها ونعلم بالطبع رأي أبيها ما إن علم بتلك الأمور. وأخيراً والدتها لن تجلس لتستمع لها وهي تخبرها بذلك.

اتخذت قرارها والتفتت تنظر لها باهتمام هاتفه: "ليلى… إنتي عارفة إنك زي أختي مش مرات أخويا وبس." أماءت تؤيدها فاكملت الأولى: "عايزة آخد رأيك في موضوع كده." صمتت لتستجمع شجاعتها. فحثتها الأولى على ذلك مؤكدة: "قولي متخافيش وسرك في بير." ابتلعت بحرج وأعقبت تقص عليها ما حدث منذ قليل بالمصعد وما حدث قبلاً ورآه جمال وهتفت: "أنا خايفة الموضوع يزيد عن كده بعد كتب الكتاب إذا هو من الخطوبة ويمكن قبلها كمان وبيعمل كده وأنا…."

تلعثمت فقاطعتها ليلى تكمل عنها: "وإنتي معندكيش رادع له مش كده؟ أماءت بخجل مفسرة: "مش بلحق أرفض ولا أبعده وبصراحة مبكونش عارفة إيه التصرف الصح؟ ابتسمت ليلى وهتفت: "وإيه المشكلة لو ده حصل بعد كتب الكتاب؟ ما هو حيبقى جوزك." حركت كتفيها رافضة ومرددة: "لا طبعاً ميصحش، وجمال كمان قالي كده وطلب منه إنه ميحصلش حتى بعد كتب الكتاب." انتابتها نوبة من الضحك وهي تردد بمرح: "إذا كان رب البيت بالدف ضاربٌ."

تقوّست حاجبا دارين بدهشة من حديثها. فعادت ليلى تكمل: "أصل أخوكي الواعظ ده كان هارينى بوس وإحنا مكتوب كتابنا ولما كنت أقوله عيب كان رده ببساطة إنتي مراتي وحتى لما بابا شافنا." تلمعت عينها وجحظت بدهشة هاتفه بخضة: "باباكي نفسه شافكم؟ أماءت وهي لا تزال تضحك وأجابت: "آه بابا بنفسه، بس معملش موضوع وكل اللي عمله إنه قاله انجز في الشقة عشان تتجوزوا طالما مش صابرين على نفسكم ووقتها قدمنا ميعاد الفرح لو فاكرة؟

أماءت بنعم فضحكتا سوياً وظلت تضحك وتضحك حتى استلمت رسالة. فرفعت وجهها تنظر لزوجة أخيها هاتفه بفرحة: "ده أكيد سيف." فتحت الرسالة المصورة والآتية من رقم مجهول لتجد تصويراً متحركاً لها وهي ترتدي أحد الألبسة الليلية المثيرة وتظهر مفاتنها بشكل واضح بل وسافر وتتمايل على أنغام الموسيقى برقص مثير للحواسي. تجمدت أطرافها وحواسها على اللقطات المصورة وعلا صوت تنفسها بحدة. فأمسكت ليلى الهاتف منها وتفحصت الفيديو

المصور وتحدثت بذهول: "إيه ده يا دارين؟ أجابت باكية وشهقات بكائها تكاد تقطع قلبها: "أكيد أكرم للندل." سألته بحيرة: "و بيعمل كده ليه؟ أجابتها باكية: "أكيد عايز يبوظ الجواز، ما هو سيف لو شاف حاجة زي دي أكيد مش حيكمل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...