الناس يخافون من أنفسهم، من واقعهم، من مشاعرهم، أكثر من أي شيء آخر. يتحدث الناس عن مدى الحب الكبير! لكن هذا هراء. الحب يؤلم… مشاعر مقلقة. يتم تعليم الناس أن الألم شرير وخطير. كيف يتعاملون مع الحب إذا كانوا يخشون الشعور؟ *** حملت سلاحها الميري، وارتدت ملابس أشبه بملابس الرجال، ولثمت وجهها. تحركت بسيارة نصف نقل تقودها بنفسها متجهة لمكان اختبائه. فور وصولها للمكان المنشود، وجدت تجمعًا للرجال حولها بأسلحتهم يوقفونها.
ردد أحدهم بصوت غليظ: "وقف العربية وأنزل هنا يا أخينا." استمعت له وأوقفت محرك السيارة. قفزت لتلامس قدمها الأرض الترابية التي تحيط بالمكان. فعاد يحدثها متسائلاً: "إنت مين؟ وإيه اللي جايبك هنا؟ لم تجب. فهدر صائحًا: "متلثم ليه يا أخينا إنت؟ ورينا وشك وإلا هنضرب في المليان! لم تحد ببصرها، ولم تتفوه ببنت شفة. حتى خرج الحرش يسأل بحيرة: "صوتك عالي ليه يا ياض إنت وهو؟ أجابه بتوجس:
"مش عارف مين الخطر اللي واقف لنا ده ومش عايز يتكلم؟ ابتسم الحرش بشر وردد بجمود: "والله هو اللي جاي برجله لقضاه… خلص عليه." التفت ليعود للداخل، ولكن أوقفه صوتها الرقيق هاتفة: "وأهون عليك يا معلم؟ التفت بلهفة وأزال تلثيمة وجهها. ردد وعيونه ترقص من الفرحة وصوته يشاطره السعادة: "نور!!!!! مش معقول هربتي إزاي؟ وجيتي هنا إزاي؟ ابتسمت بحبور وتصنع فاق أروع الممثلين في تاريخ السينما. هتفت بصوت رقيق أشبع فؤاده المتلهف لها:
"مش قلتلك يا معلم إني هكون هنا في الميعاد ده؟ وأنا كلمتي سيف على رقبتي، ولا أول مرة تعرفني؟ اتسعت بسمته واقترب منها هاتفه بغزل: "طبعًا يا ست البنات." سألته بدلال: "ست البنات وبس؟ لم يستطع تمالك نفسه من دلالها. هتف متيمًا: "ست البنات وستي وتاج راسي كمان يا قمر… مبسوطة كده؟ أومأت صامتة. فسحبها معه للداخل وهو يوجه أوامره لرجاله هاتفه بصوت غليظ عكس صوته المتصنع الذي يخاطبها به:
"متحركوش من هنا… وأي عوء اضرب في المليان على طول." ردد رجاله بطاعة: "أوامرك يا معلم." دلفا معًا لذلك البناء المكون من طابق واحد بجوار بعض الزراعات والأحراش بتلك المنطقة النائية المجاورة لملاحات ناضبة لم تعد صالحة للاستخدام. أخرجت رائحة عفنة لم تستطع تحملها، فتأففت ووضعت يدها على أنفها تسد دخول تلك الرائحة النفاذة إلى داخل رئتيها. التفت ناظرًا لها ببسمة وردد يسألها باهتمام: "المكان مش حلو مش كده؟
أومأت وهي تبتلع لعابها بتقزز. فردد يفسر لها الأمر: "معلش… يومين تلاتة بالكتير ونُكت من هنا أنا وإنتي." جلست بهدوء على الأريكة المهترئة الموضوعة داخل جدران تلك الغرفة الضيقة. رددت بحذر تسأله: "وناوى على فين؟ أجابها بصوت عاشق لا يتناسب مع كبر سنه وفظاظة ملامحه: "المكان اللي تحبيه يا حتة من قلبي." ابتسمت بتصنع ورددت بدلال: "حتة من قلبي مرة واحدة؟ أومال كان فين كل ده وأنا شغالة معاك يا معلم؟ التفتت تنظر
له بعيون حزينة واستطردت: "ولا بس لما عرفت إن عيني منك ساعتها اتحركت؟ رفع كتفيه بدهشة ولم يجيب. فأعقبت: "يعني لولا المعلمة لواحظ، ولا كان زمانك اتحركت ولا سألت فيا!! أجابها يوضح لها موقفه: "منا برضه مكنتش أت تصور أبدًا إن واحدة بجمالك وسنك الصغير ده تعوز واحد زيي؟ رفعت حاجبها الأيسر ورددت باستنكار مصطنع: "زيك؟ برضه بتقول الكلام ده!! أنا مش قلتلك إن ألف واحدة تتمناك يا معلم!!
إيه أكبر تأكيد لكلامي أكتر من إني شيلت القضية عنك وعن رجالتك لوحدي؟ تفتكر عملت كده عشان خاطر مين؟ ابتسم لها وتجرأ أكثر بالاقتراب منها ووضع يده على صدره مشيرًا إلى نفسه هاتفه بذهول: "عملتي كده عشاني أنا؟ أومأت مؤكدة ورددت: "طبعًا… أومال عشان سواد عيون رجالتك يعني اللي محدش فيهم كان طايقني وكل صغيرة وكبيرة تحصل كانوا يلبسوهالي، ولا لما حاولوا أكتر من مرة يخلّوك تشك فيا عشان خاطر اسمي اللي شبه اسم الظابط ده؟
أشاح بيده وردد بضيق: "يا شيخة افتكر لينا حاجة عدلة! اقتربت منه بدورها وهتفت: "فاكر يا معلم لما رجالتك قالولك عني إني تبع البوليس وإني أخت الظابط اللي قتلتوه؟ ضحك بصخب وردد هازئًا: "وأنا بصراحة شكيت، بس رجعت دورتها في دماغي، إزاي جيالي برجليكي وبنفس الاسم… ما كان ممكن تغيري اسمك." تربعت بجسدها على الأريكة والتفتت تواجهه بجسدها وهتفت:
"فيلم قديم وهابط من الأفلام العربي يا معلم، ما أنت سألت عني في المنطقة اللي اتولدت واشتغلت فيها طول عمري." أيدها هاتفه: "والكل شهد لك بصراحة إنك بت جدعة وبتاعة شغل وعشان كده وثقت فيكي يا نور وطلعتي قدها وقدود." أنهى حديثه وهو يمسك ذراعها ساحبًا إياها ناحيته. فدفعته بهدوء ورددت بحده: "لأأأ يا معلم… أنا أبيع هيروين آه، أقتل جايز… إنما لحد الحكاية دي وفي الحلال يا معلم." ابتلع لعابه بنهم وردد متعلثمًا:
"مااا إحنا هنبقى في الحلاااال أومال فاكرة إيه؟ حركت جسدها بطريقة مبتذلة ورددت توضح له: "أيوه في الحلال، يعني مش هتلمس شعرة مني إلا وأنا مراتك على سنة الله ورسوله وعلى إيد مأذون كمان مش أي حاجة تاني من اللي بتفكر فيها! تجهم وجهه وردد بحيرة: "إزاي بس على إيد مأذون واحنا الاتنين هربانين؟ خلينا نكتب ورقتين عرفي دلوقتي وأهي الرجالة بره تشهد عليه ولما نهرب بره مصر نتجوز رسمي زي ما إنتي عايزة."
ضحكت بسخرية ونظرت له بضيق ووقفت من مكانها متجهة للخارج وهي تردد رافضة: "لأ معلش يا معلم، لو كده يبقى معطلكش." حاولت الخروج، فاقترب منها بلهفة ومنعها بقوة ساعده هاتفه برجاء: "استني طيب… استني عشان خاطري." التفتت تنظر له بترقب. فابتلع لعابه من جديد وردد بتحذير: "مأذون ورسمي دي هيكون فيها خطورة كبيرة واحنا الاتنين هربانين." لم تحد نظراتها القوية والمصممة عنه، فأومأ مستسلمًا بطاعة وردد بحبور:
"ماشي كلامك يا ست البنات…. مأذون وشهود وجواز رسمي." لتُعقب مكملة حديثه: "ودلوقتي، أنا مش هفضل معاك هنا وأنا مش حلالك يا معلم." عض على شفته وردد موافقًا: "ماشي يا نور، ماشي كلامك يا ست البنات." *** لم تذق النوم منذ أن علمت بالخبر، ولكنها حاولت جاهدة أن تتمالك نفسها بالصلاة. غصة بكائها ألهمت حلقها وهي تناجي ربها بإلهامها الصبر والسلوان على مصيبتها. دلف طلعت بخطوات منكسرة، فرفعت وجهها ترمقه بنظرة حزينة متحسرة وسألته:
"عملت إيه؟ تنهد بضيق وارتمى على المقعد ولم يجيبها. فوقفت مكانها تصرخ به: "برضه معرفتش تشوفه؟ ليه؟ رد بصوت متعب: "لسه التحقيق شغال و…." قاطعته صارخة بحرقة: "ابنك بايت في المشرحة من امبارح يا طلعت، حرام عليهم كده إكرام الميت دفنه." صاح بدوره هادرًا: "ارحميني شوية إنتي كمان وحسي بيا، أنا واحد هيدفن ابنه فبلاش تيجي عليا إنتي كمان يا منار." بكت بحزن وأطرقت رأسها بألم ورددت:
"مقهورة… مقهورة عليه يا طلعت، ابني ميستاهلش الموتة دي." سحب نفسًا عميقًا وطرد بتمهل وردد: "ربنا يجعله في ميزان حسناته ويصبرنا على فراقه."
وعلى الجانب الآخر، لم يختلف حال عائلة دارين كثيرًا. ففدوى تجرعت مرارة الفقد والألم، وتجرع معها زوجها وابنها الألم الذي لم يستطيعوا تمالكه فانهاروا جميعًا. لتحاول ليلى تضميد حزنهم بالمواساة على الرغم من احتياجها للمواساة هي الأخرى. فدارين كانت أختًا لها بحق، ولكن لابد أن تظل قوية من أجلهم. ظلت فدوى داخل أحضانها تبكي وتنوح وهي تردد: "مش قادرة أصدق، حاسة إن حد هيصحيني ويقولي إنك بتحلمي!! ربتت ليلى
على كتفها ورددت بصوت هادئ: "ادعيلها يا طنط، هي دلوقتي محتاجة دعواتنا أكتر من العياط." اقترب جمال منحني الظهر وجلس بإجهاد بجوار والده. فنظرتا له وتساءلت فدوى: "ها؟ إيه الأخبار؟ رد هشام بجمود: "روحت أنا واللوا طلعت وبرضه مردوش يدخلونا." قوست حاجبيها بحيرة وسألت: "معقول موافقوش؟ أومال اللوا طلعت لازمته إيه؟ أجابها بضيق: "أهو اللي حصل بقى، وهو الراجل مقصرش وفضل يزعق معاهم بس…." صمت وأطرق رأسه أرضًا. فسألته: "إيه يا هشام؟
أجاب جمال عنه هاتفه بأسى: "واضح إنهم لسه في التشريح يا ماما عشان موافقوش أبدًا إننا حتى نشوفهم عشان على الأقل نتعرف عليهم، بس موافقوش أبدًا." بكت حتى احترق فؤادها ورددت بشهقاتها: "بيشرحوها يا هشام… آه يا حرقة قلبي عليكي يا بنتي." هدر هشام بصوت أجش غاضب: "بس بقا كفاية." *** أمسك راحتيها ونظر لها بتمحص وردد: "نور تبقى بنت أستاذي اللوا علاء البرهومي." استمعت له بانتباه وهو يقص عليها قصتها. فردد يوضح:
"وقت ما كنت شغال في المكافحة كان ابنه عمرو لسه ملازم ونزلناه متخفي في قضية مع المعلم الحرش، كانت فكرة سيادة اللوا على أساس إنه وجه جديد ولسه مش معروف." أكمل حديثه بضيق: "كنت رافض المجازفة بشاب لسه صغير وممكن يتكشف، بس الولد كان عنده ثقة بنفسه كبيرة قوي." لمعت عينه بالحزن واستطرد: "في الوقت ده كانت نور في آخر سنة في الكلية واللي عرفته من والدها إنه دخلها الشرطة غصب عنها." أكمل توضيحه مرددًا:
"طبعًا في أقل من سنة قدرنا نمسك أكتر من تهريبة للهيروين، بس كميات كانت صغيرة قوي وعرفنا بعدها إنها كانت طعم عشان يكشف الرجالة اللي معاه." أمسك بطرف سيجارته وأشعلها متنفسا دخانها بحزن وردد: "اتكشف وعذبوه عشان يعترف شغال تبع مين؟ وللأسف كان فيه رجالة تانية شغالين معانا ومتخفيين برضه بين رجالتهم قدروا يصوروه وهما بيقتلوه." شهقت بخضة ورددت بخوف: "صوروه؟ طيب ليه محاولوش ينقذوه؟ أجاب بحزن:
"كانوا هيعرضوا نفسهم للخطر وممكن يتكشفوا هما كمان ومش بعيد يتقتلوا! غير كده الرجالة دي كانت مش شرطة… مجرد ناس مجندينهم من قلب رجالتهم عشان يبلغونا أخبارهم وما يعرفوش إنه ظابط." ملامحها المتجهمة جعلتها تزرف الدمع قليلاً. فأكمل هو بعد أن ربت على فخذها: "بعد ما مات جت نور واشتغلت معايا، بصراحة البنت كانت شاطرة قوي وكانت بتعمل المستحيل عشان تثبت نفسها خصوصًا بعد ما اللوا علاء تعب ورقد." أعقبت عليه:
"مستحملش الزعل على ابنه مش كده؟ أومأ معقبًا: "ابنه الوحيد يا ديدو." انتفضت بفزع هاتفه: "وأهلنا يا سيف؟ إنت ابنهم الوحيد أنا بنتهم الوحيدة، تفتكر حالتهم عاملة إيه دلوقتي؟ تنفس بضيق ورددت: "عشان خاطري خلينا نكلمهم، هما أكيد…." قاطعها بحسم: "طيب استني أشوف تليفون عشان نعرف نكلمهم."
تحرك صوب الباب قاصدًا الخروج لشراء هاتف محمول، مصرًا على إخبار عائلتيهما بأنها لا يزالان على قيد الحياة. فتفاجأ برفيقه عماد يقف أمامه مبتسمًا واحتضنه مرددًا: "يااا يا أخي، بالرغم إن الواحد عارف الحكاية بس والله قلبي وجعني." وجد من تصيح خلفه مرددة: "أومال أهلنا عاملين إيه لما الغُرب زعلانين كده؟ تجهمت ملامحه وردد بصوت خافت: "الغُرب؟ مالها مراتك يا سيف؟ ابتسم معقبًا: "متوترة شوية بس، اللي مرت بيه مش شوية."
عادت لصياحها العصبي: "يا سيف كلم أهلنا بقا، ولو إنت مش فارق معاك أهلك فيا يا ريت تكلم أهلي أنا لأنني متخيلة حالتهم دلوقتي عاملة إزاي!! زفر بضيق ونظر لها نظرة تحذيرية من أسلوبها في التحدث معه أمام رفيقه. ففهمت نظرته على الفور ليردد بصوت حاد: "اعمليلنا شاي لحد ما وائل ييجي." ثم نظر لعماد هاتفه بصيغة آمرة: "اتصل بيه خليه ييجي هنا ولا أديهولي أكلمه." لم يعترض، فهاتفه على الفور وصاح به موبخًا إياه:
"اتصرف وعرف أهلنا لأن أنا كده جبت أُخري و…." قاطعه وائل: "طيب اصبر بس بعد العزاء عشان…." عاد لغضبه هادرًا: "يا ابني أمهاتنا مش هتستحمل." زفر الآخر باستسلام وردد بالنهاية راضخًا لطلبه: "طيب حاضر، أنا رايح دلوقتي على دار المناسبات اللي باباك هيعمل فيها العزا وهكلمهم وأنا هناك." استمع لصوت بكائها، فترك الهاتف من يده واتجه ناحيتها وأدارها ناحيته. فنظرت له بحزن ورددت ببحة بكاء:
"أهلنا بيجهزوا لعزانا يا سيف، إنت متخيل هما حاسين بإيه دلوقتي؟ ارجوك كلمهم عشان خاطري." أومأ صامتًا وسحبها معه للأريكة التي يجلس عليها عماد وأجلسها أمامه وأمسك الهاتف وردد بحده: "اسمع يا بني إنت… روح حالا لأهل دارين وبلغهم بالحقيقة وأنا…." قاطعه وائل هاتفه: "طيب يا سيف، حاضر… كل التعب ده هيروح على الأرض عشان قلبك الضعيف ده." أغلق معه وتوجه لمقابلة طلعت أمام دار المناسبات ومد ساعده مرددًا: "إزي حضرتك يا فندم؟
أومأ بهدوء مرددًا: "الحمد لله يا بني." تنحنح ليجلي صوته وردد بتردد: "طيب أنا كنت عايز حضرتك معايا في مشوار مهم." رفع طلعت حاجبيه متعجبًا وردد يسأله باهتمام: "خير يا بني؟ هو ده وقت مشاوير برده؟ ابتلع لعابه بتوتر وردد: "معلش مشوار ضروري لحد بيت أهل دارين، ويا ريت تجيب معاك سيادة المستشارة وبنت حضرتك." أومأ مستسلمًا وردد بانصياع: "حاضر يا بني."
بالفعل هاتف زوجته لتحضر برفقة ابنته لمنزل والدي دارين. وهناك جلسوا معًا بانتظار وائل أن يتحدث بعد أن أخبرهم بوجود أمر هام. رمقهم جميعًا بنظرات متفحصة وردد بصوت متوتر: "طبعًا كلنا عارفين إن سيف ودارين كانوا مستهدفين من أكتر من جهة واحنا كنا بنحاول نحميهم بس فيه جهات جديدة دخلت و…." قاطعته منار بحدة: "وقدروا يقتلوهم وإنتوا فشلتم إنكم تحميهم." هدر طلعت بضيق هاتفه:
"خلاص يا منار، الأعمار بيد الله ومحدش قصر من ناحيتهم في حاجة." ابتلع وائل بوجل فهو يعلم أن ما هو آتٍ لن يمر مرور الكرام. فردد بتلعثم: "طيب نهدى شوية عشان عايز أقولكم على حاجة مهمة." فكر كثيرًا قبل خوض ذلك الحديث حتى لا يلام على شيء. فإن علموا بأن الأمر كان مخططًا له منذ البداية وتركوه يعيش ذلك الألم لربما واجه غضبهم جميعًا ومن الممكن أن يعرضوا عنهما لتسببهما بذلك الألم للجميع. فاحتسبها وردد بدبلوماسية:
"إحنا فرغنا الكاميرات في مكان الحادثة وشوفنا اللي حصل كله." اعتدل الجميع وتنبهوا له وهو يكمل: "العربيات قطعت عليهم الطريق وسيف كالعادة خاطر بنفسه ونزل لهم وهو بيضرب نار والواضح إن دارين فضلت مستخبية في دواسة العربية لأنها مكانتش ظاهرة." دمعت عين فدوى وزاد بكاؤها، فحاوطها جمال بذراعيه يواسيها هاتفه بدعم: "ادعيلها يا ماما." أكمل وائل دون مماطلة:
"المهم إن القوات بتاعتنا قدرت توصل المكان بس سيف كان اتصاب، بس الحمد لله قدرنا نمسكهم كلهم ودلوقتي محبوسين على ذمة القضية وفاضل اعترافهم على الراس الكبيرة اللي مشغلاهم." ردد جمال بغِل: "عشان ياخدوا جزائهم." أومأ وائل معقبًا: "أيوه وعشان نقدر نعمل ده وكمان نعرف نلملم كل الخيوط بتاعة أعداء سيف واللي بيحاولوا يأذوه كان لازم نعلن خبر وفاته." رَان الصمت أرجاء المكان والكل منتظر منه أن يكمل حديثه الذي استرعى انتباههم.
فردد بتوتر جلي: "سيف ودارين عايشين الحمد لله." وقفت كل من ميار وفدوى تصرخان بعدم تصديق. إحداهما تحمد الله والأخرى تردد بأن قلبها كان دليلها وأخبرها بذلك. حتى ردد هشام: "إنت متأكد يا بني؟ أنا مش عايز أتصدَّم تاني و…." قاطعه وائل مؤكدًا: "عايشين وهيتكلمواكم حالا." أمسك هاتفه واتصل برقم عماد الذي أجاب مرددًا: "أيوه." ردد الأول بتأكيد: "افتح الاسبيكر وخلي سيف ودارين يكلموا أهلهم." فعل على الفور فردد سيف بصوت متردد:
"الو… ماما؟ صرخت منار بفرحة: "سيف… يا حبيبي يا ابني، إنت بخير؟ إنت كويس؟ أجابها بصوته الهادئ: "الحمد لله يا ماما ربنا نجاني بفضل دعاكي ليا." صاحت فدوى: "فين دارين يا سيف؟ أجابتها على الفور: "أنا هنا يا ماما." بكت وانتحبت. فرددت الأخيرة تواسيها: "حقك عليا يا ماما والله غصب عني، مكنتش عارفة أوصل لكم." ردد طلعت بجدية: "المهم إنتوا في أمان؟ أجابه سيف: "حالياً أيوه… ولحد ما نشوف التحريات هتوصل لفين؟
بس الأهم تتصرفوا في العزا كأننا…." قاطعته منار قبل أن يكمل: "بعد الشر عنكم يا حبيبي." زفر وائل بضيق وردد بصوت غاضب: "عرفت أنا ليه كنت مصر أعرفهم بعد العزا؟ شهاب رجع وأكيد هيبعت حد يحضر أو يجمع معلومات و…." قاطعته منار مؤكدة: "متخافش يا حضرة الظابط.. هنتصرف كأننا معرفناش حاجة، مش كده؟ رددتها وهي تنظر حولها للجميع، فأومأوا برؤوسهم جميعًا مؤكدين استكمالهم لحزنهم المصطنع حتى إشعار آخر. ***
شيئان يدمران الإنسان: الانشغال بالماضي، والانشغال بالآخرين. فمن طرق باب الماضي أضاع المستقبل. ومن راقب الآخرين أضاع نصف راحته. أعطى أوامره لرجاله بالتحرك فورًا كلٌ إلى جهة. فأرسل البعض لإحضار المأذون بأوراقه ودفتره، وأرسل آخرون لتجهيز المكان لتلك الليلة الخاصة من أطعمة وزينة، وأرسل آخرون لشراء فستان أبيض خاص بالأعراس كما طلبت منه. فلم يتبقى سواهما بمفردهما. فنظرت له بتلاعب ورددت:
"إنت كده وزعتهم كلهم وأنا بصراحة خايفة منك على نفسي يا معلم." ابتسم بوجهها وردد بغزل: "متخافيش مني يا ست البنات، اللي عايز حاجة غالية لازم يتعب عشان يوصلها وأنا صبرت ونولت." بادلته بابتسامة مصطنعة وهتفت: "طيب أنا هدخل بقا أظبط نفسي شوية على الرجالة ما يجوا." أومأ متحمسًا ليظل جالسًا يتخيل الساعات القادمة وهو بأحضانها، تلك الحورية التي امتلكت قلبه الكهل والذي قد تناسى تلك المشاعر والأحاسيس منذ زمن.
دلفت للمرحاض الصغير الذي يتواجد بالداخل وخلعت عنه ملابس الرجال التي ترتديها، وحررت رباطًا عريضًا مربوطًا على فخذها به سلاحها. وعاودت ارتداء ملابسها وخرجت تخفي السلاح خلفها. وانحنت تهمس له: "معلم!! التفت ينظر لها ببسمة فرحة. فاخرجت سلاحها أمام وجهه مثبتة إياه أمام جبهته. فذُعر على الفور وردد بوجل مرتجفاً: "إيه ده؟ بلاش هزار يا نور السلاح يطول." ابتسمت بشر يتطاير من عينيها. فاجفلته خوفًا من ملامحها
وهي تردد بصوت غاضب مخيف: "تفتكر في حد ممكن ينسى تاره يا معلم؟ لم يعِ تمامًا ما قالت. فآثرت التوضيح هاتفه: "أخويا اللي قتلتوه بدم بارد." ابتلع بعد أن فهم ما تعنيه. فردد بذعر: "مش ممكن…. إنتي أخته بجد؟ أومأت وحاجبها مرفوع وهتفت:
"كنت ناوية آخد حقي منك بالقانون، بس وأنا في السجن عرفت حاجة مهمة أوي… إن اللي زييكم مينفعش معاهم قانون البشر عشان بيقدروا يشتروه بفلوسهم، قانون الغابة هو اللي بيمشي… القوي بياكل الضعيف والكبير بيدوس على الصغير عشان كده أنا قررت آخد حقي منك بقانون العدل. العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم." نظر لها مرتجفًا وردد بحذر: "الرجالة زمانها جاية ومش هتلحقي تهربي، هيجيبوكي و…." قاطعته ساخرة بضحكة رنانة مرددة:
"ومين قالك إني ههرب؟ أطلقت رصاصة على الفور استقرت بمنتصف جبهته. سقط صريعًا على الفور. ورددت بتشفى: "أنا هفضل هنا لحد ما رجالتك يجوا وأخلص عليهم واحد واحد حتى لو هموت مش هيهمني." ***
جلسوا مطئطئي الرأس يأخذون العزاء بقاعة الرجال ويظهر على ملامحهم الحزن المصطنع ربما وربما حقيقي لما هم مضطرون عليه لحماية أحبائهم. ولكن كان الأمر مغايرًا بعزاء السيدات. حيث جلست فدوى تبكي وتنتحب وبجوارها كل من سارة وليلى والجميع يواسونهن. حتى انفضوا قليلاً من حولهن. فاقتربت منار تهتف بضيق: "بلاش الفال الوحش ده على الولاد، قالولنا نبان زعلانين بس بلاش الندب ده الله يخليكي يا فدوى." وقفت ومالت باتجاه أذنها ورددت بضيق:
"أنا هعمل أي حاجة وبنتي ترجع في حضني، ومعنديش استعداد أبدًا أعرضهم للخطر… إنما لو إنتي خايفة على شكلك وبرستيجك بلاش تعيطي يا حضرة المستشارة." تضايقت من حديثها. فاقتربت ابنتها تردد بتوضيح: "يا ماما ده عشان خاطر أمنهم… يعني ارجوكي بلاش تحسسي الناس إنك مش زعلانة، خلي الليلة تعدي على خير." اقتربت زوجة رشاد وابنته الهوجاء. فنظرت لهما بتجهم ورددت بجمود: "إيه اللي جابك؟ بكت وانتحبت وهتفت بحرقة:
"متحرمينيش أحضر عزاه يا عمتي أبوس إيدك، عايزة أودعه." اقتربت والدتها تردد بأسف: "قلبي عندك يا منار، والله الواحد ما مصدق." رمقتها بنظرة حارقة هتفت بحده: "خدي بنتك وامشي بدل ما هخلي البوليس يمسكها بتهمة قتل حفيدتي وأمها ومحاولة قتل بنتي… أنا ساكتة عشان أنا فيا اللي مكفيني، بس أفوق واللي حصل مش هيعدي." تخوفت والدتها فسحبتها مرددة بتوبيخ: "قومي بقا جرستينا، لسه هنشوف منك مصايب إيه تاني؟ … قومي."
انفض العزاء وجلست العائلتان تتحدث بشأن التهديدات التي يتعرض لها نجليهما. فردد هشام بضيق: "طبعًا اللي حصل ده مرفوض وغير كده إزاي كلكم تبقوا عارفين بمحاولة قتل سيف يوم فرحهم ومخبين علينا؟ أجاب جمال مفسرًا: "سيف قالي يا بابا ومكانش عايز حد يعرف عشان فرحتكم متقلش، المهم دلوقتي نشوفهم ونطمن عليهم." أيدت والدته حديثه هاتفه بلهفة: "أيوه بالله عليك يا بني…. عايزة أشوف بنتي." أجاب وائل رافضًا:
"مش هينفع يا جماعة قدروا موقفي، أنا متكلف من رؤسائي إن الخطة دي تتنفذ لحد ما نوقع شهاب وغير كده هيعرضنا كلنا للخطر، ده غير إن الحرش لسه متماسكش." لم يكمل حديثه فاستقبل مكالمة من هاتف نور. فابتسم بحرج واستأذن ليجيب: "أيوه يا نور خير؟ أجابته بحسم: "افتح الداتا، بعت لحضرتك لوكيشن يا ريت تيجي بسرعة ومعاك قوات دعم." أعقد حاجبيه وتجهمت ملامحه وهو يسألها: "لوكيشن إيه ودعم إيه؟ إنتي فين؟ أجابته بقوة:
"عند الحرش…. بسرعة قبل ما رجالتُه يرجع." صاح بها بغضب: "إنتي عملتي إيه يا نور؟ إحنا مش اتفقنا هناخد حقك بالقانون؟ أجابته موضحة: "وأنا حاولت وفشلت وكنت ناوية أموت عشان آخد تاري بس لقيت إن أمي الغلبانة متستاهلش مني كده، عشان كده حاول تيجي بسرعة قبل الرجالة بتاعته ما ترجع." سألها بغضب: "إنتي قتلتيِه؟ لم تجب وهتفت بإصرار: "بسرعة يا وائل باشا." ***
هرعت القوات بسرعة فائقة لموقعها الذي حددوه على هاتفها فوجدوها محاصرة من قبل رجاله ومعظمهم صرعى. وما ساعدها أكثر هو وجود أسلحة بداخل المنزل المتواجدة هي به. فور أن استمع الرجال لصوت صافرات الشرطة استسلموا على الفور. فاقتحم وائل المنزل ليجدها تجلس بارتياحية بجوار جثة الحرش تنظر له بتشفى وتلك الطلقة المستقرة بجبهته. فتجهم وردد بحده: "إنتي بتستهبلي؟ مكنش ينفع تموتيه بطريقة تانية عشان نعرف نخرجك منها دفاع عن النفس حتى؟
دار حول نفسه وهو يكمل توبيخه لها بغلظة: "مديها له في راسه ومن المسافة دي؟ ده سبق إصرار يا نور… إنتي لو عايزة تجلطيني مش هتعملي كده." تنفست بهدوء غريب وهتفت: "سيبها على ربنا يا فندم، أنا خلصت الناس من شره ولو كان اتمسك كان هيلاقي اللي يشيلها عنه ومتنساش إننا مقدرناش نثبت عليه قتل عمرو الله يرحمه وخرج منها زي الشعرة من العجين." هدر صارخًا: "فملقيتيش حل تاني غير ده؟ أومأت مؤكدة:
"أيوه، مفيش حل تاني… وأديكم أهو مسكتوا لواحظ للمرة الكام؟ وريني بقا هتقدروا تنفذوا فيها حكم يرضي كل الناس اللي اتأذت منها ولا لأ؟ تنفست بضيق وهدرت بعصبية: "أنا عملت شغلي صح لآخر وقت، ودلوقتي اللي يشوفه القانون والعدل أنا راضية بيه يا فندم." *** دلف وراءها الغرفة حاملًا طبقًا من الحساء الساخن من صنع يديه وردد بصوت رزين: "ديدو… قومي عشان تاكلي." أدارت له ظهرها والتفت بالغطاء ولم تجيب. فجلس بجوارها مرددًا برجاء:
"طيب عشان خاطري، وحياة سيف عندك قومي يا مولاتي." جلست بتذمر ورددت بحزن: "عاجبك اللي حاصل لأهالينا؟ إنت إزاي هادي كده؟ تضايق من موقفها ولما تحمله الأمر وكأنه بيده. فردد بهدوء: "طيب قومي بس كلي ونبقى نتكلم بعدين." رفضت متذمرة كالاطفال: "لأ مش عايزة، أنا عايزة أروح لماما." ضحك باستسلام على أفعالها واقترب محدثًا إياها بدلال كما يدلل الأطفال: "طيب كلي وهجيبلك حاجة حلوة لو خلصتي طبقك."
قوست فمها وزمت شفتيها. فضحك وقبلها قبلة رقيقة على وجنتها وردد: "بجد." بعبوس وجهها سألته: "هتجيب لي إيه؟ كتم سخريته بعد أن ابتلعت الطُعم ورد بسؤال: "إنتي نفسك في إيه؟ وضعت سبابتها أعلى شفتها تفكر بطفولة جعلته ينهار أمام عفویتها ورددت: "شيكولاتة." أغلق عينيه محاولًا استجماع نفسه من براءتها المهلكة لرجولته وردد مؤيدًا: "حاضر… شيكولاتة ومصاصة كمان." عبست ملامحها وهتفت متذمرة: "مصاصة إيه؟ إنت فاكرني طفلة؟ أخفى
ابتسامته وردد بجدية زائفة: "لأ أبدًا… كبيرة ومولاتى وجميلة الجميلات كمان." ليقترب منها هاتفا بوقاحة: "بس أنا كدة هحتاج مقويات عشان أقدر على الوحش ده أنا راجل صحتي على قدى." ضغطت بأسنانها على شفتها خجلًا من تلميحاته الجريئة وضربته على صدره موبخة إياه: "بطل قلة أدب." أومأ موافقًا وردد بعبث: "طيب خلصي الشوربة على ما أنزل أشتريلك الشيكولاتة وأجيب لنفسي شوية فيتامينات، الإجازة دي هتهد صحتي."
لم يتأخر بالعودة حاملاً معه أكياس المشتريات. فهرعت نحوه تختطف منه ألواح الشيكولاتة. فأبعدها عنها وردد بحماس: "لأ استنى…. عندي فكرة حلوة أوي." نظرت له بتحمس. فردد: "بتحبي الفراولة؟ أومأت فاستطرد: "طيب إيه رأيك بفراولة بالشيكولاتة؟ ابتسمت موافقة فهتف: "طيب استنيني جوه هسيح الشيكولاتة وأغسل الفراولة وأجيلك." دلف يتراقص وهو حاملاً طبق الفاكهة ويغني. فضحكت على منظره واقترب منها جالسًا بجوارها على الفراش هاتفه بمشاكسة:
"بصي بقا بما إننا فاضيين خلينا نلعب لعبة." انتظرت بترقب. فهتف موضحًا: "أنا جايب طبقين واحد فيه شيكولاتة والتاني فيه ملح وهنغمي عنينا احنا الاتنين وكل واحد يمسك الفراولة ويأكل التاني واللي يأكل التاني ملح يتحكم عليه بحكم إيه رأيك؟ وافقت. فاغلقا أعينهما برباط وردد بجدية: "حطي إيدك على الصنية عشان ألفها ومحدش فينا يعرف فين الملح من الشيكولاتة!
فعلت بإثارة وهي فرحة تشعر بالسعادة. وبدأت هي إمساك أول ثمرة فراولة ووضعتها بالطبق وأخرجته ووضعتها بفمه. فتضايق وردد: "يا بت اللذين، عرفتي تجيبى الشيكولاتة إزاي؟ رددت بجدية وحماس: "يلا بلاش حمرقة." أمسك هو بالثمرة وغمسها بالطبق ووضعها بفمه. فصرخت متذمرة: "يااااك، ملح." أزالا رباط أعينهما. فابتسمت بانتصار مرددة: "طبعًا كنت مفكر إنك هتكسب بس شوف ربنا بقا." عض بأسنانه على شفته السفلى بغيظ متوعدًا وردد يسألها: "احكمي."
فكرت ورددت بمشاكسة: "اقف على رجل واحدة لمدة دقيقة." رفع حاجبيه ليعتلي وجهه نظرة مدهوشة وردد برجاء: "أهون عليكي؟ أومأت مؤكدة: "أيوه ويلا بلاش حمرقة." أغتاظ منها وفعل حتى انقضت الدقيقة وعاد يجلس بجوارها وردد: "غمي عينيكي عشان مش هسيبك إلا لما أردها لك." ابتسمت بانتصار. فامسكت الثمرة وغمستها بالطبق لتضعها بفمه. فصاح مهللاً: "أيوه بقا… ملح." أزال الرباط على الفور. فوجدها تنظر له نظرات راجية بريئة كالاطفال. فردد:
"مش هياكل معايا." ترك الفراش وجلس أمامها على المقعد المجاور للفراش وردد بخبث: "تعالى هنا." فعلت وهي تطئطئ رأسها. فردد ببسمة عابثة: "عايزة تعرفي حكمي؟ أومأت بصمت. فردد: "غريني!! نظرت له مدهوشة وسألته بعدم فهم: "إيه؟ أغريك؟ إزاي؟ ابتسم وردد مقطعًا من المسرحية المصرية الشهيرة ريا وسكينة مرددًا: "اغرييييه يا ريه، متعرفيش يعني إيه؟
قضمت شفتها بخجل ووقفت أمامه تتمايل بجسدها بدلال قاتل وكأنه يحتاج لذلك الدلال حتى تؤجج مشاعره المتلهفة بها وله. فشعر بجسده يحترق من فرط إثارته ووقف حاملًا إياها وألقى بها على الفراش وقفز فوقها هاتفه بمشاكسة: "أنا مش محتاج فيتامينات… أنا محتاج دارين، دارين وبس في حياتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!