الفصل 3 | من 46 فصل

رواية سجينتي الحسناء الفصل الثالث 3 - بقلم أسماء عادل

المشاهدات
20
كلمة
6,960
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

دلف المشفى يتخبط هنا وهناك لا يعلم شيئًا حتى تقابل مع والدته التي تجلس بالرواق، فهتف مستفسرًا: "إيه اللي حصل؟ ميرا ونسرين فين؟ رفعت وجهها وعبراتها تفيض كشلالات حزينة، فايقن من حالها بوجود خطب ما، فردد بصوت مختنق متخوفًا: "ماما… مراتي وبنتي فين؟ ربتت على كتفه ورددت بألم: "اجمد يا سيف… ده قضاء ربنا يا ابني." دمعت عيناه وصعب تنفسه وأصبح يلهث بأنفاسه وهو يحاول التماسك، وسألها بغصة: "مين فيهم؟ مين فيهم يا أمي؟

ظلت على حالتها الصامتة والباكية تنظر للأرض، وهو يستند على الحائط ينفض رأسه محاولًا الاستيقاظ من ذلك الكابوس، فاغلق عينيه من بين عبراته وهتف بحزن: "الاتنين راحوا؟ أكيد أنا بحلم." خرج الطبيب واقترب من منار وهتف بطمأنة: "إحنا الحمد لله لحقناها و…" قاطعه سيف بفرحة وكأنه غريق وجد قشة يتعلق بها، فأمسك الطبيب من كتفيه يهتف بلهفة: "لحقناها؟ لحقوا مين فيهم؟ انطق يا دكتور! أجابه بعملية:

"اهدأ يا فندم… الحمد لله إحنا لحقنا المدام." زفر بتنهيدة حارقة وأومأ برضا وردد: "وبنتي؟ ابتسم له الطبيب وردد: "قصدك ابنك… هو عمومًا هيتحط في الحضانه فترة لأن ولادته تمّت." قاطعه سيف بحدة: "انت بتتكلم عن مين؟ أنا بكلمك عن مراتي وبنتي يا دكتور! فهم الطبيب على الفور أنه يتحدث عن ضحايا الحادث، بعد أن اقتربت منه والدته تهدئه بيدها وتربت بها على ظهره وهي تهتف بحذر: "أختك كانت معاهم يا سيف وولدت بدري بسبب الحادث."

أومأ الطبيب وردد باستفاضة: "أيوة يا فندم… أختك ربنا كتب لها عمر جديد هي والجنين بسبب كيس الصدمات اللي في العربية." أومأ له بحزن وهتف بتساؤل: "ومراتي وبنتي؟ ابتلع الطبيب لعابه بتوتر وردد بحذر: "للأسف، البنوتة ماتت قبل ما توصل المستشفى… أما المدام فإحنا حاولنا نسعفها بس ملحقناش." ثم وضع يده على كتف سيف وردد بمواساة: "البقاء لله يا فندم… شَد حيلك." ***

أفاق من نومه على صوت منبه هاتفه، فوجد نفسه لا يزال على وضعه يحتضن ملابس عزيزتيه، فانتفض فورًا أن وجد نفسه قد تأخر عن عمله، فدلف المرحاض ليغتسل وبدأ بارتداء ملابسه وتوجه لمقر عمله. وهناك، أفاقت دارين على صوت صافرة السجن، فهناك كل شيء له نظام ووقت محدد تحدده تلك الصافرات. الاستيقاظ في تمام السادسة بصافرة مزعجة، والاستحمام بمواعيد، والاغتسال بطوابير منظمة، وحتى دخول المرحاض لقضاء الحاجة له قواعد وأصول.

الإفطار له موعد محدد لا يمكن مخالفته، ولا بد من تناوله حتى وإن كان رديئًا، ومن تمتنع تعتبرونها مشاغبة أو مضربة عن الطعام، ولتلك عقوبة صارمة أو تذهب للحبس الانفرادي. كل هذا عرفته دارين بمكوثها بضعة أيام قليلة، استطاعت فيها أن تتعرف على معظم قوانين محبسها الذي ستمكث فيه لستة أشهر حتى يحين موعد محاكمتها.

يأتي وقت التريض والخروج للساحة، فانتهزت هي فرصة ذلك لتمارس بعض الرياضة حتى تخرج فيها طاقتها السلبية، فبدأت بالعدو وممارسة تمارين الإحماء وغيرها. كانت السجينات تراقبها من بعيد خوفًا منها، فبعد ما حدث مع لواحظ وأتباعها، علمت السجينات الأخريات بالأمر وبدأن جميعًا بالشعور بالرهبة منها، خصوصًا بعد معرفتهن جريمته. لم تأبه هي بابتعاد السجينات عنها، بل كانت أكثر من مرحبة لشعورها بالغربة وعدم الارتياح بالتعامل معهن.

ظلت دارين تتريض وتلك الأعين تراقبها من نافذة مكتبه، ينظر لها بتدقيق وتعجب من لياقتها البدنية العالية ومهارتها أيضًا، فعاد ينظر في ملفها وبدأ بقراءة تقرير المعمل الجنائي. "كسر بالرقبة نتيجة ضربة قوية أثرت على المفصل العضدي مما تسبب بانقطاع وصول الدماء للمخ وأحدث سكتة دماغية فورية." جلس على مكتبه يتصفح الأدلة وشهادة الشهود وهو متعجب من أمرها كثيرًا، وأخذ يردد في نفسه: "معقول… معقول تكون قتلت بدم بارد؟!

زفر أنفاسه بحدة وعاد ليباشر أعماله، ولكن ليس قبل أن يوقع على طلب إجازة ويذهب بها لرئيسه حتى يطلب موافقته. دلف مكتب مأمور السجن وحياه بالتحية العسكرية ووضع أمامه طلب الإجازة، فنظر له المأمور وهتف بحبور: "اقعد يا سيف." جلس الأخير وانتظر موافقته، فردد المأمور: "تعيش وتفتكر… مش الإجازة عشان السنوية برضه؟ أومأ له بصمت، فوقع عليها الأول على الفور وهو يردد:

"انت من غير حاجة مش بتاخد إجازات خالص، بس خلص الزيارات بتاعة بكرة عشان تاخد الإجازة وميكونش وراك شغل متعطل." أجابه برسمية بعد أن وقف مكانه وردد بتأكيد: "أكيد يا فندم." ابتسم له المأمور وهتف: "روح مكتب رئيس المباحث خلص معاه الزيارات الخاصة وامضيها عشان السادة المحامين يتقابلوا مع موكلينهم." حرك رأسه بالإيجاب تحيه بعملية: "تمام يا فندم." *** أسند رأسه على ساعديه متكئًا على سطح مكتبه يفكر بعمق، حتى تحدث محاميه

ناصر الصواف باستفاضة: "كده الجلسة الجاية وبالأدلة دي كلها وشهادة الشهود، ولو ثبت عليها سبق الإصرار والترصد يبقى الحكم هيكون…" قاطعه أكرم: "أنا من الأول قلت لك بلاش أشهد بالكلام ده." أجابه محاميه: "يا أكرم بيه أنا فهمتك إننا في غابة، ويا تبقى جاني يا مجني عليه، ولو سيبنا فتحة صغيرة ممكن يدخلك منها سرسوب هوا يفتح علينا أبواب جهنم." زفر باستسلام وهتف: "دارين متستاهلش كده… بس…" ضحك ناصر وردد بسخرية:

"هو انت حتكذب الكذبة وتصدقها ولا إيه يا أكرم؟ ده إحنا دافنينه سوا." نظر له بنظرات حارقة وهتف بغل: "دي كانت شورتك من الأول… وأنا حبيتها بجد." ضحك ناصر ساخرًا وردد: "بقولك إيه يا أكرم… انت لا بتعرف تحب ولا بتحس من الأساس، فبلاش النمرة دي عليا، خلينا نركز في القضية لأن الغلطة فيها بفورة." تنهد بعمق وأطرق رأسه يحركها بالإيجاب، فأكمل ناصر:

"دلوقتي أنت لازم تركز تفكيرك في المقابلة بينك وبين أبوها لأن دي هيترتب عليها حاجات كتير أوي." *** وقفت تصفف شعرها الغجري بعد أن تحممت بنفس الطريقة المهينة وأمام نظيرتها من المسجونات، فأغلقت عيناها بألم وحسرة على حالها، حتى انتهت من تصفيفه، فاقتربت منها لواحظ تهتف بسخرية لاذعة: "يا ختي شعر ده ولا مقشة؟ أجابها سجينة أخرى بتنمر: "أصل الشعر ده بيقولوا عليه كيرلي يا معلمة لواحظ." ضحكتا معًا بصورة

فجة وخرج صوت لواحظ الساخر: "عشنا وشفنا بقى الشعر اللي ملوش ملامح ده بيتسمى كيرلي قال." نظرتها الأخرى تهتف: "إيه رأيك يا معلمة لو نسميها كيرلي بدل مستر كراتيه؟ صدح صوت قهقتها وسخرت تجيب: "والله حلو يا بت." ثم وقفت مكانها وهتفت بصوت عالٍ: "اسمعوا يا نسوان… من النهارده البت مستر كراتيه بقى اسمها كيرلي، يعني اللي تحب فيكم تناديها مستر كراتيه ماشي، تحب تناديها كيرلي برضه ماشي." صدحت ضحكاتهن جميعًا وهتفت إحداهن بمزاح:

"كله ماشي يا معلمة." كل هذه السخرية ودارين جالسة على فراشها الحديدي صامتة وشاردة في ماضيها. فلاش باك ***** وقفت تبتلع لعابها بحرج وهي مطرقة رأسها لأسفل متوردة الوجه، فاقترب منها بعد أن أغلق الباب وانحنى بجذعه بلطف وردد هامسًا: "أنا مش مصدق إنك بقيتي ليا… هو انتي بجد؟ ظلت صامتة بخجل، فوضع سبابته أسفل ذقنها ورفع وجهها ناحيته وابتسم لها بحبور وهتف برومانسية: "أنا بحبك أوي يا دارين… كيرلي قلبي."

لمعت عيناها بالفرحة والتعجب في آن واحد ورددت بدهشة: "كيرلي؟! أجابها على الفور: "ده دلالك من النهارده… عشان شعرك ده هو اللي جنني." تنهدت بعمق، فأحنئ رأسه ملتقطًا شفتيها بقبلة طويلة مؤججة للمشاعر، حتى اندمجا معًا جسدًا وروحًا. عادت من شرودها على دفعة قوية من لواحظ ورددت تهتف بحدة: "انتي فاكرة النمرة اللي عملتيها أول ما دخلتي الحبس دي حتخليني أخاف منك؟ لاااا فوقي واعرفي إن لواحظ مش بتسيب حقها يا عنيا."

زفرت بحنق ووقفت تهندم ملابسها ورددت بقوة مصطنعة: "عايزة إيه يا لواحظ؟ شهقت لواحظ بسخرية وازدراء: "هييييئ لواحظ كده حاف من غير معلمة؟ أجابتها وهي تهم بالابتعاد: "سيبيني في حالي بقى، أنا فيا اللي مكفيني." اعترضت طريقها لتبدأ السجينات بالتجمع حولها، واتجهت أخريات للبوابة الحديدية في محاولة منهن للتشويش حتى لا تسمع نباطشية العنبر ما يحدث في الداخل.

بدأن بالالتفاف حولها ومحاولة تقييدها، وعندما تجتمع الكثرة تغلب بها الشجاعة، فاستطعن بعد أن ضربت اثنين منهن أن يقيدوها، وخلعت لها لواحظ سروالها وملابسها التحتية، ودارين تنتفض بقوة محاولة الخلاص من حصارهن، ولكن لم تستطع حتى الصراخ طلبًا للنجدة بسبب تكميمها. انحنت لواحظ تنظر لها ببسمة خبيثة وأردفت بمكر: "اديكي بقيتي تحت إيدي زي الفرخة المسلوخة يا حيلتها… الكراتيه بتاعك عملك إيه؟ قوست فمها واهتزت بجسدها تكمل بسخرية:

"الأ صحيح زي الفرخة المسلوخة ليه؟ ما إحنا نخليها مسلوخة على حق." جلست على عجزتيها ودارين لا تزال تقاتل حتى تنال حريتها، فهتفت لواحظ: "الأول حدخل المقص ده في لمؤاخذة عشان تبقي معيبة، وبعدين حشوّيكي بالمية المغلية ونبقى نشوف بقى لو خرجتي من هنا حتنفعي تبقي حرمة ولا تكملي مستر كراتيه زي ما انتي!!

أقحمت المقص بمنطقتها بقسوة فخرجت صرخة ألم مكتومة منها، لتسحبه لواحظ بعنف فشعرت بانسحاب روحها معها ونزفت بغزارة بسبب جرحها بتلك الآلة الحادة. وقفت لتأخذ المياه الساخنة وعادت لتنحني حتى تسكبها عليها، ولكن دخلت إحدى السجينات المرابطات للبوابة وهي تهتف بتحذير: "الحقي يا معلمة… ده الست فتحية بتفتح الباب." رمت المقص من يدها وهرعت ناحية فراشها واتبعها الباقيات منهن بعد أن تركن دارين على الأرض، فصرخت فور أن رموهن أرضًا.

هرعت السجينة فتحية تنحني لتراها وهي تصرخ بخوف: "يا مصيبتي… عملتوا فيها إيه يا حوش؟ ده أنا جايه آخدها للزيارة، منكم لله يا بعده حتودوني في داهية." صاحت بصوتها تطلب النجدة من زميلاتها، فهرعن لنجدة تلك المسجاة على الأرض غارقة بدماءها. جلس هشام برفقة سعد الدين المحامي بمكتب رئيس المباحث بانتظار إحضارها، ولكن تأخرت في المجيء حتى تلقى رئيس المباحث اتصالًا بشأنها من رئيسه السجانات تخبره بإصابتها، فأغلق الاتصال معها

ونظر للزائران وهتف بعملية: "للأسف الزيارة حتتأجل فيا ريت ترجعوا لمكتب التصاريح وتغيروا ميعاد الزيارة." هتف سعد الدين بتعجب: "ليه يا فندم؟ إحنا التصاريح بتاعتنا سليمة." أومأ له بصمت فهو لا يريده أن يعلم بإصابتها بعد، فهتف بتبرير: "في مشكلة صغيرة بس في التصاريح، فمن فضلك يا متر ارجع تاني لمكتب التصاريح وغير ميعاد الزيارة." وافق مضطرًا وسحب هشام من يده ليخرجا، ولكن الأخير شعر بالغرابة فهتف يسأل:

"في حاجة غلط يا متر… أنا حاسس إن دارين حصل لها حاجة." ابتسم له بتصنع وهتف مطمئنًا: "متقلقش يا أستاذ هشام… أنا حكلم المأمور وحعرف منه كل حاجة، بس خلينا نغير ميعاد الزيارة ونمشي عشان الحق المواعيد اللي ورايا." *** وصله الخبر فهرع للعيادة الطبية الملحقة بالسجن ووقف بالخارج بانتظار خروج الطبيب، وبالفعل لم يمر أكثر من بضع دقائق حتى خرج الطبيب، فسأله سيف بلهفة: "حصل إيه؟ عملوا فيها إيه؟ حرك رأسه للجانب بضيق وهتف:

"للأسف عملوا لها جروح عميقة جدًا بآلة حادة بالمنطقة الحساسية، وحتحتاج لعلاج أكتر من واحد وعشرين يوم." زفر بحنق وهتف: "انتهكوا عذريتها يعني ولا إيه فهمني؟ أجابه الطبيب بعملية: "لأ، لأنها أصلًا مش عذراء، حتى التقرير الطبي بتاعها يوم ما دخلت أكد ده." تقوس حاجبيه بالدهشة وأومأ له وردد بفضول: "حتحتاج تروح مستشفى السجن ولا حتفضل هنا في الرعاية؟ أجابه الطبيب:

"لأ مش شرط تروح المستشفى، أنا حخليها هنا في الرعاية كام يوم لحد ما الجرح يتحسن شوية." ردد سيف: "ينفع أدخل أحقق معاها؟ أومأ موافقًا وتنحى جانبًا ليدلف سيف، فوجدها تستريح على الفراش الطبي وملابسها البيضاء ملطخة بالدماء، فتنحنح واقترب منها يهتف بفضول: "بقيتي كويسة دلوقتي؟ أومأت بصمت، فاكمل: "مين اللي عمل كده؟ صمتت وأشاحت بوجهها عنه، فعاد يردد بتصميم:

"الدكتور قال إنك حتحتاجي علاج أكتر من واحد وعشرين يوم، يعني تعتبر جنحة، واللي عملت كده ممكن تاخد عقوبة تضاف لعقوبتها جزاءً لها." ظلت على حالتها الصامتة، فاقترب منها أكثر وهتف بحدة: "انتي ساكتة ليه؟ مش كنتي عايزة حد يسمعك ويجيب لك حقك؟ اديني أهو واقف قدامك بقول لك مين اللي عملت كده عشان أجيب لك حقك؟ ظلت كما هي حتى أنها أغلقت عيناها، فردد بغضب:

"لو ساكتة خوف من اللي عملت كده فتأكدي إني حعرف أحميكي منها، ولو ساكتة عشان بتفكري في الانتقام وإنك تاخدي حقك بنفسك فتأكدي إني مش حسمح لك." ظلت على حالتها، فضغط على أسنانه بغل وولج للخارج متجهًا لمكتبه، وهناك أمسك ملفها ونظر به ليجد ما يصدمه. لمعت عيناه وهو يجد أن حالتها الاجتماعية (آنسة) ، بمعنى أنها غير متزوجة، فكيف إذًا ليست بعذراء، ليبدأ التفكير بها بالسوء ويردد نافرًا:

"فعلاً وشها يخدع… أول مرة حكمي يبقى غلط على حد." ألقى الملف على المكتب بغضب وجلس على مقعده بحدة يشعر بالضيق، لا يعرف لما شعر بذلك، فردد يبرر لنفسه: "أنا مضايق عشان براءتها خدعتني… محدش عرف قبل كده يضحك عليا." زفر زفرة حانقة وهو يضغط بشدة على أسنانه وهتف بغضب: "إزاي؟ إزاي بنت زيها تفرط في نفسها كده؟

ظلت أفكاره تتخبط بداخله حتى قرر ترك الأمر بنهاية اليوم والعودة لمنزله ليستعد لعطلته بالغد، والتي دائمًا ما يذهب بها إلى المقابر ليزور غاليتيه. *** اتكأت على فراشها الطبي بألم تحاول الاعتدال في النوم، ولكن ألم قلبها كان أقوى من ألم جسدها، ففتحت عينيها وتنفست ببطء لتعود بذاكرتها لماضيها القريب وهي تردد ببكاء: "إزاي هونت عليك للدرجة دي؟ إزاي قدرت تشهد عليا زور؟ قلبك طاوعك إزاي تعمل فيا كده؟ فلاش باك ******

وقفت خلف القضبان الحديدية تستمع لمرافعة النيابة، والتي لا شك أنها الخصم، ليردد وكيل النيابة اتهامات تلف حبل المشنقة حول رقبتها. نزلت أنهار عبراتها تشق طريقها عبر وجنتيها وهي تستمع لشهادته المشككة فيها، وهي تكاد يغشى عليها من كم الأكاذيب الخارجة من فم من اتخذته حبيبها ورفيق دربها، ليهتف: "هي فضلت تحاول تقرب مني مع إنها عارفة إني متجوز وبحب مراتي وكل الناس عارفة قد إيه أنا بحب مراتي." ردد سعد الدين المحامي يسأله:

"وتقدر تقولي إيه سبب الخلاف بين موكلتي والمجني عليها؟ أجابه بتلفيق: "منكرش إنها قدرت تسحبني ناحيتها ومراتي شكت لما شافت الرسايل اللي بيني وبينها، بس أنا نهيت الموضوع قبل ما يبتدي لأن مكنش عندي استعداد أخسر مراتي." هنا لم تستطع السكوت أكثر، فصرخت بحرقة: "كدااااب… ليه كده؟ أنا آذيتك في إيه؟ خرج صوت القاضي بعد أن طرق بمطرقته على سطح منصته يهتف بتنبيه: "لو اتكلمتي تاني من غير إذن حمنعك تحضري المرافعة." صمتت مضطرة،

فأكمل سعد الدين استجوابه: "تقدر تحكي إيه اللي حصل بالظبط يوم الحادثة؟ أجابه أكرم بتأكيد حتى يستثير القضاة: "قصدك يوم ما مراتي اتقلت." رددت بصوت خافت منكسر: "أكرم… آااه." بكاؤها لم يشفع لها عنده، فدار وجهه ناظرًا أمامه موجهًا حديثه للقاضي يقص الأكاذيب الملفقة، ليهتف:

"أنا لحد دلوقتي معرفش إيه اللي وداها هناك… بس چيهان الله يرحمها اتصلت بيا وقالت لي إنها عندها وطلبت مني آجي أشوف حل معاها، وده بعد ما سألتني إذا في حاجة بيني وبينها، بس أنا كنت وعدتها إني نهيت الموضوع وده اللي حصل فعلًا، ويمكن هي راحت هناك عشان تحاول توقع ما بينا أو تشوه صورتي قدامها؟ الله أعلم." قوس سعد الدين فمه وابتسم بضيق وأردف:

"لكن المجني عليها مقالتش إنها اتهمت عليها مثلًا أو إن حصل شجار بينهم، بدليل إنها كلمتك في كل اللي أنت حكيته ده، يعني الوضع كان هادي في البيت؟ عض على شفتيه بتوتر وابتلع لعابه وهتف: "أنا معرفش إيه اللي دار بينهم، كل اللي أعرفه إن چيهان كلمتني آجي عشان دارين عندها وبس." ردد سعد الدين ساخرًا: "وأنت طبعًا ما كدبتش خبر وجريت على البيت عشان تلحقهم من إنهم يتخانقوا مع بعض." صدح صوت رئيس النيابة يهتف باعتراض:

"اعترض يا فندم على أسلوب المتر التهكمي جدًا على الشاهد." ظلت جلسة المحاكمة بين القيل والقال والتلفيقات، حتى قرر المحامي بالنهاية: "أنا يا فندم بطلب التأجيل لتقديم أدلة جديدة لتبرئة موكلتي، وبرضه أدي فرصة للنيابة تجهز دافع للقتل أقوى من دافع الغيرة الغير منطقي ده يا فندم." يهتف القاضي: "تؤجل القضية للاطلاع." *** وقف أمام الشاهد الحجري المحفور عليه اسمي غاليتيه يقرأ لهما الفاتحة ويدعو لهما:

"اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم اجعل قبرهما روضة من رياض الجنة واجعل ابنتي تؤنس وحشة القبر لزوجتي يا أرحم الراحمين." مسح على وجهه براحتيه واتكأ على عجزتيه يتحدث معهما باكيًا: "وحشتوني… وحشتوني أوي." مد ساعده بباقة من الورود الحمراء ووضعها على الأحجار المتراصة أمامه وردد ببسمة باكية: "جبت لك الورد الأحمر اللي بتحبيه يا نسرين، مش كنتي دايما بتطلبي مني أجيب لك ورد وأنا مكنتش أوافق!

عشان كنت متخيل إن الورد ده للشباب الحبيبة." أطرق رأسه لأسفل وبكى بقهر وهتف: "بس كنت غلطان… ده أحسن طريقة عشان أعبرلك عن حبي." استنشق ماء أنفه ومسح عبراته بظهر يده ووضع علبة كرتونية صغيرة أمامه وهتف: "جبت لك البازل اللي بتحبيه يا ميرو… أنا عارف إنك كبرتي عليه، بس…" صمت ليعود لبكائه وهتف بغصة: "أنا مش عارف إيه اللعب المناسبة لسنك دلوقتي يا حبيبتي، بابي بقى عندك 8 سنين فقوليلي إيه الألعاب بتاعة السن ده؟

بلل شفتيه بطرف لسانه وابتلع لعابه الذي جف من فرط الحزن وأردف: "ممكن أطلب منكم طلب؟ ممكن تزوروني في الحلم!! أصل كل ما أحلم بيكم ألاقيها ذكرى اليوم ده، وأنا مش عايز كده… أنا عايز أتكلم معاكم وأطمن عليكم." تنفس ببطء وتحدث من بين شهقات بكائه: "ميرا… مش انتي بتحبي بابي؟ أنا متأكد إنك بتحبيني عشان كده عايزك تدعي ربنا يجي لك بسرعة عشان أبقى معاكم." بلل شفتيه بطرف لسانه وابتلع لعابه الذي جف من فرط الحزن وأردف:

"عشان أنا عايز أجي لكم بس مش عارف، ودعوة الأطفال ربنا بيستجيب لها، عشان كده أنا عايزك تدعي كتير أوي عشان أجيب لكم بسرعة." جلس على الأرضية الترابية يقطف الورد والخضرة التي ذبلت وردد: "أنا حخلي عم نبوي ياخد باله من الزرع أكتر من كده عشان أنا عارف إنك بتحبي الزرع يا حبيبتي." عاد لبكائه وهتف: "3 سنين عدوا عليا كأنهم تلاتين سنة يا نسرين… الوقت مش بيعدي، وخصوصًا بالليل."

وجد يدًا تربت على كتفه فنظر وراءه ليجدها والدة زوجته ووالدها ينظران له بمودة وحب، فوقف من مكانه واحتضنها وردد باشتياق: "إزيك يا حماتي، إزيك يا عمي؟ … وحشتوني." ابتسمت له وهتفت بحبور: "إزيك يا سيف وإخبارك إيه يا ابني؟ تعيش وتفتكر يا حبيبي." أنحنى يقبل ظهر كفها فمسحت عبراته بأطراف أناملها وابتسمت له تهتف بتأكيد: "هما في مكان أحسن يا سيف." أومأ موافقًا وتنحنح بحرج يستأذن: "طيب أسيبكم عشان تاخدوا راحتكم معاهم." ***

عاد في الصباح لعمله وفور دخوله لمكتبه هتف بجدية: "إيه آخر تطورات التحقيق؟ أجابت السجينة: "محدش اتكلم يا باشا… كل المساجين بيقولوا مشافوش حاجة." أردف بغضب: "إيه التهريج ده؟ إزاي مشافوش! دي أكيد لواحظ والحوش بتوعها، وطبعًا الكل حيخاف يتكلم، بس أنا مش حعدي اللي حصل." صمت وجلس يتنفس بحدة وعاد يكمل: "والمسجونة بقت أحسن ولا لسه تعبانة؟ أجابته بدقة: "لأ بقت أحسن، والدكتور قال إنه كلها يومين وترجع زي الفل."

أومأ لها وحرك يده يأمرها بالانصراف وعاد لعمله، ولكن طوال اليوم يشعر برغبة تدفعه للاطمئنان عليها، فانصاع أخيرًا لتلك الرغبة الملحة وذهب للرعاية الطبية وأخبر الحارس المرافق للباب بفتحه. دلف للداخل فوجد عدة أسرة بها بعض المريضات من المسنات وأصحاب الأمراض المزمنة والحوامل، ووجدها تحاول الوقوف بمساعدة مسئولة التمريض المرافقة لهن.

وقفت بصعوبة وتحركت بعرج، فاقترب منها ورمق الممرضة بنظرة واجمة وحرك رأسه يأمرها بالمغادرة، ففعلت بصمت. فور أن تركت الممرضة يدها اختل توازنها، فاستندت على طرف الفراش، ولكن اقترب أكثر وأسندها بيده ونظر لها بتفحص وهتف بجدية: "بقيتي أحسن؟ رددت بصوت ضعيف حرج، فإصابتها بتلك الطريقة الهادرة للكرامة تجرحها أكثر ما تؤلمها: "الحمد لله." تنهد بعمق وردد: "لسه مش عايزة تقولي مين اللي عمل فيكي كده؟ ابتلعت لعابها بغصة وهتفت:

"معرفش… مشوفتش مين؟ صرخ بها بصوت أجش لدرجة أن انتفضت السجينات الأخريات المرابطات بالرعاية: "انتي بتستعبطي… إزاي متعرفيش، اللي عمل العملة دي مش واحدة ولا اتنين! دول شلة فيهم اللي كتفت وفيهم اللي وقفت تتفرج، وفيهم اللي نفذت، وانتي بكل سهولة بتقولي متعرفيش!! صوته الأجش الغاضب جعلها ترتبك، فعادت خطوة للوراء، ولكن اقترب منها بنظراته المخيفة، فعادت أكثر، وكلما تراجعت خطوة كلما اقترب خطوة حتى حوصرت بين جسده وبين الحائط.

ظل يرمقها بنظراته النارية وردد بتحذير: "أوعي تفتكري إني ممكن أتساهل مع اللي بيحصل، وأنا عارف ومتأكد إنها لواحظ، بس للأسف لازم أنتِ اللي تقولي ده." ظلت صامتة، فهدر بها بغضب أهوج: "قسما بالله يا مسجونة انتي لو ما اتكلمتي لأكون حاطك في التأديب، عشان لو فاكرة إن سكوتك حينفعك ولا حيحميكي تبقي غلطانة." رفعت وجهها الباكي وهتفت بحزن: "حتحطني في الحبس الانفرادي وأنا المجني عليها؟ انت ليه ظالم كده؟ لمعت عيناه بالغضب وأجابها:

"أنا ظالم؟ واقف بسألك مين اللي عملت كده عشان أجيب لك حقك وتقوليلي ظالم! أجابته بحدة: "عشان حضرتك مش عايز تعرف عشان تحميني، انت عايز تعرف عشان محدش يستجرى يغلط في وجودك." ابتسم لها بخبث وأردف: "بالظبط كده… وأحسن لك تقولي مين بدل ما أحبسك انتي مكانهم." ظلت صامتة، فاستدعى السجينة المسؤولة عن الحبس الانفرادي وأمرها بوضعها هناك، غير مراعٍ لإصابتها التي تحتاج للعلاج. ***

مر يومان على وجودها بالحبس الانفرادي حتى استدعاها المأمور للزيارة المؤجلة، وعندما وجدها بالحبس الانفرادي استدعى سيف وردد بغضب: "هو إيه الحكاية يا حضرة المعاون؟ أنا كل ما أنادي على المسجونة دارين الشامي ألاقيها في التأديب؟ ده انت حاططها في دماغك بقى." تقوس حاجبيه وانعقدا بدهشة وردد بضيق: "حضرتك اللي بتقول كده؟ أجابه بصياح: "أمال إيه؟ البنت كانت لسه في الرعاية، أجي النهارده ألاقيها في التأديب؟ حتكون عملت إيه يعني!!

أجابه بهدوء مصطنع: "رفضت تقول مين اللي عمل كده، وأنا لازم أعرف وإلا السجن مش حيكون فيه رابط بعد كده ومش حنقدر عليهم يا فندم." ضحك المأمور بسخرية وهتف بضيق: "بس أنت كده ماشي بنظام اضرب المربوط يخاف السايب يا حضرة المعاون… من فضلك طلعها من الحبس لأن عندها زيارة متأجلة من يوم الإصابة بتاعتها، وإحنا لسه مش عارفين حنعمل إيه لو المحامي بتاعها قدم شكوى بسبب إصابتها دي؟ أجابه سيف بلامبالاة:

"ما يقدم شكوى يا فندم… الموكلة بتاعته هي اللي مش عايزة تساعدنا عشان نعاقب اللي عملت فيها كده." جلس المأمور على مقعده وردد بتأكيد: "أكيد خايفة يا سيف… أنت عارف إنها لواحظ." انقشع وجهه بالغضب وهدر بحده: "هو إحنا مش حنخلص من لواحظ دي؟ حتفضل كده عاملة كأنها الحاكم بأمره!! أجابه المأمور: "اهو الجلسة بتاعتها قربت وإن شاء الله تاخد إعدام." ضحك سيف بشدة وهتف:

"إعدام إيه بس يا فندم… ولا حتى حتاخد مؤبد، حنبتلي بيها تلاتة ولا خمس سنين وخلاص." أجابه المأمور: "لأ، اللي ماسك قضيتها المرادي وائل مندور، وأنت عارفه ما هو كان زميلك في المباحث، وبينه وبين جوزها تار قديم ومش حيسكت." زفر سيف بتمني وهتف: "يا رب يا فندم." ثم استأذن بحرج متجهًا لمحبسها. *** دلف المبنى المخصص للتأديب وسأل السجينة عطيات: "المسجونة عاملة شغب؟ أجابته باحترام: "أبدًا يا فندم… لا بتتكلم ولا بتطلع صوت."

ردد بداخل نفسه: "للدرجة دي كسرها باللي عملوه فيها!! رفع وجهه وأمرها بفتح المزلاج الحديدي ولج للداخل واتكأ على عجزتيه ليصبح قريب من جسدها الممد على الأرض وهتف بصوت رقيق: "دارين… دارين." فتحت عينيها بتعب، فظهرت الهالات السوداء أسفل عينيها ناهيك عن برودة جسدها وضعفه، فترقرق قلبه لمنظرها، فحدثها بهدوء لعله يستطيع فهم ما تفكر به: "ممكن تعرفيني انتي ليه مش عايزة تعترفي على اللي عملوا فيكي كده؟

قولي لي بس سبب واحد لسكوتك عليهم." أجابته باستسلام: "مبقيتش فارقة… أنا خلاص ضعت، وفي واحدة هنا في السجن نصحتني نصيحة وأنا ناويه أعمل بيها." زفر بضيق وحثها على المواصلة، فهتفت:

"قالت لي بلاش تكسبى عداوة الناس هنا طالما ممكن يتحكم عليا، وحضرتك أكدت لي إني حتحبس والأدلة كلها ضدي… يبقى لازم أعمل لبكرة وأخاف على نفسي، خصوصًا إن قانون المساجين هنا مفيهوش تهاون مع الواشي، واللي بيعترف على زمايله، حيحطوني في دماغهم ولو عرفت أفلت منهم يوم مش حعرف أفلت اليوم اللي بعده." أومأ لها بتفهم وربع بجسده على الأرضية بجوارها وتحدث يشرح لها:

"في قانون العقوبات… لو اقترنت عقوبتين مع بعض في محاكمة واحدة فساعتها العقوبة مش بس بتتضاعف، لا وكمان بيكون حبس مشدد." بلل شفتيه ليكمل حديثه: "لواحظ عندها قضية حيازة واتجار، لو المحامي اللي معاها شاطر حيقدر يخفف الحكم من 25 سنة لـ 5 سنين… بس لو أضيفت لها قضية محاولة القتل العمد لأن اللي عملته فيكي شروع في قتل فساعتها ممكن جدًا المحامي ميقدرش يخفف الحكم عليها." ابتسمت بزاوية فمها ورددت:

"يعني حضرتك عايزني أشهد عليها لصالح القضية مش عشان آخد حقي منها! ولما نتحبس إحنا الاتنين سوا… تفتكر حتسكت عليا وتسيبيني في حالي؟ زفرت بحزن وأردفت: "الله يخليك يا باشا سيبني في حالي، والحمد لله إنها جت سليمة، وحضرتك لو عايز فعلاً تحميني، انقلني من العنبر ده." أجابها بتأكيد:

"لو في إيدي مش حأتأخر، بس العنبر ده مخصص للناس اللي على ذمة قضايا، وغير كده فيه تكدس جامد في العنابر ومش حقدر أنقلك إلا بعد ما يتحكم عليكِ حكم نهائي." حركت رأسها بتفهم وزفرت باستسلام، فردد: "قومي معايا… عندك زيارة وبعدها حترجعي للعنبر بتاعك." *** دلف مكتب رئيس المباحث فوجد سعد الدين المحامي برفقة أباها، فهرعت تحتضنه بشغف وافتقاد، ولكن رئيس المباحث هتف بتحذير: "ممنوع التلامس يا حضرات من فضلكم."

بعدها المحامي عن أحضان أبيها وأجلسها أمامه وبدأ يتحدث بعملية في سير القضية وهو يؤكد لها أنه يفعل المستحيل لإظهار براءتها، فردد: "أولًا أنا قدمت التماس عشان أقدم معاد المحاكمة بدل ما يكون بعد ست شهور حيبقى بعد شهر واحد من دلوقتي، وده أحسن بدل ما تفضلي هنا وقت طويل، وثانيًا طبعًا المحامي اللي كان معاكم الأول واضح جدًا إنه متواطئ مع جوز المجني عليها." أومأت بتفهم وهتفت:

"هو اللي نصحني مجبش سيرة الجواز اللي بيني وبين أكرم بحجة إنه حيبقى دافع للقتل بسبب الغيرة، ومكنتش أعرف إن أكرم حيشهد عليا بالكلام اللي قاله ده." ربت على كفها يهدئها بعد أن انتابتها ثورة من البكاء، فردد يطمئنها: "متقلقيش… كله حيبان بس…" صمت فنظرت له برهبة تحثه على المواصلة، فاستطرد أباها: "عقد الجواز طلع مزور." لمعت عيناها بالدهشة وهتفت برعب: "إيه… مزور إزاي؟ أجابها سعد الدين بعملية:

"يعني لا المأذون ولا الشهود ولا حتى أرقام البطايق حقيقية… كله تزوير والعقد طبعًا مش موثق." مسحت وجهها براحتها تحاول استيعاب ما نزل على مسامعها وهي تهتف بتلعثم وأنفاسها تعلو وتنخفض بتقطع في أوصالها: "انت بتقول إيه؟ … الجواز مزور.. إزاي؟ إحنا فضلنا متجوزين 8 شهور بعقد رسمي." أومأ لها وهو يتفهم صدمتها وأجابها: "واضح إنها كانت لعبة من الأول…" قاطعه هشام يكمل بحدة:

"الندل لما رحت أتكلم معاه أنكر كل حاجة وكأننا كنا في غيبوبة، ولما هددته بالعقد المزور اللي معايا قال لي إن العقد ده يسجني أنا وإنتي ميأثرش عليه هو." اتجهت بنظرها للمحامي تنظر له باستفسار، فاستفاض يشرح: "أنا فهمت من العقد إن بطايق الشهود مزورة والماذون كمان مش حقيقي، الحاجه الوحيدة الحقيقية هي إمضتك إنتِ والأستاذ هشام، عشان كده هو اللي ممكن يتهمنا بالتزوير."

لم تستطع تقبل ما سمعته، فدخلت بحالة من البكاء الصارخ وهي تنظر لأبيها بتوسل وتهتف بصياح: "ازااااى؟ يعني إيه؟ بابا، أنا كده كنت عايشة معاه في الحرام…… أناااا." حاول تهدئتها ولكن نوبتها الغاضبة زادت وأصبح من الصعب التحكم في انفعالاتها، فاضطر رئيس المباحث ومعاونيه أن يقيدوا حركتها ويسحبوها للرعاية الطبية، ولم تهدأ من نوبتها حتى حقنها الطبيب بحقنة مهدئة خدرت كل حواسها، فغابت عن الواقع لتسقط في بئر ماضيها. فلاش باك ****

دلف برفقة المأذون واثنين آخرين، والبسمة تعلو ثغره، وجلس بعد أن رحب به هشام وجمال، ليستهل المأذون حديثه: "أنا جهزت القسيمة لو تحب تراجعها يا حاج؟ أومأ هشام ببسمة وهتف: "مش حراجع وراك يا شيخنا." ابتسم المأذون وهتف: "بسم الله الرحمن الرحيم، توكلنا على الله، اتفق العريس السيد أكرم المغربي على صداق مائة وخمسة ألف جنيه، مظبوط يا حاج؟ أومأ هشام بالموافقة، فاكمل: "مقدمه خمسة آلاف ومؤخرة مائة ألف، موافق يا حاج؟ ردد هشام:

"موافق." ردد المأذون: "هات بطاقتك وبطاقة العروس عشان أدوّن باقي البيانات." وبعد أن أتم المأذون إكمال البيانات، قدم أخيه جمال بطاقته كشاهد على عقد الزواج، فهتف المأذون معتذرًا: "أنا سجلت بيانات الشهود اللي جايبهم الأستاذ أكرم." تعجب كل من هشام وجمال، فردد أكرم مفسرًا: "أنا قلت أختصر الوقت وكتبت كل البيانات الخاصة بيا وبالشهود من امبارح عند المأذون في مكتبه، وبصراحة فاتت عليا إن أخوها يبقى شاهد، حقكم عليّ."

لم يأبه جمال بالأمر واستكمل المأذون عقد القران.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...