استيقظ من نومه على صوت رنين هاتفه. نظر لشاشته بكسل وهتف بنعاس: _أيوه يا ماما. هتفت بلهفة: _انت بايت فين يا سعد؟ ازدرد لعابه بتوتر واعتدل بجلسته. نظر إلى جواره لتلك النائمة نوماً عميقاً وردد بصوت خافت: _أصل يا أمي… توتر أكثر عندما وجدها تتململ بجواره وتتثائب بصوت مسموع. أغلق عينيه لمعرفته رد فعل والدته على فعلته تلك، ولكن حسم أمره وردد: _هقولك على حاجة هتفرحك، بس بشرط متزعليش مني. ضحكت بسخرية هاتفة: _دي فزورة؟
ابتلع لعابه وردد بتلعثم: _يعني حاجة زي كده… بصي أنا ونيللي اتصالحنا. ابتسمت بفرحة ورددت بتهليل: _يا ما أنت كريم يا رب… الحمد لله، قولي لها إني مش هزعلها تاني بس مشوفكش في الحالة اللي كنت فيها دي أبدًا. ردد مؤيداً: _لأ من الناحية دي اطمني… هي كمان لا ناوية تزعلني ولا تزعلك. تنفست بعمق وأخرجت تنهيدة حارة ورددت بلهفة: _حدد معاها ميعاد للفرح بقى بسرعة عشان أفرح بيكم قبل ما أقابل وجه كريم. أجابها بصوت حزين:
_ربنا يخليكي ليا ويطول في عمرك يا رب… حاضر يا أمي، هنحدد ميعاد الفرح مع بعض ونبلغك بيه. فرحت لفرحه، ولكنها تعجبت منه وهي تسأل: _طيب ده الخبر الحلو… إيه بقى الخبر اللي هيزعلني؟ وبرضه معرفتش أنت بايت فين؟ نظر لنيللي الجالسة بجواره تستمع بصمت لحوارهما. ردد وهو يرمقها بنظرات والهة: _أصل يا أمي أنا ما صدقت إنها وافقت نتجوز، فروحت واخدها وكاتب كتابي عليها و… لم يستطع استكمال حديثه بسبب صراخها الحزين:
_اخص عليك يا سعد… كده برضه تتجوز من غير ما أكون جنبك يا ابني!! ليه بس كده تكسر فرحتي؟ ردد بتفسير ومهادنة: _يا حبيبتي أنا لسه هعمل الفرح، وكتب الكتاب ده مجرد إجراء رسمي عشان مترجعش في كلامها. ابتسمت والدته ورددت بفرحة: _طيب ربنا يتمم بخير، وعجل بالفرح بقى عشان أفرح بيك. هتف مؤكداً: _من عنيا يا أمي. عادت لتعجبها هاتفة بتساؤل: _طيب عرفنا الخبرين الحلو واللي يزعل، وبرضه معرفتش أنت بايت فين من امبارح وسايبني لوحدي.
حاول التملص من الإجابة لحرج، فأجاب: _لوحدك إزاي بس؟ ما أنت معاكي طقم تمريض كامل يا أمي. فهمت تهربه فرددت بخبث: _متحاولش تهرب من الإجابة… أنت بايت فين من امبارح يا سعد؟ ابتسمت نيللي وهي تجده يتخبط. قضمت شفتها بخجل وهو يجيب والدته: _أنا ونيللي… آآآ… لمعت عينها بالدهشة وسألته بخضة: _عملتوا الدخلة ولا إيه؟ أومأ وكأنها تراه، فصاحت: _ما تنطق يا ابني. أجابها برهبة: _أيوه يا ماما. حركت رأسها معترضة ورددت:
_للدرجة دي مستعجل يا سعد؟ على العموم الف مبروك يا بني. ترددت بتجهم وحزن: _خلاص بقى ملوش لازوم للفرح و… قاطعها على الفور: _لأ طبعاً لأ، لازم وضروري عشان ركن الإشهار وعشان أفرحك وأفرحها يا أمي، نيللي بنت حلال وتستاهل تفرح. قوست فمها بسخرية هاتفة: _وهو ينفع يتفتل الكحك بعد العيد؟ أجابها بإقرار: _آه ينفع، والفرح في خلال أسبوع بالكتير. ***
اقتربت منها بحرص بالغ وسحبتها من ذراعها لتنأى بها عن الجميع. رفعت الأخرى حاجبها بدهشة واتجهت معها لأحد الأركان بالمكان الخاص بالتريض النهاري للمسجونات. جلسن تنفخان دخان سجائرهما. استهلت لواحظ حديثها بمداعبة كلامية: _مالك يا أختي مش مستعبراني بقالك يومين أهو؟ تبرمت نور من طريقتها وهتفت بدهشة: _مالي يا معلمة؟ عايزة إيه؟ كنتي طلبتي مني حاجة وقصرت معاكي؟ هزت كتفيها كدلالة لعزوفها عن الكلام ورددت بهمس:
_طيب عملتي إيه في الموضوع إياه؟ تصنعت الغباء ورمقتها بنظرات غير مفهومة وسألت بحيرة زائفة: _موضوع إيه يا معلمة؟ زفرت بضيق ورددت بحدة: _يوه… هيكون موضوع إيه؟ الاتفاق اللي ما بينا. عادت الأخيرة لمكرها هاتفة بتلاعب: _بس إحنا مفيش بينا اتفاق. صمتت ووجهت نظراتها على بعض السجينات اللاتي يتشاجرن كعادتهن على لعب الورق ورددت بتأفف: _كل يوم على كده… بس هانت. صمتت لتحفزها أكثر على البوح بما تريده علنا، بل وتترجاها لتنفيذه.
فسألتها لواحظ بغيظ: _أنتي إيه نويتي؟ أومأت دون تعقيب، فعادت تسألها بلهفة غير ظاهرة: _مش كنتي بتقولي معاكيش فلوس للهروب! أومأت بعدم اكتراث وأجابتها ببساطة: _أيوه… بس مش هقعد عمري كله هنا وأنا شابة وصغيرة، وهلاقي حل لموضوع الفلوس، وعن قريب كمان. رمقتها بنظرات متفحصة وفضولية وسألت: _هتجيبها منين يعني؟ أجابتها ببساطة: _أقولك ومتقوليش لحد! أومأت صامتة، فاقتربت منها تهمس بأذنها كأنه سر حربي:
_أصل المعلم سيد الحرش كان عرض عليا الجواز من فترة كده. لطمت صدرها بخضة مرددة: _على مراته؟ أومأت مؤكدة: _أيوه… وأنا رفضت أكمنها ست شرانية وما كنتش هسلم منه. تبرمت هاتفة: _ليه؟ وهو كان هيعرفها إياك؟ رفعت نور حاجبها مؤكدة: _أيوه، ده كان فاكرني رافضة عشان في السر، قام قال لي هتجوزك علني وقدام كل الناس، بس الصراحة خفت من مراته. أخرجت لواحظ سيجارة أخرى وأشعلتها بعد أن رمت عقب الأولى وهتفت تسألها: _ودلوقتي منتش خايفة منها؟
رفعت كتفيها بلا مبالاة ورددت: _وأخاف من إيه؟ إذا هبقى في بلد وهي في بلد تانية. قوست لواحظ حاجبيها بعدم فهم، فاقتربت منها نور توضح لها: _منا هأشترط عليه يسفرني بره ويبقا يجيلي كل شهر ولا حاجة، وابقى خرجت من المدعوء ده وكمان اتجوزت المعلم وهربت بره مصر، وغير كده وكده هعيش زي ما أنا عايزة، ما المعلم مش هيفضل معايا على طول عشان مشاكله. سألتها باهتمام: _وهيقول لمراته على كده؟ زمت شفتيها بعدم اكتراث وأجابت:
_مبقاش مهم يقول ولا لأ، لأن كده كده هعيش بره. زفرت بضيق ورددت بتأفف: _وتتجوزي واحد قد أبوكي ليه بس؟ أجابت: _مش أحسن ما أقضي عمري كله هنا ولا أطول بلح الشام ولا عنب اليمن. أخذت تفكر بصمت، والأخرى تراقب انفعالاتها. حتى تحدثت بوهج: _بقولك يا نور… أنا موافقة على العرض بتاعك. تصنعت الغباء وسألتها: _عرض إيه؟ زفرت بضيق وهتفت بحدة: _لأ فتحي مخك معايا، أنا عارفة إنك ذكية. بلاش وحياة أبوكي تعمليهم عليا. ابتسمت بمكر وهتفت:
_أيوه بس أنا قلتلك إن الرجالة دول سعرهم غالي، ده غير سعري أنا. أومأت موافقة وهتفت: _موافقة… شوفي هياخدوا كام ويخلصوا؟ سألتها باهتمام: _البت ولا المعاون؟ أجابت وهي ترفع أصبعيها عالياً بغل: _الاتنين. ***
لم تتذكر متى شعرت بإحساس الجوع يجتاح أمعاءها بهذا الشكل. فتحركت على أطراف أصابعها حتى لا يستيقظ من نومه، فلا تزال الساعة قبيل الثانية عشر ظهراً. اتجهت للمطبخ وفتحت مبرد الطعام وبدأت بالبحث عن طعام تقتاته بدلاً عن ذلك الطعام المقزز الذي أصبحت تمقته أكثر من أي شيء آخر. ولكنها لم تجد سوى الطعام المهروس الذي أعدته لها والدتها وبعض الفاكهة التي لا تستطيع تناولها سوى مهروسة بمحضر الطعام. فاغلق مبرد الطعام بحده وتأفف وتحركت نحو المائدة التي تنتصف المطبخ لتزيل من عليها بواقي الطعام الذي تناولاه سوياً منذ ساعات.
بعد أن قامت بتجليهم، استمعت لصوت أنفاسه خلفها. فالتفتت بوجهها قليلاً لتجده يلتصق بجسدها من الخلف وهو يبتسم بسمة عذبة. فشهقت بخضة هاتفة: _خضتني… صحيت امتى؟ ابتسم لها وقبلها قبلة خاطفة على ثغرها هاتفا: _ما نمتيش ليه؟ رفعت كتفيها لأعلى مجيبة: _مش عارفة… مجاليش نوم، وجعانة. سحب الإناء الخاص بمحضر الطعام ووضعه أسفل أنفه هاتفا بتساؤل: _الجو برد ما اعتقدتش العصير باظ. أجابته بتذمر: _لأ مابوظش… أنا اللي مش عايزة الأكل ده.
ربت على كتفها بحنية بالغة وردد: _معلش هانت يا مولاتي. دمدمت كالأطفال بضيق وهي تردد بتذمر طفولي: _زهقت يا سيفو… عايزة آكل فراخ ولحمة ومكرونة. احتضنها وقبلها من تجويف عنقها مجيباً إياها بدعم: _معلش يا حبيبتي… فات الكتير، وده اختبار من ربنا بيختبر بيه صبرك. ولو فضلت مضايقة كده هتضيعي ثوابك. ضحكت بعفوية مرددة بمشاكسة: _حاضر يا شيخ سيف. حملها من خاصرتها ورفعها لأعلى قليلاً ليضعها على المائدة. واقترب منها وانحنى
بجانب أذنها هاتفا بمداعبة: _تحبي تشوفي الشيخ سيف يقدر يعمل إيه عشان يخرجك من جو النكد ده؟ زمجرت بضيق، فرفع حاجبه بابتسامة مشاكسة وردد بتساؤل: _هي ليلى مسمياكي إيه؟ تجهم وجهها وهو لا يعطيها الوقت للإجابة ويكركر ضاحكاً هاتفا من بين ضحكاته: _آه بتقولك يا بومة، تصدقي عرفت ليه بتقول عليكي كده؟
دفعته من صدره فاختل توازنه قليلاً ليمسك براحتها حتى يتزن. واقترب أكثر منها منتصفاً قدميها وانحنى يداعب أذنها بأنفاسه الملتهبة من فرط إثارته مردداً: _بحبك يا بومة. حاولت الابتعاد عنه ولكن كان الأسبق بالانقضاض على شفتيها وظل يلتهمها حتى احتاجت رئتاهما للهواء. فابتعد مرغماً ورددت بلهث: _كريز وفراولة… لو ده بسبب أكل الفاكهة يبقى متبطلش أكل فاكهة أبداً يا مولاتي.
ليبدأ بنزع ثيابها عنها وهي تفعل بالمثل بجرأة أعجبته وبثا لبعضهما عشقا يذوب برحيق قبلاتهما. *** دلفتا من باب البناية بعد أن ذهبت حتى باب بيتها وأجبرتها على ارتداء ملابسها لتذهبا سوياً بسيارتها إلى منزل نجليهما للاطمئنان عليهما.
تعجبت فدوى كثيراً من لهفتها على وليدها الذكر. فمن المفترض أن تقلق هي بالأكثر على ابنتها، ولكنها لم تعلم أن منار لم تذق طعم النوم ولا الراحة لخوفها عليه بسبب علمها بمحاولة اغتياله. وما أقلقها أكثر هو إصراره على الذهاب بعطلة لتقضية شهر عسله، وأخذ عقلها يصور لها الأمر بسوئته حتى جافاها النوم تماماً. وصلتا على أعتاب المنزل، فطرقَت منار بلهفة لتقرع جرس الباب أكثر من مرة غير مراعية لظرف زواجهما الحديث. فتعجبت
فدوى من جديد وهتفت بضيق: _مش كده يا منار… واحدة واحدة، ليكونوا نايمين. أومأت بلا هاتفة بتأكيد: _لأ مستحيل… سيف مش ممكن يفوت صلاة الجمعة أبداً. نظرت في ساعتها هاتفة: _أيوه بس ده لسه نص ساعة، يكون في الحمام ولا حاجة، اصبري شوية. لم تستمع لها من الأساس وظلت تقرع جرس الباب وهي تدق بيدها على الباب الخشبي بلهفة وخوف.
في تلك الأثناء كان سيف لا يزال بالمطبخ يعمق من قبلاته ولمساته لزوجته وعروسه التي غابت عن الواقع من أثر لمساته على جسدها. ولكنها فاقت من أحلامها على الأصوات العالية للطرق وجرس الباب. فهتفت بصوت مبحوح من أثر نشوتها: _سيف… الباب. همم وهو لا يزال على حالته. فعادت تردد: _حد على الباب يا سيف. لم يعر الأمر اهتماماً، فزمجر بضيق: _سيبيه يرن.
ارتفع صوت تنفسه مع ارتفاع صوت قرع جرس الباب وأسرع من وتيرته قليلاً حتى ينتهي من معاشرتها وهي متمسكة به بشدة هاتفه بإجهاد: _أكيد أهلنا يا سيف. همم بضيق هاتفا: _أحضنيني جامد وسيبك منهم. ظلا يلهثا حتى انتهيا بإجهاد. فوقف يرتدي منامته ونظر لها بمشاكسة وهو يقضم شفته السفلى بإثارة هاتفا بغزل وقح: _بطل.
دفعته بحرج ونزلت من على المائدة تلملم ثيابها المبعثرة بالأرضية وهرعت لغرفة النوم. واتجه هو لفتح الباب، ففوجئ بوالدته ترتمي عليه بلهفة واضحة هاتفة بخوف: _حرام عليك يا ابني…. قلبي كان هيقف من الخوف. جحظت عيناه بلمعة تحذير جازا على أسنانه يحذرها بصمت من البوح بأي شيء. فردد بتصنع: _أنا كويس يا أمي أهو… في إيه لكل القلق ده؟ تداركت نفسها فابتلعت بوجل وهتفت: _أصل يا ابني خفت الصلاة تروح عليك، وبعدين أنت كنت بتعمل إيه كل ده؟
رمقها بنظرة غامضة وابتسم هاتفا بوقاحة: _كنت بلعب ضغط يا أمي. تحرجت كلتاهما ووضعت فدوى يدها على فمها لتكتم خجلها وهتفت منار بضيق: _اتأدب يا ولد. ضحك عالياً وهو يهتف: _مش أنتي اللي بتسألي، وبعدين أنتوا ليه أخدتوا الكلام بالمعنى ده؟ مش جايز أكون بلعب ضغط بجد! ضحكت منار هاتفة بتبرم: _عشان أنت ابني وأنا عارفاك كويس. ابتسم بفرحة وردد بمشاكسة: _طيب اسكتي بدل ما تدي حماتي عني فكرة غلط. ربتت فدوى على كتفه بحبور هاتفه:
_لا يا ابني ده أنت سيد الناس كلها. نظرت حولها بترقب وسألت: _اومال فين دارين؟ وقف مكانه وردد وهو يتجه للداخل: _جوه… ثواني أنادي عليها والبيت بيتكم. أنا هدخل أجهز عشان صلاة الجمعة. تحرك بخطواته السريعة عندما وجد تخبط والدته وخوفها المبالغ من وجهة نظره. فدلف لغرفة نومه ليجدها وقد استحمت وبدأت بارتداء ملابسها. فغمز لها بعينه هاتفه بغزل: _إيه يا بطل!! خلصتي؟ ابتسمت لغزله ورددت بدلال وهي تداعب ياقة منامته المنزلية:
_إيه يا سيفو بقا متكسفنيش. قضم شفته السفلى واحتضنها هاتفا بمشاكسة: _طب ما تيجي. غمز بطرف عينه بنهاية جملته فسألت ببراءة: _أجي فين؟ ضحك وردد: _تيجي ونجيب مليجي. ضحكت بمياعة فاندهش منها وانحنى يهمس لها: _وطّي صوتك… أمي وأمك بره. تعمدت أن تتدلل أكثر وأكثر فابتعدت وهي تتحرك بدلال هاتفه بمياعة: _طيب سيبني أطلع لهم بقى.
سحبها من ذراعها بقسوة وشراسة ودفعها لتستند على الحائط خلفها. وانحنى يلتهم ثغرها بقبلة جامحة. ثم ابتعد عنها يتفرس شفتاها التي اصطبغت بحمرة من التهامه لها وردد بعبث: _فضلي تدلعي عليا كده وهنفضل هنا ولا هنطلع لأهلنا ولا هروح أصلي، وذنبى هيبقى في رقبتك. دفعته برقة ودلال هاتفه وهي تغمز بعينها: _لا يا حبيبي روح صلي، متحملنيش ذنب. انحنى يقبل عنقها هامساً بتساؤل: _قلتي إيه؟ لا يا إيه؟ وضعت راحتها على وجهه هاتفه بحب:
_يا حبييييبي. عاد لتقبيلها من جديد حتى صدح صوت آذان الظهر. فابتعد بلهفة يهرع للمرحاض بشكل مضحك وهو يردد: _الله يسلمك يا شيخة، بدل ما أنا اللي أسحبك للصلاة أنتِ اللي بتعطليني. *** نظرت حولها فوجدت فتحية تقف تتابعهما بدقة فاحصة. فانحنت تهمس بأذن لواحظ تسألها: _هو انتي إيه اللي بينك وبين السجانة فتحية يا معلمة؟ أصلها مركزة معانا أوي. أجابتها بحنق: _سيبك منها دي وليه هبلة. قوست نور حاجبيها بتعجب وهتفت تسأل:
_لأ معلش يا معلمة أنا لازم أفهم، ما أنا مش عايزة حاجة تعطل شغلنا بعدين. وطالما حطاكي في دماغها… قاطعتها لواحظ بسخرية: _مين دي اللي تحطني في دماغها؟ ولا تعرف أصلاً. بصي هو موضوع عبيط كده وراح لحاله وخدت قرشين وخلصنا. أومأت بتنهيدة، فعادت تسألها باهتمام: _هتكلمي الرجالة إمتى؟ ده أنا عرفت إنه اتجوز المحروسة. ابتسمت وسألت باطناب: _آه عشان كده واخد إجازة…. تلاقيه بيقضي شهر العسل بقى. ضحكتا بخلاعة ورددت لواحظ بغل:
_آخر غسل هيدوقوه هما الاتنين إن شاء الله. أيدتها نور وهي تربت على كفها داعمة إياها: _أيوه متقلقيش… كله هيتم زي ما أنتِ عايزة. امتقع وجهها بحيرة تسألها: _المهم هتعرفي توصلي لهم إزاي؟ ضحكت بخفة ورددت: _ودي حاجة صعبة يعني، بسيطة. رفعت صوتها قليلاً تنادى بصوت جهوري: _بت يا سيدة. اقتربت سيدة بلهفة وانحنت أمامها هاتفة بطاعة: _أؤمروني يا معلمين. ربتت نور بغلظة على كتفها مرددة بصيغة آمرة: _هاتي يا ولية العدة اللي معاكي.
أخرجتها من صدرها وناولتها لنور، فاخفت لوحة الأرقام حتى لا يستطيع أحد التقاطها. وضربت بأصابعها عليه ووضعته على أذنها هاتفة بصوت جامد: _أيوه يا معلم… كنت يا أخويا عايزك في مصلحة كده. نظرت أمامها لسيدة التي لا تزال جالسة أمامها على الأرضية الأسمنتية، فهتفت بحدة صارخة: _ما تخفي يا مرة انتي من قدامي. ابتلعت سيدة لعابها بخوف وانتفضت تهرع من أمامها ورددت بينها وبين نفسها بتبرم:
_يااا ساااتر عليكِ، ده انتي نابك أزرق وطلعتي أعقر أكتر من المعلمة لواحظ… أعوذ بالله. ومن ناحيتها ركزت سمعها مع تلك التي أمامها وهي تردد بجدية: _حكاية كده مش هتستعصي عليك يا سيد المعلمين واللي هتطلبه. صمتت قليلاً تستمع له، فأجابته بعد برهة: _دي خدمة للمعلمة لواحظ مرات المعلم عتريس المر، ألف رحمة تنزل عليه. صمتت مرة أخرى لتعود وتهتف: _لا متقلقش… المعلمة كلمتها زي السيف واللي هتقول عليه ماشى يا كبير.
نظرت أمامها تبتسم للواحظ المنتبهة لها، وابتسمت تومئ برأسها وكأنها تخبرها بانتهاء الأمر، وهتفت: _عايزة تاخد بتار المعلم، وأهو كله بثوابه. عادت تستمع للطرف الآخر وأجابت: _لا…. معاون المأمور بتاعنا اسمه سيف المهدى هو و… صمتت لتضع يدها على مكبر الهاتف وتنحني تسألها هامسة: _أنتي قولتيلي البت إياها اسمها إيه؟ أجابت وهي تقوس فمها بغل: _دارين زفت الشامي، فهميه إنها عروسته. أومأت ورددت عليه ما أملتها عليها، فنظرت لها هاتفة:
_بيقولك الأجرة هتبقى عالية شوية. تبرمت محركة جسدها بطريقة سوقية: _كام يعني؟ استمعت له وعادت تجيب: _طالب أرنبين يا معلمة. ابتلعت لعابها بضيق وأومأت موافقة رغماً عنها وهي تهذي بينها وبين نفسها: _يلا حرو ونار في جُتكم… بس كله يهون لأجل خاطرك يا معلمة. أغلقت معه الهاتف ونظرت بجوارها وهتفت تسألها: _كده محتاجة مني أي خدمات تانية يا معلمة؟ رددت بصوت متضايق: _لأ يا نور، كتر خيرك بس عرفيني أول ما يوصلك الخبر الكويس.
ابتسمت هاتفه: _أكيد طبعاً هاجي أفرحك، ما ساعتها هتكون دي تذكرة خروجنا من هنا. رمقتها بنظرات فاحصة تسألها باهتمام: _إزاي مش فاهمة؟ أجابتها ببساطة: _ببساطة لأن كان لازم تفضلي في السجن لحد ما يتكل على الله عشان محدش يشك فيكي، وثانياً البوليس والدنيا هيتلهوا في موته ونقدر نهرب من غير ما نلاقي ألف عين بتجري ورانا، وثالثاً وده الأهم إني هكون قدمت السبت وكسبت ثقتك عشان متغدريش بيا بعد ما نخرج من هنا.
لمعت عينها وهي تستمع لها وكأنها تقرأ أفكارها وهي تقر الأمر: _ما هو مش بعيد بعد ما أخرجك من هنا ألاقيكي متفقة مع رجال تخلص عليا أنا كمان عشان ما أخدتش منك الفلوس وتبقى كسبتي من الناحيتين… فانا بقى لازم أأمن نفسي كويس. زفرت أنفاسها بضيق لكشف مخططها أمام تلك المحنكة، ورددت بتبرم: _اللي يشوفك يقول عليكي بنت ناس وتوتو خالص في نفسك، بس اللي يعاشرك ويعرفك يتأكد إن اللعب معاكي مش بالساهل. أخرجت بسمة هازئة
تجيب بها على حديثها مرددة: _عشان أنا اتربيت وسط ناس بتعزم على بعضها بالحشيش والبودرة وبتسلم بالمطاوي، فميغركيش إن شكلي حلو، اللي قدامك دي تعبت وشقيت لحد ما قدرت توصل للي هي فيه، وفي الآخر أقضي عمري في السجن… ده هو ده المستحيل بعينه، عشان كده أنا مستعدة أعمل المستحيل عشان أخرج، كان بمساعدتك وفلوسك أو كان بجوازي من راجل قد أبويا، مش مهم… المهم عندي إني أخرج بأي تمن.
سندت لواحظ ذقنها على أطراف أناملها تدقق نظرها بالتي أمامها وهي تتحدث بجدية ومثابرة وإصرار. فعلمت بأن مخططها للتخلص منها فيما بعد قد يبوء بالفشل، لذا قررت أن تترك الأمر الآن لحين التفكير به بشكل صحيح. وعادت تسألها: _قالولك هينفذوا إمتى؟ أومأت تشرح: _المعلم قالي هيراقبوه هو وعروسته، وقبل التنفيذ هيبلغوكي عشان تبعتي المعلوم كاش ومقدم، وبعدها هينفذوا طوال. زفرت بتنهيدة وهتفت: _ماشي… أهو كله بأوانه حلو. ***
استقبلتهما استقبالاً حاراً بفرحة واحتضنت والدتها وحماتها ليجلسا بجوارها على الأريكة، فهتفت فدوى تسألها بفرحة: _عاملة إيه يا دارين؟ مبسوطة؟ ابتسمت مجيبة بربكة وخجل: _أه يا ماما… الحمد لله. ربتت على فخذها هاتفة بتمني: _ربنا يهدي سركم وتفضلوا دايماً مبسوطين. خرج بعد أن ارتدى جلبابه الأبيض لينزل للصلاة. ولكن منار وقفت له تتعلق بذراعه هاتفه برجاء: _بلاش تنزل يا سيف أبوس إيدك. ابتلع بضيق ينظر لها نظرات تحذيرية وهمس بأذنها:
_أنتي عارفة إني مستحيل أفوت صلاة الجمعة، وبلاش الطريقة دي قدام دارين يا أمي الله يكرمك. خرج بصعوبة بعد أن أطبقت عليه براحتيها تترجاه. وفور إغلاقه الباب هتفت دارين بحيرة: _هو في إيه يا طنط؟ سيف ماله؟ لم تستطع إخفاء الأمر، فبكت رغماً عنها. لتقترب منها دارين بحذر هاتفة بفضول: _مالك بس؟
نظرت لها بتردد، ولكنها قررت إخبارها الأمر من أجل صالح وليدها البكر ووحيدها، فقصت عليها كل ما تعلمه عن شهاب البدراوي ومحاولة اغتيال سيف من قبل رجاله. فلمعت عينها بالخوف وهي تستمع لها بعدم فهم لما يدور حولها، فسألت برهبة: _أنا مش فاهمة حاجة… مين شهاب ده؟ وعايز مني إيه؟ ويعرفني منين أصلاً؟ رددت منار بحدة: _تبع الزفت اللي كنتي متجوزاه. ارتبكت من ردها وعادت تسأل: _برضه أنا دخلي إيه وعايز مني إيه؟ أجابتها بحدة وغضب:
_عايزك…. مش فاهمة يعني إيه عايزك؟ وشايف إن ابني العقبة اللي في طريقه وعايز يقتله عشان يوصلك. أطرقت رأسها لأسفل وهي تشعر بثقل رأسها مما استمعت له. ولا تعرف حقاً لماذا العالم بأسره يحارب سعادتها. فظلت على حالتها حتى استمعت للباب وتبعها صوت أنفاسه. فهرعت تحتضنه هاتفه بلهفة: _حمد الله على السلامة يا حبيبي. تعجب من لهفتها، فربت على ظهرها هاتفا بمرح:
_ده هم يا دوب نص ساعة، الخطبة النهاردة كانت صغيرة وأنا كمان روحت المسجد القريب من هنا. مع إن الأفضل أروح لواحد بعيد عني، بس قلت بلاش أبعد عنك أول يوم أوي كدة يا جميل. لم تهتم لتغزله بها أمام والدتيهما، ولكن كل ما اهتمت به هو فقط. ولكن فهم على الفور من نظراتهن والتصاق دارين به بهذا الشكل، وخصوصاً بعد طلبها منه أن يرجئ سفرهما أو أن يلغيها. فنظر لوالدته هاتفا بضيق: _أنتي قلتي لها إيه؟ رددت بغضب وحدّة:
_قلت لها كل حاجة، طالما مش عايز تسمعني قلت يمكن تسمع منها. عينها الحزينة ونظراتها المرتعدة جعلته يسب بداخله ذلك الحيوان الذي أوقعهما بتلك البؤرة التي لا يعلم كيف الخلاص منها. ولكن عاد لجموده وقوته هاتفا: _متخافوش، ربنا الحافظ وكمان طالع معانا قوة هتأمن علينا هناك… عايزة إيه أكتر من كده؟ ده لو وزير مش هيعملوا معاه كده. استندت على كتفه تتمسح به كالقطة التي تحتاج لحنان ورعاية. رددت بصوت ضعيف:
_مش مهم شهر العسل ولا مهم أي حاجة غير سلامتك يا سيف عشان خاطري شوف إيه الأفضل واعمله، وأنا والله العظيم مش زعلانة. انحنى يقبلها من صدغها هاتفا بتأكيد: _متخافيش يا ديدو… كله تحت السيطرة، وشهاب البدراوي قرب يقع ورجالته كمان اتأمنت وهو هرب بره مصر وعنده مشاكل كتير أوي أكتر من إنه يفكر في مزاجه. تنهدت براحة واقتربت منه تحتضن وليدها بعد أن أبعدت زوجته عنه بمزاح:
_أوعى بقى أحضن ابني شوية، ما أنت خلاص هتفضلي جنبه على طول. أنا اللي هشوفه بعد كده في المناسبات. جلست على الأريكة العريضة وزوجته على يمينه ووالدته على يساره. وفرّد ساعديه ليحتضنهما معاً وهو يردد بحب: _ربنا يخليكم ليا يا رب. *** لم يمر الكثير من الوقت حتى كان سيف وعروسه بالمطار ومعهما عائليتهما يودعانهما بفرحة وشوق. ودارين لا تزال لا تعلم وجهتهما، فعادت تسأله: _مش هتقول مسافرين فين برضه؟ أجابها وهو يودع جمال بسلام حار:
_ما قلت جنوب أفريقيا. حركت رأسها بامتعاض ونظرت لزوجة أخيها تردد بتذمر: _بصي خلاص على البوابة وبرضه مش راضي يقول. أمسك كفها وقبله وهو يسحبها ويدفع حامل الحقائب أمامه هاتفا بمشاكسة: _على العموم كلها عشر دقايق وتعرفي. ثم نظر للجميع مودعاً إياهم بإشارة يده ودلف داخل منطقة التفتيش وأخرج جوازاتهما وتذكرتهما للمضيفة المرابطة على الباب. لتستمع للمذياع يتحدث:
_على المسافرين المغادرين على متن الرحلة 545 المتجه لمدينة كيب تاون التوجه لبوابة السفر رقم ثمانية. سحبها وهو يشير لرقم البوابة أمامه وردد بتعجل: _يلا يا ديدو رحلتنا. حاولت مجاراته في خطواته السريعة وسألت: _فين كيب تاون دي يا سيفو؟ نظر لها ببسمة خبيثة وردد وهو يغمز لها بطرف عينه: _في جنوب أفريقيا. ***
وصلا لتلك المدينة الساحرة وهي حقاً لا تصدق أنه لم يكن يمزح عندما أخبرها بأن شهر عسلهما بجنوب أفريقيا. وهل يمكن تمضية الوقت هنا؟ فكما تعلم أن أفضل أماكن لقضاء العطلات وخصوصاً كشهر عسل هي جزر الباهامز وربما المالديف. ولكن بجنوب أفريقيا تلك سابقة لم تحدث. ولكن ما حمسها هو تلك المناظر الخلابة التي رأتها من نافذة الطائرة قبل أن تطأ بأقدامها المدينة نفسها وتجد هذا الجمال وتلك المناظر الطبيعية التي تخطف الأبصار.
كان في استقبالهما أقل ما يقال عنه أنه وفد رفيع المستوى من السفارة ومعه أيضاً بعض الضباط المرافقين لهما من مصر كحماية لهما. دلفا أبواب الفندق والذي أقل ما يقال عنه أنه فندق رفيع المستوى والذي لم يخلو من الفلكلور الأفريقي. حملها على الفور أمام المدخل الخاص بالكوخ المخصص لهما ودفع الباب بقدمه دالفا بلهفة. وأنزلها فنظرت حولها تتفقد ذلك المكان الساحر والخلاب. فاحتضنها من ظهرها وردد بصوت هامس مقرباً فمه من أذنها: _حلو؟
التفتت وتعلقَت برقبته هاتفه بمرح: _تحفة يا سيفو… إيه الجمال ده؟ سألها باهتمام: _يعني مش مضايقة إنه كوخ مش أوضة جوه فندق؟ هرعت ناحية الأرجوحة المعلقة وارتمت عليها تردد: _هو في أحلى من كده؟ ده حاجة أكبر من أحلامي… كأني في فيلم والله، نفس المناظر والديكور تحفة تحفة. جلس بجوارها على الأرجوحة هاتفا:
_ولسه بكرة هفرجك على المنتجع كله، ده غير رحلات السفاري في الغابات والإفريكانو بارك والشو الأفريقي في القبائل اللي عايشة جوه الغابة… حاجة تجنن. التفتت له تسأله: _أنت جيت هنا قبل كده؟ أومأ بلا هاتفا: _ليا صديق جه مع مراته وهو اللي نصحني بالمكان ده. تنفست بعمق وهي تستند برأسها على كتفه وتنظر أمامها للمناظر الرائعة والشلال الذي تطل عليه نافذة الكوخ هاتفه بمدح: _أنا مشوفتش جمال بالشكل ده قبل كده في مكان.
انحنى يهمس بمشاكسة: _بس أنا شفت أحلى. التفتت تردد بترقب: _فين؟ غمز بطرف عينه وردد وهو يتحضر لتقبيلها: _قدامي أهو. لينقض على شفتيها ينهل منهما رحيقهما فتعلقت برقبته ليحملها ويدلفا للداخل حتى يروي ظمأ عشقه ويرتوي من رحيق حبها وغرامها المتيم به.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!