ضربتِ ابن مدير المكان؟ نظرت إليها نورهان من غير تصديق وعيناها مفتوحتان، غير مصدقة، وقالت: "مين ابن المدير بالضبط؟ أشارت إليها صديقتها إلى الذي بجانبها، الذي ينظر إليها بكل غضب وحِدّة، فقالت نورهان وهي تنظر إليه وقالت بعدما تنفست برهبة: "كنت حاسة وقلبي كان بيقولي إن اليوم ده مش هيعدي إلا لو حصل حاجة... طبعًا، ما هو بقى حاجة روتينية عندي." وقف الشاب من مكانه، والذي كان اسمه شادي، ونظر إليها بكل غضب وشر وقال:
"إزاي تجرئي أو يجيكِ شجاعة أصلًا إنك تعملي كده؟ ده أنتِ يومك مش فايت النهاردة." نظرت إليه نورهان وحاولت أن تتحكم في لسانها حتى لا تزيد الأمر سوءًا وقالت: "والله حضرتك شوف أنت عملت إيه يخليني أعمل كده؟ أنا جيت لحضرتك في منتهى الأدب واتكلمت معاك بأسلوب محترم كأي زبون، بس حضرتك عديت حدودك معايا." قال لها بصوت عالٍ: "تعرفي أنا أبقى مين أو المدير يقرب لي إيه؟
"حتى لو كنت أنت خصيصًا المدير، هل ده يخليك إنك قادر على مضايقة الناس اللي تدخل الكافيه بتاعك؟ أنت كده بتسيء لسمعة المكان هنا بتصرفاتك دي، ومحدش هيدخل هنا طول ما أنت بتعمل كده... تقول أبويا هنا صاحب المكان يبقى أعيش وأعمل كل اللي في هوايا إن شاء الله لو على حساب الناس." نظر إليها لثوانٍ وبعدها نظر الناحية الثانية وابتسم بسخرية وبصلها وشاور بإصبعه عليها وقال بصوت عالٍ وهو يجز على أسنانه:
"أنتِ هنا مجرد واحدة بتشتغل هنا وبس، أو أختصرها لك، أنتِ واحدة شغالة في مكان تخدمي للناس تودي وتجيبي وآخرك تقولي حاضر وبس، وكلمة زيادة على طول بره. مكان اللي زيكوا يعيش مذلول طول حياته عشان ياخد جنيه بس، حتى لو ده هيجي على كرامتهم مش مشكلة، المهم ده... قال "ده" وهو يخرج جنيهًا من جيبه يرفعه في حركة مسلية ثم أمسكه ثانيًا وبعدها ابتسم. نظرت له هي بأعين دامعة، بس غمضت عينيها جامد، منعًا لدموعها أن تنزل، وفتحتهما وقالت:
"والله ده عشان ربنا مريحك ومهنيك فمش حاسس بباقي الناس عاملة إزاي، صحيح الواحد لما بيملك الفلوس في إيده بيعمي بصره وشايف إن الكل أقل منه، مش بيحمد في الحال اللي هو فيها، لا يقعد يلقح في كلام في الرايح واللي جاي... بس تمام حضرتك." نهت كلامها وهي تنظر لزميلتها وقالت: "قولي للأستاذ شريف إني هسيب الشغل وخليه يشوف حد غيري... كده كده بعد اللي عملته مع ابنه مظنش إنه عاوزني ثاني. سلام." وقبل ما تمشي، نظرت
إليه نظرة مليئة حقد وقالت: "أظن عملت اللي حضرتك كان نفسك تعمله معايا من الأول، فارتاح." ومشت على طول وهي تمسك شنطتها وطلعت بره تحت نظراته الغاضبة والحاقدة، وبعدها قعد وهو ينوي على شيء. *************
دخلت الحديقة المليئة بالزهور بجميع ألوانها والعشب، تتوسطهم نافورة مياه تضيف شكلًا جميلًا وزاهيًا. جلست في ركن خاص بها للقراءة والانسجام مع الأجواء، بالإضافة أنها تختار الأوقات التي يكون فيها خاليًا من الناس قليلًا للهدوء، وهذا دائمًا ما تحبه. طلعت كتابًا من شنطتها، في نفس الوقت دخل عليها رجل عجوز وهو يمسك صينية بيده وقال: "يا أهلاً وسهلاً بالناس اللي مشرفينا دائمًا." ابتسمت له عائشة وقالت: "أخبارك إيه يا عم مصطفى؟
"الحمد لله يا بنتي، كله تمام التمام بفضل الله." "دائمًا يا رب تكون أيامك كلها بعافية وخير... أنا عاوزة... وقبل أن تكمل كلامها، قاطعها هو وقال لها بابتسامة بسيطة: "عارف، كوباية قهوة مظبوطة بالضبط وكمان ساعة واحد كابتشينو." قالت له بابتسامة: "بالضبط، الله ينور عليك يا عم مصطفى، بس متتأخرش فيها بالله عليك." "عينيا يا ست البنات."
وسابها وهي تفتح تقرأ الكتاب والابتسامة مرسومة في وشها وفضلت كده، وبعد دقائق قليلة سمعت صوت أقدام جاية عليها، فقالت: "ياااه بالسرعة دي يا عم مصطفى بس كت... وقفت كلامها لما رفعت رأسها وبصت بصدمة للي قدامها ولقته هو، اللي اتعجب هو كمان لما لقاها هنا وقال: "أنتِ بتعملي إيه هنا؟ نظرت تحت ووضعت كتابًا قدامها كأنها ما شافتش حاجة ومردتش عليه، فقال لها باستغراب: "هو أنا كلب خايفة تبصي له ولا إيه؟ قالت
له وعيناها لسه في الكتاب: "حضرتك عاوز إيه وجاي ورايا ليه؟ "مفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، أنتِ اللي جاية ورايا ليه؟ "أنا ما جتش وراك، وأجي ليه وراك؟ هو أنا أعرفك؟ أنا بآجي هنا كل يوم وفي الوقت ده، مالي أنا بيك؟ في الوقت ده جه عم مصطفى وهو بيحط كوباية القهوة قدام عائشة وبص للشخص اللي واقف قدامها، فابتسم بسرعة وهو بيحضنه مرحبًا به: "إيه ده؟ عم يوسف أخبارك إيه؟ إيه كل الغيبة دي يا جدع؟ كنت فين؟ نظرت
له عائشة وقالت له بتعجب: "أنت تعرفه يا عم مصطفى؟ قال لها عم مصطفى بابتسامة واسعة: "عز المعرفة يا بنتي... كان بيجي زمان من وهو صغير مع أبوه، كان يفضل يتنطط هنا وهناك ويقطع لي في الزرع، كان شقي أوي. وبعدها كمل تعليمه بعيد عن هنا فبطلت أشوفه زي الأول." قال لها يوسف وهو بيشاور على عم مصطفى: "هاه، أديكِ عرفتي حكايتي، وأنتِ بقى حكايتك إيه؟ تعرفي عم مصطفى منين؟ قال له عم مصطفى بنفس نبرة سابقة:
"دي بقى يا سيدي نفس حكايتك، أبوها كان بيجيبها هنا وهي صغيرة، وكنا أنا وأبوها شبه إخوات مش أصحاب بس، وكانت هي تيجي تقعد هنا في نفس المكان اللي قاعدة فيه ده وتمسك لك الكتاب وتقعد تقرأ بساعات وما زالت كده." شاورت له عائشة لعم مصطفى وقالت: "أديك سمعت الحكاية، ينفع تمشي من هنا؟ قال لها يوسف بضيق: "والله دي مش جنينة بتاعتك، دي جنينة عم مصطفى، يعني أقف في أي حتة أنا عاوزها." قالت وهي بترجع تبص في الكتاب:
"والله المساحة كبيرة ما شاء الله والناس مش كتيرة كمان، يعني تقدر تقف أو تقعد في أي حتة أنت عاوزها." "بس أنا عجبتني الحتة دي." نظرت عائشة لعم مصطفى وقالت بضيق: "عم مصطفى أرجوك خليه يمشي من هنا لأنه كده بيعطلني." قال له يوسف بنفس النبرة بتاعت عائشة: "أرجوك يا عم مصطفى قولها إن المكان مش مكتوب باسمها وإن الجنينة بتاعتك يعني براحتي." قال عم مصطفى وهو يرفع يديه الاثنتين:
"والله يا جدعان أنا مش فاضي للحوارات دي وعندي قوم أشغال هناك، فأنا هسيبكم وتصفوا أنتم مع بعض." مشي وسابهم، فنظرت عائشة حولها وتنهدت وقبل ما تمسك حاجتها وتمشي أوقفها صوت يوسف وهو بيقول: "خلاص كنت بهزر معاكِ، اقعدي مكانك وأنا في مكان كده كده بقعد فيه دائمًا." هزت رأسها من غير ما تبص له وفتحت كتاب ثاني ورجعت لموضعها ثاني، إنما هو فضل يبص لها لثوانٍ بغموض وبعدها مشي. *************
روحت البيت ووشها مرسوم عليه علامات الغضب وبتقفل الباب بقوة شديدة، أدى إلى فزع أمها اللي قالت: "إيه في إيه؟ إيه قفلة الباب دي؟ أنتِ مجنونة؟ قالت لها نورهان وهي تقعد في أقرب كرسي قدامها بضيق: "مفيش حاجة يا أما، بس مضايقة شوية." "واللي مضايقك يخليكِ تقفلي الباب بالشكل الغبي ده؟ قالت نورهان بتردد: "أنا... أنا اتطردت من الكافيه." صدمت أمها من الكلام اللي قالتهولها وقالت: "يا لهوي... عملتِ إيه يخليكِ تطردي؟
"والله يا أمي قبل أي كلمة أنا شتمت ابن المدير لإن... وقبل ما تكمل كلامها قالت أمها بصدمة أكبر: "قولتِ إيه؟ شتمتِ مين؟ ابن المدير يا بعيدة؟ هو عشان المدير كان صاحب باباكي يبقى تعومي فيها أنتِ؟ جرى في دماغك إيه؟ "يا أمي مش لما تعرفي هو عمل معايا إيه؟ "ولا أي كلمة، أنتِ تاخدي بعضك دلوقتي وتروحي تتأسفي له، ده جزاته إنه وقف معانا وقت شدة ومن غير مقابل وفي الآخر تعملي كده؟
قبل ما تتكلم نورهان، سمعت صوت تليفونها بيرن، فشافت إنه رقم غريب، فبعدت عن أمها وردت في التليفون وسمعت صوت واحد: "ألو، معايا نورهان محمد؟ "أيوه، مين معايا؟ "أنا شادي ابن المدير اللي ضربتيه، وحبيت أعتذر لك على الكلام اللي قلته لك...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!