تسمّرت في مكاني واعتراني الخجل. شعرت بتقزمي ووددت أن تبتلعني الأرض من الخزي. كانت قدمي متصلبة وطلبت مني تلك المرأة أن أقترب منها. دفعني الرجل برفق من ظهري. استجاب عقلي وتحركت قدمي. توقفت على بعد خطوات منها. علمني الشارع أن لا أقترب من السادة البرجوازيين لأنهم يتأففون سريعاً وعالمهم غير عالمي. "اقترب؟ " همست بصوت طروب كأغنية أطفال. اقتربت بحذر. "لا بأس به"، قالت وأشارت لزوجها. "يحتاج للتنظيف".
كان حمامهم واسعاً جداً، بمساحة صالة كبيرة. نزعت ملابسي ونزلت تحت الماء. غسلت الأوساخ الملتصقة بجسدي. جليت جلدي. شذّبت شعري. استعملت منشفة لتجفيف المياه. وقبل أن أرتدي ملابسي، قال الرجل: "هناك ملابس جديدة على يمينك، ارتديه". بحثت على يميني. في خزانة صغيرة كانت الملابس مرتبة. سراويل داخلية، فانلات، تيشرتات. كان هناك طقم خاص بي. ارتديته. شذّبت شعري وثبّته بكريمات الشعر. تعطّرت. فعلت كل ما طُلب مني وخرجت.
كنت أشعر بجسدي يرتعش كلما سمعت الباب يُصك. كان وجود والدي في المنزل بعد الذي حدث معي يجعلني متوترة وغير قادرة على الحركة. كان وجود ناصر يطمئنني، لكني الآن وحيدة أقاسي أوجاعي بمفردي. في الفترة الأخيرة، كنت أضع يدي على عيني المفرغة كثيراً. كان جسدي لا يزال لم يتقبل فكرة اختفاء جزء منه. كما أن الرؤية بعين واحدة تشبه مشاهدة نصف شاشة.
كنت أغلق باب الغرفة على نفسي ولا أخرج منه أبداً طالما والدي راقد في الصالة. لم أكن مستعدة لمواجهته بعدما كسرني. كنت أكرهه من صميم قلبي وأتمنى موته. كان قاسياً جداً، أجوف، وكان الإدمان جعله شخصاً سريع الهيجان وغير متزن. قلبي كان مع ناصر أخي. كنت أعد الدقائق والساعات لحين وصوله. كان هو ملجئي الوحيد بعد رحيل والدتنا. وكان الآن يحكي لي ما يحدث في الشارع. لكن ناصر اليوم رحل فجأة ولم يخبرني عن وجهته.
كان ناصر ترك لي نقوداً مخفية في حال اضطررت النزول للشارع. منذ فقدت عيني، لم تلمس قدمي أرض الشارع. لم أكن جائعة، لكن وجود والدي في الصالة كان يؤرقني. شعرت برغبة في الهرب منه، أن لا يجمعنا مكان واحد. حاولت أن أخفي عيني بطرحة قدر ما استطعت.
نزلت درجات السلم ببطء شديد جداً. كان أقرب سوبر ماركت يبعد عنا شارعاً واحداً فقط. أخذت الرصيف وسرت عليه. رمقني بعض الأطفال بتطفل. كنت زميلة بعضهم قبل أن يفصلني والدي من المدرسة. لوحت لي فتاة تسير مع والدتها. وسمعت سيدة تبيع خضار تقول: "ابنة توحة"، "ابنة توحة" وتغمز لسيدة أخرى. في الماركت، ابتعت كيس شيبسي وباكو بسكوت. ولم يمنحني البقال الباقي. قال: "عليكم دين متأخر".
كان جسدي يرتعش في طريق عودتي. شعرت أن العالم كله ينظر نحوي ويتفحصني ويصرخ علي. وصلت أولى درجات السلم. كانت زميلتي هبة هابطة من شقتها ولم أفلح في تفاديها. "إزيك يا تقى؟ كيف حالك؟ ظنت أنك رحلت من البناية؟ "بخير شكراً لك". حاولت أن أمر من جوارها لكنها أمسكت يدي. "لماذا تخفين وجهك مثل اللصوص يا تقى؟ قلت: "لا شيء بعد إذنك". سحبت هبة الطرحة. وقبل أن أخفي عيني، رأت التجويف داخل وجهي.
صرخت: "يا إلهي، أنت بشعة، تشبهين مسخ زومبي". "ماما، ماما؟ انظري يا تقى! "أوف"، علّقت والدة هبة عندما رأت عيني. "يا لطيف"، قالت امرأة أخرى، بينما صكت جارتنا باب شقتها وهي تلفظ "ابنة توحة" كأنها لعنة. تسللت على السلم نحو شقتنا وأنا ألعن الفكرة التي جعلتني أنزل الشارع. على فتاة مثلي أن يكون حدود عالمها أربعة جدران ولوحة جدارية قديمة مهترئة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!