طفلة صغيرة تجري في الحقل، وهناك شخص يجري خلفها. تحاول الصراخ، لكن صوتها لا يخرج. تريد منادات والدها أو أخيها لينقذوها، لكن صوتها لا يستجيب. ملامح الشخص الذي يلاحقها غير واضحة. فاقت سهام من نومها على كابوس لم يتركها منذ علمت بزواجها. شهقت برعب، وأخيراً خرج صوتها. نظرت حولها، واتسعت حدقتا عينيها عندما رأت زوجها سالم نائماً بجانبها. كتمت فمها، محاولة منع صوت أنفاسها المرتعبة، وكأنها كانت تجري حقاً.
عينيها مركزتان على ملامحه. شاب في الثلاثينيات، لديه لحية خفيفة، بشرة سمراء وملامح حادة. نهضت بهدوء لكي لا توقظه، لتتسرب إلى غرفة الملابس لتأخذ ملابس لها وتدخل الحمام. تحاول ضبط تلك المخاوف التي تروادها، تتجهز لأول لقاء بينها وبين زوجها، وتنتظر قدوم أهلها.
لم يمض وقت طويل حتى خرجت، لكنه لم يكن موجوداً في الغرفة. تنفست بهدوء، فهي لا تعلم عن طباعه شيئاً على الإطلاق، وتخاف من فكرة وجودهما معاً. وقفت أمام المرآة، لفت شعرها بعد أن قامت بتسريحه، وبدأت بوضع بعض المساحيق، لتشهق عندما شعرت بكفه تحيط خصرها بجرأة لم تعهدها. طبع قبلة رقيقة على عنقها، دون أي مقدمات أو أي كلمة. وضعت كلتا يديها على صدره، تدفعه عنها. نظرت إلى عينيه بخجل، وفور أن التقت عيناهما، نظرت إلى
الأرض بتوتر وهي تردد بخجل: "أنت كويس؟ سالم، وهو منبهر بلون عينيها، فقد كانتا مغمضتين بالأمس، استطاع أن يتأمل ملامحها كاملة إلا عينيها اللتين كانتا بلون حبة القهوة. ليردد مجيباً إياها: "أنتي شايفه إيه؟ سهام، بتوتر من نظراته، حكت جبينها وهي تبعده عنها: "حمد الله بالسلامة." سالم جذبها بذراعه السليمة إليه، محيطاً بها: "دي تتقال بطريقة تانية على فكرة." وقبل أن يقترب ليقبلها وهي تحاول التهرب، سمع طرقات على الباب.
أغمض عينيه بغيظ وهو يقول: "مين؟ "الأكل يا سالم." أخيراً أفلتها لتبتعد بارتباك. دخلت أشواق مع الخادمة التي تحمل الأكل. "أبوي قال نطلع الأكل ليكو، وممنوع تخرج من أوضتك عشان ترتاح." "إيه يا أشواق، هتحبسوني هنيه؟ "أولاً، إني عمتك أشواق. وتاني حاجة، دي أوامر جدك. عندك اعتراض؟ "وأنا أقدر أعارض؟ "قول أشواق." "ما قولنا عمتك." "كلها خمس سنين اللي بينا." "أنا برتاح كده. لازم تحترمني." "ومين قالك عايزك ترتاحي."
"يبايي منك. أنا نازلة. ربنا يعينك يا سهام عليه." ابتسمت سهام على شجاره الطفولي مع عمته. لاحظ سالم تلك الابتسامة اللطيفة على شفتيها، ليقترب منها مردداً: "أدينا بنضحك أهو. تصدقي بالله ضحكتك ترد الروح." نظرت إلى الأرض بحرج، فهي لم تعتد على هذا الكلام. لكنها صدمت عندما طلب منها أن تقترب لتساعده بخلع ملابسه. تراجعت إلى الخلف بقلق. "إيه، مش عايزة تساعديني؟ "أنا... أنا...
"اطمني يا بنت عبد العال، أنا لسا جرحي طري، مش هعمل حاجة، لكن مش عارف أقلع لوحدي. قربي ساعديني." شعرت بسخونة في وجنتيها وهي تردد بصوت خافت يكاد لا يسمع: "حـ... حاضر." "أكيد مش حلو أروح لحد تاني يساعدني وأنا مراتي معايا، وإلا إيه؟
اقتربت نحوه بخطوات ثقيلة، لتقوم بفك أزرار قميصه، وأصابعها ترتجف وتشعر ببرودة تسري بأطرافها. أما هو، فينظر إليها، عيناه مركزتان على شفتيها، يريد أن ينقض عليهما ليروي ظمأه، لكنه يهدئ نفسه بعد أن رأى الخوف جلياً على ملامحها. رفع كفه ليقوم بفك شعرها، ليتناثر على كتفيها. رفعت عينيها إليه ليقول بتحذير: "مش عايز أشوفه ملفوف واحنا في الأوضة. عايزاه دايماً مفرود كده، ماشي." هزت رأسها وقد أنهت فتح القميص،
لتبتعد بارتباك وتهرب: "أنا هدخل الحمام شوية." "استني عندك." توقفت لثوانٍ قبل أن يتقدمها، وقد علم بأنها تريد الهرب، ليردد بمزاح: "هتفضلي رايحة جاية عالحمام وأنا ماليش دور، وإلا إيه؟ رفعت نظرها تقول ببلاهة: "هااا؟ "هدخل أغير أنا الأول، وبعدين هيجي دورك. كده يكون في عدل، وإلا إيه؟ " أنهى كلامه بغمزة، وقد أخذ ثيابه ودخل الحمام. والأخرى تنفست بارتياح، وكأن قلبها كان بين قبضة شديد، وأفلتت أخيراً. ***
"نازل رايح فين يا سالم؟ "شغل ياحج، مش هتأخر." "أنت متجوز ولسه عريس جديد، شغل إيه ده؟ "مش هتأخر، مسافة السكة." ليغادر، تاركاً جده يناظره بضيق. عند سهام: "زي ما قلت لك يا أمي، ده اللي حصل." "طب كويس يا بنتي، انتي قلقانة من إيه؟ "يا أمي، مراتات أعمامه باين إنهم حاطيني في دماغهم ومش هيسيبوني." "سيبك منهم، المهم انتي جوزك." سهام فركت يديها بتوتر. "مالك؟ انتي مخبية حاجة؟
"لا، بس يا أمي، أنا سمعت واحدة الصبح كلمته، وأول ما سمعت صوتها نزل يجري." "واحدة مين؟ "معرفش يا أمي. هو ممكن يعني يكون عنده واحدة؟ "مخبرش إن سالم له في السكة دي. متشيليش في بالك، تلاقيها واحدة بتاعت شغل أو أي حاجة. متفكريش بالحاجات دي عشان متجيلكيش." "يعني إيه؟ "يعني فكري بالحلو بس يا بنتي، ماشي؟ "حاضر." "يلا تعالي ننزل عشان زمانهم أبوكي وإخواتك مستنيني، وأحمد تحت عاوز يشوفك وقلقان عليكي." "حاضر يا أمي."
سهام نزلت مع والدتها، وفور رؤيتها لأخيها الأصغر، أسرعت لاحتضانه. "عارفة، انتي غبتي عننا يوم واحد والبيت بقى بارد قوي ومفيهوش دفى." اقتربت منه هامسة بمروغة: "يبقى دفيه بوجود بنت عمك همسة، وإلا إيه؟ "احم، انتي مش هتبطلي يا بنت انتي." "منا عارفة اللي في القلب يا حبيب أختك." قاطعها صوت سالم: "نعمة جت يا أحمد أهي. سهام تفك شوية." ليقف حائلاً بينهما. "حمد الله بالسلامة." "الله يسلمك. انتو رايحين فين؟ "هنروح...
"يمين بعظيم، مفيش حد فيكم هيمشي لحد ما تاخدوا حق ضيافتكم." "إحنا أهل يا ابني ومفيش بينا الكلام ده." "عشان إحنا أهل، لازم نتلم على سفرة واحدة." لمعت عينا سهام بسعادة وهي ترى والدتها وأخاها رضوخا لكلام سالم وسيبقيان معها لوقت أطول. مر اليوم دون أحداث. في غرفة يعقوب، العم الأكبر لسالم: "قله في بنات العيلة عشان يروح يجيبه ويجوزها لسالم." "الجواز نصيب." "وبنتك زينة إيه اللي يعيبها يا يعقوب؟ "إيه الكلام ده؟
عايزانا نعرض بنتنا على سالم؟ "مقولتش كده، بس سالم بكرة هيكوش على كل حاجة. مفيهاش حاجة لو كانت بنتنا مراته، وأهو مش هيروح مالنا للغريب." "اسكتي، اسكتي، مش عايز أسمع كلامك ده تاني. بنتي مش بأيرة، والف مين يتمناها." لوت شفتيها بضيق لتردد بداخلها: "بس مفيش زي سالم. وحياة غلاوتك يا أبو زينة، لهطفش العروسة دي بظرف شهرين بس، وتكون زينة مكانها. بنتي زينة البنات." في غرفة الجد: "بس كده، بتظلم أخواتي يا بوي."
"سالم هو اللي هيحافظ على العيلة دي يا أشواق، بعد ما نموت ومش هيتفرقوا ويدخل الغريب مابينهم." "بعد الشر عليك يا بوي، يومي قبل يومك." "متقولش كده يا بنتي، انتي لسه صغيرة، معشتيش شبابك، وأنا عشت كتير أكتر من اللازم." "ربنا يديك عمر أكتر وأكتر. لكن يا بوي، هتفتح على سالم طاقة النار لو هتكتب كل حاجة باسمه. أخواتي مش هيسكتوا." "هيعرف يتصرف، بس المهم تتصلي بالمحامي يجي الصبح ويكون مجهز الأوراق من غير ما حد يعرف."
"حاضر يا بوي، اللي تشوفه." في غرفة سالم: كانت سهام تلعب في غطاء السرير عندما دخل عليها، لتنهض لاستقباله. "مساء الخير." سهام أخذت المعطف منه: "مساء الخير." لاحظ سالم ارتباكها ليقول: "في حاجة؟ "ممكن أسألك حاجة؟ "اسألي. في إيه؟ "مين البنت اللي كلمتك الصبح وانت نزلت لها مستعجل؟ نظر إليها نظرات غامضة وهو يقول: "أنتي بتتصنتي علي؟ "لا والله، أنا سمعتك بالصدفة. تقول اسمها عائشة. بس مفيش في عيلتك بنت بالاسم ده."
"ما شاء الله، وسألتي عن بنات العيلة برضه." "سهام... "بتسألي ليه؟ رفعت كتفيها بارتباك وقالت: "بأسأل بس." سالم، بانفعال: "يبقى مالكيش دعوة." ليكمل بتحذير: "وآخر مرة تتصنتي عليا. أكتر حاجة بكرهها بالست، الطبع ده." تغيرت ملامح وجهها الضيق، لترمي معطفه على السرير بغضب طفيف وتوليّه ظهرها. وقبل أن تبتعد، جذبها من ذراعها بغضب وهو يقول: "إيه اللي عملتيه ده؟ "سالم...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!