الفصل 5 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
36
كلمة
3,659
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

أسوأ المتاهات التي من الممكن أن يمر بها المرء هي متاهة العقل، أن يكون ساكن جدًا من الخارج وبداخل عقله يركض في تلك المتاهة ليجد آخرها. ظهر بدر بجانبها من العدم، وهو يسأل بهدوء: "مالك؟ همست بكلمات أشبه بالهذيان، تحاول السيطرة على ارتعاش جسدها المرعوب من الأفكار المتضاربة في رأسها، ثم لفظت كلماتها الأخيرة وهي ترفع رأسها وتنظر إليه

بعينين مملوءتين بالدموع: "هتجنن.. انت نفس الراجل اللي في الصورة.. نفس الملامح والوش والطول والعرض.. يعني فعلاً انت بدر زي ماقولت.. وأنا الوحيدة اللي شيفاك.. معني كده إيه؟ أشاح بدر بنظره بعيدًا عنها قائلاً بخفوت: "معنديش إجابة." ثارت أعصابها بسبب برودة كلماته، فتوقفت عن المشي، والتفتت إليه مسرعة حتى واجهته بكل جسدها، تنظر في عينيه الداكنتين بينما قلبها ينبض بقوة غير مفسرة، ولم تعط نفسها مجالاً للتفكير،

متسائلة بإستنكار: "إيه هو دا اللي معندكش إجابة.. أومال مين هيجاوبني ها؟ صرخت بجنون مجددًا، مشيرة إلى نفسها بكلتا يديها: "اشمعنا أنا بس اللي قادرة أشوفك وأنا أصلاً معرفكش؟ تطلع بدر حوله، ولاحظ التحديق المستنكر للمارة في شارع على حياة، التي فعلياً كانت تتحدث إلى نفسها في شارع مليء بالناس، ودمدم جازاً على أسنانه: "وطي صوتك وامشي.. الناس بتتفرج عليكي! زفرت حياة بقهر وهي تخفض بصرها عن عينيه، ثم تابعت

طريقها قائلة بصوت يائس: "ما أنا خلاص بقيت مجنونة وبكلم شبح راجل ميت! غضب بدر مما قالته، وهمس من بين شفتيه طاحناً أسنانه بقوة من الغيظ، فما يحدث له أصبح يفوق قدرته على التحمل أيضًا: "بطلي تقولي الجملة دي." بدأ الحزن والإحباط يطغى عليها تمامًا، وتطايرت الأسئلة والاستفسارات مثل طائر فوق رأسها، ليزيد من ارتباكها الذي ظهر في نظراتها

الضائعة وهي تقول بتشوش: "مش دا كان كلامك ليا الصبح.. مفيش تفسير غير كده.. رغم إن دا أصلاً مش منطقي برضه! رفعت حياة وجهها إليه، وامتلأت عسليتها بالدموع، وقالت بصوت ضعيف متوسل: "أرجوك حاول ترجع بأي وسيلة للعالم اللي جيت منه.. وسيبني في حالي." ومضت عيناه ببريق حزين عندما استمع إلى كلماتها المترجية إليه أن يتركها وشأنها، لكنه لا يفهم سبب حزنه. بل يفهم سبب هذا الحزن، ولا يمكنه إنكاره بدونها سيضيع في هذا العالم وحيدًا.

ابتلع بدر غصة ألم في حلقه بسبب العجز الذي شعر به، لكنه أبى أن يظهر هذا الشعور محاولًا السيطرة على نبرة صوته أمامها، وهتف باستنكار: "أرجع فين يا مجنونة! أنا مش هسيبك." قطبت حاجبيها بإستغراب عندما رأت امرأة تنظر إليها بشفقة، حيث انتبهت فقط الآن أنها تتحدث إلى شبح غير مرئي في وضح النهار، فأخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة المعلقة على كتفها، وقالت بحسرة: "أنا بقيت مجنونة بجد، الناس فعلاً بتتفرج عليا.. فين تليفوني؟

وضعت حياة الهاتف على أذنها، وهي تعدل الحقيبة مرة أخرى على كتفها متظاهرة بالحديث فيه. لا يعرف بدر كيف وجد نفسه دون سابق إنذار، يضحك من كل قلبه على فعلتها التي جعلته ينسى في لحظة كل الآلام العاصفة التي بداخله، قائلاً من بين قهقاته الرجولية بغمزة من عينيه: "لا ذكية." حدقت به حياة بإنشداه من ضحكته الجذابة، فهذه كانت المرة الأولى التي ترى فيها أسنانه بشكل كامل، ووجدت نفسها تضحك أيضًا دون تفسير،

قالت بمزحة بائسة: "أبوس إيدك قولي أعمل إيه! يا تعتقني لوجه الله وتبعد، أنا حياتي مش ناقصة عفاريت كمان." هدأ بدر قليلاً من نوبة الضحك التي غرق فيها، وضيق عينيه عليها وهو يسألها بمرح يلهث: "أرسيلك على بر.. أنا روح ولا عفريت ولا شبح؟ رفعت حياة كتفيها، دلالة إلى أنها لا تملك إجابة على هذا السؤال، قالت بنبرة ساخرة: "حاسة كأني في فيلم عربي قديم.. عارفه بتاع إسماعيل ياسين والعفريتة كيتي." عقد بدر حاجبيه بعدم فهم،

وسألها بفضول: "أنا فاكر اسمي بالعافية.. وده إيه حكايته؟ نظرت حياة إليه بحاجب مرتفع، وقالت بذهول: "انت مشوفتوش؟ أومأ بدر إليها بنفي صامت، فأجابت بشرح: "العفريتة دي كانت رقاصة واتفق مدير الكباريه والراجل بتاعه على قتلها.. عشان يستفادوا بفلوسها بعد موتها.. قامت طلعت العفريتة بتاعتها لراجل غلبان وطيب وفي حاله زي حالتي كده." ضحك بدر على نبرة الحسرة في حديثها، بينما كان منتبهًا لما تقوله،

ثم سألها باستفسار: "يعني هي اتقتلت.. فطلعت عفريتها لواحد بس!؟ أومأت حياة بالإيجاب، وما زالت تحمل الهاتف على أذنها: "بالظبط كده." اتسعت حدقتا بدر في ذهول، وزاد الفضول داخل عقله، متسائلاً في حيرة: "طيب وده كانت تعرفه قبل كده؟ أجابت حياة غير مبالية، وهي تعبر التقاطع، بعد أن نظرت يمينًا ويسارًا: "أيوه كان بيغني معاها على المسرح." توقف بدر عن المشي، ولمعت عيناه باهتمام،

وسألها بهدوء: "وإذا فرضنا إن اللي بيحصل معانا شبه اللي بتحكيه!! معني كده إن أنا وأنتي نعرف بعض؟ نظرت حياة في عينيه مباشرة بعد أن وقفت أمامه، وخلفه كان هناك متجر لبيع الملابس، وبدا كما لو كانت تقف تنظر إلى المعروضات. أومأت حياة برأسها وفسرت كلماتها: "أيوه بابا كان ساكن في الشقة اللي قصادك وأنا وقتها كنت صغيرة أوي وأنت كبير.. مكنش فيه أي كلام بينا." هز بدر رأسه، مجعداً حاجبيه بتشوش، ثم تنهد بضيق

عندما لم يصل لشيء وأردف: "أنا مش فاكر حاجة من اللي بتقوليها! زَمّت شفتيها في التفكير أيضًا، وقالت بتعب: "وأنا كمان مش فاكرة أي حاجة عنك.. أنا تعبت خلاص من المشي، يلا نرجع البيت." *** بعد مرور فترة وجيزة. كانت حياة واقفة أمام باب الشقة، تنظر إليه بشرود حتى استيقظت على صوت بدر الذي قال بضجر: "هتفضلي واقفة كده كتير؟ رفعت حياة رأسها، ونظرت إليه بعيون واسعة ببراءة،

ثم قالت بتذمر: "نسيت أعدي على عم حمزة عشان آخد منه مفتاح الشقة.. وكده مضطرة أنزل خمس أدوار من تاني وأنا ما صدقت طلعت أصلاً." أجابها بدر بلا مبالاة: "مش مستاهلة تنزلي ولا حاجة، فيه مفتاح استبن تحت المشاية دي." خفضت حياة نظرها مندهشة، حيث أشار برأسه تحت قدميها، ووجدت نفسها واقفة على مشاية صغيرة، تراجعت خطوة إلى الوراء، ثم هبطت على ساقيها، ورفعتها قائلة بستهزاء منه: "مفيش حاجة تحتها يا ذكي."

استطرد بدر كلماته بإصرار مشيرًا إليها بإصبعه السبابة: "هتلاقي المفتاح جوه بطانة المشاية.. افتحي السوستة دي وهتلاقيها." عقدت حياة حاجبيها بعدم تصديق من وجود مشاية ذات سحاب خلفي، لكنها فعلت ما قاله، ثم ابتلعت لعابها بغرابة عندما أخرجت مفتاحًا صغيرًا حقًا، لكنها لم تعلق على الأمر، بل استقامت، وفتحت الباب، ثم دخل كلاهما إلى الشقة. أشار بدر بإصبعه نحو غرفة النوم قائلاً بهدوء: "دخلي شنطتك جوه وتعالي نتكلم شوية."

خطت حياة خطوات هادئة تجاهه، تنظر إليه بريبة قبل أن تسأله بإستفهام: "قبل ما أعمل أي حاجة.. انت كنت عارف مكان المفتاح بالتفصيل!! يعني اللي بيحصلي مش تهيؤات من خيالي.. ممكن تقولي إيه اللي حصلك وصلك لكده؟ أغلق بدر عينيه بضيق من تكرار هذا السؤال الغبي منها، لأنه لو توفرت له الإجابة لكان بإمكانه أن يساعد نفسه. رد بدر بتنهيدة عميقة: "مش عارف ولا فاكر حاجة عن حياتي.. كل اللي أعرفه اسمي بدر وإني صاحب العمارة دي."

أردفت حياة بتساؤل آخر: "وقلتلي إنك كنت متجوز وحدة اسمها أميرة." أجابها بدر بعد أن وضع يديه في جيوبه، ونظر إليها وهو يشعر بالسأم: "أيوه." رفعت حياة حاجبيها بدهشة، وسألته بعدم اقتناع: "إزاي هي طليقتك وتدخل شقتك وأنت مش موجود وكمان البواب بيقول إنها مراتك؟ سحب بدر يديه من جيوبه، ورفع باطن كفيه للأعلى، ثم غمغم في حيرة من أمره: "علمي علمك.." صمت بدر برهة،

ثم استأنف حديثه بصوت واثق: "بس كان واضح عليها لما دخلت هما إنها جت لغرض معين عشان فضلت تدور جوه الدواليب وفي أوضة مكتبي." اتسعت حدقتا حياة بصدمة، واستدارت يسارًا ويمينًا متسائلة: "مكتبي فين الأوضة دي؟ أشار بدر بذقنه إلى اليسار ودمدم: "هي دي." عضت حياة على شفتيها بغيظ، وهي تفرك فروة رأسها، ثم قالت بإحباط، بعد أن كانت تأمل أن تجد شيئًا مفيدًا من خلال هذه الغرفة: "الأوضة دي حاولت أفتحها إمبارح بس مقفولة!

كاد بدر أن يرد، لكنه سكت عندما سمعوا صوت خافت يطرق على باب المنزل، فذهبت حياة لترى من الذي أتى. *** في مدخل الشقة. عندما فتحت حياة الباب هتفت زوجة حمزة بقلق: "انتي كنتي فين يا بنتي؟ خبطنا عليكي كتير الصبح! حركت حياة جسدها بعيدًا عن الباب قليلاً لإفساح المجال لهم للدخول، قائلة بهدوء: "اتفضلوا الأول."

وقفوا جميعًا في منتصف الصالة حيث وقف بدر بجوار حياة يشبك يديه للأمام دون أن يدركوا وجوده باستثناء حياة التي لمست أنفها برفق وتلفظت بالكذب، وتقسم في سرها أنها ستلجأ إليه كثيرًا في الفترة المقبلة: "أنا خرجت بدري تمشيت شوية.. ورجعت من عشر دقايق تقريبًا." قال حمزة بابتسامة، وهو ينظر إلى زوجته: "ماشي.. كريمة خش اعملي أكلة حلوة كده من بتوعك لست حياة."

ردت كريمة ببشاشة: "من عيني حاضر.. أنا عملت حسابي ونزلت السوق اشتريتلك شوية حاجات.. البت إسراء هتطلعهم." وأضافت، وهي تمسد بحنان على ظهر حياة: "ها تحبي أعملك أكل يا ست البنات، شكلك لسه تعبان ووشك أصفر." هزت حياة رأسها في رفض، وهي تبتسم قائلة بامتنان: "لا أنا مليش نفس.. تسلمي يا أم كرم، ماتقلقيش بقيت كويسة و كتر خيرك تعبتك معايا، ماتحرمش منك." ضرب حمزة جبينه برفق، وقال بسرعة: "صحيح يا ست حياة قبل ما أنسى زي كل مرة.."

أردف بتخمين، وهو يخرج من جيبه شيئاً لامعاً، ثم أعطاه إلى حياة: "اتفضلي مفتاح الشقة.. أكيد أنتي سبتي باب الشقة مفتوح لما خرجتي ورجعتي!! ردت حياة باندفاع دون أن تدرك أثناء إخراجها نسخة المفتاح الأخرى من جيب بنطالها: "لا يا عم حمزة.. أنا معايا مفتاح الشقة، لقيته تحت المشاية." تمعن بدر النظر في وجه حمزة الذي بهت لونه عندما رأى هذا المفتاح بيد حياة، ثم عاود النظر إلى

حياة عندما سمعها تتساءل: "قولي يا عم حمزة.. معلش هي طليقة أستاذ بدر اسمها إيه؟ حياة بسؤالها أوقفت كل الأفكار التي انهارت كالمطر على عقل حمزة، فنظر إليها بحاجبين مرفوعين بدهشة وقال بتصحيح: "أستاذ بدر متجوز يا ست حياة مدام أميرة." رفعت عينيها لأعلى مرتبكة عندما شعرت بوتيرة أنفاس بدر التي ارتفعت إلى جوارها، ثم استجوبت حمزة بارتياب: "يعني أميرة دي مراته.. أنت متأكد؟ أومأ حمزة برأسه بقوة،

وقال بثقة: "أومال طبعًا.. دي حتى كانت هنا من كام يوم بعد سفر أستاذ بدر." تمتمت حياة بهدوء وهي تفرك بتوتر مؤخرة رقبتها: "طيب انت كلمت أستاذ بدر.. وقولتله إنك قاعدة في شقته؟ أشار إليها حمزة بالسلب، ورد عليها بمبرر: "تليفونه مقفول.. بس مدام أميرة موصياني أي حاجة تحصل في غيابه أبلغها بيها وأنا عرفتها إن حضرتك قاعدة هنا مؤقتًا." حدقت فيه بعيون ضيقة، متسائلة بفضول: "هو بيشتغل إيه؟

رد حمزة بابتسامة واسعة: "أستاذ بدر محامي كبير ماسك مكتب والده الله يرحمه... همهمت حياة، وعيناها ما زالتا مثبتتين على سجادة الأرض، بفكر شارد: "الله يرحمه." جاءت كريمة من المطبخ ممسكة بيد إسراء وقالت بابتسامة سمحة: "كل حاجة حطيتهالك في التلاجة يا ست العرايس وأكلت القطة.. لو احتجتي حاجة عرفيني وأنا عيني ليكي." نظرت إليها حياة، وظهرت ابتسامة خجولة على شفتيها بشكل عفوي،

وقالت بامتنان: "ربنا يخليكي يا أم كرم وشكراً يا عم حمزة قلقتكم معايا." أغلقت الباب من خلفهما، وعاودت بنظرها إلى بدر الصامت بوجوم انجلّى على ملامحه. "مشيت حياة نحوه، ووقفت أمامه محدقة في عينيه قائلة بتأييد: "واضح محدش يعرف بموضوع الطلاق ده وهي فعلاً كانت هنا من كام يوم زي ما قلت." ضمت حياة شفتيها بصمت لوهلة، ثم قالت بقلق: "الموضوع ده مش مريحني."

تنفس بدر بعمق وهو يسحب شعره للخلف، هو أيضًا يشك في الأمر، لكن عقله سئم من التفكير وقرر تأجيل المناقشة لوقت آخر. وقال محاولاً تغيير الموضوع: "على فكرة عم حمزة استغرب لما عرف إن معاكي المفتاح الاستبن." وضعت حياة باطن كفها على خدها بصدمة، وقالت بندم: "أوبس تفتكر ماكنش له لازوم أقوله ولا إيه؟! مدّ بدر شفتيه إلى الخارج، في إشارة إلى عدم تأكده من الأمر، ثم قال بلهجة هادئة: "مش عارف.. يمكن!! قضمت حياة شفتيها،

ثم همست بتردد طفيف: "طيب.. أنا.. كنت عايزة أتفق معاك على كام حاجة كده." حدقها بدر بأعين ضيقة، وهمهم بقلق من نبرة صوتها الخجولة التي نادرًا ما تتحدث بها منذ أن التقى بها: "إيه؟ تنحنت تصفي حلقها المتحشرج، ثم هتفت بشجاعة لأنها يجب أن تضع النقاط على الحروف معه من البداية كما يقال: "أول حاجة لازم تسيبلي حرية التحرك في الشقة هنا." حك بدر جبهته بخفة، ثم قال بدهشة: "يعني إيه ما فهمتش؟!

تساءلت حياة بداخلها لماذا يطلب منها شرح الأمور في كثير من الأحيان، وخاصة المحرجة منها، لكنها قاومت ذلك الشعور، وأجابت بعد أن أدارت عينيها لتجنب النظر إليه: "يعني الحمام طول ما أنا فيه ماينفعش تدخل عليا أو تشوفني وأنا بغير هدومي مثلاً، ده ما يصحش." رفع حاجبيه بذهول، ثم غمغم، وهو يعدل ياقة قميصه في حرج بعد أن رأى أنها على حق: "ماشي. وتاني حاجة."

أخذت حياة نفسًا عميقًا كمكافأة بعد أن اجتازت المرحلة الأولى التي كانت محرجة للغاية بالنسبة لها، ثم أردفت بنبرة مليئة بالتذمر: "وياريت تبطل تصحيني من النوم مخضوضة كل شوية.. وسيبني آخد راحتي في النوم." نمت ابتسامة صغيرة على شفتيه من تغير مزاجها في لحظات معدودة، ثم دنا لمستواها قليلاً لمواجهة عينيها، وقال بتهكم تحذيري مزيف: "تمام. وياريت أنتي كمان تبطلي تتحركي بهرجلة وتكسري في البيت."

أشاحت نظرها بسرعة عن عينيه اللتين كانتا تحدقان بها بنظرة لن تستطع تفسيرها، لكنها جعلت نبض قلبها يرتفع داخل صدرها، وهمهمت بتوتر من تحت أنفاسها: "ماقدرش أوعدك." أبقى بصره معلقًا عليها، ثم تساءل: "في حاجة كمان عايزة تضيفيه؟ رفعت حياة يدها بعفوية وفركت ذقنها في تفكير، ثم صاحت بسرعة، ورفعت إصبعها السبابة أمام وجهه بتحذير: "أهم حاجة.. ممنوع ألاقيك داخل من الحيطة تاني، أنا كده هتجيلي جلطة في عز شبابي."

رفع بدر حاجب واحد في استنكار، وهو يطلق ضحكة عالية، ثم قال بأسلوب ساخر: "لا والله.. أنا إيه يجبرني أسمع كلامك من أساسه!! رفعت حياة حاجبها الأيسر كما فعل لكن بتعبير ماكر، ثم هتفت بتهديد مضحك مشيرة إلى رقبتها: "ماهو لو ماسمعتوش أنا هموت نفسي وتطلعلك عفريتي تتعامل معاك بقى وتمرمطك." عبست ملامح بدر بتصنع يخفي وراءه الابتسامة العريضة التي كانت بداخله على حركاتها المرحة، والتي لم ينكر أبدًا أنها تروق إليه،

وقال باستياء مزيف: "مش ملاحظة إن أنتي اللي في بيتي وضيفة عندي؟ تحرك بؤبؤ عينيها إلى اليمين، وضمت شفتيها أثناء تفكيرها، ثم غمغمت بنبرة سلسة: "آه هو بيتك صح.. بس أنا بنت يعني عيب تتجول براحتك من غير حدود ولا أنا كلامي غلط؟ لم يعد يستطيع مقاومة الضحك أكثر من تعبيراتها الغريبة عندما تتحدث بعقل وخجل، وقال من بين شهقاته، وهو يمد يده ليصافحها بتلقائية: "طيب.. ماشي."

حدقت حياة في يده الممدودة بملامح متقلصة، وهي تتذكر آخر مرة أراد فيها مصافحتها، ثم دمدمت بتوجس: "تاني بتمد إيدك.. أنت مصمم ترجعلي نوبة الخوف ليه؟! لوى بدر شفتيه إلى الجنب، ثم غيّر وضع يديه عموديًا، بحيث كان باطن راحتيه الكبيرين مواجهتين لها، وقال بإيماءة من رأسه لحثها على أداء نفس الحركة: "طيب ارفعي إيدك." نظرت إليه حياة مندهشة، ثم خفضت بصرها إلى راحتي يديه المرفوعتين أمامها، وفعلت كما قال، ثم قالت بخفوت: "كده؟

قرب راحتيه يلامس باطن راحتيها مما سبب لها دغدغة لطيفة، قائلاً بابتسامة جذابة: "خلي ده يكون السلام بينا بعد كده." همست بضحكة خافتة لأنها أحبت تلك الحركة، رغم أنها بالكاد شعرت بلمسته: "اتفقنا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...