بمكان واسع قريب من طريق البلدة توقف جاويد بسيارته وترجل منها سريعًا يقترب من تلك السيارة الأخرى التي ترجل سائقها منها قائلًا: المفاتيح في الكونتاك. نظر جاويد له قائلًا: تمام خد إنت العربية التانية وإرجع بيها للمصنع.
صعد جاويد للسيارة الأخرى وقادها سريعًا عائدًا باتجاه طريق البلدة عيناه على جانبي الطريق تنهد براحة حين رأى سلوان من ظهرها لكن استغرب حين رآها تمشي بجوار امرأة تتكئ عليها رغم أن لديه فضول معرفة من تلك المرأة لكن حافظ على مسافة بعيدة قليلًا عنهن. بينما سلوان توقفت للحظة بسبب حديث تلك المرأة ونظرت لها باستغراب قائلة باستفسار: حضرتك تقصدي إيه مش فاهمة معنى كلامك، ومين ولد الأشرف ده؟ تنهدت المرأة قائلة:
لكل سؤال أو فعل رد والزمن كفيل بالرد المناسب. كل سؤال له جواب سيظهر مع الوقت، بلاش تتسرعي دلوقتي. لا تعلم سلوان سبب لمساعدتها لتلك المرأة لكن بقشعريرة تعلم سببها هي. تلك المرأة التي يظهر فقط عيناها من أسفل ذلك الوشاح الأبيض الملفوف حول رأسها ويخفي أكثر من نصف وجهها. عيناها سوداء بكحل فرعوني. حدثها عقلها أن تبتعد عن تلك المرأة بالفعل. حاولت سحب يدها من أسفل يد تلك المرأة لكن المرأة تمسكت بيدها قائلة:
خلاص وصلت يا بتِ وصلني بس لحد المصطبة اللي هناك ويبقى كتر خيرك. نظرت سلوان إلى المكان التي أشارت عليه تلك المرأة شعرت بثقل ورهبة تضربان قلبها حين رأت تلك المصطبة التي خلفها مباشرةً المقابر. للحظة ارتعبت وارتعش جسدها. لاحظت المرأة ذلك فقالت لها: هنا لنا أحبة سكنوا الديار قبلنا بس سكن في قلوبنا لوعة وأنين مكانهم. تدمعت عين سلوان وشعرت بوخزات قوية في قلبها وهي تساعد تلك المرأة تجلس على تلك المصطبة. لكن تحدثت لها المرأة:
تسلمي يا بتِ، افتكري كلامي زين "النصيب بيتعقب صاحبه مهما حاول أنه يهرب منه، المكتوب ما فيش منه مهرب". ما زال حديث تلك المرأة يثير استغراب سلوان حتى شعرت للحظة أن عقلها جن. كيف تصغي لحديث كهذا؟ لكن حدثها عقلها أن تلك المرأة "عجوز خَرِفة" تهذي. شعرت المرأة أن سلوان تظنها تهذي، ابتسمت قائلة: في دكان عمك "رضوان" هناك اسأله وهو هيدلك على المكان اللي بتريديه.. يا "خد الجميل". للحظة سهمت سلوان صامتة بدهشة. من هذا الوصف؟
والدتها كانت تناديها به أحيانًا. نظرت لها رأتها تبتسم. لكن للحظة انشغل عقل سلوان بحديث المرأة كأنها تسحرها. كانت ستسألها كيف علمت ذلك الوصف لكن المرأة نظرت نحو سيارة جاويد التي تقترب منهن. ابتسمت: القدر بيتبع صاحبه كيف ظله، روحي يا بتِ الخير اللي عملتيه في يوم هيترد لك. رغم استغراب سلوان من أقوال تلك المرأة لكن بداخلها شعرت بتوجس ورهبة منها تزداد وفضلت أن تبتعد عنها حتى لا تُغفلها وتُصدق تخريفها.
تركت سلوان المرأة وسارت قليلًا. ما زال يشغل عقلها أقوال تلك العجوز. للحظة توقفت عن السير ونظرت خلفها مكان جلوس تلك المرأة، لكن تحولت نظرتها إلى ذهول وهي تبحث بعينيها عن تلك المرأة التي اختفت دون أثر. تلفتت عيناها بكل اتجاه تبحث عن أثرها لكن كأنها تبخرت ليس لها أثر. شعرت برهبة قوية، وتيبس جسدها حتى أنها لم تشعر بذلك الشخص الذي يقترب من مكان وقوفها إلا حين تحدث:
واقفة في وسط الطريق كده ليه، ومش واخده بالك إن في عربية جاية عليكي وإنتِ واقفة، شكلك مش من هنا من البلد. انخضت سلوان ونظرت خلفها بشهقة. نظر لها الرجل قائلًا: تبارك الله إنتِ حلوة قوي، واقفة كده ليه في نص الطريق. ازدرت سلوان ريقها تشير بيدها نحو المصطبة قائلة: كان فيه ست قاعدة هناك على المصطبة فجأة اختفت. نظر الرجل نحو المصطبة قائلًا:
أنا دكاني قريب من المصطبة وما شفتش حد كان قاعد هناك، قولي لي إنتِ شكلك غريبة يمكن تايهة. ذُهل عقل سلوان التي ما زالت غير مستوعبة، لكن أجابت: أنا فعلًا مش من البلد، ومش عارفة أنا تايهة ولا لأ، أنا عايزة أعرف فين بيت الحاج "مؤنس القدوسي". نظر لها الرجل بتمعن لكن قبل أن يتحدث أتت عليهم امرأة تبدو في منتصف الأربعين قائلة:
في إيه يا "رضوان" واقف مع الصبية الحلوة في وسط الطريق كده ليه، أوعى يا راجل تكون عينك زاغت وناوي تتجوز عليا... بس لو هتتجوز الصبية الحلوة دي أنا ما عنديش مانع. ابتسمت سلوان قائلة: لأ يا مدام أنا كنت بسأل على بيت الحاج مؤنس القدوسي. نظرت لها المرأة باسمة تقول بفضول: حلوة منك كلمة مدام دي، بس إنتِ عايزة بيت الحاج مؤنس ليه، هتشتري منه قُلل وأباريق، لاه إنتِ شكلك "بندريّة" أكيد بتشربي ميه معدنية في إزايز نضيفة.
ابتسمت سلوان لها قائلة: لأ محتاجاه في أمر خاص، واضح من كلام حضرتك إنك تعرفيه ممكن تدليني على بيته لو سمحتِ. نظرت المرأة لـ رضوان قائلة: حلاوة وذوق يا رضوان يا خسارة لو كان حدايا ولد ما كنتش طلّعتك من البلد، ما تتجوزها يا رضوان شكلها عسولة ورقيقة كده. ابتسم رضوان قائلًا: لاه عندي ليها عريس مناسب بس مش يمكن هي متجوزة يا "محاسن". جذبت محاسن يد سلوان تنظر لهن بتمعن ثم قالت:
لاه الصبية مش متجوزة ما فيش في إيدها اليمين ولا الشمال دبلة، بس قولي مين العريس اللي في بالك. رد رضوان: والله الصبية الزينة دي ما يليق بيها غير "جاويد الأشرف". تمتمت محاسن على قول رضوان. بينما ضحكت سلوان التي شبه تناست أمر تلك المرأة الغريبة بسبب حديث هذان الزوجان بمزح معها، وقالت بمراوغة: هو طالما ما فيش في إيديا دبلة يبقى مش متجوزة عادي جدًا. للحظة تحير الزوجان وهما ينظران لبعض، وبخت محاسن رضوان:
مش تركز يا رضوان هي الرجالة كانت عميت عن الصبية الزينة دي، أكيد متجوزة، يا خسارة. ابتسمت سلوان قائلة: لا خسارة ولا مكسب ممكن تدلوني على بيت الحاج مؤنس ويبقى كتر خيركم وعملتوا فيا ثواب أكتر من إنكم تجيبولي عريس. ردت محاسن: والله خسارة ما كان يليق بيكِ غير جاويد الأشرف، بس النصيب عاد، تعالي معايا أوصلك لدار الحاج مؤنس. ابتسمت سلوان قائلة: يمكن نصيبه في بنت أحلى مني... ومتشكرة لخدمتك مقدمًا.
سارت كل من سلوان ومحاسن التي كانت تسأل سلوان بفضول منها بينما سلوان كانت ترد عليها باقتضاب واختصار إلى أن وصلتا إلى أمام منزل مؤنس. تحدثت محاسن: دار الحاج مؤنس أهي. بحثت سلوان عن جرس المنزل حول إطار الباب، لكن لم تجده. نظرت لها محاسن قائلة: بتدوري على إيه يا زينة الصبايا؟ ردت سلوان: فين جرس الباب؟ دفعت محاسن باب المنزل الحديدي الكبير قائلة: جرس الباب جوه، ادخلي.
تعجبت سلوان لكن سبقت محاسن بالدخول. لكن توقفت للحظة وضعت يدها على قلبها تشعر بوخز قوي بقلبها تذكرت أن والدتها يومًا ما كانت تعيش هنا. لاحظت محاسن وقوف سلوان اقتربت منها قائلة: وقفتي ليه... ومال وشك اتخطف كده ليه ما تخلعي النضارة اللي واكلة نص وشك الصبوح ده. نفضت سلوان ذلك الشعور عنها وابتسمت قائلة: مفيش، بس يمكن عشان أول مرة أدخل بيت قبل ما صحابه هما اللي يفتحولي الباب... والنضارة عشان الشمس والتراب بيتعبوا عينيّ.
ردت محاسن: سلامة عيونك أكيد حلوة ويتخاف عليها من الشمس والتراب، تعالي بلاش توقفي كده. سارت سلوان خلف محاسن نحو باب المنزل الداخلي، كل خطوة تشعر كأن عصبها يتقلص ويمتزج بأوردتها يسيل. وضعت محاسن يدها على جرس المنزل لكن قبل أن تدق عليه فُتح باب المنزل وخرجت مِسك. تجنبت محاسن منها إلى الجانب الآخر مقابل سلوان. اقتربت مِسك من محاسن ورسمت بسمة باهتة قائلة بترحيب فاتر: خالتي محاسن إزيك، منورة الدار. ردت محاسن بفتور أيضًا:
الدار منورة بأصحابها، فيه ضيفة غريبة عن البلد كانت بتسأل على دار الحاج مؤنس.
بنفس اللحظة نظرت مِسك لجهة سلوان تعجبت كثيرًا وتمعنت بالنظر لها. هي نفس الفتاة التي صادفتها قبل أيام أمام محل الثياب. لم تكن خيال كما ظنت بعد ذلك. شعرت ببغض ناحيتها لا تعرف سببه. بنفس اللحظة أتت خلف مِسك صفية تنادي عليها حتى كادت تخرج من باب المنزل لكن توقفت عن الحديث حين رأت مِسك تقف مع محاسن وفتاة أخرى تبعد وشاح رأسها عن وجهها، ثم خلعت نظارتها الشمسية ونظرت لها ثم لـ مِسك التي رن اسمها بأذنيها برنين خاص.
ذُهلت صفيه حين وقع بصرها على وجه سلوان وهمست: بنت مِسك! لكن ادعت عدم معرفتها ونظرت بترقب لـ محاسن قائلة: نورتي داري يا محاسن. ردت محاسن: بنورك يا صفية الحلوة دي بتسأل على عم الحاج مؤنس. ردت صفية: الحاج مؤنس مش هنا، راح هو ومحمود أسوان هيشتروا طمي من هناك، ومش هيرجعوا غير عشية. تسرعت سلوان بالسؤال قائلة: يعني إيه مش هيرجعوا غير عشية، بكرة يعني. ردت محاسن: عشية يعني بعد أذان العشاء. كذلك ردت صفية سريعًا:
ويمكن يباتوا هناك. سأم وجه سلوان قائلة: طب لو رجعوا بكرة هيرجعوا أمتى كنت محتاجة الحاج مؤنس في أمر ضروري. ردت صفية: والله ما أعرف وقت رجوعهم، ممكن يرجعوا الصبح أو المسا. انسرعت سلوان قائلة: بكرة المسا! ردت مِسك: أيوه لو محتاجة حاجة ضروري ممكن تقولي لينا عليها. نظرت لهن سلوان لم تشعر اتجاههن براحة ووضعت النظارة على عينيها قائلة:
لأ مش هينفع أنا كنت محتاجة الحاج مؤنس في أمر خاص، على العموم ممكن تديني رقم موبايل الحاج مؤنس وأنا هبقى أتصل عليه وآخد منه معاد يكون موجود فيه. قبل أن ترد إحداهن ردت محاسن: نمرة موبايل الحاج مؤنس مع رضوان يا ريت كنا اتصلنا بيه قبل ما نيجي لهنا كنا وفرنا المسافة اللي مشيناها لهنا. نظرت صفية لـ محاسن بعتاب فاتر:
كده لأ عيب عليكِ يا محاسن الأبله تقول علينا إيه مبنرحبش بالضيوف، أهو حديثك ده نسينا نسأل الأبله هي مين أو حتى اسمها إيه؟ ارتبكت سلوان قائلة: اسمي سلوان، على العموم متشكرة لحضرتك أنا هاخد نمرة موبايل الحاج مؤنس هتصل عليه وأشوف معاد مناسب يكون موجود فيه، عن إذنكم. استدارت سلوان نحو باب المنزل الخارجي وخلفها محاسن. بينما نظرت مِسك لخروجهن من باب المنزل ثم نظرت لـ صفيه قائلة: ماما دي شبه... قبل أن تكمل مِسك حديثها
أومأت صفية رأسها قائلة: عمتك مِسك... سلوان بنتها، أنا فاكرة اسمها سمعته من هاشم يوم جنازة عمتك... الاسم لسه بيطن في وداني. اندهلت مِسك قائلة: طب ودي إيه اللي جابها هنا مع إن علاقتنا بيها مقطوعة تمامًا... تفتكري جاية وعايزة جدي في إيه؟ ردت صفية:
أكيد جاية طمع أكيد أبوها اللي كان حتة مهندس في شركة التليفونات يا دوب مرتبه بيكفيهم بالعافية ويمكن اتجوز بعد عمتك ومعاه عيال تانية وهي لعبت في دماغها وقالت أروح أضحك على جدي وأستعطفه يمكن تطلع منه بورث، بس ده مش هيحصل أصلًا. تهكمت مِسك:
ورث إيه اللي جاية عشانه مش شايفة منظر لبسها، دي هدوم ماركات غالية حتى نظارة الشمس بتاعتها ماركة عالمية حتى البرفان بتاعها نفس ماركة أصلية، أنا وحفصة طلبنا من النت زيه، أعتقد فيه سبب تاني. نظرت صفية لـ مِسك بحيرة قائلة: ويا ترى إيه هو السبب التاني ده، اللي يخليها تقطع المسافة دي كلها من القاهرة لـ الأقصر. ردت مِسك بتكهن:
أولًا المسافة من القاهرة لـ الأقصر مش بعيدة زي حضرتك ما متخيلة دي ساعة زمن بالطيارة، ثانيًا يمكن هتتجوز مثلًا وحبت جدي يحضر فرحها مهما كان هو والد مامتها. ردت صفية: تتجوز؟ بس دي إيديها الاتنين خاليين، ومنين جايلك إن غني النفس باللبس الغالي ولا الرفانات والنظارات الماركات، مش يمكن منظر أو خدعة عشان ما نفكرش إنها جاية طمعانة. استوعبت مِسك رأي صفية وقالت:
ممكن عالعموم أنا لازم أمشي دلوقتي عندي حصة في المدرسة وأما أرجع نبقى نتحدث في موضوع البلوة بت عمتي اللي ظهرت دلوقتي ليه؟ ابتسمت صفية قائلة: بالسلامة إنتِ والبلوة دي ربنا يسلم من شرها وشر طمع النفوس في اللي في إيد غيرها. سارت سلوان مع محاسن إلى أن عدن إلى محل رضوان ودخلن إليه. نهض رضوان قائلًا:
زين إنك ما اتأخرتيش كيف عادتك يا محاسن، لسه التاجر اللي هنشتري منه العدس قافل معاه الموبايل، وجولت لها ساعة وأكون عندك آخد البضاعة. نظرت محاسن بشرز مرح لـ رضوان قائلة: قصدك إيه يا راجل إني بتعوق في السكك. ضحك رضوان قائلًا: لاه، بس أنا عارفاك من ناحية صفية ما بترتاحيش لحديتها وأوقات بتشدي قصادها. ردت محاسن:
لاه ما تخافيش، أنا روحت مع الصبية الحلوة باسم حلو زيها "سلوان" ما لقيناش الحاج مؤنس في الدار حتى المخفية صفية كلمتنا من عالباب ما قالت لنا اتفضلوا. تذكر رضوان قائلًا: آه فاتت علي دي أنا كنت شايف الحاج مؤنس ومحمود راكبين العربية، ونسيت حتى الحاج مؤنس شاور لي بيده. نظرت محاسن لـ رضوان قائلة: يا ريتك كنت افتكرت قبل ما نروح الدار كنت وفرت علينا شوفة وش صفية الـ "اِتِم" وكانت سلوان خدت منك نمرة موبايل الحاج مؤنس.
نظر رضوان لـ سلوان قائلًا: اسمك حلو ولايق عليكِ يا زينة الصبايا. تبسمت له صابرين بخجل، بينما قالت محاسن: واه بتعاكس الصبية قدامي يا رضوان. ابتسم رضوان قائلًا: بعاكس مين يا ست الستات دي لو كنت خلفت كان زمان عندي عيال في عمرها. ابتسمت محاسن وشعرت بشجن في قلبها قائلة: طب طلع موبايلك وإدي لـ سلوان نمرة الحاج مؤنس. أخرج رضوان هاتفه وقام بتملية سلوان رقم هاتف مؤنس دونته على هاتفها. أغلق رضوان هاتفه قائلًا:
همشي أنا بقى عشان ما اتأخرش عالتاجر. ردت سلوان: أنا كمان أستأذن بس كنت عايزة أسأل على موقف الباص هنا عشان أرجع للاوتيل في الأقصر. باص! هكذا قالت محاسن بتعجب قائلة: موقف الباص اللي هو نفسه موقف الميكروباص، بس موقف الميكروباص عالطريق الناحية التانية للبلد. استغربت سلوان قائلة: هو في طريق تاني للبلد. ردت محاسن: أمال إنتِ جاية في إيه. ردت سلوان:
شخص أعرفه وصلني لحد بداية طريق الترعة اللي هناك دي وقالي إن الطريق ده هيوصلني للبلد. مصمصة محاسن شفاها قائلة: والصديق ده لما هو يعرف البلد ليه ما وصلكيش لحد دار الحاج مؤنس؟ ردت سلوان: هو مش من هنا وما يعرفش أهل البلد وعنده أشغال وأنا قلت له أني هعرف أدبر نفسي، على العموم متشكرة ليكم ممكن بس حد يوصلني للموقف. نظرت محاسن لـ رضوان وإيماءت له برأسها مبتسمة كذالك هو ابتسم يومئ رأسه بتوافق. استغربت سلوان فعلتهم
لكن اندهشت حين قالت محاسن: عمك رضوان نازل "بعربية نقل صغيرة" الأقصر بدل ما تتبهدلي أو تتوهي في المواصلات هو يوصلك لأقرب مكان من الأوتيل اللي بتقولي عليه ده. كادت سلوان ترفض هي لا تثق بأحد بسهولة، لكن أصرت محاسن عليها قائلة: متخافيش عمك رضوان طيب وعينه مش فارغة. توترت سلوان قائلة: أنا مش قصدي حاجة بس مش عايزة أعطله عن مقابلة التاجر مش أكتر. ابتسم رضوان قائلًا: لاه متخافيش مفيش عطله، العطله إنك تفضلي واقفة كده كتير.
على مضض وحذر وافقت سلوان وذهبت مع رضوان بسيارة البضاعة الخاصة به. بينما جاويد الذي يتتبع سلوان عيناه لم تغفل عنها سوى دقائق، وهي بمنزل القدوسي لديه فضول يعلم لما لم تبقى به سلوان سوى دقائق قليلة. كذلك رأى تلك المرأة التي كانت تسندها سلوان هي نفس المرأة التي ظهرت له بالمعبد سابقًا وتحدث معها رغم أنه لا يصدق بتلك الخرافات، لكن إذا كانت الخرافات هي من ستقرب بينه وبين سلوان على استعداد لصنعها.
ظهرًا بمنزل صالح استيقظ من ثباته على صوت رنين هاتفه، استيقظ بتذمر مد يده يجذب الهاتف من طاولة جوار الفراش، وضعه على أذنه وهو ما زال يشعر بالنُعاس لكن نهض منشرحًا حين سمع تلك الضحكة الرقيقة وذلك الحديث البذيء الذي يهواه قائلًا: حلاوتهم من زمان ما سمعتش صوتك يا بت. ردت عليه بضحكة رقيقة:
واه وحشتني يا شيخ الشباب وجيتلك مخصوص من مصر لهنا في الأقصر، مهرجان شعبي وجاية أرقص فيه وقولت مينفعش أبقى في الأقصر وما أقابلش وأملى عيني شيخ الشباب صالح الأشرف. شعر صالح بنشوة كاذبة من مدح تلك الراقصة به ونعتها له بـ شيخ الشباب الذي ما زال يود التمتع به رغم أن ذلك أصبح أيضًا يحتاج لطاقات لم يعد قادر عليها، لكن هناك متعة أخرى وهي النظر قادر بها يخترق مفاتن النساء. سألها: ويا ترى بقى مهرجان الرقص ده كام يوم؟
ردت حلاوتهم: تلات أيام ونازلة هنا في فندق كبير هستناك تعدي عليا فقرة الرقص بتاعتي هتبدأ الساعة عشرة. رد صالح: يبقى نتقابل الساعة تمانية قبل ما تنزلي من الأوتيل. ردت حلاوتهم بضحكة مُجلجلة: بس ده أوتيل محترم، على العموم شيخ الشباب هيجي ومعاه هدية قد شوقه. ابتسمت عيناه تلمع ببريق الشغف والشهوة، ونهض من على الفراش يشعر أنه مثل شاب في ريعانه.
بالمشفى بغرفة كبيرة جلس جواد على رأس تلك الطاولة نظر إلى الأطباء الجالسين وظل صامتًا للحظات طويلة مما أثار دهشة الأطباء الذي تحدث أحدهم قائلًا: أعتقد إنت مش طالبنا كلنا على الموبايلات عشان تقعدنا قدامك كده زي التلاميذ، وبعدين كلنا عندنا مرضى أولى بالوقت، الثانية بتفرق معاهم. تنهد جواد قائلًا:
فعلاً فيه مرضى اللحظة بتفرق معاهم وده اللي طلبتكم على الموبايلات بسببه، بس قبل ما أقول الكلمتين اللي عندي حابب أعرفكم مضمون الورقة دي، ياريت يا دكتور "ناصف" تقرأ فحوى الأمر ده. قرأ ناصف فحوى الورقة إلى أن قال: تم تعيين الدكتور "جواد صلاح الأشرف" مديرًا عامًا للمشفى. انصدم ناصف ونظر لأحد الأطباء بالغرفة ثم رسم بسمة كاذبة قائلًا بنفاق:
مبروك يا دكتور جواد أنت أكتر واحد تستحق تبقى مدير للمشفى رغم إن سنك صغير إنك تكون مدير بس الكفاءة هي اللي تستحق تاخد المناصب العليا وأنت كفء لها. تهكم جواد ساخرًا لنفسه، لكن ابتسم حين قالت إيلاف بود: مبروك يا دكتور. كانت نظرة عينيه لها بها شيء خاص ومميز لفت نظر ناصف له وابتسم بظفر، بينما تحدث جواد قائلًا بتوضيح:
متشكر على التهاني والمباركات اللطيفة منكم نجي بقى للجد أنا أصدرت قرار أي دكتور مش هيبقى موجود في فترة الورديّة بتاعته في المستشفى هياخد لفت نظر مرة واحدة وبعدها هرفع تقرير فيه للوزارة إنه غير ملتزم بمواعيد عمله كمهني. تهامس الأطباء بين بعضهم بغضب وتحدث أحدهم بتعسف: بس إحنا أطباء مش موظفين حكومة. رد جواد:
فعلاً أطباء بس في وقت مواعيد عملكم بالمستشفى أنتم موظفين ولازم تلتزموا بالقوانين وأول قانون هو الحضور الفعلي في المستشفى مش خمس دقايق وبعدها تمشوا على عيادتكم الخاصة... ما أعتقدش لو قضيتوا بس ساعتين تلاتة في المستشفى تكشفوا على ناس ما تقدرش تدفع الفيزيتا بتاعت العيادة الخاصة هتأثر معاكم أعتبروها زكاة عن علمكم وكمان هتلاقوا فيها منفعة أكبر هتصطادوا زباين لعيادتكم، زي ما بيحصل وبعض الممرضات بتعمل لكم دعاية بين المرضى.
كاد أحد الأطباء أن يتعصب لكن ناصف تحدث بكُهن: فعلاً كلام الدكتور جواد صحيح يا سادة إحنا الطب رسالة قبل أي شيء، أنا مقتنع بحديث الدكتور جواد وعن نفسي بعد كده هلتزم بمواعيد نبطشياتي. نظر له طبيب آخر ووافق على مضض منه. لاحظ جواد نظرات الاثنين لبعض، فهو ليس مغفل لكن افتعل تصديقهم لامتثالهم لأمره ببساطة. بعد قليل انتهى الاجتماع وخرج معظم الأطباء من الغرفة إلا إيلاف التي اقتربت من جواد تبتسم قائلة:
ألف مبروك الترقية يا دكتور بتمنى لك التوفيق في مهمتك الشاقة. ابتسم لها جواد قائلًا: فعلاً مهمة شاقة جدًا بس متأكد إن فيه أطباء لسه عندهم مبدأ الطب رسالة قبل تجارة والدليل إنتِ أهو قدامي. ابتسمت إيلاف قائلة: أنا لسه دكتورة مبتدئة مش يمكن مع الوقت أتحول وأبقى من الدكاترة اللي واخدين الطب تجارة. ابتسم جواد قائلًا: ما أعتقدش يا دكتورة، المثل بيقول الكتاب بيبان من عنوانه.
ابتسمت إيلاف وقبل أن ترد عاد ناصف للغرفة ورأى تلك النظرات من جواد لـ إيلاف لكن ذم تسرعه حين تحدث ليته كان ظل صامتًا قليلًا وما قطع وصلة حديثهم، قائلًا: متآسف موبايلي نسيته على الطاولة. استأذنت إيلاف وخرجت من الغرفة لكن عين جواظ كانت تتبعها ببسمة خاصة لاحظها ناصف الذي وجد نقطة ضعف يستطيع استغلالها لمصلحته. بأحد المطاعم على ربوة عالية بالأقصر جذب جاويد المقعد للخلف كي تجلس سلوان، التي ابتسمت له وهو يقول بخبث:
ها مقولتليش إزاي رجعتي للأوتيل أنا كنت خلصت شغلي بسرعة وكنت هتصل عليكِ عشان أرجعك للأوتيل. زفرت سلوان نفسها قائلة: أنا أساسًا ما غبتش في البلد دي، وربنا وعدني باتنين ولاد حلال، بس فيه ست غريبة قابلتها وقعدت تقولي كلام مش مفهوم، أكيد ممكن تكون بتخرف. تكهن جاويد متسائلًا: وقالتلك إيه الست دي؟ ردت سلوان: كلام ما فهمتوش أساسًا كانت بتتكلم بلهجة صعيدي قديمة وشكلها بتخرف.
كاد جاويد أن يسأل لكن صدح رنين هاتف سلوان. أخرجت سلوان الهاتف من حقيبة يدها ونظرت للشاشة ثم لـ جاويد ونهضت قائلة: عن إذنك هبعد عن الدوشة هنا عشان أعرف أرد على بابا. أومأ لها جاويد رأسه مبتسمًا. ابتعدت سلوان قليلًا وقامت بالرد على والدها الذي اندفع بالحديث متعسفًا: سلوان ليه ما رجعتيش للقاهرة زي ما طلبت منك لو فضلتِ أكتر من كده أنا هاجي بنفسي ومعايا إيهاب وأتمم خطوبتكم. زفرت سلوان نفسها قائلة:
بابا أنا مستحيل أوافق على إني أتخطب لـ إيهاب أنا مش برتاح له ولا عشان هو أخو طنط دولت، وقولت لحضرتك تمام خلاص حجزت تذكرة القطر وهرجع للقاهرة بعد بكرة. رد هاشم: وليه ما ترجعيش بكرة طيران أنا هبعتلك تذكرة طيران. ردت سلوان:
مش هينفع أرجع طيران لأن الباسبور بتاعي مش معايا، وأنا حابة أرجع في القطر زي ما جيت بالقطر ومش هيفرق رجوعي يوم زيادة، بس أرجوك بلاش تضغط عليا بمسألة إيهاب حضراتكم عارفين إني مستحيل أوافق على واحد معندوش أخلاق مش عشان حضرتك بقيت جوز أخته يبقى تتغاضى عن شخصيته السيئة. رد هاشم:
تمام ارجعي للقاهرة ووقتها هقرر أوافق أو أتراجع، بس قدامك بس بكرة لو ما كنتيش في القاهرة بعد بكرة أنا وقتها مش هستنى رأيك وهوافق على جوازك من إيهاب وفورًا حتى لو اتكفلت بالجوازة كلها. تنهدت سلوان بسأم قائلة: تمام يا بابا أطمن هرجع للقاهرة بعد بكرة سلام.
أغلقت سلوان الهاتف تشعر برغبة في البكاء لا تعلم سببها. نظرت أمامها لتلك الأضواء بالمكان والبيوت القريبة منه تشعر بشعور خاص في قلبها ما زالت تود البقاء هنا لفترة أكبر لكن تعسف والدها هو ما يضغط عليها بالعودة. كذالك هناك سبب آخر المال الذي كان معها بدأ ينضب وقرار العودة أصبح إجباري. استنشقت سلوان نفسًا حاولت إبقاءه وقت أطول بصدرها، لكن شعرت بيد توضع على كتفها من الخلف وصوت جلال يقول: سلوان.
استدارت سلوان له مبتسمة، كذالك هو ابتسم لها قائلًا: مالك حاسس إنك مضايقة من الصبح وقت ما وصلتك للبلد دي، متآسف مكنش لازم أسيبك لوحدك. ابتسمت سلوان قائلة: لأ مش ده السبب، ممكن نتمشى شوية. ابتسم جلال وأشار لها بيده لتسير أمامه. سار الاثنين معًا ساد الصمت إلى أن تسأل جاويد: مين الناس اللي كنتِ رايحة البلد دي علشانهم؟ ردت سلوان بتفكير: أهل مامتي. ادعى جاويد الدهشة قائلًا: مامتك من هنا من الأقصر. ردت سلوان:
أيوا، ماما من هنا من قرية الأشراف بابا هو اللي من القاهرة، قابلها هنا من تلاتين سنة هو كان بيشتغل مهندس في شركة تليفونات واتقابلوا وحبوا بعض واتجوزوا، وبعدها انقطعت علاقة ماما بأهلها يمكن ما يعرفوش حتى إن ليها بنت. ما زال جاويد يدعي الدهشة قائلًا: إنتِ جاية عشان تعرفيهم إنك بنت بنتهم. ردت سلوان:
لأ أنا جايه أزور قبر ماما، ماما مدفونة هنا في البلد وما فيش حد يعرف يوصلني لقبرها غير جدي "مؤنس القدوسي" وأنا ما أعرفش هيكون رد فعله إيه لما أقابله. معايا رقم موبايله بس جوايا هاجس بيقول لي بلاش تكلميه يمكن ما يكونش عايز يشوفك أو يعرفك، بدليل السنين اللي فاتت ما سألش عليا مرة واحدة...
وكمان بابا طلب مني أرجع للقاهرة وخلاص حجزت تذكرة في القطر بعد بكرة، يعني بكرة آخر يوم ليا هنا بالأقصر، ولسه ما زرتش قبر ماما، وما أعرفش ليه كنت بأجل الزيارة دي، بس خلاص لازم أزور قبرها قبل ما أرجع للقاهرة، وما أعرفش هرجع هنا الأقصر تاني أو لأ. غص قلب جاويد بسبب تلك الدموع التي تتلألأ بعيني سلوان ود أن يجذبها لحضنه بتلك اللحظة لكن هناك ما يمنعه. لكن اتخذ قرار سلوان ستبقى هنا بالأقصر مهما كلفه الأمر.
بالفندق بانشراح كان صالح يسير بزهو مثل شاب بالعشرينيات رغم عمره الذي اقترب من السبعين. لكن فجأة توقف مكانه حين وقع بصره على تلك الفتاة القادمة بالمقابل له. ظل ينظر لاقترابها منه يتمعن بها يغمض عينيه ويفتحها عله يحلم أو يتوهم، لكن هي حقيقة كأنها نسخة أخرى باختلافات بسيطة حتى نفس طريقة المشي بشموخ وتعالي هي نفسها صورة أخرى من الماضي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!