منزل صالح الأشرف دخل صلاح يسأل الخادمة عن صالح، قبل أن ترد الخادمة رد صالح الذي أتى من خلفها. كذلك اقترب من مكان وقوفهم زاهر مبتسمًا، يرحب بصلاح بحفاوة: "أهلًا يا عمي، نورت الدار." ابتسم صلاح له ونظر لصالح قائلًا: "كويس إن لحقتك قبل ما تطلع من الدار." رد صالح باستخفاف مبطن: "خير، إيه الأمر الهام؟ تغافل صلاح عن طريقة رد صالح قائلًا: "الليلة إن شاء الله، فرح جاويد، ومينفعش متكونش أول الحاضرين وتستقبل المعازيم بنفسك."
عبس وجه زاهر وشعر بوخزات قوية في قلبه، وكأن أحدًا وضع طعم العلقم بفمه. وظل صامتًا يكتم أنين قلبه، ظنًا أن العروس هي مسك ابنة عمته. بينما تهكم صلاح ساخرًا: "لاه، كتر خيرك وجاي تدعيني قبل ساعات من الفرح." تغاضى صلاح عن تهكم صالح قائلًا:
"الموضوع كله تم بسرعة، إنت عارف دماغ شباب اليومين دول. وأنا زيك، جاويد جالي وقالي أنا قررت أتجوز، وكمان كان طلب يد العروسة من جدها. وأبوها وصل من هنا الأقصر يا دوب قبل كتب الكتاب بليلة واحدة." تلخبط عقل زاهر من حديث عمه وتساءل باستفسار: "قصدك إيه يا عمي بأن أبو العروسة وصل من السفر؟ رد صلاح وهو ينظر ناحية صالح يترقب رد فعله: "العروسة مش من هنا." تهكم صالح قائلًا: "يعني العروسة غريبة عن هنا، وعرفها منين بقى؟
رد صلاح بترقب حذر: "لاه، العروسة... أبوها هو اللي مش هنا، من الأقصر، بس أمها من هنا." تنهد زاهر بارتياح، كأن ثقل صخرة ثقيلة انزاح من على صدره، وانشرح قلبه وتفتحت ملامحه. بينما ما زالت نبرة التهكم من صالح الذي تساءل: "وتبقى أمها بنت مين بقى؟ قبل أن يجيب صلاح، صَدَح رنين هاتفه. أخرجه من جيب ثيابه ونظر للشاشة، ثم نظر لصالح قائلًا بحذر:
"معلش، إنت عارف تحضيرات الفرح واستقبال الضيوف، لازم أمشي دلوقتي. في ضيف مهم لازم أكون في استقباله. وإنتوا أصحاب الفرح مش محتاجين دعوة. وإنت يا زاهر، جاويد يبقى أخوك الكبير، ولازم تكون جاره. عقبالك يا ولدي." ابتسم زاهر بقبول منشرح الصدر، بينما شعر صالح بغيظ قائلًا:
"أما أطلع أبدل خلجاتي، وألبس عباية تانية تليق بمقامي، وأشوف مين نسيب جاويد، اللي يستاهل إني أضيع وقتي، ولا هيطلع موظف كحيان. ما هو حديث صلاح زي ما يكون النسب مش قد كده وخايف يقول لا نتريق عليه." رد زاهر:
"حتى لو نسيب جاويد شخص بسيط، بالنسبة له نسب عالي. وكمان بنسبه له بقى من نفس مستواه العالي. النسب مفيش فيه عالي وواطي، فيه مناسبين لبعض وبينهم تفاهم ومودة واحترام وتقدير من الطرفين لبعض. أنا كمان هطلع أغير هدومي وألبس بدلة تليق بنسب جاويد وابن عمي." سخر صالح من حديثه متهكمًا. قبل الغروب بوقت قليل بأحد العمارات المطلة على النيل، كانت تقف بشرفة إحدى الشقق امرأة بأوائل العقد الخامس من عمرها. ابتسمت حين سمعت من خلفها
تتنحنح بحرج وتردد قائلة: "ست ليالي." استدارت لها ليالي مبتسمة تقول: "أيوا يا زاهية، قولي عاوزة إيه؟ أنا عارفة طريقتك دي لما تكوني محتاجة حاجة، أو عاوزة تقولي حاجة. ولا مفكرة عشان أنا عامية ومش شايفة ملامح وشك، إني كمان مش واخدة بالي من نبرة صوتك." شعرت زاهية بحرج قائلة: "لاه والله يا ست ليالي، ده حتى مكدبش اللي قال ربنا لما بياخد البصر بيدي مكانها البصيرة. ربنا ينور بصيرتك." تنهدت ليالي قائلة:
"يارب، قولي بقى عاوزة إيه." ردت زاهية بفخر: "بصراحة يا ست ليالي، إنتِ عارفة إن ملاك بنتي خلصت الجامعة واتخرجت من كلية التجارة قسم المحاسبة، وكمان كانت طول الدراسة بتاخد كورسات كمبيوتر وكورسات تانية خاصة بالمحاسبة. وبصراحة اتقدم لها عرسان كتير، بس هي بترفضهم وبتجول مش هتفكر في الجواز غير بعد ما تتوظف. جال إيه؟ مش عاوزة راجل يتحكم فيها إنه هو اللي بيصرف على البيت، عاوزة تيجي مستقلة بنفسها."
سارت ليالي خطوتين وجلست على أحد المقاعد بالشرفة ومدحت ابنة زاهية قائلة: "والله براڤوا عليها إنها حابة تكون شخصية مستقلة بذاتها، ومش بس مالياً كمان فكرياً. بس أكيد في حاجة تانية، بطلي لف ودوران وهاتي من الآخر يا زاهية." ابتسمت زاهية قائلة:
"حاضر يا ست ليالي. بصراحة كده ملاك، قدمت في كذا مسابقة عشان تشتغل، بس الحظ متوفقش. وآخر وظيفة قدمت فيها واحدة جالت لها الشغل كله بقى بالواسطة. ومن وقتها وهي مكتئبة وقاعدة في البيت تندب حظها إنها اتبهدلت بين العلام والكورسات، وفي الآخر مفيش وظيفة عدلة قبلت فيها. كنت بجول لو تكلمي البيه، هو له معارف بكبارات وشخصيات مهمة هنا في الأقصر، يشغلها إن شاء بعقد في فرع أي بنك هنا. إن شاء بنك الزراعة." ابتسمت ليالي قائلة:
"ودي المشكلة اللي مخلياكي مترددة تقولي لي عليها. عالعموم أنا هكلم البيه، ومش بس كده كمان ناسيه إني كنت بشتغل هنا في بنك قبل ما بصري يروح وكان ليا أصدقاء في البنك ما زلت على تواصل ببعض منهم، ويتمنوا أطلب منهم خدمة. وملاك تعتبر زي بنتي. بس متقوليش لها دلوقتي، بس هاتي لي الملف بتاع الشهادة الجامعية والكورسات اللي أخدتها. وسلمي أمرك لله، إن شاء ربنا هيحقق أمل ملاك وتشتغل وتحقق ذاتها." انشرح قلب زاهية قائلة بدعاء:
"ربنا يعطيكِ السعادة ويحلي أيامك يا ست ليالي ويخلي لكِ البيه يارب." ابتسمت ليالي قائلة: "آمين. أهو كفاية دعوتك دي يا زاهية. بس هقولك، هاتي الملف بتاع ملاك من وراها، بلاش تقولي لها غير لما ناخد موافقة عالوظيفة، خليها تبقى مفاجأة لها. بس وقتها بقى مفيش حاجة ببلاش." ابتسمت زاهية لها قائلة: "عينيا ليكِ يا ست ليالي." ابتسمت ليالي قائلة:
"تسلم عينيكِ يا زاهية. أنا عاوزة كوبايتين شاي مظبوطين من إيديكِ وكمان كم حتة كيكة من كيكة البرتقال اللي شامة ريحتها... وتيجي نقعد سوا هنا في البلكونة ندردش سوا، وتوصف لي منظر غروب الشمس." ابتسمت زاهية قائلة: "حاضر. دقائق هروح المطبخ أعمل الشاي وكمان كيكة برتقال زمانها بردت، هجيبهم وأجيلك."
تركت زاهية ليالي، التي رغم أن من يرى عينيها التي بلون السماء الصافية يظن أنها ترى، بينما هي في الحقيقة تحولت لعين زجاجية معتمة، لكن لم تفقد بريق قلبها. وبذكر قلبها، ها هو المالك له منذ أكثر من ثلاثين عام يدق على هاتفها بنغمته الخاصة، بكلمات أغنية نجاة "يا مرسال الهوا". ضغطت على زر الرد وردت تسمع صوته معتذرًا: "آسف يا حبيبتي، الوقت أخدني ومقدرتش أجي أتغدى معاكِ." ابتسمت له بعذوبة صوتها:
"معلش، أكيد حبيبي مشغول والوقت مسمحش له. بس أحب أقولك فاتك كتير. زاهية كانت طابخة بسلة وجنبها شوية رز وسلطة وبتنجان مخلل من اللي إنت بتحبهم، وأكلت أنا وهي ونسفنا الأكل، يعني الغايب ملوش نايب زي ما بنقول." ابتسم لها قائلًا: "بالهنا يا حبيبتي." ابتسمت ليالي قائلة: "آه، وكمان عاملة كيكة برتقال ريحتها تجنن. شكلها كانت عاملها رشوة لسيادتك." ابتسم لها قائلًا:
"إنتِ بتحسسيني بالندم بالراحة إن مجتش عالغدا النهارده، بس ليه عاملها رشوة؟ ابتسمت قائلة: "لاء يا حبيبي، هي مش رشوة، بس كمان ليا عندك طلب يخص زاهية، وبحفزك من ناحيتها." ابتسم لها قائلًا: "وأيه هو الطلب ده بقى اللي قبله لازم التحفيز ده كله؟ ابتسمت برقة قائلة: "لما تيجي هنا هقولك، مينفعش عال موبايل." ابتسم لها قائلًا: "تمام، هحاول متأخرش. أنا كنت بتصل أطمن عليكِ، عشان عارف طبعك مش بتاكلي كويس في غيابي." ابتسمت له قائلة:
"ده كان زمان حبيبي، لما كنت شابة صغيرة وبقدر أستحمل الجوع طول اليوم. دلوقتي خلاص كبرت وبقى عندي ثلاثة وخمسين سنة، مقدرش أتحمل الجوع." ابتسم مادحًا: "بلاش تقولي ثلاثة وخمسين سنة. محدش هيصدق إن ده عمرك، هيقولوا بتكذبي." ابتسمت تشعر بالإطراء قائلة:
"بس هي دي الحقيقة يا حبيبي. أنا صحيح عندي ثلاثة وخمسين سنة، بس عايشة بقلب بنت صبية عندها ثلاثة وعشرين سنة. عالعموم، متقلقش عليا، معايا زاهية. خدت مكان ماما قبل ما تتوفي. من بعد الضهر تقولي الغدا قرب يا ست ليالي، بعد خمس دقايق أجهزلك الغدا، بعد دقيقتين الغدا جاهز." ابتسم لها قائلًا: "تمام كده، لازم حد يهتم بحبيبتي عشان تفضل جميلة وبهية." ابتسمت قائلة:
"حبيبي، رغم إن الجو فيه غبرة ترابية غطت على قرص الشمس وهي بتغرب، بس أكيد الشمس بكرة هترجع تستطع، وتهدي العاصفة، ويختفي الغبار ده كله." ابتسم بأمل قائلًا: "إن شاء الله. هسيبك دلوقتي، بس ابقوا سيبوا لي حتة كيكة." ابتسمت ليالي قائلة: "في دي مقدرش أوعدك، إنت وحظك بقى." ابتسم قائلًا: "إنتِ أحلى حظ في حياتي، يا أغلى ليالي."
أغلقت ليالي الهاتف تستنشق الهواء الخريفي. رغم عدم رؤيتها، لكن ما زال قلبها يشعر أنها مثل الشمس تتجدد كل يوم. بالمشفى حوالي الثامنة إلا ربع تقريبًا نظر جواد إلى ساعة معلقة على الحائط بمكتبه ونهض حين سمع طرقًا على باب المكتب. وسمح له بالدخول. نظر بهاتفه مبتسمًا يقول: "كنت لسه هـتصل عليكِ يا دكتورة عشان ميعاد الزفاف قرب." ابتسمت إيلاف قائلة: "بصراحة أنا اتأخرت، بس كنت بتابع حالة مريض مسؤولة عنها."
ابتسم جواد وهو يخلع معطفه الأبيض وعلقه، وجذب معطفًا آخر رمادي اللون قائلًا: "تمام، خلينا نتحرك عشان تلحقي تشوفي الزفة من أولها. الزفة هتبقى على الكارتة، غير كمان في صوان خاص بالحريم لوحدهم." شعرت إيلاف بالحرج قائلة: "طب وأنا هدخل في وسط الحريم إزاي وبأي صفة؟ أنا كنت فاكرة إن الزفاف هيبقى في صوان في الشارع وممكن أقعد في أي زاوية أتفرج على مظاهر الزفاف." رد جواد:
"لاء، في صوان خاص بالحريم ومتخافيش، محدش في الوقت ده بيبقى فاضي، بيركزوا في العروسة وبس." ابتسمت إيلاف قائلة: "متأكد؟ عالعموم هي مسألة ساعتين بالكتير. وكمان واحشني عم بليغ بقالي كم يوم مشوفتهوش، حتى لما اتصلت عليه قالي أنه كان مشغول، بس مكنتش أعرف إن السبب هو زفاف أخوك." شعر جواد بالغيرة من بليغ، لكن أخفاها قائلًا: "تمام، اتفضلي خلينا نلحق الزفاف من أوله."
سارت إيلاف أمام جواد إلى أن خرجوا من باب الغرفة إلى ممر المشفى، ثم سارا جوار بعضهما، يتحدثان بتلقائية. لكن هنالك أعين خبيثة رأتهما لتلمع بشرًا وهما ينظران إلى بعضهما. ليقول ناصف: "الخطة ماشية تمام، فاضل بس تكة صغيرة، وفي الآخر جواد مش بس هيتغصب يستقيل من إدارة المستشفى، لاء هيستقيل من الطب كله." لمعت عين الآخر قائلًا: "مش فاهم قصدك إيه؟ إيه اللي في دماغك؟ رد ناصف:
"اللي في دماغي هو الدكتورة إيلاف، لازم نجذبها معانا تشتغل في المستشفى الجديدة بأي شكل. بعدها هيبقى سهل كل شيء... **بعد قليل** توقف جواد بالسيارة بمكان قريب من منزله بسبب الزحام. ابتسمت إيلاف قائلة: "المكان هنا زحمة أوي كده ليه؟ كل الناس دي؟ دي البلد كلها موجودة هنا وبتقول إن الفرح بسيط." ابتسم جواد قائلًا: "فعلاً المظاهر دي بسيطة لما يكون الزفاف ده لجاويد الأشرف."
ابتسمت إيلاف، لكن بنفس اللحظة رأت بليغ الذي اقترب من مكان وقوف السيارة يبتسم. ترجلت سريعًا بلهفة من السيارة رغم الزحام وذهبت نحوه، تاركة جواد الذي شعر بآنين في قلبه. تمنى أن يرى بعينيها مثل تلك اللهفة عليه، اللهفة التي جعلت إيلاف حين رأت بليغ تركت السيارة وقطعت ذلك الزحام حتى وصلت إليه. تنهد بأمنية، ثم تجنب بالسيارة بأحد الأركان وترجل هو الآخر منها وذهب إلى حيث قاده قلبه الذي يشعر بالغيرة.
بينما إيلاف بصعوبة قطعت الزحام ووصلت إلى مكان بليغ الذي ابتسم لها وسحب إيلاف من يدها وخرجا إلى أحد جوانب المكان شبه الخالي من الازدحام. وتبسم حين رأى اقتراب جواد منهم وملامح وجهه شبه عابسة. لكن إيلاف لم تأخذ بالها بسبب انشغالها في الحديث معه. حين وصل جواد إلى جوارهم، رسم بسمة يود أن يبعد بليغ عن إيلاف. لكن خيرها قائلًا: "هتفضلي واقفة هنا في الزحمة ولا هتدخلي صوان الستات؟ رد بليغ بالنيابة عنها قائلًا:
"لاه طبعًا، هتدخل صوان الستات. هنا زحمة أوي." ابتسمت إيلاف قائلة: "فعلاً هنا زحمة وكمان العروسة خلاص وصلت، بس." تساءل جواد: "بس إيه؟ ردت إيلاف بحرج: "بصراحة أنا معرفش حد، بس ممكن أقعد بجنب لوحدي. بس هدخل إزاي؟ ابتسم جواد قائلًا: "لاء، دخولك للصوان أمر سهل وثواني." فتح جواد هاتفه وانتظر قليلًا ثم تحدث إلى إحداهن ثم أغلق الهاتف ونظر لإيلاف قائلًا: "تمام، هننتظر ثواني بس." أومأت إيلاف رأسها ونظرت إلى بليغ قائلة:
"هشوفك تاني قبل ما أمشي من الفرح." ابتسم بليغ لها، بينما زفر جواد نفسه بغيرة قائلًا: "أها، وصلت خالتي محاسن وصلت، وهي اللي هتدخلك لصوان الستات." ابتسمت إيلاف بتلقائية حين اقتربت منها محاسن ونظرت إلى جواد وغمزت بعينيها قائلة بمرح: "حلوة دي، الدكتورة اللي كلمتني عنها يا جواد." نظر جواد إلى محاسن قائلًا بتورية: "خالتي محاسن دايمًا تحب تهزر." مدت محاسن يدها وسحبت يد إيلاف ببسمة قائلة:
"أيوا أنا بحب الهزار، بس إنتِ فعلاً وشكلك كده صغيرة وتدخلى القلب. أنا بقى خالتك محاسن، أبقى خالة الدكتور جواد، أنا اللي مربياه هو وأخواته. وهقولك الصراحة، هما بيحبوني أكتر من يسرية. يسرية دي بقى تبقى أختي الكبيرة، هي كانت بتخلف وأنا أربي. بس جواد ده ليه معزة خاصة في قلبي. تعرفي لو عندي بنته مكنتش فرطت فيه وجوزتها له غصب عني." ابتسمت إيلاف، بينما قال جواد: "خالتي محاسن هتاخدك تدخلك لصوان الستات." ابتسمت محاسن واقتربت
من أذن جواد قائلة بهمس: "دي طلعت أحلى من ما وصفتها لي. حظك حلو، بس ربنا يكون في عون يسرية. ولادها الاتنين... هيجيبوا لها بنتين من البندر." رد جواد بهمس قائلًا برجاء: "ادعي بس إنتِ بقلبك." ابتسمت له وغمزت بعينيها قائلة: "هدعيلك، يلا يا دكتورة خلينا ندخل للصوان بتاع النسوان، هتنبسطي أوي." بمنزل القدوسي دخل محمود إلى الغرفة، استغرب حين رأى صفية ترتدي عباءة وثيره، كذلك تضع حول عنقها ويديها الكثير من الحلي الذهبية.
تساءل باستغراب: "لابسة كده ورايحة فين؟ ردت صفية بنزق وقلبها يستعر بالنيران: "يعني هكون رايحة فين، رايحة فرح المحروسة بت أختك، ولا عاوزني محضرش وأسيب أهل البلد يتحدثوا ويفكروا إني زعلانة عشان جاويد مخدش بتي وفضل عليها الغريبة عنيه... صحيح قلبي محروق، بس لازم أبتسم بتي غالية ولو محضرتش الدخلة، حديث النسوان هيكون عليها وعليا. حضوري هيكمم خشمهم، أقلوا هرفع بشأني أنا وبتي إن جاويد ولا هاممنا وهو الخسران."
كاد محمود أن يعترض قائلًا: "الحديث ده فارغ، واللي يتحدث فيه أهل البلد ميهمنيش، لكن بتك اللي سابحة في ملكوت، محتاجة اللي يفضل جارها." تهكمت صفية قائلة:
"ما هو عشان خاطر بتي لازم أحضر، عشان محدش يعرف إنها بسبب جاويد بقى لها يومين مش دارية بالدنيا حواليها، ويشمتوا ويتشفوا فيها. حضوري هيخرس كل الألسنة، وأولهم محاسن أخت يسرية اللي داخلة خارجة تزغرت. ربنا لما حرمها من الخلفه كان عالم بسواد قلبها. هي بتعمل كده غيظ فيا أنا وبتي اللي مكنتش بطيقني لا أنا ولا مسك. ويمكن هي كمان السبب في فسخ حفصة لخطوبتها من أمجد. أكيد لعبت براسها. بس أنا مش هسيب لها فرصة. هي لسه مش قادرة تستوعب إنك فضلتني عليها زمان واتجوزتني أنا صفية بنت الأشرف."
تنهد محمود قائلًا: "دي أوهام لسه عايشة في دماغك. عالعموم، براحتك، بس بتي أولى بوجودك جارها عن مظاهر وحديث الناس الفارغ... نازل لازم أكون جار أبوي دلوقتي." تهكمت صفية بعد مغادرة محمود وأخرجت تلك الزجاجة الملفوفة بقطعة قماش، من أحد الأدراج ونظرت لها بغيظ قائلة بتوعد:
"عندي يقين إن بوك هو اللي لعب براس جاويد وشغل عقله ببت مسك، ومش بعيد يكون هو اللي طلب منه يتجوزها. عاوزها تبجي جاره هنا. كبر وخرف وقلبه رق بعد سنين لدلوعة قلبه بتة اللي زمان باعت شرفه وفضلت ترحل وتعيش مع غيره. بس وحق قلبي على بتي ووجع قلبي بتي اللي تسببتوا فيه، لاندمكم كلكم."
وضعت الزجاجة في حقيبة يدها الصغيرة ونظرت في المرآة تلمع عينيها بشرر وهي تعدل هندامها، وترى انعكاس اكتمال هيئتها الوثيرة في المرآة. تبسمت وهي ترى صورة أخرى في خيالها وهي نفور جاويد من سلوان، وابتعاده عنها. شعرت بانشراح في قلبها. بمنزل صلاح الأشرف طرق جواد على باب غرفة جاويد، ثم فتح الباب مواربًا ونظر بداخل الغرفة مازحًا:
"مساء الخير على عريس الليلة اللي عندي يقين إن مستنيه إعصار، لما العروسة تتفاجئ بمين جاويد الأشرف العريس قدامها." تنهد جاويد قائلًا: "يعني لازم تفكرني؟ مكنتش خدمت اللي احتاجها منك وبسببها، اضطريت أعترف لك بالسر اللي العروسة متعرفوش." ضحك جواد قائلًا:
"أنا اعتبر خالفت ضميري المهني كـ مدير للمستشفى، بسبب الفحص الطبي اللي بيحصل قبل كتب الكتاب. خلصت لك أوراق الفحص بدون حضور العروسة والعريس. فكان لازم أعرف عدم حضور العروسة، مش يمكن تكون مغصوبة على الجواز مثلاً؟ ضحك جاويد قائلًا: "لاء مش مغصوبة مثلاً، دي مغصوبة أكيد. وكفاية هزار بقى في الموضوع ده، أنا بحاول أشغل عقلي بأي شيء تاني، عشان عندي شبه يقين برد فعل سلوان، وقت ما تتفاجئ بيا أنا وهي مقفول علينا أوضة واحدة."
ضحك جواد قائلًا: "عشان تحرم تكذب. ناسي ماما كانت تقولينا إيه وإحنا صغيرين؟ الكذب ملوش رجلين، ومسيره بينكشف." تنهد جاويد بندم قائلًا: "ما قولتلك دي كانت ذلة لسان في البداية، ومكنتش متوقع الأمر هيطور." ضحك جواد قائلًا: "كان ذلة لسان في البداية، بس ليه بعد كده قبل كتب الكتاب معترفتش بحقيقة اسمك ليها، وسيبت حرية الاختيار ليها؟ زفر جواد نفسه قائلًا:
"فكرت في كده فعلًا، كنت هعترف ليها، بس اتراجعت على آخر لحظة والسبب هي. لما قالت لي إن مامتها كانت هتتجوز شخص من هنا في الأقصر، بس محصلش نصيب. رغم كده فضل الشخص ده فترة طويلة بعد جواز مامتها يطاردها هي وباباها وكان هيتسبب في فصله من شغله، وبسببه باباها أخد إجازة بدون مرتب من شغله وكان بيطارده في شغلانة تانية بيشتغلها لفترة. بس بعد وقت مش قليل باباها جاله عقد عمل بتخصصه في شركة في الإمارات بمرتب كبير وسافر هو وهي
ومامتها الإمارات. هو صحيح رُب ضارة نافعة، وبدل ما يضرهم نفعهم وقتها بالسفر للإمارات ومستقبل أفضل. بس طبعًا الشخص ده ساب فكرة سيئة عنه في دماغ سلوان. هي متعرفش اسمه إيه بالتحديد، بس قالت إنها فاكرة اسم عيلته لأنه اسم القرية اللي مامتها منها "الأشرف". طبعًا إنت عارف مين الشخص المقصود. ولما فكرت إني لو قولت لسلوان على اسمي الحقيقي وعرفت إني من عيلة الأشرف، تلقائي منها هتغير معاملتها معايا ومش بعيد تقطع علاقتي وأفقد ثقتي
فيها. هي كمان قالت لي إنهم عاشوا فترة صعبة مادياً قبل سفر باباها للإمارات. إنها كانت في سنة أولى ابتدائي، حتى مصاريف مدرستها باباها استلفها من أخته وقتها، رغم إنها كانت مدرسة حكومي، يعني مصاريفها مكنش مبالغ فيها. طبعًا إنت عارف مين الشخص اللي تقصده سلوان."
زفر جواد نفسه بسأم قائلًا: "طبعًا عمك صالح. سره باتع وبيتنفس شر... بس أحب أقول لك هي دلوقتي كمان هتفقد ثقتها فيك لما تعرف إنك جاويد صلاح الأشرف، وإن الشخص اللي كان بيحارب أباك يبقى عمك المبجل." تنهد جاويد، رغم أنه علم أن من إحدى خصال سلوان بعض الكبر وعدم التقبل بسهولة، فهي إلى الآن حين تذكر اسم "مؤنس القدوسي" لا تسبقه بلقب جدها، تذكره بلقب "الحج مؤنس القدوسي". لم تستطع تقبل أنه جدها. وتحدث بثقة:
"عارف، بس أنا متأكد إنه سهل أسترد ثقة سلوان وهي مراتي." كاد جواد أن يتحدث لكن منعه صوت طرق على باب الغرفة. سمح جاويد لصاحبه بالدخول. الذي تعجب جواد وجاويد ونظرا لبعضهما باستغراب، لكن ابتسم لهما قائلًا: "مالكم مستغربين وجودي ليه؟ ناسين إني أبقى زاهر ابن عمك، وإنا كنا بناكل في صحن واحد ومتربيين سوا يعني نعتبر إخوات، ولا أنتم ليكم رأي تاني."
قال زاهر هذا وتجولت عيناه بالنظر لهما الاثنان بترقب، إلى أن ربت جواد بيده على كتف زاهر مبتسمًا يقول: "لاء منسيناش يا زاهر إننا إخوات زي جدك ما كان بيقول لينا، بس إنت اللي كنت شردت شوية." شعر زاهر بالندم قائلًا: "فعلاً كنت شردت، بس أهو رجعت تاني. وكمان عندي لكم مفاجأة، أنا قررت أنافس جاويد." استغرب جاويد قائلًا: "مش فاهم قصدك، هتنافسني في إيه؟ رد زاهر:
"أنا استرديت أرض أمي من تحت يد أبوي وقررت أبدأ لوحدي بعيد عن أبوي وفلوسه، في حتة أرض من اللي ورثتها عن أمي دخلت خلاص كردون المباني وقريبة من سكة رئيسية بالبلد ومكانها مناسب لإنشاء مصنع صغير للفخار. وخلاص تقريبًا كده خلصت الإجراءات اللازمة وهبدأ أنشأ مصنع صغير على قدي. كمان أجرت جاليري في منطقة قريبة من المعبد وبدأ يشتغل كويس. وكمان أجرت مخزن في مكان قريب من الجاليري هخزن فيه البضاعة. بس كنت طالب مساعدة منك يا جاويد."
ابتسم له جاويد قائلًا: "وأيه هي المساعدة دي بقى؟ رد زاهر: "محتاج بضاعة. أنا صحيح فتحت الجاليري بصراحة في البداية مكنتش عاوز أطلب من أي حد من عيلة الأشرف مساعدة، عشان ميفكرش إني بستغل صلة القرابة، وبدأت واتعاملت مع تجار خزف وفخار، يمكن هما نفسهم بيشتروا من مصانع الأشرف، عشان كنت مفكر إن ممكن يتقال إني بستغل القرابة." توقف زاهر عن استكمال حديثه حين قاطعه جاويد قائلًا:
"بطل عبط، أكيد محدش كان هيفكر في كده. وأنا عارف كل اللي قولته عليه وانبسطت إنك بدأت تفوق لنفسك وتشتغل. وفي تجار فعلًا سألوني عنك وقولت لهم إنك مش بس إنك ورثت اسم عيلة الأشرف، إنك كمان ورثت سر صنعة جدي، وبتفهم كويس وبتتقن صناعة الفخار." ابتسم زاهر، بينما جواد تحدث مازحًا:
"فاكر جدي زمان كان يقول زاهر أحسن واحد بيفهم في صناعة الفخار بس هو اللي مش مركز وعاوز يبعد عن السرب، بس في الآخر أها، إنت قربت للسرب وأنا اللي اخترت الطب وطرت بعيد عن السرب. بس اوعوا تتغروا عليا، إنتوا الاتنين أنا كمان بفهم في صناعة الفخار وأقدر بسهولة جداً أنافسكم، بس أنا سايبكم تاكلوا عيش." ضحك زاهر، كذلك جاويد، بنفس اللحظة دخل عليهم صلاح وبصحبتهم هاشم.
شعر صلاح بانشراح قلبه حين رأى ثلاثتهم يضحكون. ابتسم لهم قائلًا: "بتضحكوا على إيه يا شباب؟ ضحكونا معاكم." ابتسم جواد قائلًا: "بص يا بابا، بصفتي الشخص الوحيد اللي اختار الطب في عيلة الأشرف وبقيت دكتور يعني على قد حالي، فـ أنا مش همنع أبداً ولا هعترض إن حضرتك تغير لي عربيتي بعربية موديل عربية جاويد، أهو اعتبر العربية دي زكاة أموالك." ضحك هاشم قائلًا: "هو فيه دكتور في مصر على قد حاله." ضحك جاويد قائلًا بمزح:
"آه يا عمي، الدكتور جواد الأشرف أصله على صلة وثيقة بـ سامية." لم يفهم هاشم معنى حديث جاويد وتساءل: "ومين سامية دي بقى؟ ضحك صلاح قائلًا: "جاويد قصده إن جواد واخد الطب رسالة سامية، مش واخدها كنوع من الوجاهة والتربح من وراها." فهم هاشم ونظر لجاويد قائلًا: "فعلاً، الطب رسالة سامية. بس معظم الأطباء حولها لتجارة."
للحظة شعر هاشم بغصة وهو يتذكر تألم مسك وإخفائها الألم لفترة طويلة حتى لا تزيد العبء على كاهله، حتى تغلبت عليها وأصبح صعب تحمل جسدها إلى أن فارقت الحياة. أحيانًا يعتقد أنه لو كان عرف بمرضها منذ البداية ربما كان الشفاء وقتها سهلًا وما زالت تحيا وجهزت سلوان عروساً بيدها ورأت أمنيتها تتحقق أن تخرج سلوان من دار القدوسي عروساً كما تمنت هي يومًا...
لكن هو القدر يرسم ونحن نسير على دربه ولا نملك اعتراض. فقط نملك أماني قد تتحقق رغم غياب من أرادها، لكن تظل لهم دائماً ذكرى محفورة بقلوب من تركوا لهم قسوة تجرع الغياب. بداخل صوان العروس شعرت حفصة بالضيق من اهتمام النساء ومدحهم بجمال العروس وحسن حظ العريس. نهضت وخرجت من الصوان وتوجهت إلى داخل المنزل، لكن كادت تصطدم بأحد الأشخاص، لكن هو توقف للحظة. نظرت له حفصة واستمعت لاعتذاره:
"متأسف، بصراحة أنا مأخدتش بالي لآني بدور على باب الخروج من البيت وقدامي كذا باب ومش عارف أخرج من أنهي واحد فيهم، وخايف أخرج من باب غلط بدل ما يوصلني لصوان الرجالة ألاقي نفسي وسط الحريم." ابتسمت حفصة بعفوية قائلة: "فعلاً البيت كبير وله كذا باب، بس الباب اللي هناك ده الباب الرئيسي وهو قدامه مباشرةً باب الدار الخارجي واللي هتلاقي قدامه مباشرةً صوان الرجالة." ابتسم له شاكراً: "متشكر جداً، ومتأسف مرة تانية."
ابتسمت له بتلقائية، وهو يتوجه نحو الباب التي أشارت له عليه، لكن حاولت إخفاء بسمتها حين استدار لها مرة أخرى مبتسمًا. ادعت تجاهل رؤيته وأكملت طريقها وصعدت نحو غرفتها بأعلى، غير آبهة بنداء أمجد عليها الذي تجاهلته عن عمد منها وادعت عدم سماعه. دخلت إلى غرفتها وتبدل حالها من الزهق والضيق إلى الهدوء نسبيًا.
بينما أمجد زفر نفسه بغضب ملحوظ وشعر بشعور غريب عليه لاول مرة تجاه حفصة. سأل نفسه لما تضايق حين دخل صدفه إلى داخل الدار ورأى شابًا يقف بالقرب من حفصة وابتسامتها له وهي تشير له نحو باب الخروج من المنزل ونظرها نحوه ويخرج من الباب بابتسامة. فكر للحظة في الصعود خلفها وسؤالها، لكن قبل أن يضع قدمه على درج السلم، رأى دخول والدته من الباب القريب لصوان النساء. وقفت للحظة تنظر خلفها على جانبي الباب، كأنها تترقب شيئاً. كاد الفضول أن يسوقه إلى مكانها وسؤالها عن سبب وقوفها هكذا، لكن صَدَح رنين هاتفه فتجاهل ذلك وذهب نحو الخارج.
بينما صفية قبل لحظات تسحبت خلسة دون أن يراها أحد من النساء، ودخلت إلى داخل المنزل. وقفت للحظات تنظر على جانبي الباب بترقب إن كان أحد رآها أو قريب من المكان، لكن كان الجميع مشغول سواء في صوان الرجال أو النساء وحتى المنزل خلفها خالٍ. هذه فرصتها.
صعدت سريعًا نحو الجناح التي سمعت أن جاويد قام بإعادة تشطيبه وتجهيزه له وللعروس. كانت بين اللحظة والأخرى تنظر حولها بترقب مثل السارق، إلى أن أصبحت أمام باب الجناح. ترقبت الطريق للحظة قبل أن تفتح حقيبة يدها وتخرج تلك الزجاجة وقامت بسكب محتواها على عتبة الغرفة. وكادت تفتح باب الغرفة لكن تفاجأت أن الباب موصد بالمفتاح. سكبت ما تبقى بالزجاجة التي أصبحت فارغة، لكن بسبب تسرعها وقعت بعض النقاط فوق ثوبها. كذلك اشتمت رائحة شبه غريبة بسبب محتوى تلك الزجاجة. خشيت أن يشك أحد بتلك الرائحة الغريبة،
ومدحت بذكائها: "كويس إني كنت عاملة حسابي وجبت إزازه معطر الهوا إمعاي." أخرجت زجاجة معطر الهواء وقامت برش المكان بها. ثم وضعت الزجاجتان في حقيبة يدها، وأغلقتها. ثم مثلما فعلت سابقًا عادت نحو أسفل، وعادت تجلس بين النسوة وتسمع همسهن وغمزهن، بحسرة تعتقد أنها مؤقتة، فهذا الزواج لن يستمر بالتأكيد، فتلك الغريبة مجرد زهوة لجاويد لن تستمر وتخفت. بداخل جناح جاويد
تهكم جاويد وهو يقلب جهاز تحكم صغير كان بيديه فوق الفراش، ويقترب بخطوات بطيئة من مكان وقوف سلوان، يتحدق فيها وتحدث ببرود: "غفلة وغبرة. تعرفي لو واحدة تانية مكانك قالت لي الكلمتين دول كان هيبقى ليا رد فعل... تهكمت سلوان قائلة باستبيح: "وكان هيبقى رد فعلك إيه بقى؟
استمتع جاويد بملامح وجه سلوان الغاضبة وتجاهل كلماتها، تزداد بداخله رغبة واشتهاء وهو ينظر إلى شفتيها مثل الظمآن. وعلى غفلة منها أصبح أمامها مباشرةً بلحظة جذبها من عضديها عليه يضمها لصدره وإلتهم شفتيها بقبلات شغوفة كان يتشوق إليها منذ أول لقاء رآها به. الآن لا شيء سيمنعه من تحقيق أمنية تذوق شفتيها. لكن حاولت سلوان دفعه بيديها بعيدًا عنها بقوة ضعفت مع الوقت بسبب قوة قبضة يدي جاويد حول جسدها، واستسلمت لتلك القبلات، حتى ترك جاويد شفتيها لكن لم تضعف قبضة يديه حولها. شعر بأنفاسها المتسارعة وضمها أكثر له. لكن سلوان بعد أن هدأت أنفاسها حاولت دفعه عنها مرة أخرى ورفعت إحدى يديها
وكادت تصفع جاويد على وجهه: قائلة: "بكْرهك يا جلال." أمسك جاويد معصم يدها بعنف وقام بثنيه خلف ظهرها. في لحظة تبدل الوضع وأصبح ظهرها ملتصقًا بصدره ويدها مثنية خلف ظهرها وقال بحدة: "اسمي جاويد. اسم جلال ده تنسيه خالص."
شعرت سلوان بألم بيدها وكادت تتحدث، لكن شعرت بشيء آخر حين وضع جاويد شيئًا ما في بنصر يدها اليسرى، ثم نفض جسدها بعيدًا عنه قليلًا. رغم شعورها بألم طفيف، لكن نظرت إلى إصبعها وتفاجأت بذلك الخاتم الذي في بنصرها هو نفسه التي اختارته سابقًا. نظرت له بذهول وتحدثت باستنكار: "مخادع... " قالت هذا وهي تنظر له بتعجب وذهول تلوم حالها: "إنت آخر شخص كنت أتوقع أنه يكون جاويد الأشرف. بس إزاي قدرت تخدعني بالسهولة دي ووثقت بيك؟
أكيد ده كله بسبب غبائي، بس ملحوقه، الجوازة دي مستحيل أساساً تتم، والطلاق لازم يتم بأسرع وقت." "طلقني، مستحيل الجوازة دي تتم. أنا مكنتش موافقة عليها من البداية من قبل ما أعرف مين هو جاويد الأشرف، بس تعرف كان ممكن بسهولة أتقبل الجوازة دي لو من شخص تاني غيرك، لكن إنت مستحيل أقبل." ضحك جاويد قائلًا: "في عروسة أول مرة تشوف جوزها تقوله طلقني؟ برضو متسرعة زي عادتك، ناسيه إنتِ فين ومع مين." تنهدت سلوان قائلة باستخفاف:
"هكون فين يعني ومع مين؟ مع واحد مخادع. أول مرة إحساسي يخوني مع شخص وأحس معاه بعكس حقيقته. بس الوقت لسه مفاتش، طلقني يا جلال." نطق سلوان لاسم "جلال" عصبه، وأمسك معصم إحدى يديها وضغط عليها بقوة قائلًا بحدة: "اسمي جاويد، وإنت فعلًا متعرفيش حقيقتي، بس أحب أقولك من أولها، طلاق مش هطلق، لكن ميمنعش إن الشرع محلل ليا مثنى وثلاث ورباع، بس اطمني هتفضلي دايماً الأولى." نظرت له سلوان ولمعت عينيها بتحدٍ وحاولت
دفعه بيدها الأخرى قائلة: "بتحلم، وإبعد قلت لك مستحيل أكون مراتك."
ابتسم جاويد وعيناه تتجول بالنظر بين شفتيها وعينيها، لكن لشفتيها سحر لا يقاوم. جذبها بقوة وعاود تقبيلها. رغم تمنعها في البداية، لكن كاد يسيطر عليها لولا سمعا طرقًا على باب الغرفة. ترك شفتيها مرغمًا، كذلك هي ابتعدت عنه تنظر له بغضب. وكادت تتهجم بالحديث لكن سبقها جاويد حين اقترب من الفراش والتقط تلك الثياب الخاصة بها التي كانت موضوعة فوق الفراش وأمسك إحدى يديها رغم تمتعها قائلًا:
"الأفضل إنك تدخلي الحمام تغيري فستانك على ما أنا أفتح الباب للي بيخبط. آه ومتنسيش تتوضي بالمرة." ألقت سلوان تلك الثياب من يدها بغضب واستهتزاء قائلة: "مستحيل ألبس الهدوم دي." ابتسم جاويد باستفزاز قائلًا: "براحتك، فيه أكيد هدوم تانية في الدولاب، خدي اللي يريحك وإلبسيه، بس متنسيش تتوضي." رفعت سلوان ذيل ثوبها وتوجهت نحو إحدى ضلف الباب وفتحتها بقوة وعصبية. لكن توقفت تنظر بداخل الدولاب للحظة ثم نظرت نحو جاويد قائلة:
"دي الهدوم اللي اشتريتها عشان تهادي بيها أختك." ابتسم جاويد بفخر قائلًا: "عشان تعرفي إن ذوقك بيعجبني دايمًا. وياريت كفاية وقفة اللي على الباب هيزهق ويمشي." توقفت للحظة تشعر بضياع قبل أن تلتقط بعض من الثياب، ثم نظرت لجاويد بذم قائلة: "مخادع جيد."
ابتسم جاويد لها وهو يتجه نحو باب الغرفة، لكن قبل أن يفتح باب الغرفة، سمع صفع باب الحمام، فتبسم بتلقائية، وهو يفتح باب الغرفة وتجنب على أحد جانبيه إلى أن دخلت إحدى الخادمات تحمل صينية طعام كبيرة وضعتها على طاولة بالغرفة وسرعان ما غادرت متمنية لهم السعادة. أغلق جاويد باب الغرفة خلف الخادمة، ونظر نحو باب الحمام مبتسمًا وهو يتذكر ملامح سلوان التي ازدادت بنظره جمالًا الليلة يكتشف شخصية أخرى، شخصية عنيدة لكن إن كانت هي عنيدة فهو مثابر، لكن لا مانع من بعض المشاغبات معها.
بينما بالحمام وضعت سلوان تلك المنامة الحريرية جانبًا تزفر نفسها بغضب ساحق توبخ نفسها قائلة: "غبيه يا سلوان، كان فين عقلك؟ قبل كده كنتِ بتحذري من أي حد يقرب منك، بس وقعتي في فخ مخادع، ودلوقتي بعد كمان قدر يخدع بابا ووافق على جوازي منه بسهولة، رغم أن عمره ما أجبرني على حاجة قبل كده، أكيد خدعه هو كمان. ولو طلبت من بابا إنه ياخدني معاه للقاهرة وإني أطلق، مستحيل هيوافق ويساندي." تنهدت سلوان بيأس قائلة: "يعني إيه؟
مفيش قدامي غير إني أستسلم للمخادع ده، بس ده شيء مستحيل." بنفس اللحظة سمعت سلوان طرقًا على باب الحمام وصوت المخادع يقول بأمر: "سلوان، متنسيش تتوضي." زفرت سلوان نفسها بغضب: "إيه متنسيش تتوضي؟ اللي زي ما تكون لازمة على لسانه. عامل فيها كأنه إمام جامعة." توقفت سلوان وفكرت في قصد جاويد من خلف تلك الجملة وفهمت مقصده قائلة: "المخادع، مفكر إني هسيبه يلمسني؟ يبقى بيحلم."
حسمت سلوان أمرها ولفت يديها حاولت فتح سحاب الفستان ولعصبيتها فشلت، لكن لم تستسلم حتى قطع جزء من ثوب الزفاف مع سحاب الفستان. لم تهتم بذلك وخلعت الفستان وقامت بارتداء تلك المنامة النبيذية اللون، وعقدت خصلات شعرها كعكة فوضوية، وخرجت من الحمام. لكن للحظة توقفت تشعر بالخجل حين رأت جاويد يقف جذعه عاري يخلع ثيابه. لاحظ جاويد صمت سلوان وأرد مشاغباتها قائلًا: "اتوضيتي." ردت عليه بضيق قائلة: "ويخصك في إيه إني أتوضي أو لأ؟
ومن الآخر أنا مبصليش، ارتاحت كده." تخابث جاويد واقترب من سلوان. شعرت سلوان بخجل وازداد احمرار وجهها من اقتراب جاويد وهو جذعه عاري منها وبغفلة منها جذبها من خصرها قائلًا بعبث: "وليه مش بتصلي؟ ارتبكت سلوان وحاولت الابتعاد عن جاويد لكن هو تشبث بخصرها قائلًا: "مش بتردي على سؤالي." ارتبكت سلوان تشعر برجفة بجسدها كذلك خجل، لكن حاولت الثبات أمام جاويد قائلة: "أنا جاوبت عليك وقلت مبصليش وخلاص، وأعتقد قصدي مفهوم."
ابتسم جاويد بخبث قائلًا: "آه... قصدي، تمام أنا فهمت." تنهدت سلوان قائلة بتذمر: "طب طالما فهمت قصدي، إبعد عني بقى." بمكر من جاويد ابتعد عن سلوان. بينما نظرت سلوان بالغرفة قائلة: "مفيش غير سرير واحد في الأوضة." رد جاويد: "أي أوضة نوم لعرسان بيبقى فيها سرير واحد، ومع ذلك السرير واسع جداً يساع أربعة مش اتنين." نظرت له سلوان بضيق قائلة: "تمام، أنا حاسة إني مرهقة ومحتاجة أنام."
قالت سلوان هذا وتوجهت نحو الفراش تُزيح ذلك الدثار، لكن اقترب جاويد وأمسك يدها قائلًا: "مش لازم تتعشي الأول قبل ما تنامي، ده عشا العرسان ولازم يتعشوا مع بعض عشان يكون بينهم وفاق." نفضت سلوان يد جاويد قائلة: "قولت لك بتحلم، مستحيل يكون بينا وفاق وطلاقنا أمر حتمي وهيتم بسرعة." ابتسم جاويد وجذب يد سلوان مرة أخرى قائلًا:
"خلينا نتعشى سوا، متأكد إنك جعانة وطول اليوم مأكلتيش. تعرفي إن دي أول مرة مش هتمني إن العشا مينتهيش لآن بعدها مش هتمشي وتسيبني زي قبل كده، بل بالعكس هتمني العشا يخلص عشان بعدها آخدك في حضني كده وأنام بهدوء." شعرت سلوان برعشة في جسدها من نبرة جاويد الناعمة، لكن تذكرت خداعه لها، ونفضت جسده بعيدًا عنها قائلة: "معنديش مانع نتعشى سوا، بس بلاش تعيش وهم إني ممكن أسمحلك تقرب مني." ابتسم جاويد قائلًا بتحدي:
"تعرفي يا سلوان أنا متأكد إن معندكيش أي عذر يمنعني عنك، وأقدر آخدك دلوقتي لو عاوز وهيبقى بإرادتك كمان." تهكمت سلوان وكادت تتحدث بتحدي، لكن جذب جاويد يدها قائلًا: "أنا بقول كفاية كلام، أنا جعان طول اليوم مأكلتش عشان نتعشى سوا." نظرت سلوان إلى صينية الطعام، كأن شعور الجوع تمكن منها فجأة. هي فعلًا لم تتذوق أي طعام طوال اليوم، ولا داعي للرفض، فهذا مثل أي عشاء تناولته معه سابقًا. نحت عنادها وتوجهت نحو مكان
صينية الطعام وجلست قائلة: "ياريت ناكل في صمت." ابتسم جاويد، وأومأ لها رأسه، وأشار بيده أن تبدأ بتناول الطعام. بالفعل بدأت سلوان تتناول الطعام، لكن كان يشاغبها بالحديث وسلوان ترد أحيانًا بضيق وأحيانًا تختار الصمت ردًا، إلى أن شعرت بالشبع نهضت واقفة تقول: "الحمد لله شبعت، هروح أغسل إيدي وأنام."
بعد لحظات توجهت سلوان نحو الفراش ونحت الغطاء وتمددت على إحدى طرفي الفراش. لكن سرعان ما شعرت بجاويد هو الآخر تمدد بجسده على الفراش وبعدها أطفأ نور الغرفة. أصبحت مظلمة. للعجب لم تشعر سلوان بالخوف، وظنت أن جاويد قد يقترب منها ويتحرش بها، لكن خاب ظنها. رغم أن جاويد بداخله اشتياق جارف لها، لكن سيطر على مشاعره، لا يود الضغط عليها الليلة أكثر من ذلك، يكفيه الليلة أنه يشعر بنفسها قريب منه. بمكان مظلم
كان يتجرع من المحرمات والمسكرات ما يذهب عقله، ويجعل قلبه يستعر أكثر وهو يتذكر لقاءه اليوم بـ "هاشم" عدو الماضي اللدود الذي اختطف منه "مسك". رغم مرور سنوات، لكن لم ينسى ملامحه يومًا، ولم يتوقع أن يأتي يوم ويتقابل به في عقر بيت أخيه. لا ليس هذا فقط، بل ابنته التي رآها قبل أيام أصبحت الليلة زوجة لجاويد. مثلما حدث بالماضي واختطفت مسك من أمامه، عاود حدوث هذا مع ابنته، وابتعدت عن يديه مثلها. يتجرع كأس خلف آخر ويتراقص أمامه عينيه ضحكات هاشم وجاويد الشامتة والمتشفي به. ألقى الزجاجة الفارغة بعيدًا، وفتح زجاجة أخرى يحتسي من فوهتها مباشرةً. يتراقص أمامه عينيه شيطانه الذي يود الآن حرق الجميع، بسبب فتح أبواب الماضي التي لم ولن تغلق قبل أن يثأر لآنين قلبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!