في غرفة الكشف، قال الطبيب: سيد علاء، ستظل معنا للغد لنضع لك بروتوكول العلاج. قال علاء: ألا يمكن أن أغادر وأحضر غداً؟ فأنا أرتاح أكثر في منزلي. قال الطبيب: للأسف، هناك بعض التحاليل المخبرية يجب أن تجرى على مدار اليوم. وعندما تنتهي سنسمح لك بالخروج، لا تقلق. قال علاء: أمري لله. سأفعل. ثم قال الطبيب لأهداب: أنت دوامك يبدأ من صباح اليوم حتى صباح الغد. فتابعي حالته، فهو صديقي المقرب ولا أريد أن يشعر بالتقصير. قالت أهداب:
حسناً، لا تقلق. سأمر عليه كل فترة وأطمئن. إن كان يريد شيئاً سأبلغك فوراً. يخرج الطبيب من الغرفة، بينما تقول أهداب لأيمن: والآن سيد أيمن، اذهب واحضر كوباً من العصير الطازج لوالدك قبل أن يصوم من أجل إجراء التحاليل القادمة. قال أيمن: طبعاً، طبعاً. سأذهب وأحضره حالاً. بالمناسبة، قبل أن أذهب، هل ظهر التحليل الذي قمت به أمس دكتورة أهداب؟ قالت أهداب:
نعم، ظهر وهو سليم تماماً. فلا تقلق، فقد كنت من القلة المحظوظة والمرض لم ينتقل لك عبر الجينات. قال علاء: عن أي تحليل تتحدثين يا دكتورة؟ تبتسم أهداب بدهاء: سأخبرك بينما يحضر أيمن العصير. يخرج أيمن ويغلق الباب. قال علاء: ما موضوع التحليل؟ قالت أهداب: مرضك وراثي، لذلك طلبنا من أيمن إجراء تحليل مبكر حتى نعالج المرض في بدايته ولا يصاب بنفس الشكل الذي تعاني منه الآن. ولكن نتيجة التحليل كانت صادمة بالنسبة لي، فأيمن ليس...
ثم تسكت. قال علاء: ليس ابني، صحيح؟ تنظر إليه أهداب باستغراب: هل تعرف بالأمر؟ قال علاء: نعم، أعرف. فأنا وحسناء لسنا والديه الحقيقيين. بغض النظر أن حسناء أمه من الرضاعة، ولكنها لا تعرف أن ابننا توفي، وأنني وضعت طفلاً غيره في حضنها بعد أن فقدت ولدها. ثم يقص علاء على أهداب ما حدث باختصار.
في هذه الأثناء، تأتي حسناء لتطمئن على زوجها بعد أن أخبرها أيمن عبر الهاتف أن والده سيضطر للمبيت في المشفى. وعندما تقف أمام الباب، تسمع الحوار الذي يدور بين أهداب وعلاء، فتفتح الباب فجأة وتدخل والدموع تنهمر من عينيها: لماذا لم تخبرني؟ هل أنا آخر من يعلم؟ لماذا تحدثت الآن بعد كل هذه السنوات التي مرت؟ هيا أخبرني. يدخل أيمن وهو يمسك بالعصير في يده: تخبرك بماذا يا أمي؟ قال علاء:
أمك تقصد أنني لم أخبرها بمرضي. فأنا كنت أعاني منذ فترة ولم أقل لها حتى لا تحزن، فأنا أعرف مقدار حبها لي، ولكني فعلت ذلك من أجلها حتى لا أضايقها. تبكي حسناء: ليتني لم أعرف أبداً، فأنا لا أستطيع تحمل الخبر وأشعر أن قلبي يحترق. قال أيمن: خذ العصير يا أبي وعليك أن تشربه كله كما أخبرتك الدكتورة. يأخذ علاء العصير، بينما يتجه أيمن نحو أمه ويجلس بجوارها:
لا تبكي يا أمي. أبي سوف يتحسن، فكل الأمراض اكتشفوا لها علاج في عصرنا هذا، فلا تقلق. قالت حسناء: للأسف، هناك أشياء ليس لها علاج أبداً. قال أيمن: بل كل شيء له علاج، فلا تقلقي. ثم يهمس في أذنها: حاولي السيطرة على نفسك يا أمي حتى لا يؤثر ذلك على نفسية أبي. قالت أهداب: لو سمحت سيد أيمن، تعالى معي لأعطيك بروتوكول علاج والدك الذي ستسير عليه بعد خروجه من هنا. قال أيمن:
حسناً، سأذهب معك. وأنت يا أمي الحبيبة، أريدك أن ترفعي حالة أبي النفسية، أرجوك. قالت حسناء: سأحاول، بالرغم من قلبي الذي يحترق. ثم يخرج أيمن مع أهداب ويذهبان لمكتبها. يتأكد علاء أن أيمن قد غادر، ثم ينظر لزوجته قائلاً: لقد فهمت دكتورة أهداب أنك تريدين التحدث معي على انفراد، لذلك أخذت أيمن للخارج. قالت حسناء: لقد أخفيت عني أن ابني توفي، لماذا فعلت ذلك؟ قال علاء:
لأن الله رزقنا بغيره في نفس اليوم. ربما لم نكن صالحين كفاية، ولكننا صبرنا عشر سنوات حتى رزقنا الله بطفل ولكنه مات. لكن الله أكرمنا وأبدلنا خيراً منه. لقد أعطانا أيمن وهو ابنك من الرضاعة، ولن يستطيع أحد أن يغير ذلك. قالت حسناء: أعرف ما تقوله، ومشاعري لن تتغير نحو أيمن أبداً. ولكني الآن أصبحت خائفة أن يظهر والداه الحقيقيان ويأخذانه مني، فهو ابني الوحيد ولن أتحمل فقده. قال علاء:
تقلقي، لن يأخذه أحد منك أبداً ما دمت أنا على قيد الحياة. وبالمناسبة، لن يعرف هو أو غيره شيئاً مما حدث. في مكتب أهداب بالمستشفى، تجلس على مكتبها بينما يجلس أيمن على كرسي أمامها. قالت أهداب: هذه الورقة بها كل الأدوية التي سيأخذها والدك، وأرجو أن يأخذها في موعدها حتى تعطي التأثير الفعال. قال أيمن: لا تقلقي، سأفعل. بالمناسبة، كيف حال خالتي سعدات؟ قالت أهداب: هي صابرة ومتقبلة للأمر. قال أيمن: لا أفهم، أي أمر تتحدثين عنه؟
قالت أهداب: وفاة أخي مدحت. قال أيمن باستغراب: متى حدث هذا؟ قالت أهداب: في يوم مولد مازن، ذهب معه بالسيارة ليوصل ريماس خطيبة مازن. وأثناء عودتهم للمنزل، حدث حادث مروع. توفي أخي وأصيب مازن إصابات خطيرة، ولكن مازن تعافى منها. قال أيمن: لا حول ولا قوة إلا بالله. لقد قرأت عن حادث انقلاب سيارة مازن، ولكني لم أعرف أن مدحت أخوك معه. قالت أهداب: للأسف، هذا ما حدث. قال أيمن: سأذهب معك الآن لأعزي خالتي سعدات. قالت أهداب:
لا داعي، فربما تغضب أمك من تصرف كهذا. قال أيمن: لا تقلقي، ستصبح الأمور بخير. هيا بنا. قالت أهداب: لا أستطيع ترك المستشفى أثناء دوامي. قال أيمن: لو كانت هذه هي حجتك، فانتظري. ثم يتصل بالهاتف: ألو دكتور. أريد أن آخذ الدكتورة في مشوار لساعة واحدة. ثم يغلق الهاتف. لقد وافق الدكتور على أخذك معي. هيا بنا. في منزل مجد، بعد أن خرج مدحت من المستشفى. قال مجد: هيا حبيبي، تمسك بيدي لأخذك لغرفتك. قال مدحت:
أنا أستطيع المشي يا أبي، فلا تقلق. قالت شجن: أنت تمشي بصعوبة. هيا تمسك بوالدك. ثم يصطحبانه لغرفته، ثم تغادر شجن ومجد حتى ينام ابنهما. بينما تأتي حبيبة بعدها بقليل وتجلس بجواره على السرير. قال مدحت لنفسه: سأغمض عيوني وأظل صامتاً حتى تظن الجدة أنني نائم وتذهب. فهذه السيدة ترعبني وقد تكشف هويتي. قالت حبيبة: هل أنت مستيقظ يا مازن؟ مدحت لا يرد عليها ويمثل أنه نائم. تمسح على شعره:
الحمد لله أنك نجوت يا ولدي، وإلا فلن أسامح نفسي. يكفي أنك تربيت وحيداً بالرغم من أنك واحد من ثلاثة أخوة توأم. أنا السبب، لقد أخذت أحفادي وتركتهم في الشارع، ولا أعرف مصيرهم حتى الآن. هل ماتوا أم مازالوا أحياء؟ يجلس مدحت على السرير فجأة، فتفزع حبيبة: هل أنت مستيقظ؟ قال مدحت: نعم، وسمعت كل شيء. أين تركتي الأولاد لو سمحت؟ قالت حبيبة: لا تنبش في الماضي يا بني حتى نستطيع العيش في سلام. قال مدحت:
لو سمحت، فهذا الأمر مهم. ومن يدري، قد أجد أخوتي من خلاله. قالت حبيبة: وضعتهم أمام أحد دور الأيتام، ولكن بعض الكلاب أخذوهم. قال مدحت: والأطفال كيف كان شكلهم وما الملابس التي كانت عليهم؟ قالت حبيبة: اثنان توأم متماثل والثالث مختلف قليلاً. أما الملابس، فلم يكونوا يلبسون شيئاً، فكنت ألف كل طفل بفوطة بيضاء صغيرة. ولكن هذا قد حدث منذ زمن بعيد، حتى لو بحثت عنهم الآن فلن تجدهم. ثم تقص عليه ما حدث بالتفصيل. قال مدحت:
يا للهول، كيف استطعت أن تفعلي ذلك بأطفال صغار؟ قالت حبيبة: الذنب كله على ابنتي لأنها لم تحافظ على نفسها. قال مدحت: ما حدث ليس ذنبهم ولا حتى ذنب ابنتك. المسؤولية كلها تقع على معدومي الضمير الذين فعلوا بها ذلك. قالت حبيبة: أعرف، ولكن سذاجة ابنتي لعبت دوراً كبيراً في الأمر. قال مدحت: هلا أعطيتني اسم الشارع الذي تركتهم فيه وتفاصيله؟ قالت حبيبة: سأقول لك العنوان، ولكن ما الفائدة الآن؟ فقد مر خمسة وعشرون عاماً على الأمر.
قال مدحت: سأبحث عن الأطفال، أقصد إخوتي. ومن يعلم، قد أجدهم. قالت حبيبة: غالب الظن أنهم توفوا، وقد قلت لك السبب. قال مدحت: ولكني سأبحث لأتأكد. ثم يقول لنفسه: من يدري، فربما أكون واحداً من الإخوة الثلاثة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!