يطرق الباب وتدخل ريماس ووالدها للغرفة التي يوجد فيها مدحت. قال عثمان، والد ريماس: الحمد لله على سلامتك يا بني. لقد عرفنا الخبر من الصحافة، لماذا لم تخبرنا؟ سيد مجد، لقد انزعجنا كثيرا أنا وريماس وحاولنا الاتصال بكم، لكن هواتفكم مغلقة. قال مجد: تفضل أولاً، اجلس. وأنت وريماس، هيا سلّمي على خطيبك يا ابنتي. تذهب ريماس لتسلم على مدحت، فيسلم عليها وهو ينظر للأرض. ثم تجلس بجانبه. قال عثمان:
أنا غاضب منك سيد مجد، لأنك لم تتصل بي. على الأقل كنت وقفت معكم، فبيننا صهر الآن. قال مجد: لقد كان الحادث كبيراً وتوفي فيه مدحت، مدير مكتبي. وكنت في حالة لا تسمح لي بالتفكير. ثم نفذ شحن هاتفي أنا وشجن، لأننا بقينا في المشفى طوال الليل. وأنا فعلاً أعتذر منك يا صديقي. قال عثمان: لا تعتذر، أنا كنت أريد أن أساندك في محنتك فقط. قالت سعدات: أنا سأنصرف الآن، فقد اطمئننت على مازن.
ثم تسلم على مدحت، الذي تنزل دموعه فيمسحها بيده. قالت سعدات: أنا آسف لما حدث، لم يكن الذنب ذنبي. لقد طلبت منه أن أقود أنا السيارة، ولكنه أصر على القيادة. سامحيني لأنك فقدت ابنك. قالت سعدات: أعرف يا ولدي، أنه لا ذنب لك. فالحذر لا ينجي من القدر. وأنت أيضاً ابني، وسأظل أرى مدحت في وجهك حتى أموت. بالإذن منكم. تسلم سعدات عليه لتنصرف.
بينما تخرج سعدات من الغرفة، ينظر إليها مدحت بتقبيل يدها كما تعود، ولكنه يتراجع حتى لا يكشف أمره أحد. قال مجد: تعالى عثمان وأنت وشجن، لنشرب كوبا من الشاي في المقصف، بينما يتحدث الخطيبان مع بعضهما قليلاً. يخرج الجميع وتظل ريماس مع مدحت. قالت ريماس: كيف حالك الآن؟ قال مدحت: لست بخير، فكل شيء خطأ وحياتي كلها أصبحت رأساً على عقب. قالت ريماس: على العكس، حياتك أصبحت تسير في مسارها الصحيح، وستأخذ ما تستحقه منها. قال مدحت:
ما أخذه ليس من حقي؟ قالت ريماس: بل من حقك سيد مدحت. يُصدم مدحت وينظر في عيونها قائلاً: كيف عرفتِ؟ قالت ريماس:
بمجرد أن رأيتك وتأكدت عندما اقتربت منك لأسلم عليك. وعندها نظرت في الأرض ولم تنظر في عيني كما كان يفعل مازن. كما أنك لم تمسك يدي بقوة عندما سلمت عليك كما كان يفعل هو. بل على العكس، لم تكد يدك تلمس يدي حتى. وعندما جاءت الخالة سعدات تسلم عليك، ملت برأسك، وكنت على وشك تقبيل يدها، ولكنك تراجعت بسرعة. ومازن لا يمكن أن يفعل ذلك أبداً. قال مدحت:
لا تفهميني خطأ، أنا لا أحاول انتحال شخصية مازن. كل ما في الأمر أن السيد مجد طلب مني أن أمثل دور ابنه، لأن مدام شجن مريضة قلب ويخاف عليها من الصدمة. لذا اضطررت لمجاراته، وخصوصاً بعد أن عرفت أن المرأة التي عشت في بيتها طوال حياتي كلها ليست أمي. قالت ريماس: لقد فعلت الصواب، ولن ألومك أبداً، ولن أخبر أحداً بهذه القصة. قال مدحت:
أنت تعرفين الحقيقة الآن، ولديك الحق في عدم إتمام ذلك الزواج، فأنا لست الشخص الذي خطبك، ولست من مستواك الاجتماعي. قالت ريماس: على العكس، قبل موت مازن كنت أفكر في فسخ الخطبة، لأنه ليس الشخص المناسب بالنسبة لي. أما أنت، فعلى العكس تماماً. أنا أرتاح لك، وأعتقد أنك أنسب شخص من وجهة نظري. لقد عملت معك لشهرين، وكل طباعك تعجبني، حتى نظرات عيونك الخجولة عندما تنظر إلي. قال مدحت: هل أنت متأكدة من قرارك؟
فهذا زواج سيستمر طوال العمر، وليس شراكة يمكن إنهائها في أي وقت. قالت ريماس: نعم، متأكدة من مشاعري تجاهك تماماً. ولن أتركك حتى لو حاولت أنت فعل ذلك، فلن أعطيك الفرصة. ثم تبتسم. قال مدحت: هذا من دواعي سروري، لأني لن أتحمل أن تتركيني. قالت ريماس: هناك نصيحة، أرجو أن تنفذها. لو ظللت تنظر لشجن تلك النظرات الحزينة، ستكشفك بسهولة. فمازن ينظر للشخص في عينيه وكأنه يتحداه. قال مدحت:
معك حق. لقد قالت لي مدام شجن ذلك من قبل، وأن الشيء الوحيد الذي يميز مازن عني هي نظرة التحدي. لذلك أحاول أن أقلده حتى لا تكشف أمري. ولكن في نفس الوقت، سأبحث عن أهلي حتى أجدهم. قالت ريماس: النبش في الماضي قد يؤلمك. لقد منحك الله حياة جديدة جميلة، فحاول الاستمتاع بها فقط. قال مدحت: ولكن هذه الحياة الجميلة لن تنسيني نفسي وحقيقتي المجهولة. قالت ريماس: على كلا، أنا معك وسأسندك في كل شيء. قال مدحت: شكرا ريماس.
في منزل مجد، تعود سعدات مع ابنتها أهداب للمنزل. قالت أهداب: سأعدّ العشاء يا أمي. قالت سعدات: لا، أنا طهوت الطعام بالفعل، وعملت كل الأصناف التي يحبها مدحت ليأكل منها عندما يعود من المشفى. قالت أهداب: ما بك يا أمي؟ ما الذي تقولينه؟ أعرف أن الأمر صعب عليك، فقد فقدت ابنك الوحيد، ولكن عليك تقبل الحقيقة. فالذي في المشفى هو مازن وليس مدحت أخي، فأخي لن يعود أبداً. ثم تنزل دموعها. قالت سعدات:
امسحي دموعك يا ابنتي. الذي في المستشفى هو أخوك مدحت وليس مازن كما تظنين. وهذه هي الحقيقة الوحيدة. وبالمناسبة، كان على وشك أن يعترف بذلك، ولكني منعته عندما أخبرته بحقيقة أنه ليس ابني. قالت أهداب: بكل المقاييس، ما قلتيه مستحيل. لا يمكن أن يكون الشخص الذي في المستشفى هو أخي. قالت سعدات:
قد يختلط عليك الأمر بين مدحت ومازن، ولكنّه ربيبي وتربى في حجري. ولو اختلط الأمر على الجميع، فلن يختلط علي. ولو أخفى عن الجميع أنه مدحت، لن يستطيع إخفاء الأمر عني. قالت أهداب: أمي، تحليل البنوة بين مازن وشجن أعطى نسبة تطابق تسعة وتسعين في المئة. قالت سعدات: أنا واثقة أنه مدحت. ولكن وجود التطابق يعني شيئاً واحداً فقط، أن مدحت الأخ التوأم لمازن. قالت أهداب: ما الذي يحدث؟ هل أنا في حلم؟
أخي يظهر فجأة أنه ليس أخي، وقد يكون ابن الأسرة الغنية التي تعملين لديها. قالت سعدات:
عندما أحضرت عطيات مدحت، أخوك، كنتم صغاراً جداً، فقد كان عندك أقل من عام، وكان هو ابن يوم واحد. لذلك لا تذكرين شيئاً. وأنا لم أخبركم حتى لا يشعر مدحت بالنقص أو اليتم. ولكني أخبرته اليوم حتى يعيش حياته كباقي الشباب، ويتزوج من الفتاة التي يحبها. فقد ضحى طوال حياته، ووقف بجانبي، وساعدك في دفع مصاريف جامعتك حتى تخرجت. وعليه أن ينظر لنفسه قليلاً. فأنت ستتزوجين في أقرب فرصة، وهكذا يكون دوري قد انتهى وسأتقاعد بعدها. فقد انتهت رسالتي.
قالت أهداب: ولكن هناك شيء آخر يشغل بالي. فليس مدحت وحده من ستتغير حياته، بل هناك شخص آخر. قالت سعدات: من هو يا ابنتي؟ قالت أهداب: أيمن. أجري تحليلاً لمرض وراثي، وكانت المفاجأة أن جيناته ليست متطابقة مع جينات والده. هل يعقل أن والدته كانت تخون زوجها؟ قالت سعدات:
هذا قذف يا ابنتي، ونحن لن نظلم أحداً. فهناك أشياء كثيرة غير الخيانة تؤدي لنفس النتيجة. قد تكون حسناء تزوجت قبل علاء وأنجبت أيمن. وقد يكون أيمن مثل مدحت متبنى. وحتى تعرفي الحقيقة، يجب أن تجري التحليل على حسناء وأيمن أيضاً. قالت أهداب: على رأيك، إن بعض الظن إثم. سأحاول أن أجري تحليلاً آخر لأعرف الحقيقة. قالت سعدات:
وهناك شيء يا ابنتي، لو اكتشفت شيئاً، فلا تخبري أيمن. فلن يكون سعيداً بمعرفة الحقيقة. اتركه يعيش وسط عائلته التي تربى بينها ويحبها. هيا، كفاك ثرثرة وتعالى لتأكلي. قالت أهداب: حسناً يا أمي، هيا بنا نأكل. في اليوم التالي، قالت سعدات: تعالي لتأكلي يا ابنتي، فقد يتصلون بك في أي وقت من المشفى ويطلبون منك الحضور كالعادة. قالت أهداب: أنا قادمة يا أمي. وبمجرد أن تجلس على كرسي الطعام، يدق هاتف أهداب فترد عليه قائلة:
حسناً، نصف ساعة وأكون عندكم. ثم تغلق الهاتف. قالت أهداب: يبدو أن كلامك صحيح يا أمي. لقد اتصلوا بي فعلاً. قالت سعدات: لن تذهبي حتى تأكلي، وسأجهز لك علبة طعام لتعطيها لمدحت، ولكن لا تشعريه بأنك تعرفين الحقيقة حتى لا يشعر بالحرج. قالت أهداب: حسناً يا أمي. علم ونفذ. تخرج حسناء وهي تقول لنفسها: أمامي قضية أخرى علي حلها. يجب أن أعرف موضوع أيمن هو الآخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!