تدخل حبيبة الغرفة فتجد ابنتها فاقدة للوعي. تحاول أن تجعلها تستفيق، وبعد أن تعود شجن لوعيها تجلس على الأريكة وتجلس حبيبة بجوارها. تسألها عما حدث، فتخبرها شجن أن المجرم الذي فعل هذا بها قد مات هو وصديقه في حادث سيارة، والآن لن يعاقب على فعلته أبداً. قالت حبيبة: أنت تظنين ذلك، فلا أحد ينفد من العقاب، لأن عقاب الآخرة أشد وأبقى. قالت شجن: ومادمت تعرفين أن هناك عقاب في الآخرة، فلماذا رميت أولادي في الشارع وحرمتني منهم؟
أنت حتى لم تعطني فرصة لأرى وجوههم ولو لمرة واحدة. ألن يعاقبك الله على فعلتك، أم تظنين أنك ستفلتين من العقاب؟
قالت حبيبة: لقد عوقبت بالفعل عندما أخبرتني أنك ذهبت مع شاب غريب لمنزله، وعوقبت عندما أخبرتني بما حدث لك، وعوقبت حين عرفت أنك حامل وأنت في سن التاسعة عشر. وعوقبت عندما رأيت والدك ينطفئ أمامي حتى مات كمداً وحزناً. لقد فعلت ذلك لمصلحتك، أنت لا تعلمين كيف ستكون نظرة الناس لك وأنت أم بلا زوج، حتى لو كنت مظلومة ستعانين كل يوم، فهؤلاء الأطفال لن يتقبلهم المجتمع وسيكونون مشوهين نفسياً.
قالت شجن: ولكني سقطت أمام نفسي عندما تخليت عن أبنائي، وبينما أعيش أنا وسط هذا الغنى والثروة، سينشأ أولادي فقراء بلا أهل ولا سند. قالت حبيبة: لا تقلقي، فلن يعيشوا فقراء، لأنهم توفوا. قالت شجن: لا، أنت تكذبين علي. قالت حبيبة: بل أقول الحقيقة. قالت شجن: أنا لا أستطيع أن أسامح نفسي لأني وثقت بالشخص الخطأ، ولكني لن أسامحك أبداً على ما فعلتيه بأولادي.
قالت حبيبة: لا يهم أن تسامحيني، فسمعة والدك وشرفه أهم عندي من رضاك أو غضبك. هذا كله خطؤك أنت وعليك تحمل المسؤولية. لقد حدث ما حدث، والآن حافظي على نفسك حتى تتعافي وتهتمي بدراستك، فلا يزال أمامك ثلاث سنوات على التخرج، وستكون جروحك النفسية قد التأمت. ووقتها ستتزوجين وتنسين الماضي للأبد، بشرّه وخيره. قالت شجن: لم يعد لي رغبة في شيء، لا دراسة ولا زواج ولا حتى الحياة.
قالت حبيبة: يجب أن تجددي الرغبة من أجل والدك الذي توفي بحسرته بسببك، ومن أجل صورة إخوتك وصورتك في المجتمع. ثم تتركها وتنصرف. بينما تجلس شجن تبكي على سريرها. بعد ثلاث سنوات، تنهي شجن دراستها الجامعية. وفي هذه الأثناء، كان هناك شاب يطاردها في كل مكان، ولكنها كانت تصده بعدما حدث لها سابقاً، فقد تعلمت الدرس جيداً.
في إحدى الأيام، بعد عودتها من الجامعة وقد أنهت آخر امتحان من امتحانات السنة الأخيرة في جامعتها، تدخل منزلها فتجد الشاب الذي كان يطاردها في الجامعة يجلس في منزلها وهو يجلس مع أمها في غرفة المعيشة يتحدثان. قالت شجن باستغراب: السلام عليكم. قال الشاب: وعليكم السلام آنسة شجن. قالت حبيبة: تعالي يابنتي، سلّمي على مجد، فهناك مفاجأة لك. ترى شجن: مجد، ماذا يريد مني ولماذا جئت إلى هنا؟
قالت حبيبة: عيب عليك يافتاة، هو ضيفنا وعليك أن تعامليه بلطف. قالت شجن: أنت لا تعرفينه، هو يطاردني من فترة طويلة في الجامعة بل وفي كل مكان أذهب إليه، ولكني كنت أتجاهله. فلماذا يأتي عندنا؟ قالت حبيبة: عزيزتي، هو ابن جارتنا مدام فضيلة. وأنا من طلبت منه أن يهتم بك حتى لا يضايقك أحد في الجامعة. قالت شجن: لم يكن أحد يضايقني غيره. قالت حبيبة: حسنا، اجلسي أولاً، فهناك موضوع مهم يجب أن تعرفيه.
قالت شجن: ها أنا جلست، ما الموضوع المهم؟ قالت حبيبة: مجد طلبك للزواج، وأنا وافقت. قالت شجن: ماذا تقولين يا أمي؟ كيف توافقين دون علمي؟ أنا من سيتزوج، ألن تأخذي رأيي على الأقل؟ إلى متى تستصرفين في حياتي وأكون أنا آخر من يعلم؟ قالت حبيبة: هاقد علمت، مارأيك؟ قالت شجن: لن أتزوج منه أو من غيره. ثم تقف تريد مغادرة الغرفة. قال مجد: انتظري آنسة شجن، لا تقرري الرد فوراً، أعطي نفسك فرصة حتى تفكري بهدوء.
قالت شجن: لقد اتخذت قراري ولن أغيره، بالإذن منكم. ثم تدخل الغرفة. قالت حبيبة: لا تقلق يابني، سوف أقنعها بطريقة ما، فهي لن تجد أفضل منك. قال مجد: أتمنى أن توافق، فقد أصبحت شجن شغلي الشاغل. ثم ينظر لبعض الصور التي على جدار الغرفة. ذوقك رفيع في اختيار الرسومات، خالتي حبيبة. قالت حبيبة: هذه رسومات شجن، فهي رسامة بارعة. هي كانت ترفض تعليق الصور، ولكنها أعجبتني فعلّقتها والجميع أعجب بها. قال مجد: ومن الفتى صاحب الكمامة؟
قالت حبيبة: إنها شخصية خيالية كباقي الصور، فلا أحد من معرفتنا يشبه الصورة. قال مجد: جيد، أنها صورة خيالية، لأنني كنت سأغار من صاحبها. قالت حبيبة: لو نظرت إلى الصورة ستجد أن شكل عينيك يشبه عيون الشاب صاحب القناع. يضحك مجد: ربما أنا فارس أحلامها لذا رسمتني، مع أن الشاب يمتلك عيوناً زرقاء وأنا عيوني سوداء. سأحتاج هكذا لتركيب عدسات لأشبهه. ثم يضحك. ولكن هناك لوحة غريبة.
قالت حبيبة: أتقصد اللوحة التي بها ثلاث قطط صغيرة ميتة؟ قال مجد: نعم، هي. قالت: فهناك قطة كبيرة وفي قلبها خنجر، والقطط الصغيرة ليسوا بخير. الصور توحي بحزن شديد. قالت حبيبة: لقد كانت شجن متعلقة بوالدها كثيراً، وعندما توفي ظلت تقضي معظم وقتها في الرسم حتى تنسى حزنها. لذلك كانت رسوماتها توحي بالألم الذي تعانيه. قال مجد: لا تقلقي يا خالة، لو وافقت شجن على الارتباط بي، سأكون والدها وأخاها وزوجها وكل شيء. بالإذن. ثم يغادر.
قالت حبيبة لنفسها: يجب أن أخترع شيئاً ما حتى تقبل هذه الفتاة بمجد. أنا تعبت لأجد شاباً كهذا يقبل أن يتزوج منها، وسوف توافق به رغماً عنها. ثم تصعد لغرفة ابنتها. شجن، تعالي هنا. قالت شجن: ماذا تريدين يا أمي؟ قالت حبيبة: أريد أن تتزوجي لينتهي ذلك الكابوس وأستطيع أن أطمئن عليك قبل أن أغادر الحياة. قالت شجن: اطمئني أمي، لن يحدث لك شيء، فأنت لا تزالين في أواخر الأربعينات.
قالت حبيبة: هذا ما أحاول أن أظهره للناس. فأنا مريضة بمرض خطير وكنت أخفي عليك حتى لا أزيد همك. لقد أخفيت عنك الأمر حتى لا تحزني على حزنك. ولكن يجب أن تعرفي الحقيقة حتى تجدي زوجاً يحمل همك. وعندها لو مت سأكون مطمئنة أن معك زوجك سيخاف عليك وسيؤنس وحدتك. وقد ترزقين بطفل يهتم بك عندما تكبرين في السن. ثم تقول لنفسها: وهذا لن يحدث، فلن تنجبي أبداً، فأنا لم أخبرك أن الطبيب أزال الرحم.
قالت شجن: لا، أمي، لا تقولي ذلك أرجوك. أنا لا أستطيع العيش بدونك، فأنت الآن كل عائلتي ولن أتقبل أي رجل في حياتي بعدما حدث معي. قالت حبيبة: عاجلاً أم آجلاً سأتركك، ولا أريدك أن تظلي وحيدة في هذه الحياة. هيا وافقي على مجد، هو من أسرة محترمة وخريج نفس الجامعة التي تخرجت منها، وسيعمل كمدير لشركة الإعلانات التي يملكها والده، فهو ابن وحيد. قالت شجن: ولكني لا أعرفه. ومن ناحية أخرى، هل يستقبل ما حدث لي؟
قالت حبيبة: ومن قال إننا سنخبره؟ يجب أن يظل الأمر سراً بيننا نحن الاثنتان، ولا يعلم به أحد إطلاقاً. وعلى كل حال، لن يكتشف الأمر بسبب العملية التي أجريتها لك. قالت شجن: هذا كذب وتضليل، لن أقبل به. قالت حبيبة: بل ستقبلين، فهو أيضاً لديه سر لا يريد أن يعرفه أحد، فهو لا ينجب. قالت شجن: وتريدين أن تحرميني من الأطفال طوال حياتي؟ ألا يكفي أنك حرمتني من أطفالي؟
قالت حبيبة: لن يكون لديك أطفال سواء تزوجتي مجد أو غيره، لأن الطبيب أزال الرحم بعد عملية الولادة. قالت شجن: لا، أنت تكذبين علي لتجعليني أوافق على شاب عقيم. قالت حبيبة: هذه هي الحقيقة، وإذا كنت لا تصدقين، فالأوراق في الخزينة التي في غرفة نومي. قالت شجن: يا الله، ما هذا الذي يحدث لي؟ أنا لم أعد أتحمل الصدمات. قالت حبيبة: هيا قرري، فقد وعدت مجد أن أرد عليه اليوم.
قالت شجن: حسنا أمي، افعلي ما ترينه مناسباً، فلم يعد لي رغبة في الاختيار. قالت حبيبة: هذا هو المطلوب. حياتي، غداً سيأتي مجد وسنتفق معه على كل شيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!