بعد يومين من الاحتفال بعيد ميلاد أيمن، قال له علاء: "هل قرأت الخبر الذي نُشر على مواقع التواصل؟ قال أيمن: "أتقصد الحادث الذي تعرض له مازن؟ قال علاء: "أجل، فبصراحة هو يستحق ما حدث له، فمنذ أن ضايقك وأنا لا أطيقه." قال أيمن: "ولكن يا أبي، لا يجب أن نتمنى له السوء أو نفرح بما حدث معه لمجرد أنه ضايقني." قال علاء: "بصراحة، أمثاله يستحقون أن يختفوا من على الأرض كلها حتى تهدأ الأوضاع ويستقر المجتمع." قال أيمن:
"مازن لديه أسرة وهو وحيد والديه، ولو حدث له شيء سيحزنون كثيراً بقدر حزنك علي لو حدث معي مكروه." قال علاء: "لا تقل ذلك، فأنا سأموت وقتها." قال أيمن: "لا تقل هذا يا أبي، أطال الله عمرك." قال علاء: "المهم، ماذا فعلت مع خطيبتك؟ قال أيمن:
"كما أخبرتك، أنا اعتذرت من الفتاة وأخبرتها أنني أحب واحدة أخرى دون علم أمي ومرتبط بها. والحقيقة أن الفتاة كانت متفهمة جداً وتقبلت الأمر بهدوء، وأخبرتني أنها بعد فترة ستطلب من والديها فسخ الخطبة لأنها لا تتقبلني كزوج، ولو سألها أحد من أصدقائها أو عائلتها عن سبب فسخ الخطبة ستبرر ذلك أننا لم نتفق وانفصلنا." قال علاء: "وهل عرفت أمك بالأمر؟ قال أيمن: "لا، لم أخبرها حتى لا تبدأ رحلة البحث عن عروس من جديد." قال علاء:
"هل مازلت مصمم على الزواج من أهداب؟ قال أيمن: "نعم، ولن أتزوج غيرها." تدخل حسناء للغرفة وهي غاضبة وتقول لأيمن: "وماذا لو عرفت أن أمها من أصحاب السوابق، هل ستظل مصمماً على رأيك؟ قال أيمن لأمه:
"أمي، لقد أخبرتني أهداب بكل شيء. لقد تربت السيدة سعدات مع زوجة والدها ولم تدخل المدرسة، وبعد أن كبرت تزوجت من شاب يتيم ولكن توفي زوجها بعد ست سنوات من الزواج وكان لديها طفلين، وطردها صاحب العقار لأنها لا تدفع الإيجار، ولم تقبل زوجة أبيها أن تعطيها حقها في الميراث، ولم يكن لديها بيت ولا معاش لتأكل منه، فقد كان زوجها المرحوم على باب الله يعمل كأجير باليومية. فقامت إحدى الشحاتات واسمها عطيات بأخذها لبيتها مقابل أن
تساعدها في التسول. ولكن بعد عام واحد تركتها سعدات وأبلغت عنها الشرطة لأنها بدأت تستغل أطفال الشوارع في أي أعمال مخالفة للقانون، وبالفعل تم القبض على عطيات وأفرج عن سعدات وأولادها لأنها شاهدة في القضية وليست متهمة. فلو سمحت لا تحاولي استغلال الماضي لصالحك."
قال علاء: "يكفي شجاراً مع أمك، وهيا بنا نذهب للقسم، فاليوم سيتم تكريمي لبلوغي سن المعاش." قالت حسناء: "لماذا لم تخبرني؟ أنا لدي موعد الآن في الجمعية الخيرية وسألقي كلمة." قال علاء: "اذهبي لجمعيتك كما خططت، فلا داعي لحضورك معنا، فهي حفلة رجالية ولن تكوني سعيدة هناك." قالت حسناء: "حسناً، سأذهب لأستعد." قال علاء: "ونحن أيضاً سنخرج، هل ننتظرك؟ قالت حسناء:
"لا، سأذهب بسيارتي، فأمامي الكثير من الوقت لأستعد وأنت لا تحب الانتظار." قال علاء: "فعلاً، لن أنتظر، فأمامنا نصف ساعة فقط وتبدأ الحفلة ولا يجوز أن أتأخر، والحفلة أقيمت لي." خرج علاء مع ابنه أيمن وتوجها لمقر الحفلة. وبعد أن انتهت الحفلة، عادا مرة أخرى للبيت. وفي الطريق، شعر علاء بالتعب. قال علاء: "لو سمحت يا بني، خذني للمشفى حالاً، أشعر بألم شديد." نظر إليه أيمن فوجده يتعرق بشكل كبير. "ما بك يا أبي؟ قال علاء:
"لا أدري، أنا متعب جداً." قاد أيمن نحو المشفى بسرعة. وعندما وصل، اتصل بأهداب. "لو سمحت دكتورة، أبي يتعرق كثيراً ويشعر بدوار. إلى أي قسم أخذه؟ قالت أهداب: "اذهب به إلى قسم الأشعة ريثما ألحق بك، فأنا في طريقي للمشفى وأوشكت على الوصول." بعد دقائق، خارج غرفة الأشعة، رأى أيمن أهداب قادمة. "أبي في الداخل الآن." قالت أهداب: "سأدخل لأعرف ما يحدث وأخبرك." ثم خرجت بعد دقائق.
"لقد تم عمل الأشعة ولكنه يعاني من فقر الدم المنجلي وهو مرض وراثي." قال أيمن: "وكيف نعالجه؟ قالت أهداب: "سأخبرك بكل ما هو متبع، ولكن عليك أنت أيضاً أن تجري التحليل حتى يمكنك اكتشاف المرض لأنه مرض وراثي كما أخبرتك." قال أيمن: "شكراً أهداب على المساعدة." قالت أهداب: "لا شكر على واجب، فهذا عملي. والآن ريثما يخرج والدك من غرفة الفحص، تعالى نأخذ منك مسحة ونقارنها بمساحة والدك لتبدأ العلاج المبكر."
ذهب أيمن مع أهداب لأخذ العينات، ثم غادر أيمن المشفى مع والده نحو منزلهم. بعد ساعتين، أخذت أهداب نتيجة عينة أيمن التي جهزها معمل التحليل، حيث قارنوا عينته بعينة والده. ونظرت فيها. "ماهذا؟ لا يوجد تطابق بين عينة أيمن ووالده ولو بنسبة ضئيلة. وهذا يعني شيئاً واحداً، أن علاء ليس والد أيمن. يا ل الألم. أصبت. كيف أخبره بذلك؟
في المستشفى، نظر مجد نحو مدحت منتظراً أن يقرر من سيكون أمام شجن، مازن أم مدحت. بينما مدحت غارق في التفكير، هل سيختار أمه الحقيقة أم يكسر قلب أمه من أجل ألا تحزن شجن. ثم أتته نوبة من السعال. فأعطاه مجد كوب ماء ونظر في عينيه كأنه يترجاه. وقبل أن يشرب مدحت كوب الماء، تكلمت سعدات قائلة: "تعرف مازن، أنت تشبه ابني مدحت كثيراً، وكأنك هو، لدرجة أنني كنت أقول لنفسي ربما يكون أخوك التوأم." قالت شجن باستغراب:
"كيف يكون مدحت أخو مازن التوأم وهو ابنك وأصغر من مازن بعام؟ قالت سعدات: "أنا لم أتحدث سابقاً في هذا الموضوع خوفاً على مشاعر مدحت. والحقيقة أن مدحت ابني ولكن من الرضاعة فقط. فقد وجدته وحيداً ذات يوم وأرضعته مع أهداب ابنتي، ولكن أمه الحقيقة لا أحد يعلم عنها شيئاً." سعل مدحت بشدة بعد أن شرب رشفة الماء. قالت شجن: "على مهلك حبيبي." قال مدحت: "أنا بخير. أكملي يا خالة سعدات، أين وجدت مدحت؟ قالت سعدات:
"لن تصدق، لقد أحضرته السيدة التي كنت أعمل عندها وقالت إنها وجدته بجوار أحد صناديق القمامة وأخذته." قالت شجن لنفسها: "مستحيل، هل يعقل أن مدحت ابني وكان أمامي طوال الوقت ولم أعرفه؟ قال مدحت: "هذا يعني شيئاً واحداً. أقصد مدحت ابن خطيئة." قالت شجن: "لا تحكم على أحد حكماً مسبقاً يا بني، فهناك من يتخلون عن أولادهم لضيق الحال أو التعرض للاغتصاب." ثم سكتت. قال مدحت في نفسه: "هل عشت حياتي كلها كذبة؟
أهلي، ذكرياتي، كل شيء فيها ليس حقيقياً، حتى أمي وأختي. من أكون أنا إذا؟ قالت شجن: "لو سمحت يا سعدات، هل تذكرين الليلة التي وجدتم فيها مدحت؟ هل كان يوم الخميس بعد العصر مثلاً؟ قالت سعدات: "للأسف، مدام أنا كبيرة في السن ولا أتذكر هذه التفاصيل، فقد مر عليها زمن طويل، ولكن أعتقد أنه كان قرابة المغرب بالفعل، ولكني لا أذكر اليوم بالضبط." قال مدحت لنفسه:
"كل شيء انتهى الآن، ولم يعد هناك ما أتمسك به، فأمي التي أخاف عليها ليست أمي. وما دام هذا ماضي قد انتهى، فعلي أن أختار مستقبلي بنفسي." ثم وجه حديثه لسعدات: "خالتي سعدات، أنا آسف أنك فقدت ابنك." نظر مجد في عينيه وابتسم، بينما أغمض مدحت عينيه. قالت شجن: "هي لم تفتقد ابنها لأنها ستراه في وجهك كل يوم." ثم قالت لنفسها: "ولكن يبدو أنني من فقدت ابني وحرمت منه قبل أن نتعرف على بعضنا." ثم نزلت دمعة من عيونها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!