بعد مرور شهر، تقول حبيبة: بعد أن أخبر مجد والديه أن شجن طلبها الوحيد أن تسكن في منزل أمها، وأقنعهم بذلك، تم الزواج أخيراً. بصراحة، كنت خائفة أن تتراجع شجن، ولكن الحمد لله لم تغير رأيها. أخيراً تم الزواج وزُفّت لعريسها. وخلال تلك الفترة، كنت أراقب ابنتي بعد الزواج وأحاول أن أجعلها تتعامل مع زوجها بالحسنى.
بعد فترة، أخبر مجد والديه أنه لا يمكن أن ينجب، لذا سيكفل طفلاً يتيماً. بصراحة، أنا من أقنعته بذلك. كانت شجن معترضة وغير موافقة في البداية، ولكني أقنعتها أن هذا الأمر منطقي، فهي تعرف أنها لا تستطيع الإنجاب مرة أخرى، وأن هذا الطفل سيعوضها عن أولادها.
وحتى أنفذ مخططي بإعادة حفيدي من الملجأ، ذهبت قبلهم بيوم لنفس الملجأ الذي تركت فيه أحفادي. واستطعت أن أصل إلى حفيدي الوحيد الذي تبقى من الثلاثة. وحتى أتأكد أنه هو بالفعل، قمت بعمل تحليل الحمض النووي بينه وبين ابنتي شجن، وبالفعل تطابق معها. وطلبت من المسؤولة عن الدار حجز الصبي لأن ابنتي وزوجها سيأتون غداً ليأخذوه.
وفي اليوم التالي، أخذت مجد معي لننهي الإجراءات. أما شجن فرفضت الحضور معنا للدار. وطبعاً، كنت قد رتبت كل شيء مع العاملين بالدار دون أن يعلم مجد أنني قد اخترت الطفل مسبقاً. وقد طلبت من الموظفين أن يرشحوه لنا عندما نذهب ويغلقوا باب اختيار أي طفل آخر.
وعندما وصلنا أنا ومجد، طلبت من العاملين تبني طفل يكون في الرابعة من عمره حتى لا يتعب ابنتي في التربية، فابنتي مريضة ولا تستطيع السهر بطفل صغير. طبعاً، طلبت هذا العمر بالتحديد لأنه عمر حفيدي. وبالفعل أحضروا لنا مازن وأخبرونا أننا نستطيع تغيير اسمه لو أردنا، فسوف يستخرجون له شهادة ميلاد جديدة باسمه الجديد. ولكن مجد قرر أن يترك الطفل باسم مازن لأنه أحب الاسم، وأخبر المسؤولة أن هذا أفضل للصحة النفسية للطفل.
وبالفعل عدنا ومعنا مازن للمنزل. أقبلت علينا شجن ببرود ولم تستقبل الطفل ولا تنظر في وجهه لفترة طويلة، وظلت تتجاهله وتبعده عنها لو حاول الاقتراب منها. كنت مترددة في البداية، هل أخبرها بالحقيقة وأقلب عليها المواجع وبالتالي ستتذكر أخوته وتظل أياماً تبكي؟ أم أخفي الأمر وستظل تعامل الطفل بقسوة؟ فقد كانت تنهره بمجرد أن يقترب منها، فكان مازن يجري نحو مجد ويضمه ويبكي.
وفي إحدى المرات، كان مجد في مأمورية عمل خاصة بشركة والده وكان خارج المدينة، بينما كنت أنا مشغولة في تنظيم المطبخ. ثم جاءت شجن وجلست على كرسي بجواري حتى أنهي العمل الذي أعمله، فقد كان الخدم في إجازاتهم الشهرية. في هذه الأثناء، فتح مازن باب المنزل وخرج دون أن ننتبه له، ثم سمعنا صوت ارتطام قوي في الشارع.
فسألت شجن عن مازن، فأخبرتني أنها تركته يشاهد التلفاز في غرفة المعيشة. فحدثني قلبي أن هناك خطب ما، وخرجنا من المطبخ فلم نجده ووجدنا الباب مفتوحاً. فخرجت أجري نحو باب الفيلا لأبحث عنه، فوجدت الناس متجمعة خارج المنزل. فسألت أحدهم عما يحدث، فأخبرني أن سيارة مسرعة صدمت طفلاً صغيراً وهربت وقد طلبوا له الإسعاف.
وعندما سمعنا الخبر، وقفت شجن أمام الباب وكأنها تسمرت، بينما ذهبت مسرعة وأنا بملابس البيت لأنظر من يكون الطفل وقلبي يرتجف خوفاً أن يكون حفيدي. فأبعدت الناس بيدي لأنظر للطفل وقلبي يدق بقوة كأنني أسمعه. فوجدت مازن ملقى على الأرض وغارقاً في دمائه. وناديت على ابنتي التي كانت تقف كالصنم أمام باب الفيلا الخارجي، ولا أدري هل كانت مصدومة؟ أم أنها لا تهتم لما حدث للطفل؟
فناديت عليها وطلبت منها أن تحضر لي هاتفي وعباءة ألبسها بسرعة. ذهبت بالفعل وأحضرت الهاتف والعباءة، فلبستها أمام الباب. ثم وجدت سيارة الإسعاف قد وصلت، فقلت لشجن: "خير لك أن تحضري خلفي حتى لا تندمي طوال حياتك". ولكنها لم تتحرك من مكانها.
بينما حمل المسعفون مازن، جلست معه في سيارة الإسعاف، حيث حاول الطبيب الذي معنا إيقاف نزيف أنفه ورأسه وأخبرني أن الطفل سيحتاج لنقل دم لا محالة. اتصلت بشجن وطلبت منها أن تستقل تاكسي فوراً حتى تلحق بنا في المشفى، ولكنها أخبرتني بكل برود أن وجودي كاف وأنها لن تستطيع فعل شيء حتى لو حضرت.
في هذه اللحظة، كانوا ينقلون مازن لحجرة الفحص قبل أن يدخلوه غرفة العمليات، فانفجرت فيها بأعلى صوتي وأنا أتحدث معها على الهاتف وأخبرتها أن ابنها في خطر ويحتاج لنقل دم سريع وفصيلته نادرة ولا أحد يستطيع إنقاذه غيرها لأنها أمه الحقيقية. سكتت شجن في بداية الأمر من الصدمة ولم ترد على الهاتف حتى ظننت أنها أغمى عليها، ولكني أعدت على مسامعها ما قلته: "صحيح، أنت أمه الحقيقية وهو واحد من أبناءك الثلاثة الذين فقدتهم".
صرخت شجن في الهاتف واتهمتني بالكذب وأنني أقول ذلك حتى أستدر عطفها نحو الصغير، ولكني طلبت منها أن تذهب لغرفتي وتفتح الخزنة وتقرأ التقرير الذي فيها. أغلقت شجن المكالمة وذهبت لغرفة والدها وشاهدت التقرير الذي في الخزنة وقرأت ما كتب فيه: نسبة تطابق مازن مع شجن مئة في المئة.
جرت شجن ولبست عباءتها وأخذت مفاتيح السيارة وانطلقت بسرعة جنونية نحو المشفى حتى كادت تصطدم بالسيارات الأخرى من فرط السرعة. وعندما وصلت، جرت مسرعة نحو الاستقبال وسألتهم على مكان مازن فدلوها علينا. وعندما شاهدتني أقف خارج غرفة العمليات، جرت نحوي فاحتضنتها، وكانت هذه أول مرة آخذها في حضني. فقالت لي وهي تبكي: "أين ابني يا أمي؟ قالت حبيبة: "هو مع الأطباء، ادع له أن ينجو، فدعوة الأم مستجابة."
قالت شجن: "لماذا لم تخبريني أنه أحد أبنائي؟ قالت حبيبة: "خفت أن تسألي عن إخوته وتتذكري أنهم قد ماتوا فتحزنين عليهم." قالت شجن وهي تبكي بحرقة: "وهل ماتوا فعلاً؟ ألا يمكن أن يكونوا نجوا؟ أليس هناك احتمال 1%؟ قالت حبيبة: "للأسف يا ابنتي توفوا، أنا متأكدة، وأتمنى أن ينجو مازن، فهو أملنا الوحيد الآن." قالت شجن: "إن شاء الله سينجو، فلن يحرمني الله من كل أبنائي دفعة واحدة." قالت حبيبة: "سأتصل بمجد وأخبره بما حدث."
قالت شجن: "هو خارج البلاد ويبدو أن لديه اجتماع، فهاتفه مغلق. فقد اتصلت به كثيراً، ولكني تركت له رسالة وعندما يقرأها بالتأكيد سيأتي في أول طائرة." تخرج الممرضة نادرة وتقول: "الطفل يحتاج لدم والفصيلة الفلانية." قالت شجن: "أنا نفس الفصيلة، خذي ما شئتِ حتى لو احتجتِ لدمي كله، ولكن يجب أن يعيش ابني." قالت الممرضة: "نحن نفعل ما في وسعنا مدام، والأعمار بيد الله." ثم تذهب شجن معها للتبرع لابنها وتغيب لنصف ساعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!