مرت الأيام وقد يئست تماماً من الوصول لأي خيط يوصلني لمهاب، فلم أستطع التوصل لأي معلومة تخصه، فلا أحد يعرفه في الجامعة ولم يتعرف أحد على صورته. مرت ثلاثة أشهر وساءت حالة شجن الصحية وذبلت كما تذبل الزهور. كنت في تلك الفترة أعملها بقسوة بسبب غضبي منها، فلو حكت لي عن علاقتها لوفّرت علينا كل هذا العناء. وكان والدها على عكسي تماماً، فقد كان يؤنبني على شدّتي معها ويحاول أن يسرّي عنها معتقداً أن الدراسة صعبة عليها.
وفي نهاية الأشهر الثلاثة قررت أن أتخطى الأمر وأعتبر كأن شيئاً لم يحدث، وقلت في بالي: بعملية بسيطة ستعود كما كانت، ولن يعرف أحد بما حدث. وبعدها من المؤكد أنني سأجد لها شاباً مناسباً تتزوج منه وينتهي الأمر.
ولكن كل خططي قد فشلت قبل أن تبدأ، فقد حدثت المصيبة الكبرى التي كنت أخاف منها والتي كنت أحاول طرد الفكرة بمجرد أن تخطر ببالي. فقد أخذت شجن تستقي بلا سبب، وعندما يصر والدها على أن يكشف لها كانت ترفض بشدة الذهاب للطبيب بحجة أنها أخذت برداً في معدتها وأنها يجب أن تقلل طعامها حتى ترتاح معدتها.
ذات يوم، أصر والدها أن تتناول العشاء معه، فقد خسرت الكثير من وزنها وظهر عليها الهزال والضعف. ولكنها قبل أن تصل للمائدة فقدت الوعي وسقطت أرضاً. فحملها والدها للسيارة وذهبنا لمشفى خاص. وهناك أخبرنا الطبيب بالطامة الكبرى الذي جعل زوجي يصاب بأزمة قلبية ويسقط مغشياً عليه، فقد أخبره الطبيب أن شجن حامل في الشهر الثالث.
نزل الخبر علي كالصاعقة أنا أيضاً، ولكني حاولت أن أتمالك نفسي من أجل أن أقف بجانب ابنتي وزوجي في هذه المصيبة. وبينما أخذ الأطباء زوجي لعلاجه من الأزمة القلبية وقاموا بتركيب دعامتين له، وقفت مع طبيب ابنتي وطلبت منه التخلص من الجنين بأي شكل وسأعطيه أي مبلغ يطلبه وأن يظل هذا الأمر سراً بيننا. وأخبرته أن سبب الحمل نتيجة اعتداء وقع عليها.
لم أفكر وقتها في الحلال والحرام وأن ما أطلبه من الطبيب يعتبر قتل نفس لا ذنب لها، ولكني فكرت فقط في مستقبل ابنتي وفي الفضيحة التي تنتظرنا لو علم أولادي وأقاربنا بالخبر. فمن سيصدق أنه تم الاعتداء عليها رغماً عنها، وحتى إن صدقوا كيف سينظرون إلينا؟ وكيف سنتعامل مع المجتمع الذي يعتبر الاعتداء فضيحة تتحمل الفتاة نتائجها بالكامل؟ وهل سيفكر أحد في الارتباط بفتاة مثلها لتكون زوجة له بعد ما حدث لها؟
كل هذه الأفكار كانت تجول في رأسي وأنا أنتظر إجابة الطبيب على عرضي. ولكن ما قاله الطبيب كان مفاجأة صادمة بالنسبة لي، فقد أخبرني أنه لا يمكن إنزال الحمل لعدة أسباب، أهمها أن الحمل أصبح في نهاية الشهر الثالث وهذا خطر على الأم قبل أن يكون خطراً على الجنين لو حاولت الإجهاض، بل قد يتسبب الأمر في وفاتها.
ولكن الشيء الذي صعقني وكاد قلبي أن يتوقف عندما سمعته من الطبيب أن شجن حامل في ثلاثة توائم ذكور. كدت ألطم على وجهي من هول الصدمة وأخذت ألح على الطبيب أن يجد وسيلة لإسقاط الأجنة عن طريق أدوية تساعد على الإجهاض. ولكنّه رفض وأخبرني بأن ذلك الأمر خطير على صحة الأم أكثر من خطورته على الأجنة. وساعتها أخبرته أنني مستعدة للمخاطرة ببنتي، فلو ماتت أيضاً سيكون أفضل من جلب العار لأخوتها ووالدها.
وقف الطبيب مذهولاً من كلامي ونظر لي باحتقار، ثم أخبرني بأن شخصاً مثلي يخاف من الفضيحة أكثر من خوفه على لحمه ودمه لا يستحق الكلام أو الرد عليه، وتركني وانصرف. كنت أعرف أن ما قلته للطبيب أمر خالٍ من الإنسانية، ولكني لم أشعر وقتها بالندم على كلمة واحدة مما قلته، ولم أعرف مدى قسوتي إلا بعد ما فعلته لاحقاً مع أحفادي، فهو أمر لا يمت للإنسانية بصلة، فهو شيء بشع بكل المقاييس.
بعد ثلاثة أيام تعافى زوجي وابنتي، فتركنا المشفى وعدنا لمنزلنا دون أن نخبر أحد من أولادنا بالأمر. وكان زوجي لا يتكلم أبداً طوال الفترة الماضية عندما كنا في المشفى، كأنه فاقد للنطق. ولكن بمجرد دخولنا من باب المنزل، رأيت زوجي أصبح رجلاً آخر غير الذي كنت أعرفه طوال حياتي. فقد تحول الرجل الهادئ الذي لا ينفعل أبداً، والذي كان يعمل على تهدئتي كلما تعصبت أو عاملت الأولاد بقسوة، إلى أسد هائج وكأن بركاناً قد انفجر بداخله.
فقد أخذ يلقي بأي شيء يراه أمامه على الأرض ويحطمه، وأخذ يسب بأقبح الشتائم التي لم أسمعها منه طيلة خمسة وثلاثين عاماً من الزواج، حتى أن الخدم تجمعوا ليعرفوا السبب. فعنفتهم وطلبت منهم أن يغادروا المنزل بلا رجعة لأننا استغنينا عن خدماتهم، وأشرت لشجن أن تذهب لغرفتها. ثم أخذت العمال للمطبخ وبررت لهم ما حدث بأننا نتعرض لضغوط اقتصادية كبيرة ولا نستطيع دفع رواتبهم، فصدّق الخدم ما قلته وغادروا فوراً.
بينما عدت لغرفة المعيشة وأخذت أحاول أن أهدأ زوجي، فقد أمسك بسكين وأخبرني أنه سيقضي عليها ليتخلص من الفضيحة. فحاولت أن أحول بينه وبين الذهاب لغرفتها، لا أمنعه من دخول الغرفة التي أغلقتها شجن بالمفتاح من الداخل لأنها خائفة من والدها.
ولكنه دفعني بعيداً عنه وأخذ يضرب الباب بقدمه يريد أن يكسره، ولكني أخذت السكين من يده وألقيته من أقرب شباك، ثم شددته بالقوة نحو غرفة بجوار غرفة شجن وأغلقت الباب علينا. وأخبرته أن ابنتنا لم تفعل ذلك بإرادتها وإنها تعرضت للخطف والاغتصاب، ولكني أخفيت عنه جزءاً من الحقيقة.
فلم أخبره أن شجن كانت تعرف الشاب الذي خدعها، وأنها ذهبت معه الشقة بإرادتها، وأنها حتى لم تكن تعرف اسمه الحقيقي، لذا أخفيت كل ما يتعلق بعلاقة شجن العاطفية. هدأ زوجي قليلاً بعد ما قلته له، وطلب مني أن أعطيه أي معلومة عن الشاب، شكله، طوله، أي شيء تتذكره شجن، وإنه سيبحث عنه في كل مكان حتى يمسك به ويعاقبه ولو كان في باطن الأرض. حمدت الله أن زوجي بدأ يهدأ وتنفست الصعداء. ولكن فجأة فتح باب
الغرفة ودخلت شجن قائلة: "لقد كنت تريد معرفة الحقيقة وأنا سأخبرك بكل شيء يا أبي ومستعدة لأي عقاب تختاره لي". وبمجرد أن سمعت كلام شجن شعرت كأن الدنيا تدور بي وكدت أسقط أرضاً، فلقد انصدمت من كلامها ولم أعد أعرف ماذا سأفعل؟ فلو عرف زوجي الحقيقة إما سيقتل ابنته الوحيدة أو يموت بالسكتة القلبية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!