تحميل رواية «شجن» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تقول: أنا امرأة من أسرة ثرية وعائلة كبيرة ومعروفة في المنطقة التي أعيش فيها. اسمي حبيبة. نشأت في أسرة محترمة تحافظ على الدين وتتمسك بالأخلاق والتقاليد. أنجبت خمسة أبناء، أربعة منهم ذكور وواحدة من الإناث، وكانت هي الصغرى وجاءت بعد سبع سنوات من آخر ولد أنجبته. سميت ابنتي . كان الجميع يدللها، وخصوصاً والدها. تزوج أبنائي الذكور كلهم وانتقل كل منهم لمدينة مختلفة، ولم يتبق معنا في المنزل سوى . لذلك كان والدها يحضر لها كل ما تطلبه ولم يكن يحرمها من أي شيء. حتى أنه اشترى لها سيارة موديل حديث كهدية نجاحه...
رواية شجن الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم Lehcen Tetouani
في الصباح على مائدة الإفطار قالت حسناء لأيمن:
"أين ستذهب يا أيمن؟"
قال أيمن:
"للقسم لأستلم عملي الجديد فقد انتهت إجازتي."
قالت حسناء:
"ولكنك لا تزال مصاباً."
قال أيمن:
"لا تقلقي يا أمي فأنا سأجلس على مكتبي وأتصفح بعض الملفات فقط."
قالت حسناء:
"أنا قلقة عليك. انتظر وسأجعل والدك يقدم لك على إجازة حتى تشفى تماماً."
قال أيمن:
"لقد مللت من البقاء في المنزل. وعلى كل حال لو شعرت بالتعب سآتي. لا تقلقي. ولكن أين أبي؟ لماذا لا يتناول الفطور معنا؟"
قالت حسناء:
"لقد خرج باكراً فلديه مأمورية."
قال أيمن:
"حسناً. سأذهب فقد تأخرت عن موعدي."
ثم يغادر.
بعد بضع دقائق في القسم، قال الضابط باهر:
"أهلاً أيمن. الحمد لله على سلامتك."
ثم يسلم عليه.
قال أيمن:
"أهلاً باهر. كيف حالك؟"
قال باهر:
"بخير. بالمناسبة، لقد وصل غريمك أمس وقمنا معه بالواجب كما طلب والدك بالضبط."
قال أيمن:
"أي غريم تقصد؟"
قال باهر:
"هذا المدعو مازن. لقد سلم نفسه ليلة أمس."
قال أيمن:
"غير معقول. أنا لم أقدم شكوى ضده."
قال باهر:
"ولكن عمي علاء قدم الشكوى باسمك."
قال أيمن:
"أريد أن أقابل مازن على انفراد. هلا أحضرته لي؟"
قال باهر:
"طبعاً. سأطلب من الحارس أن يحضره إليك في مكتبي."
قال أيمن:
"شكراً لك باهر. سأذهب وأنتظره هناك."
يذهب الحارس للحجز فيجد مدحت مازال نائماً على الأرض، فير.كله بقدمه.
"استيقظ. الضابط يريدك."
يفتح مدحت عيونه ويقف بصعوبة ثم يمسح بعض الد.ماء عن وجهه. ثم يمسكه الحارس ويذهب به نحو مكتب أيمن ويطرق الباب.
قال أيمن:
"ادخل."
يدخل الحارس وهو يمسك مدحت ويداه مقيدة.
قال أيمن:
"فك له القيد وانصرف."
قال الحارس:
"حسناً سيدي."
ثم يفك قيد مدحت وينصرف ويغلق الباب خلفه.
قال أيمن:
"أنا آسف لما حدث. صحيح أنك تطاولت علي، ولكني لست من النوع الذي يرد الإساءة بمثلها."
قال مدحت:
"واضح. فقد بلّغت عني ومنعت عني الطعام والشراب وأرسلت من يضر.بوني حتى ك.سّروا ضلوعي."
قال أيمن:
"أقسم بالله بأنه ليس لدي علم بما حدث. والدي هو من قدم الشكوى دون علمي. وهو معذور بالمناسبة، فقد ضر.بت ابنه الوحيد. ماذا كنت تنتظر أن يفعل؟"
قال مدحت:
"حسناً. لقد انتقمت الآن. ألا يكفي ما حدث؟ هل تريد أن تضيع مستقبلي أيضاً ويكون لي ملف سوابق؟"
قال أيمن:
"سأتنازل عن الشكوى وأخرجك حالاً. ولكني أتمنى أن تتعلم الدرس ولا تتطاول على أحد مرة أخرى."
قال مدحت:
"طوال عمري أتعلم الدروس. فلا تقلق."
قال أيمن:
"أنت لست مازن، أليس كذلك؟"
قال مدحت:
"بل أنا مازن. لماذا تغير الموضوع؟"
قال أيمن:
"لا يمكن أن تكون مازن. فلقد تحدثت معه وكان شخصية مغ.رورة وو.قحة للغاية وأنت لست كذلك."
قال مدحت:
"ربما هذا من تأثير الض.رب. فإنه يلقي بالغرور جانباً ويك.سر النفس. ألم تسمع أبداً بـ 'قهر الرجال'؟ ما تفعلونه هنا هو ق.هر الرجال بعينه."
قال أيمن:
"طريقة حديثك تؤكد لي أنك لست هو. بالإضافة، آخر مرة رأيت فيها مازن، لقد كان مجرو.حاً في يده بينما يدك سليمة."
قال مدحت:
"لقد كان جر.حاً بسيطاً واختفى. فلو سمحت أخرجني من هنا."
قال أيمن:
"لو سمحت، هذا ليس كلام مازن. فهو لا يعتذر ويتكلم بأدب هكذا. وهذا يؤكد لي أنك لست هو. أنت مدحت. ويبدو أنك تلعب دوره كما لعبت دوره في الشركة. فهذا ما عرفته منك سابقاً. ولن أضغط عليك وأجبرك على التحدث. فأنت أخو زوجتي المستقبلية. لذا سأتغاضى عن الأمر حتى لا تع.اقب بانتح.ال شخصية الغير. انتظرني هنا. سأنهي الإجراءات وآخذك للبيت."
يخرج مدحت ويطلب من أحدهم أن ينهي كل إجراءات خروج مازن.
يعود لمكتبه:
"هيا بنا. سآخذك للمشفى أولاً حتى يعالجوا جرا.حك ولا تتفاجأ أسرتك بما حدث."
ثم يأخذه للمشفى. فيجلس في غرفة الكشف بينما يقوم التمريض بخياطة جر.ح في رأسه وتقديم بعض الإسعافات الأولية له.
بينما يجلس أيمن في غرفة الانتظار، فتشاهده أهداب.
"يبدو أن هذا الشاب لن يتركني وشأني. ها قد أتى مرة أخرى."
ثم تقول لنفسها:
"تجاهليه وحسب. لماذا تذهبين نحوه؟ لا، سأذهب وأخبره بألا يأتي إلي هنا مرة أخرى حتى لا يتحدث عني أحد."
ثم تتجه نحوه.
"لماذا جئت مرة أخرى؟ ألم أقل لك أن الأمر قد انتهى؟"
قال أيمن:
"آسف يا آنسة. أنا لا أفهم ماذا تقصدين؟ أنا لم آت من أجلك بل من أجل شخص عزيز علي."
قالت أهداب:
"ومن هذا الشخص؟"
قال أيمن:
"إنها خطيبتي. لقد تعبت قليلاً فاحضرتها لأطمئن عليها."
قالت:
"هل خطبت بهذه السرعة؟"
يبتسم مدحت.
بينما تدخل أهداب الغرفة لترى خطيبته المزعومة، فتجد مدحت أخاها يستعد للخروج.
"ماذا حدث لك مدحت؟"
قال مدحت:
"أنا مازن ولست مدحت."
ثم يغمز لها.
قال أيمن:
"يكفي مدحت. أنا أعرف من تكون. فلا داعي للإنكار. لا تقلقي يا دكتورة. لقد خرج عليه بعض قطا.ع الطرق وضر.بوه وأخذوا ما معه من نقود. أليس كذلك سيد مدحت؟"
تنظر أهداب ليد مدحت فترى الهاتف في يده.
"غريبة أنهم أخذوا النقود ولم يأخذوا هاتف غال الثمن كهذا."
قال أيمن:
"لقد أخذوه فعلاً. ولكننا قبضنا عليهم وأعدنا المس.روقات كلها."
قالت أهداب:
"انتظر. سأفحصك جيداً."
قال مدحت:
"لقد قامت الممرضة بعمل اللازم."
قالت:
"لن تذهب حتى أفحصك. اجلس لو سمحت."
يجلس مدحت بينما تفحصه أهداب.
قال لها مدحت:
"ها انتهيت من فحصي لأني أريد العودة للمنزل. فأنا متعب جداً."
قالت:
"حسناً. أنت بخير. تستطيع الذهاب."
قال أيمن:
"انتظر. سأوصلك."
قال مدحت:
"لا داعي. أستطيع أخذ الباص."
قال أيمن:
"لن أدعك تعود وحدك."
قال مدحت:
"حسناً. هيا بنا."
ثم يركب مدحت السيارة مع أيمن ويوصله للبيت.
قال أيمن:
"سأدخل معك عند السيد مجد حتى لا يشك بأنني عرفت بالأمر وحتى أجد مبرراً لعلامات ال.جرو.ح التي في وجهك والور.م الذي تحت عينيك."
قال مدحت:
"لا داعي لذلك. سأقول لهم ما قلته لاهداب. هيا اذهب."
قال أيمن:
"لا. لن أذهب."
ثم يسبقه لباب المنزل ويطرق الباب.
يتبعه مدحت.
فتفتح شجن:
"أنت مرة أخرى. ماذا تريد هذه المرة؟"
قال أيمن:
"جئت أعيد الأمانة التي أحضرتموها لنا بالأمس."
أدخل. مدحت. وفي المرة القادمة اجعلوا ابنكم يتحمل مسؤولية أفعاله وليس شخص بريء."
ثم يرحل.
قال مدحت:
"أنا لم أقل له شيئاً. ولا أعرف كيف كشف أمري؟"
قالت شجن:
"ما هذه العلامات الزرقاء التي في وجهك؟"
وقبل أن يرد مدحت، قال مجد:
"واضح أنه تعرض للض.رب في القسم. نحن آسفون لما حدث لك يابني."
قال مدحت:
"لا. العلامات بسبب أنني تعرضت لمحاولة سرقة وأنا قادم."
قال مجد:
"قل هذا الكلام لطفل صغير. أنا أعرف ما يحدث في بعض أقسام الشرطة من انتها.كات. وأنا أعتذر منك. فلم أتصور أن يحدث هذا معك."
قال مدحت:
"لا داعي للأسف. سأذهب لآكل. فلم أتذوق شيئاً منذ أن خرجت من هنا."
قالت شجن:
"ألم يعطوك الطعام الذي ارسلناه لك؟"
قال مدحت:
"لا مدام. لم يعطوني شيئاً غير الض.رب والإها.نة. عن إذنك."
قال مجد:
"وماذا ستقول لأمك عندما تراك بهذا المنظر وأنت أخبرتها أنك ستذهب لمؤتمر؟"
قال مدحت:
"سأخبرها أنني تعرضت لحادث مروري ولم أذهب."
"بالإذن منكم."
ثم يذهب للاستراحة.
تبكي شجن وتقول:
"ماذا فعلت؟ أنا السبب. لقد تش.وه وجه الشاب من الض.رب. لقد تمز.ق قلبي عندما رأيته."
فيضمها مجد.
بينما شجن تبكي بحرقة قائلة:
"ماذا أفعل لأكفر عن ذنبي؟ لقد كنت متصورة أنه سيمضي يوماً أو يومين ثم يعود دون خسائر. ولكني تسببت للشاب بالض.رب والجوع. أنا لن أسامح نفسي."
ثم تمسح دموعها وتجلس. فيجلس مجد بجوارها.
قال مجد:
"أنا أيضاً نادم أنني سمعت كلامك. فما ذنب الشاب المسكين حتى أن يتحمل أخطاء ابنك. لقد سجن وضر.ب وجاع. بينما مازن يمرح ويلهو في شقته. ياليته دخل الس.جن حتى يستفيق لنفسه ويتحمل المسؤولية ويكف عن أفعاله ال.حمقاء."
قالت شجن:
"لقد حدث ما حدث. أمي قادمة ولا أريدها أن تعرف بالأمر."
قالت حبيبة:
"لماذا سكتّم عندما حضرت؟ هل تريدون أن أذهب لتكملوا حديثكم؟"
قالت شجن:
"أبداً. كنت أسأل مجد هل عثر على مازن أم لا."
"تخرج حبيبة. الهاتف هو في هذا المكان. فأنا وضعت له تطبيق أتتبعه من خلاله."
قالت شجن:
"هل تتجس.سين على ابني؟"
قالت حبيبة:
"نعم. أتعرفين لماذا؟ لأنه متهور ولا يستمع لأحد. ويجب أن نعرف مكانه باستمرار حتى لا يتسبب لنا في مشكلة أخرى."
قال مجد:
"أعطني العنوان حالاً. سأذهب وأحضره."
تعطيه حبيبة العنوان ويذهب مجد للشقة.
يصل مجد للعمارة التي فيها ابنه ويطرق باب الشقة فيفتح له أحد الشباب ويبدو عدم الاتزان واضحاً عليه.
قال مجد بعصبية:
"أين مازن؟"
قال الشاب وهو يترنح:
"هو بالداخل. ماذا تريد منه؟"
يزيح مجد الشاب بيده جانباً ويدخل فيجد مازن يجلس على الأريكة ويمسك بيده ورقة عليها بعض الممنوعات ويقربها من أنفه.
يض.رب مجد يد مازن لتتناثر ما في الورقة من يده.
ويصرخ فيه:
"ماذا تفعل؟"
رواية شجن الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم Lehcen Tetouani
يعرف مجد مكان مازن ويذهب إليه ويكتشف أنه يتناول الممنوعات.
يسأله مجد: ماذا تفعل هنا؟
ينتفض مازن واقفاً: أبي كيف عرفت مكاني؟
يصفعه مجد على وجهه ثم يمسكه من ذراعه ويسحبه لخارج الشقة: تعالى معي فوراً.
يفلت مازن يده ويصرخ في وجه والده: لن أذهب معك لأي مكان.
قال مجد بعصبية: ستذهب معي رغماً عنك، وإلا أبلغت الشرطة عنكم لتأتي وتأخذكم جميعاً للسجن.
قال أصدقاء مازن: مازن اذهب معه، فنحن لا نريد مشاكل.
يخرج مازن مع مجد ويركبان السيارة ويقود مجد بسرعة.
وبعد مدة من القيادة قال مازن: إلى أين ستأخذني يا أبي؟ هذا ليس طريق البيت.
قال مجد للمكان المناسب لأمثالك، ثم يتوقف بالسيارة.
قال مازن: ما هذا؟ هل تمزح معي؟ هذه مصحة لعلاج الإدمان.
قال مجد: هذا هو المكان المناسب لك حتى تستفيق من هذا الوضع المزري الذي وصلت إليه. يا ويلي، ابني مدمن مخدرات. هيا انزل بسرعة قبل أن أفقد أعصابي.
قال مازن: لن أنزل من السيارة ولن أدخل هذا المكان، فأنا بخير وبكامل قواي العقلية.
قال مجد: لا، لست بخير. ولو نظر أي شخص إليك سيعرف أنك تتعاطى.
قال مازن: لقد عملت تحليل الدم وكان سلبياً للمخدر.
قال مجد: لأنك استغليت هذا الشاب المسكين وجعلته يجري التحليل بدلاً عنك، لذلك ظهر دمك نظيفاً. ولكن حبل الكذب قصير. ولكن بسببك ذهب مدحت أمس للسجن وتم ضربه بدلاً عنك لأنك تشاجرت مع الضابط، وهو الآن في المنزل بحالة يرثى لها.
قال مازن: بسيطة، أعطه شيكاً بمبلغ كبير وسينسي التجربة كلها.
قال مجد: هل أصبحت معدوم الإحساس لهذه الدرجة؟ وأصبح علاج كل شيء بالنقد التي لا تملكها أساساً. فهذا مالي. أم نسيت؟
قال مازن: وأنا ابنك الوحيد وأنت ملزم بالإنفاق علي.
قال مجد: لا تجعلني أرد عليك بشيء لا تحب سماعه. فأنت... ثم يسكت.
قال مازن: لماذا لم تكمل؟ ماذا تقصد بكلمة أنت؟
يصرخ عليه: أصمت! لا أريد سماع صوتك، فقد أخرجتني عن شعوري. ثم يقول لنفسه: كنت على وشك أن أخبره بالحقيقة. جيد أنني أفقت قبل أن أفشي السر. لقد أوشكت أن أقول له أنه ابن حرام وقد أحضرناه من الملجأ. سأدخله المشفى وأعود للبيت.
في فيلا علاء، يدخل أيمن: أبي أبي أين أنت؟
يخرج علاء من إحدى الغرف: ماذا تريد؟ لماذا تصرخ هكذا؟
قال أيمن: ألا تعرف أبي؟ لماذا أصرخ؟ لماذا قدمت الشكوى ضد مازن دون أن تخبرني؟ ألم أطلب منك ألا تفعل ذلك؟
قال علاء: أكنت تريد أن أراك مضروباً والدماء تسيل منك واقفاً أتفرج عليك؟
قال أيمن: لقد كان الضرب متبادلاً بيني وبين مازن. ولكن للأسف، أنت أدخلت شخصاً بريئاً في الوسط وجعلته يدفع ثمن جريمة لم يرتكبها.
قال علاء: ماذا تقصد؟
قال أيمن: لقد قبضت الشرطة على مدحت، شبيه مازن. وطبعاً، أنت تعرف الباقي لأنك أوصيتهم بفعله.
قال علاء: أوصيتهم بفعله مع مازن وليس مدحت.
قال أيمن: ولكن بسبب الشبه الكبير بينهما تم القبض على مدحت، وهو من تلقى كل الإهانات والضرب ولم يتكلم خوفاً على فقد وظيفته عند مجد.
قال علاء ببرود: خطأ غير مقصود. وأنا متأكد أنك أخرجته.
قال أيمن: بالطبع فعلت. وأخذته للمشفى حتى يعالجوا جروحه. وهو في بيته الآن.
قال علاء: حسناً. لقد قمت بواجبك وأكثر. فماذا تريد الآن؟
قال أيمن: أريد منك أنت وأمي عدم التدخل في حياتي الخاصة، لو سمحتم.
تدخل حسناء الغرفة وتتجه نحوه قائلة: لو أردت منا عدم التدخل في حياتك، فيجب أن تترك تلك الفتاة وتنتبه لما تفعله.
قال أيمن: هذه الفتاة أنقذت حياتي أكثر من مرة. وهي تعجبني ولن أتزوج غيرها.
قالت حسناء: حسناً، لن نتكلم اليوم في نفس القصة الحزينة. فقد مللت من الجدال معك ودائماً لا نصل إلى نتيجة ترضي أي منا.
قال أيمن: لأنكِ دائماً تتحاملين على الفتاة.
قالت حسناء: حسناً. مارأيك لو نبقى في هدنة الفترة القادمة؟ لا أنت تنطق اسمها أمامي ولا أنا أهاجمها. فبعد شهر من الآن عيد ميلادك، وسأعرفك على كل بنات الوسط العائلي. وبعدها سنتكلم.
قال أيمن: كل بنات خاصتك لا يعنين لي شيئاً. فأنا أعرفهن منذ صغري. وأغلبهم تافهات لا يهتمون إلا بالمظهر الخارجي مع عقول فارغة لا تعرف معنى المسؤولية.
قالت حسناء: بل هناك أكثر من فتاة منهن خريجات جامعات كبرى ويتحدثن لغات أجنبية ومنتهى الرقي في التعامل.
قال أيمن: عقدة مرة أخرى. وهل اللغة الأجنبية ستربي أولادي وتعلمهم القيم والأخلاق والدين؟
قالت حسناء: بالتأكيد سنجد واحدة من هؤلاء الفتيات لديها قيم وأخلاق. والدليل أنت. برغم أنك من الطبقة الراقية ومع ذلك لديك أخلاق عالية. فمن علمك إياها حبيبي؟
قال أيمن: معذرة أمي. لقد علمتني إياها المعلمة الفقيرة التي كنتم تحضرونها لي في المنزل لتقوم بدورك. فأنت لم تعلميني شيئاً سوى كيف أكون أنيق المظهر وأكلم الناس بتعالٍ لأنهم ليسوا من مستواي.
قالت حسناء: دائماً الحديث معك ينتهي بإثارة أعصابي.
قال أيمن: سأذهب لغرفتي حتى تهدأ أعصابك. ثم يغادر أيمن لغرفته.
تنظر حسناء لعلاء: يا ليتني ما جلبت تلك المعلمة. فهي من بثت سمومها داخل عقله وملأته بتلك القيم الفارغة.
قال علاء: لا تنسي أن هذه المبادئ والقيم الفارغة هي من جعلته مختلفاً عن أقرانه. فهو فتى مهذب ويعامل الجميع بلطف. والكل يمتدح أخلاقه العالية. كما أنه متميز في عمله والجميع يحبه. وهذا مصدر فخر لي.
قالت حسناء: أنا أعرف ذلك كله. ولكن تعلقه بتلك الفتاة تعلق مرضي. ولكني سأصبر لشهر واحد. وبعدها سأتصرف. وعندما سنحتفل بيوم مولده سأعرض عليه كل الفتيات الجميلات اللواتي أعرفهن في الحفلة. وإذا أعجـبته واحدة منهن سنعلن الخطبة في نهاية الحفلة.
قال علاء: وإذا لم تعجبه أي منهن فماذا ستفعلين؟ فابنك متعلق بالطبيبة.
قالت حسناء وهي تبتسم: ساعتها لا يلومنّ إلا نفسه. لأني سأختار شريكة حياته بنفسي وأضعه تحت الأمر الواقع.
قال علاء: هذا جنون. فقد يرفض ويحرجنا.
قالت: لا، لن يفعل. فكما قلت منذ قليل، أخلاقه العالية ستمنعه من إحراجي أمام الجميع وسيقبل بالخطبة.
في فيلا مجد، يدخل مجد ويجلس على الأريكة. فتراه شجن: أين مازن؟ لماذا لم تحضره معك؟
قال مجد: مازن في مكانه المناسب.
قالت شجن: لا تتكلم بالألغاز. أين ابني؟
قال مجد: هو في المستشفى من أجل العلاج.
قالت شجن: لكن ألا يمكن أن يتم علاجه في المنزل؟
قال مجد: شجن حبيبتي، طوال الخمس والعشرين عاماً الماضية لم أغضبك أبداً. وكنت أقبل كل تصرفاتك وتدليلك الزائد للولد ولم أتكلم. فقد كنت أقول لنفسي، هو ابنها ومن حقها أن تربيه كيفما تشاء. ولكن الولد وصل لمرحلة الإدمان ويجب أن نشده من هذا المستنقع قبل فوات الأوان.
قالت شجن: هل تقصد أن مازن مدمن؟
قال: هذا ما قصدته بالضبط. لذلك علينا أن نقف بجانبه حتى يتعافى.
قالت: لن أجادلك هذه المرة. وافعل ما تراه مناسباً.
في اليوم التالي، يركب مجد السيارة ليذهب للمكتب.
قال مدحت: انتظر سيد مجد. سآتي معك.
قال مجد: سأعطيك إجازة اليوم حتى تتعافى.
قال مدحت: أنا أشعر أنني بخير ولا أحب البقاء في المنزل.
قال مجد: أتعرف القيادة؟
قال مدحت: لقد علمني مازن. ولكن لم أذهب لمكان وحدي بالسيارة.
قال مجد: تعالى. وقد أنت إذا.
قال مدحت: لكن أنا؟
قال مجد: لا تخف. أنا بجانبك. ومن هنا وصاعداً أنت من سيقود السيارة من الفيلا للشركة. وساستخرج لك رخصة قيادة في أقرب وقت ممكن.
يقود مدحت السيارة وهو متوتر، بينما يعطيه مجد التعليمات حتى يصلا للشركة.
قال مجد: اترك المفتاح للحارس ليصفها في المكان المناسب. وهي بنا للمكتب.
بعد دقائق في المكتب، تأتي ريماس لمكتب مدحت.
أهلاً بك مازن.
قال مدحت: أهلاً ريماس. تفضلي.
قالت: ماذا حدث معك؟ هناك علامات زرقاء على وجهك.
قال مدحت وهو ينظر للأرض: مجرد حادث سير بسيط.
قالت ريماس: لماذا تتجنب النظر إلي؟
قال مدحت: أبداً. هذه طبيعتي. لا أحب النظر في عيون الناس وخصوصاً الفتيات.
قالت ريماس: ولكني في حكم خطيبتك.
قال مدحت: طبعاً طبعاً. ولكن لم نتزوج بعد. لذا علي غض بصري.
قالت: حسناً. غض بصرك كما تشاء. ولكن ستأتي من خلف المكتب وتجلس أمامي. فمعي كريم للكدمات سأدهنه لك. ثم تشده من يده ليخرج من خلف المكتب.
مدحت: لا داعي. فأنا بخير.
قالت: بل هناك داع. فهيا تفضل وأجلس أمامي بسرعة.
يجلس مدحت على الكرسي وتضع ريماس الدهان على وجهه.
بينما مدحت شارد الذهن ويقول لنفسه: إياك أن تحبها. فهي ليست لك. وحتى لو أعجبت بك، فهي معجبة بمازن صاحب الشركة وليس ذلك الموظف الفقير الذي يعمل عنده.
ثم يقف: يكفي ريماس. هذا جيد. ثم يلف ويجلس خلف مكتبه.
قالت ريماس: لماذا تتهرب مني؟
قال مدحت: أبداً. أنا لا أتهرب منك، ولكن أحاول أن أحافظ عليك حتى يتم زواجك.
قالت: تقصد زواجنا.
قال: طبعاً زواجنا. ولكن خانني التعبير. خذي هذا الملف وأعطيه لوالدي.
قالت: أنت تريد التخلص مني بأسرع فرصة.
قال: لا أبداً. ولكن لدي عمل اليوم. وبعد أن أنجزه سنتحدث بالتأكيد.
تغادر ريماس المكتب، بينما يتنفس مدحت الصعداء. وقال في نفسه: أنت فعلاً فتاة جميلة. ياليتني مكان مازن. فهو فتى محظوظ.
رواية شجن الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد مرور شهر في مشفى علاج الإدمان، قال مجد للطبيب المعالج:
"كيف حال مازن الآن؟"
قال الطبيب:
"بدأ المخدر ينسحب من جسده تدريجياً، ولكن يجب أن يظل تحت المراقبة لفترة حتى لا ينتكس مرة أخرى، فقد يقابل أحد أصدقائه القدامى فيعطيه شيئاً دون أن تعرف ويعود كما كان."
قال مجد:
"وما الحل؟ هل أُحبسُه في المنزل؟ لن أستطيع فعل ذلك ولن يتقبل الأمر."
قال الطبيب:
"عرّفه على أصدقاء جدد تثق فيهم، فالمرء على دين خليله. وعليه أن يكثر من شرب القهوة والشاي الفترة القادمة لأن فيها مادة الكافيين، ولكن أقل بكثير من الممنوعات، وذلك لتعوض النقص في جسده وبذلك نخدع عقله فلا يعود للتعاطي مرة أخرى."
قال مجد:
"حسناً يا دكتور. هل يمكنني أن آخذه معي؟ فاليوم عيد مولده وأمه قد جهزت له حفلاً مميزاً."
قال الطبيب:
"لا مانع طبعاً، ولكن كما أخبرتك يجب أن يظل بعيداً عن أصدقاء السوء قدر الإمكان."
قال مجد:
"بالطبع سأفعل كل ما في وسعي."
في فيلا علاء، تدخل حسناء غرفة ابنها:
"ما هذا الجمال حبيبي؟"
قال أيمن:
"أنتِ تبالغين كالعادة."
قالت حسناء:
"أنا لا أبالغ بل أقول الحقيقة، فقد ورثت كل هذا الحسن مني."
قال أيمن:
"حسناً أمي، أعرف أنكِ جئتِ لسبب ما لذلك تمدحيني، فهاتِ ما عندك."
قالت حسناء:
"حبيبي أيمن، لقد جهزت لكِ مفاجأة في عيد مولدك."
قال أيمن:
"وما هي المفاجأة؟"
قالت حسناء:
"وكيف تكون مفاجأة إذا أخبرتك بها؟ هيا انتهِ من لبسك وألحق بي لغرفة الاستقبال، فجميع المدعوين قد حضروا وهم في انتظارك."
قال أيمن:
"سأنزل معك، لقد انتهيت من لبسي."
ينزلان لقاعة الحفل، وبعد نصف ساعة، قالت حسناء:
"هيا يا جماعة تعالوا لنطفئ الشموع."
يتجمع الجميع حول الطاولة ويغنون أغنية عيد الميلاد، بينما يقوم أيمن بإطفاء الشموع.
قالت حسناء:
"والآن لينتبه الجميع."
ثم تذهب نحو إحدى المدعوات وتمسك يدها، ثم تمسك يد أيمن:
"يا جماعة، لقد خطبنا نجوى لابني أيمن، وقد وافقوا على الخطبة."
يتسمر أيمن مكانه وهو لا يعرف ماذا يقول؟ ويقول لنفسه:
"أمي، لماذا فعلتِ ذلك؟ كيف أعلنتِ خبر خطبتي دون حتى أن تخبريني بالأمر؟ ماذا أفعل الآن؟ هل أواجههم بالأمر وأخبر الجميع أنني لست موافقاً على الخطبة، أم أسايرها حتى ينتهي الحفل ثم أجد وسيلة لإلغاء قرار الخطبة هذا؟"
يمسك علاء حسناء من يدها ويتجه بعيداً:
"لقد طلبتِ مني أن أكلم والد الفتاة، ولكنكِ أخبرتني أنكِ ستعرضين الأمر على ابنكِ أولاً قبل إعلان الخطبة، ولكنكِ لم تخبريه بشيء ووضعته في مأزق."
قالت حسناء:
"لأن ابنكِ لا يأتي بالتفاوض بل بالأمر الواقع. انظر، لقد تقبل الأمر ويجلس مع الفتاة في هدوء."
قال علاء:
"إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. هو يجلس معها ولكنه لا يتكلم من الصدمة، وكأنه يشعر أن الأمر غير جدي، أو ربما يغلي الآن من الداخل ثم سينفجر بعد أن يغادر المدعوين. سأذهب وأخبره أنه غير ملزم بكلامك ويستطيع إلغاء الأمر."
قالت حسناء:
"إياك أن تفعل ذلك! الفتاة مناسبة جداً له، ومع الوقت سيعتاد عليها ويحبها."
يأتي أيمن نحو أمه:
"أمي، أريدكِ في شيء على انفراد لو سمحتِ."
قالت حسناء:
"لا داعي، فأنا أعرف ما تود قوله."
قال أيمن:
"أنا لا أريد أن أتحدث أمام الناس، لو سمحتِ فتعالي معي جانباً على الأقل، وإلا..."
قالت حسناء:
"تعالى إذاً في هذه الزاوية حتى لا يسمعنا."
يحدثم. يتجهان لركن في القاعة بعيداً عن المدعوين.
قال أيمن:
"أمي، لماذا فعلتِ ذلك؟ طبعاً لتجعليني أقبل بالخطبة دون اعتراض. آسف أمي، لقد أخبرت عروسك بكل شيء وأنني أحب فتاة أخرى وسأتزوج منها."
قالت حسناء:
"لا، أنت ستقتلني! قلبي قلبي!"
ثم تدّعي حسناء أنه سيغمى عليها، بينما يمسكها أيمن قبل أن تسقط. ثم يستأذن علاء من الضيوف ليأخذ حسناء لغرفتها لأنها متعبة، وينصرف المدعوين.
في منزل مجد، يصل مجد ومازن للمنزل:
"هيا اذهب وبدل ملابسك قبل حضور المدعوين، فاليوم عيد مولدك."
ترى شجن مازن فتتجه نحوه وتضمه:
"الحمدلله أنك جئت حبيبي."
تدخل الجدة حبيبة:
"أهلاً حفيدي، أتمنى أن تكون قد تعلمت من تلك التجربة."
قال مازن:
"نعم، تعلمت أنكِ تحبين إفساد أي فرحة."
قالت شجن:
"حبيبي، لا يصح أن تكلم جدتك بهذا الأسلوب."
قال مازن:
"أنا لا أحب الحديث معها، لا بهذا الأسلوب ولا بغيره. بإذن منكم سآخذ حماماً وأغير ثيابي قبل حضور المدعوين."
ثم يذهب لغرفته.
قالت حبيبة:
"لقد ذهب للعلاج وعاد كما هو، نفس الأسلوب البشع في التعامل."
قالت شجن:
"أعتقد أنه ورث هذا الطبع منكِ أمي، فهو نسخة مصغرة عنكِ. لا يهتم بأحد سوى مظهره أمام الناس، أما المشاعر فليست جزءاً من قاموسه."
قالت حبيبة:
"لو كان مثلي لما تناول الممنوعات، ولكنه ضعيف مثلك يهرب من مشاكله بالصراخ على غيره."
قال مجد:
"تعالي شجن، أريد أن أخبرك بشيء على انفراد."
قالت شجن:
"حسناً، تعالى لغرفتنا حتى أساعدك في لبس ثياب السهرة، فأنا لم أعد أحتمل كلمة أخرى من أمي."
ثم يذهبان لغرفتهما.
قالت حبيبة:
"هذه عادتك عندما لا تستطيعين الرد تهربين."
في غرفة مازن، يخرج من الحمام وينظر نحو سريره:
"لقد وضعت أمي البدلة والحذاء وكل شيء، ولكن أين ساعتي المفضلة؟ حسناً، سألبس ثم أذهب لأسألها عليها."
في غرفة مجد، قال لمجد:
"شجن، هناك أمر أردت أن أخبرك به بخصوص مازن."
قالت شجن:
"هل حدث شيء جديد؟"
قال مجد:
"لقد تعصبت على مازن وكدت أخبره أننا لسنا والديه وأننا أحضرناه من الملجأ."
في هذه اللحظة، كان مازن يقف أمام باب غرفة والديه ويسمع ما دار بينهما.
قال مازن لنفسه وهو خلف الباب:
"يال الهول، أنا لقيط!"
ثم يعود لغرفته ويجلس على السرير ويبكي.
"لا، بالتأكيد ما سمعته غير صحيح."
ثم يقف ويتوجه نحو الباب:
"سأذهب وأسأل أبي بشكل مباشر."
"لا، فلو كان ما سمعته صحيحاً فهذا يعني أنه ليس أبي وأمي ليست أمي وهذا البيت ليس لي."
ثم يعود ويجلس على السرير:
"لا، هذا غير صحيح بالتأكيد، أنا فهمت الموضوع خطأ."
"لا، بل صحيح. وعندما أغضبت والدي في السيارة كان سيقول لي أنه ليس أبي وأنه ليس من حقي أن أنفق مالاً ليس لي. يال الهول، ماذا أفعل؟ هل أواجههم بالأمر؟ أم أغلق فمي وأسكت؟"
يُفتح باب غرفة مازن فجأة وتدخل حبيبة، ثم تُغلق الباب مرة أخرى، بينما يمسح مازن عينيه بسرعة.
ثم تقترب منه الجدة قائلة:
"مازن، أريد أن نتحدث قليلاً."
قال مازن:
"لا أريد التحدث في شيء."
تجلس حبيبة بجواره:
"ما بك حفيدي؟ هذه أول مرة أراك تبكي. هل تحققت المعجزة وندمت على ما حدث منك؟"
قال مازن:
"لا، عيوني تؤلمني فقط."
قالت الجدة:
"لا تكذب علي، هناك شيء يضايقك."
يلتفت مازن إليها:
"جدتي، أريد أن أسألك عن شيء وعليك أن تجيبي عنه بصراحة. أنا ليس ابن هذه العائلة، أليس كذلك؟"
قالت حبيبة:
"من أخبرك بهذا الكلام الفارغ؟ حبيبي، أنت من صلب هذه العائلة، فشجن أمك وأنا جدتك ومجد والدك."
قال مازن:
"لا تكذبي جدتي، لقد سمعت أبي وهو يقول لأمي أنهم أحضروني من دار للأيتام."
قالت حبيبة:
"أنت حفيدي وابن ابنتي ومن دمي، لذلك أنا دائماً أنصحك وأخاف عليك. ولو أردت التأكد، سنقوم بعمل فحص DNA، ولكن سيظل الأمر سراً بيننا حتى لا ينزعج أبوك لو سمع هذا الكلام الفارغ."
قال مازن:
"أنا لا أصدق ما تقولينه لي، لقد سمعتهم بأذني، فلا تحاولي خداعي، فأنا لست طفلاً لتضحكي علي."
قالت حبيبة:
"حسناً، أنت كبرت الآن وبإمكانك الاحتفاظ بالسر الذي أخفيته لي خمسة وعشرين عاماً. لذلك أريدك أن تعدني بأن ما سأخبرك به سيظل سراً بيننا."
قال مازن:
"أعدك. هيا تكلمي جدتي ولن أخبر أحداً."
رواية شجن الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم Lehcen Tetouani
قالت حبيبة لمازن: أنت كبرت الآن، وبإمكانك الاحتفاظ بالسر الذي أخفيته خمسة وعشرين عامًا. لذلك أريدك أن تعدني بأن ما سأخبرك به سيظل سرًا بيننا.
قال مازن: أعدك، هيا تكلمي جدتي، ولن أخبر أحدًا.
قالت حبيبة لنفسها: لن أخبره بكل الحقيقة، وأني السبب في موت إخوته بعد أن تركتهم في الشارع. ثم تضع يدها على كتف حفيدها قائلة: اسمع يا مازن.
أمك تعرضت للاغتصاب عندما كانت في السنة الأولى من الجامعة، ومن فعل بها ذلك مات في حادث سير. وعندما ولدت، اضطررت لوضعك في دار للأيتام حتى أصبح عمرك أربع سنوات، حتى تكمل أمك دراستها ولا تنفضح بين الناس. وعندما تخرجت أمك من الجامعة وتزوجت من مجد، ذهبت وأحضرتك من هناك، لأن أمك وأبوك ليس لديهم القدرة على الإنجاب. طبعًا أمك تعرف أنك ابنها، لكن مجد لا يعرف شيئًا. أنا أقول ذلك لتعرف أنك حفيدي وشجن أمك، وحتى تتأكد ويرتاح قلبك، سنجري الفحص كما أخبرتك.
قال مازن: وكيف تخلت عني أمي لأربع سنوات؟
قالت حبيبة: هي لم تكن تعلم بوجودك أصلًا، فقد أخبرتها أنك...
قال مازن: أخبرتها أنني مت، أليس كذلك؟
قالت: هذا ما حدث فعلًا، ولكن عندما أحضرتك من الدار أخبرتها بالحقيقة، لذلك هي كانت تبالغ في تدليلك.
قال مازن: حسنًا، قد فهمت، ولكن هذا يعني أن أبي ليس أبي الحقيقي.
قالت: هو من رباك وعلمك وأنفق عليك ومنحك الحب والحنان بلا مقابل. والاب الحقيقي ليس الذي ينجب، وإنما الذي يربي ويتحمل المسؤولية. والآن هيا اغسل وجهك، فلا يجب أن يشك أحد بالأمر حتى والدك، حتى لا تتعرض أمك للفضيحة.
قال مازن: حسنًا جدتي، ما قلته سيظل سرًا بيننا.
قالت حبيبة: هيا تعالي لحضني حفيدي الغالي.
يضمها مازن قائلًا: هذه أول مرة تضميني فيها.
قالت حبيبة: لقد كنت تذكرني بخطيئة أمك والماضي الذي أردت أن أنساه، لذلك كنت أعاملك بقسوة لأخرج الغضب الذي بداخلي من خلالك.
قال مازن: وماذا حدث الآن حتى تغيري رأيك؟
قالت: الآن واجهت الماضي، وسنحاول سويًا أن نتخطاه. ولكن هناك طلب أتمنى أن تحققه لي.
قال مازن: قل لي جدتي.
قالت حبيبة: أريدك أن تصبح رجلاً يعتمد عليه، بمعنى أن تنتبه لنفسك وتساعد والدك في الشركة، وتترك أصدقاء السوء الذين كادوا يدمرون مستقبلك بالممنوعات.
قال مازن: سأبذل جهدي جدتي، حتى أرد الجميل للرجل الذي رباني وأعطاني كل شيء بلا مقابل.
قالت حبيبة: هذا رجلي الصغير الذي كنت أتمناه منذ زمن.
قال: هل يعني ذلك أنك لن تنتقديني مرة أخرى؟
قالت: طبعًا سأنتقدك لو أخطأت، فأنا أريد أن أراك أفضل شخص في هذه الدنيا.
ثم تضمه، بينما مازن يضحك قائلًا: لا فائدة يا جدتي، دائمًا تقفين لي بالمرصاد.
يفتح باب الغرفة وتدخل شجن قائلة: غريبة، أمي ومازن يحتضنان بعضهما، أنا أحلم بالتأكيد، أم أنت مدحت وأنا لا أعرف؟ فأمي تحبه كأنه حفيدها.
قال مازن: لا يا أمي، أنا مازن، ولكن التجربة التي مررت بها في المصح غيرت تفكيري تمامًا. ومن الآن وصاعدًا سترين مازن جديد تمامًا، وسأجعلكم فخورين بي.
قالت شجن: أنا لا أصدق ما أسمعه.
قالت حبيبة: صدقي، فقد اتفقنا على كل شيء، وحفيدي وعدني بأن يتغير.
تحتضن شجن ابنها وتقبله: الحمدلله، لقد كنت أدعو لك بالهداية في كل صلاة، والحمدلله استجاب الله دعائي. آه نسيت الشئ الذي جئت من أجله، لقد أحضرت لك ساعة جديدة، فساعتك القديمة سقطت من يدي وتحطمت عندما كنت محتجزًا في المصح، ويبدو أنها أخذت معها الشر وذهبته. هيا سألبسك الساعة الجديدة التي أحضرتها بمناسبة يوم مولدك.
يمد مازن يده وتلبسه شجن الساعة.
قال مازن: شكرًا أمي، هذه الساعة أجمل من القديمة.
قالت شجن: أنا سعيدة لأنها أعجبتك، هيا بنا للقاعة حتى نستقبل الضيوف الذين دعوناهم لحضور عيد ميلادك.
يجلس الجميع في الحديقة ويحتفلون بذكرى ميلاد مازن.
تأتي ريماس ووالدها ويجلسان على مائدة مخصصة للضيوف، ثم يذهب مازن ويجلس معهم.
قال مازن: أهلًا عمي، كيف حالك؟
قال والد ريماس: في أفضل حال يابني. ثم ينظر مازن لريماس.
قال مازن: أهلًا بك ريماس، كيف حالك؟
قالت ريماس: أنا بخير، فلم يتغير شيء منذ كنت معك في الشركة في الصباح.
قال والد ريماس: ابنتي تمتدح نشاطك في العمل، وكيف رفعت أسهم الشركة عاليًا في أقل من شهرين.
قال مازن: هذا من كرم أخلاقها.
قال والد ريماس: سأترككم لبعض الوقت وأجلس مع شريكي.
قال مجد: لنتحدث عن العمل قليلًا، ثم يغادر.
قال مازن: يبدو أن عمي تعمد تركنا سويًا لنتعرف على بعضنا أكثر.
قالت ريماس: لا أعتقد أننا نحتاج لذلك، فمنذ شهرين ونحن نعمل معًا، وقد عرفت كل شيء عنك.
ينظر مازن في عينيها مباشرة: وماذا عرفت عني؟
قالت ريماس: أنت توترني، لم تكن تنظر لي هكذا من قبل.
قال مازن: هناك كثير من الأشياء لم تعرفيها عني، وسوف تكتشفيها بنفسك مع الوقت.
قالت ريماس: مثل ماذا؟
قال مازن: أنني أحب العصير.
ثم يمسك يدها التي تمسك بها كأس العصير على الطاولة.
فتسحبها ريماس بسرعة: تستطيع أخذه.
قال مازن: سآخذه هو وصاحبته.
قالت ريماس: هناك شيء غريب فيك، لم تكن جريئًا هكذا من قبل.
قال مازن: أنا أتطور نفسي باستمرار أيتها الحسناء.
قبل ذلك، قد رأى مدحت ريماس وهي تدخل من باب الفيلا، فيسرع ويدخل للاستراحة ويجلس في غرفته التي تطل على الحديقة، ويراقب ريماس وهي تجلس مع مازن ويمسك يدها.
يضرب مدحت يده في الحائط وقال: أشعر بغضب شديد بداخلي وأنا أرى الفتاة التي أحبها تجلس مع مازن وتضحك معه.
ثم يقول: استفق لنفسك يا مدحت، لقد عادت الأمور لنصابها. هل صدقت نفسك بأنك مازن، وأنك مدير الشركة؟ غدًا يعود مازن ويأخذ منك المنصب وكل شيء، حتى حبيبتك. لماذا يحدث ذلك لي؟ لماذا حظي سيء لهذه الدرجة؟ ألا أستحق بعض السعادة؟
يكفي يا مدحت، هذا سخط على قدر الله. أنت تعرف منذ البداية أنك الثنائي أو التوأمين في مسلسل الحياة هذا، والثاني وظيفته تلقي الضربات، بينما يجني الممثل الأرباح. من المؤكد أن نصيبك في الفرح سيأتي يومًا ما. وكما صبرت في الخمسة وعشرين عامًا الماضية، على أن أصبر بضع سنوات أخرى، وعليك أن تحمد الله على أن هناك بيت يؤويك أنت وعائلتك، وأنت أيضًا تموت وأنت لا تزال على قيد الحياة. فكل شيء قد سلب منك، ولم يبق لك إلا أسرتك والأربعة حيطان التي تأويك، هذا كل ما تملكه. فلا داعي للنظر لشيء لن تحصل عليه أبدًا. فريماس لم تعرف مدحت يومًا، هي تعرف مازن فقط، الشاب الغني والوريث الوحيد للشركة. أما أنت فاحلم على قدرك.
ينظر فيرى ريماس تقوم هي ومازن ويتجهون نحو الطاولة التي وضع عليها قالب الجاتوه، ثم تُطفئ الأنوار ويغني الجميع أغنية عيد الميلاد.
وبعد أن يطفئ مازن الشموع، يصفق بيديه: أبي، أمي، جدتي، أريد أن أخبركم بأمر مهم، وعلى الجميع أن ينتبه.
تقف حبيبة مكانها وقلبها يدق قائلة: لا، أرجوك يا مازن، لا تخذلني وتخبر الجميع بسر أمك الذي أخفيته لسنوات وتفضحنا.
قال مازن: تعالي هنا يا أمي، فما سأقوله سوف يصدمك، وقد تسقطين على الأرض عندما تسمعينه.
تأتي شجن وتقف بجانبه، وهي تبتسم، فيمسك مازن يدها، وتطلب منه شجن أن يتكلم.
بينما تنظر حبيبة له وقلبها يدق بقوة وهي تشير له برأسها: أرجوك لا تتكلم.
رواية شجن الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم Lehcen Tetouani
يقف مازن وسط الحفلة ويطلب من الجميع الانتباه.
تقف جدته مرتبكة ويكاد أن يغشى عليها خوفاً من أن يبوح مازن بالسر الذي أخفته خمسة وعشرين عاماً.
قال مازن: "أريد أن أخبر الجميع، وأمي بالتحديد، أنني أتقدم رسمياً لخطبة ريماس."
ثم يتجه نحو ريماس ويمسك بيدها: "مارأيك؟ هل تقبلين الزواج بي؟"
قالت ريماس: "طبعاً، أنا موافقة."
يصفق الجميع.
تغمض حبيبة عيونها قائلة: "الحمد لله، لقد كدت أصاب بجلطة."
بينما ينظر مدحت من بعيد ويقول لنفسه: "ماذا تظن نفسك لتقبل بك فتاة مثل ريماس؟ هي كانت معجبة بك لأنها ظنت أنك مازن، ولكن لو علمت الحقيقة منذ البداية لما نظرت إليك. أنت شاب فقير، راتبك الشهري لا يكفي لشراء فستان مما تلبسه الليلة. وأمامك سنوات حتى تستطيع أن تتزوج، هذا لو أعطوك الشقة التي وعدوك بها ووجدت فتاة تقبل بك. عد للواقع يافتى وتذكر المكان الذي جئت منه. تذكر أن أحد إخوتك مات جوعاً بعد ما هربت بنا أمي من الوكر. تذكر أن أمك خادمة تعمل في المنزل وهي الآن تقدم الضيافة لحبيبتك."
ثم يشعر مدحت بيد تمسكه من ذراعه.
عندما ينظر إليها يجد أخته أهداب: "ما بك مدحت؟ لم تخرج وتجلس معنا في الحفل وتكتفي بالنظر من الشباك. ويبدو عليك الحزن. هيا أخبرني، هل تخفي شيئاً؟"
قال مدحت: "لا شيء، أنت تتوهمين فقط. أنا بخير يا أختي الكبرى فلا تشغلي بالك."
قالت أهداب: "بالرغم أنني أكبرك بعام، ولكننا رضعنا مع بعضنا نفس الحليب وأنا أفهمك جيداً. لقد كنت سعيداً منذ قليل، ولكن تغير وجهك عندما طلب مازن يد ريماس للزواج. أنت تحبها أليس كذلك؟"
قال مدحت: "لن أكذب عليك، أحبها بجنون. ولكنها كالنجوم، لا نراها إلا في السماء وننظر إليها من بعيد، ولكن لا يمكننا الإمساك بها أو لمسها."
قالت أهداب: "لا تحزن يا أخي، نحن من عالم آخر غير عالمهم. ومع الوقت ستنسى كل شيء وتحب غيرها."
ثم تقول لنفسها: "كما ستفعلين أنت، أهداب، فيجب أن تنسي أيمن نهائياً، فهو ليس لك ولن يكون يوماً. فقد قالتها أمه أمامك، أنت مجرد ابنة خادمة بالنسبة لهم."
في جانب الحديقة، آخر من الحديقة بعيداً عما يحدث، يقف مازن مع ريماس.
قالت له: "لقد كنت معي أمس بالمكتب ولم تخبرني بشيء، أقصد بموضوع إعلان الخطبة."
قال مازن: "الحقيقة أنني لم أذهب للمكتب غير مرة واحدة خلال الشهرين الماضيين. والذي كنت تشاهدينه هناك هو شبيهي مدحت، فقد كان يذهب للمكتب طوال الوقت."
قالت ريماس: "أنا لا أفهم شيئاً. عن أي شبيه تتحدث؟"
قال مازن: "هل شاهدتِ ذالك الشاب؟ اسمعي ريماس، أنا قررت أن أبدأ صفحة جديدة في حياتي وأن أنسى الماضي كله بخيره وشره. لذلك يجب أن تعرفي كل شيء عني حتى لا تصدمي. هيا تعالي معي."
ثم يمسكها من يدها ويتجه نحو مدحت الذي يراهم مقبلان نحوه، فيدير وجهه للناحية الأخرى بسرعة.
ولكن مازن يربت على كتفه: "هيه أنت، انظر إلي."
يستدير مدحت نحوه.
قالت ريماس: "يال الهول! هل أنتما توأم متطابق؟"
قال مازن: "لا، لسنا إخوة من الأساس، ولكن التشابه بيننا كبير جداً."
ينظر مدحت ليد ريماس وهي تمسك بمازن.
فتنتبه ريماس وتنزع يدها من يد مازن بهدوء.
قال مازن: "لماذا أفلتِ يدي حياتي؟"
قالت ريماس لنفسها: "لأنني أمسك باليد الخطأ."
ثم ترفع صوتها: "لقد شعرت بالخجل، فالجميع ينظر إلينا."
قال مدحت: "لا يفترض أن تمسك يدها من الأساس، فهي لم تصبح زوجتك بعد."
قال مازن: "حسناً سيدي الشيخ مدحت. انظري ريماس، هذا الفتى متشدد جداً."
قال مدحت: "هذا ليس تشدد، ولكن هذا ما يأمرنا به ديننا."
قال مازن: "حسناً، انتظري هنا ريماس لتأخذي بعض المواعظ من توأمي بينما أذهب للحمام وأعود فوراً."
قالت ريماس: "حسناً، تفضل."
يمشي مازن نحو باب الفيلا.
بينما تنظر ريماس وقالت لمدحت: "لماذا لم تخبرني؟ لقد كنا نعمل مع بعضنا طوال شهرين حتى ظننت أنك هو."
قال مدحت: "ولماذا أخبرك؟ أنا تكلفت بمهمة وأديتها كما يجب."
قالت ريماس: "عندما عرض مازن علي الزواج، قبلت لسبب واحد، لأني معتقدة أنه أنت. وقبلت الخطبة على هذا الأساس."
قال مدحت: "أنت مع الشخص الصحيح الآن. أنت قبلت الزواج من مازن، صاحب الشركات الذي ينتمي لنفس مستواكِ. أما أنا فنكرة، لا أملك حتى هذه الاستراحة التي أعيش فيها، بل لا أملك شيئاً من الأساس."
قالت ريماس: "الشخص بعمله وما حققه، وليس بثروة أبيه. وأنت أثبت للجميع تفوقك في الشركة وحققت مكاسب كبيرة لها، وهذا يعني أنك شخص ناجح."
قال مدحت: "أنا لست مهندساً كما تظنين، أنا خريج تربية نوعية قسم حاسبات. وكنت على أفضل تقدير سأكون معلم حاسب آلي في إحدى المدارس الحكومية. والصدفة فقط هي من جعلتني المدير التنفيذي لشركة مجدو. وإذا عاد مازن للشركة، فقد يستغنون عن خدماتي أو أصبح مجرد موظف عادي بالشركة."
قالت ريماس: "لا يهمني كل ما قلته لي. وقد تعتبر هذه جراءة مني، ولكني لم أوافق على مازن إلا لأنني ظننته أنت. فقل لي ماذا أفعل الآن؟"
قال مدحت: "تكملين طريقك معه ولن تخسري شيئاً. فهو يشبهني تماماً ولن تشعري بالفرق. المشكلة هو أنني لن أجد من تشبهك لتعوضني عن فقدك."
قالت ريماس: "الفرق بينك وبين مازن بالنسبة لي كالعملة الحقيقة والعملة المزيفة. ولكني واثقة أنك العملة الحقيقية. وأنا..."
وقبل أن تكمل كلامها، ترى مازن مقبلاً نحوهم، فتصمت.
قال مازن: "بالإذن منك سيدي الشيخ، سآخذ خطيبتي ونجلس على انفراد قليلاً. هيا بنا حياتي."
ثم يمسك يد ريماس لينصرف.
ولكن هذه المرة تفلت ريماس يدها بسرعة.
ثم تبتسم في وجه مازن قائلة: "أظنني اقتنعت بكلام الشيخ مدحت ويجب أن نظل بعيدين عن بعضنا حتى موعد الزفاف."
قال مازن: "حسناً. لو كنت أعرف هذا ما كنت تركتك معه. هيا بنا."
ويبتعدان بينما تلمع الدموع في عيون مدحت ويغادر نحو الاستراحة.
بعدها بقليل، يدق الباب فيفتح مدحت.
فيجد مازن يقف أمام الباب فيقول له: "سيد مازن، هل تريد شيئاً؟"
قال مازن: "تعلمت القيادة أليس كذلك؟"
قال مدحت: "نعم، فأنا أقود سيارة والدك منذ شهرين."
قال مازن: "حسناً، تعال لتقود السيارة بدلاً مني فقد حدث لي شد عضلي في قدمي وأريد أن أوصل ريماس لمنزلها. فقد استأذنت والدها أن تبقى ووافق وقد غادر منذ ساعة ويعتمد علي."
قال مدحت: "حسناً، هيا بنا."
ثم يتجهان نحو السيارة.
قال مجد لمدحت: "أنا مطمئن لأنك معهم، فقيادتك رائعة."
قال مدحت: "شكراً سيد مجد، أتمنى أن أكون عند حسن ظنك."
قال مجد: "بصراحة، أنت عند حسن ظني دائماً."
قال مازن: "لو اكتفيتم من مديح بعضكم سنرحل."
قال مجد: "لا، فهو يستحق أكثر من ذلك. بالمناسبة، مادمت تشعر بألم في ساقك، فلا تفكر في قيادة السيارة ومدحت سيقود لك من الآن فصاعداً حتى نجد حلاً لموضوع قدمك."
قال مازن: "حسناً أبي، سأفعل ما تريده مني. لا تقلق. يا مدحت، ستقود أنت وأركب أنا وخطيبتي في الكرسي الخلفي."
يركب الجميع السيارة ويقود مدحت نحو العنوان الذي أخبرته به ريماس.
قال مازن: "حياتي، بعد أن تصلي لغرفتك وتبدلي ملابسك لتنامي، اتصلي بي لتكوني آخر شخص أسمع صوته وآخر شخص أراه قبل نومي لأحلم بك أحلاماً جميلة."
يبلغ مدحت ريقه بينما يقود ثم يقول: "احم احم، لا تنسى أنني معكم في السيارة."
قال مازن: "أنت صديقي المقرب ولن تفشي سرنا بالتأكيد."
قالت ريماس: "مدحت معه حق، هذا الحديث يخجلني وسابق لأوانه."
قال مازن: "حسناً، سأسكت لسبب واحد، لأننا وصلنا."
"ما رأيك أن آخذ قبلة صغيرة؟"
وقبل أن ترد ريماس عليه بلا، يقبلها في خدها بسرعة.
فتفتح ريماس الباب وتجري نحو منزلهم.
بينما يشعر مدحت بالغيرة: "أليس ما تفعله خطأ؟ المفترض أن تحافظ عليها."
قال مازن: "بعد أيام ستصبح زوجتي، فما المانع من بعض التشويق؟"
قال مدحت: "هذا لا يجوز."
وقبل أن يكمل حديثه، ينزل مازن من السيارة.
"هيا انزل، سأقود أنا."
قال مدحت: "لقد أوصاني والدك أن أقود أنا، ربما يحدث لك شد عضلي أثناء القيادة كما حدث منذ قليل."
قال مازن: "لا تقلق، لم يحدث لي أبداً وأنا أقود."
ينزل مدحت ويركب مازن خلف المقود.
بينما يركب مدحت بجواره ولكنه يقود بسرعة كبيرة.
قال مدحت: "لو سمحت، هدئ السرعة فالشارع مزدحم."
قال مازن: "لقد اشتقت للحرية، فأنا كنت محتجزاً منذ شهر في ذلك المصح وأريد أن أتنفس الهواء الطلق."
قال مدحت: "لو سمحت مازن، اخفض السرعة قليلاً، أو أتركني لأقود أنا."
قال مازن: "لا أستطيع، فلقد حدث لي شد عضلي ولا أستطيع رفع قدمي من على دواسة البنزين."
قال مدحت: "سأنزل للدواسة وأحاول أن أرفعها لك بالتدريج."
قال مازن: "حسناً، حاول ولكن بسرعة، فهناك سيارة تتجه نحونا."
وبينما ينزل مدحت في الدواسة ليحرك قدم مازن، تصطدم سيارة مازن بالسيارة الأخرى وتنقلب السيارة عدة مرات.
يتجمع المارة حول السيارة ويقولون: "هناك شابين في السيارة، اخرجوهم بسرعة قبل أن تنفجر."
يخرج المارة الشابين وينقلونهم بعيداً عن السيارة التي انفجرت بالفعل.
بعد دقائق قليلة، قال أحد المارة: "ابتعدوا عن المصابين، أنا طبيب."
ثم يكشف عليهم، ثم يقول: "للأسف، أحد الشابين قد توفي، والثاني حالته حرجة وربما سوف يموت الآن."
رواية شجن الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم Lehcen Tetouani
يتجمع الناس حول الحادث. وعندما يكشف الطبيب على الشابين، يخبرهم أن أحدهم قد توفي والثاني حالته حرجة. ثم تأتي سيارة الإسعاف لتحملهم للمشفى.
في الفيلا، بعد انتهاء حفل عيد ميلاد مازن، يودع مجد وشجن المدعوين. ثم يلتفت مجد نحو شجن قائلاً:
"هيا بنا حياتي، لننام فقد سهرنا كثيراً الليلة وأنا غير معتاد على السهر."
قالت شجن:
"لن أنام حتى يعود مازن، فأنا أشعر بانقباض في قلبي ولا أعرف السبب."
قال مجد:
"حياتي، هو معتاد على السهر واليوم بالذات مدحت معه وهو من يقود له السيارة، فلا تقلقي."
يتلقى هاتف مجد اتصالاً. فينظر في الهاتف فيجد مازن يتصل. فيقول لشجن:
"ها هو مازن يتصل ليطمئن قلبك حبيبتي."
"ألو، أسرع سيد مازن، والدتك..."
وقبل أن يكمل مجد حديثه، يرد أحدهم من الطرف الآخر:
"معذرة سيدي، أنا لست مازن وصاحب هذا الهاتف في المشفى. ونحن اتصلنا بك لأنه مكتوب 'والدي' أمام اسمك."
قال مجد:
"أي مستشفى؟"
قالت شجن:
"ماذا حدث لابني؟"
قال مجد:
"انتظري شجن، لو سمحتِ لأفهم. ثم يتابع حديثه في الهاتف: لو سمحت، أرسل لي عنوان المشفى في رسالة نصية."
ثم يغلق الهاتف.
قالت شجن:
"طمني، ماذا حدث؟ هل حدث شيء لابني؟"
قال مجد:
"لا أعرف. انتظري هنا وسأذهب للمشفى وأعرف ما حدث وأطمئنك من هناك."
قالت شجن:
"لا، لن تذهب بدوني."
قال مجد:
"هيا بنا."
قالت الجدة:
"حبيبة، انتظروا. خذوني معكم وسنأخذ أهداب معنا أيضاً حتى تساعدنا لو احتجنا شيئاً هناك، فهي طبيبة وتستطيع أن تساعدنا."
قال مجد:
"معك حق. حالما أجهز السيارة، نادي عليها."
تذهب حبيبة نحو الاستراحة بسرعة وتدق الباب:
"افتحي اهداب."
قالت اهداب:
"هل تريدين شيئاً سيدة حبيبة؟"
قالت حبيبة:
"جيد أنك لم تبدلي ملابسك، هيا تعالي معنا بسرعة، فمازن تعرض لحادث. أسرعي يا بنتي."
قالت اهداب:
"ولكن أمي ما تزال عندكم في المطبخ ولا تعلم أنني سأخرج."
قالت حبيبة:
"سأترك لها خبراً مع الحارس بأننا خرجنا وأخذناك معنا. هيا أسرعي."
وبينما يتجهون جميعاً نحو السيارة، تنظر حبيبة من الشباك نحو الحارس:
"أخبر سعدات أننا خرجنا وأخذنا اهداب معنا للمشفى."
يركب الجميع السيارة ويتوجهون نحو المشفى. وبعد أن يصلوا إلى هناك ويدخلون للاستقبال، قال مجد:
"اذهبي أنتِ يا أهداب لتسألي أين نجده وأخبرينا بما يحدث."
تجري أهداب نحو الاستقبال وتأخذ بعض البيانات ثم تعود إليهم. قال مجد:
"بماذا أخبروك؟"
قالت أهداب:
"قالوا أن السيارة التي تعرضت للحادث كان بها شبان، أحدهما في غرفة العمليات والآخر في المشرحة وهو يجهز ليتم تغسيله."
بعد أن سمعت شجن ذلك، يغشى عليها وتوشك أن تسقط أرضاً، ولكن مجد يمسك بها ويحملها.
قالت أهداب:
"تعالي معي لهذه الغرفة، فهي غرفة الطوارئ. هيا ضعها هنا على هذا السرير وسأقيس لها الضغط."
قالت حبيبة:
"أفيقي يا ابنتي، أنا واثقة أن مازن هو الموجود في غرفة العمليات."
تقوم أهداب بإسعاف شجن وتقول لنفسها:
"بالتأكيد سيطلبون الحمض النووي لفحص الضحية لو كانت مشوهة، سآخذه بالمرة دون أن تعلم حتى لا تنهار نفسيتها أكثر."
بعد لحظات، تستفيق شجن وهي فزعة:
"ابني، أحضروا لي ابني."
تضمها حبيبة:
"ابنك بخير، لا تقلقي، أنا واثقة من ذلك."
قالت أهداب وهي تحاول حبس دموعها:
"تعالي معي سيد مجد، سنذهب للمشرحة لنتعرف على الجثة."
وفي طريقهم للمشرحة، قالت اهداب:
"انتظرني لحظة واحدة سيد مجد، أدخل لغرفة التحاليل."
ثم تنظر أهداب لطبيبة التحاليل قائلة:
"أنفال، خذي هذه العينة وطابقيها بالعينة التي سأرسلها لك بعد قليل."
قالت أنفال:
"حسناً، سأجهزها لك سريعاً، فقد أحضروا جهازاً جديداً يطابق البصمة الوراثية في دقائق."
قالت اهداب:
"حسناً، عندما أرسل لك العينة وتظهر النتيجة النهائية، أرسليها لي في رسالة نصية بالإذن منك."
يذهب مجد مع أهداب ويدخلان للمشرحة فيجدان جثة مغطاة بقماش أبيض. يرفع مجد الغطاء عن وجه الجثة ببطء. ثم يرى وجهه فيجلس على الأرض ويبكي:
"ابني الوحيد، لا لا لا لا لا لا."
بينما يتصل هاتف أهداب، التي بدأت تبكي متأثرة بالمشهد.
"ألو، نعم أمي، هل أخبرك الحارس أنني ذهبت مع السيد مجد وعائلته؟"
قالت سعدات:
"نعم يا ابنتي، أخبرني أنكم خرجتم في مشوار."
قالت اهداب:
"حسناً، هل تريدين شيئاً فأنا مشغولة جداً؟"
قالت سعدات:
"لا يا ابنتي، لا أريد شيئاً. أنا أتصل لسبب آخر، فأخوكِ خرج مع مازن منذ ساعتين ولم يرجع حتى الآن."
قالت اهداب:
"متى حدث ذلك؟ أليس من المفترض أنه ذهب ليساعدك في أرجاع صواني الضيافة للمطبخ؟"
قالت سعدات:
"فعلاً كان ينقل معي الصواني والأطباق، ولكن عندما أرادت ريماس أن تغادر، نادى مازن عليه ليقود له السيارة لأن قدمه تؤلمه. وعندما تأخر، اتصلت به حتى أطمئن عليه، فوجدت هاتفه ما يزال في غرفته ويبدو أنه نسيه. وأريدك أن تتصلي به على هاتف مازن وقولي له بألا يتأخر، فأنا لا أعرف الرقم وإلا كنت اتصلت بنفسي."
قالت اهداب بتوتر:
"حسناً أمي، أغلقي الآن لأنهم يطلبونني في المشفى وسأحاول أن أعرف رقم مازن وأتصل به."
ثم تغلق الهاتف وتبكي بصوت مرتفع.
يقف مجد ويقول:
"ماذا حدث؟"
قالت أهداب:
"أمي أخبرتني أن مدحت كان مع مازن في السيارة، أي أن هذا الجسد الذي أمامنا قد يكون جسد أخي مدحت. أنا لا أصدق."
قال مجد:
"أنا أعرف منذ البداية أنه معه، ولكن عندما دخلت للمشرحة ورأيت الجسمان، شعرت بأنه مازن ابني. لو تركوا ثيابه لعرفته من خلالها، ولكنهم نزعوها وإلا كنا عرفناه."
قالت أهداب:
"ولكننا نستطيع أن نعرف من يكون الشخص الذي في العمليات من خلال متعلقاته الشخصية، فهم يخلعون عنه كل شيء ويضعونه في غرفة الفحص. هيا سنذهب لنعرف الحقيقة."
قال مجد:
"قبل أن نخرج من هنا، يجب أن تعرفي أن مدحت مثل ابني تماماً، لذا لا أستطيع حتى أن أدعو أن يكون الناجي هو ابني مازن، لأن هذا سيحرق قلب أم أخرى وهي أمك. ولكن شجن عندها مرض بالقلب، وحتى لو ظهر أن الشخص الذي على قيد الحياة هو مدحت، فلن نخبرها بالحقيقة وسنقول لها أنه مازن حتى لا تنهار."
قالت أهداب:
"فهمت سيد مجد. تعالى معي لنأخذ متعلقات الشخص الناجي ونفحصها لنعرف من خلالها من يكون. وزيادة تأكيد، سآخذ حمضه النووي لنطابقه بحمضك النووي أو حمض مدام شجن."
قال مجد:
"أفضل أن تطابقي العينة مع والدته وليس معي."
قالت أهداب:
"أنا أخذت عينة من مدام شجن بالفعل، لذا سأتركك لحظة وأحضر عينة من غرفة العمليات بغض النظر عمن يكون، ونطبقها بحمضها. انتظرني لحظات فقط."
يجلس مجد وتعود به الذاكرة للماضي.
"أنا أعرف أن أحدكم ستتطابق عينته مع شجن، لأنني أعرف الحقيقة كلها."
فلاش للخلف قبل خمسة وعشرين عاماً، عندما ذهب مجد لخطبة شجن وجلس معها في الغرفة، سمعت حبيبة شجن تتكلم معه بصوت مرتفع وخلفت أن ترفض الزواج. فذهبت إليهم وقطعت حديثهم وطلبت من مجد أن تتكلم معه على انفراد. ثم يخرجان من غرفة شجن ويجلسان في غرفة المعيشة.
قالت حبيبة:
"أنت طلبت ابنتي للزواج، ولكن هناك أمران يجب أن تعرفهما."
قال مجد:
"مهما كان الأمران، سأظل متمسكاً بشجن."
قالت حبيبة:
"شجن لن تستطيع الإنجاب لأن لديها مشكلة في الرحم وتم إزالته."
قال مجد:
"لا يهم، أنا أيضاً لن أنجب لأسباب صحية."
ثم يقول لنفسه: "أنا أستطيع الإنجاب، ولكن لن أستطيع أن أقول الحقيقة، فهناك دين علي دفعه لشجن."
قالت حبيبة:
"هناك أمر آخر قد يجعلك تتركها، ولكني لن أخفيه عنك، فقد رأيت كم تحب ابنتي وتهتم بها. شجن تعرضت للاعتداء من شخص معدوم الضمير منذ عام تقريباً."
يسكت مجد.
قالت حبيبة:
"لماذا سكت؟ هل ستقبل بالزواج منها الآن، أم ندمت على طلبك؟"
قال مجد:
"لقد أخبرتني شجن بكل شيء منذ قليل، وأنا قبلت الارتباط بها، فما حدث معها ليس ذنبها، لقد كانت صغيرة وتم الإيقاع بها."
قالت حبيبة:
"شكراً لك بني، أنت شخص نادر الوجود."
قال مجد لنفسه:
"بل أخبرتني بأكثر من ذلك، فأنت تخفين عني سراً آخر يا سيدة حبيبة، ولكن لا أستطيع أن أخبرك أن شجن أخبرتني بالحقيقة كلها وأنها أنجبت ثلاثة أطفال وأنك أخذتيهم منها، ولكني سأبحث في الأمر، ربما أعرف أين أخفيتهم."
فلاش للأمام. قال مجد لنفسه:
"وقد بحثت في كل مكان ولم أعثر إلا الطفل الوحيد الذي تركته أمام دار الأيتام وطلبت منك أن تتبناه حتى أعيده لحضن أمه، لذا لو العينة متطابقة، فهذا يعني أنه مازن. سأذهب لأطمئن على شجن فقد تأخرت أهداب داخل غرفة العمليات."
رواية شجن الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم Lehcen Tetouani
ذهب مجد وانتظر أمام غرفة العمليات مع شجن وحبيبة اللتين تبكيان بحرقة.
قالت شجن: "لقد ذهبت للمشرحة فماذا وجدت؟"
قال مجد: "الجثمان غير واضح المعالم، ولكني أظنه مدحت. فقد سألت القائم على المشرحة عمن كان يقود السيارة، فأخبرني أن الجثمان الذي هناك هو الذي كان خلف المقود، وأن حزام الأمان لم يفتح، لذلك توفي السائق. لذلك استنتجت أن الذي توفي هو مدحت لأنه كان هو من يقود السيارة."
قالت شجن: "أدعو أن يكون مازن على قيد الحياة، فأنا سأموت لو حدث له شيء."
رفعت حبيبة يديها بالدعاء.
أتت أهداب نحوهن، وهي تقدم قدمًا وتؤخر أخرى، وعيناها مليئة بالدموع.
قال مجد: "هل أحضرت المتعلقات يا ابنتي؟"
قالت أهداب لمجد: "لقد قاموا بتمزيق ثيابه ليدخلوه العمليات بسرعة، واختلطت مع ثياب المتوفى، ولم يتبق معه إلا هذه."
مدت أهداب يدها لمجد، وقالت: "هذه الساعة كانت في يده."
قالت شجن: "في يد من؟ تكلمي، الذي في العمليات أم المتوفى؟"
قالت أهداب: "مازن مازال حيًا، لأن من توفي هو الذي كان يقود السيارة، وهو أخي مدحت."
قالت شجن بسعادة: "الحمد لله، الحمد لله يا رب."
احتضنتها حبيبة وقالت: "الحمد لله أن مازن بخير."
انهارت أهداب فجأة وجلست على الأرض وهي تبكي.
تداركت شجن الأمر فجلست أمامها وضمتها قائلة: "أنا أعرف ما تشعرين به يا حبيبتي. لقد كنت أشعر به منذ دقائق. هو إحساس بشع لا يمكن وصفه أبدًا. أتمنى أن يعطيك الله الصبر لتتحمليه."
قالت أهداب: "كيف سأخبر أمي؟ لقد كان مدحت سندها الوحيد في هذا العالم وقد مات."
قال مجد: "السند هو الله يا ابنتي. نحن نحزن فقط لفقد أحبتنا لأننا لا نستطيع رؤيتهم مرة أخرى، وهذا الشيء الوحيد المؤلم في الأمر."
فتح باب غرفة العمليات وخرجت الممرضة وهي تجر عربة عليها المريض.
وقفت شجن وجرت نحوه: "كيف حال ابني؟"
قالت الممرضة: "لا أعرف سيدتي، فلو سمحت ابتعدي لنأخذه لغرفة العناية."
قالت شجن: "طبعًا، تفضلي."
ثم قبلت ابنها في جبينه: "الحمد لله على سلامتك يا حبيبي."
أخذت الممرضة المريض لغرفة العناية.
وقفت أهداب على قدميها وقالت: "سأدخل للطبيب وأطمئنكم عليه، فحياة مازن مهمة بالنسبة لي أيضًا لأنني سأرى أخي من خلاله."
ثم ذهبت للمشرحة أولاً، وأمسكت بيد أخيها وقبلتها.
"على أن آخذ عينة للحمض النووي لأخي، ربما نحتاجه يومًا ما."
ثم أخذت العينة وأعطتها لأنفال.
"لو سمحت يا أنفال، احتفظي بهذه عندك واكتبي عليها اسم أخي مدحت."
قالت أنفال: "حسنًا، سأفعل."
"بالمناسبة، خذي هذه نتيجة التحليل الذي أحضرته للسيدة شجن وابنها الذي في غرفة العمليات. العينتان متطابقتان."
أخذت أهداب الورقة ووضعتها في جيبها.
"لقد كان لدي أمل ألا تتطابق العينة، لذا أحضرت عينة أخي لأني كنت أشك أنه قد يكون مازن الذي توفي، ولكن الآن تبدد كل أمل."
قالت أنفال: "البقاء لله يا حبيبتي، هذه سنة الحياة."
قالت أهداب: "الحمد لله على كل شيء. سأذهب للطبيب الذي أجرى العملية لأسأله عن حالة مازن."
غابت أهداب لدقائق داخل غرفة الطبيب المعالج، ثم أتت لتخبر مجد وعائلته ما قاله لها.
يقول الطبيب الذي أجرى العملية إن مازن بخير.
"لقد تم إيقاف النزيف الداخلي، ولكن مازن دخل في غيبوبة مؤقتة."
قالت شجن بخوف: "ماذا يعني هذا الكلام؟ أنا لا أفهم."
قالت أهداب: "لا تخافي يا سيدة شجن. لقد تعرض مازن لارتجاج بسيط بالمخ، ولكنه سيفيق بعد فترة قصيرة. لا تقلقي."
ثم تهم أن تغادر، ولكنها تتذكر شيئًا.
"بالمناسبة، سيدة شجن، هذه نتيجة تحليل الـ DNA. لقد طلبت منهم عند دخولنا للمستشفى إجراء فحص له وأخذت منك العينة حين أغمي عليك لمطابقتها مع المريض الذي في غرفة العمليات."
فتحت شجن المغلف.
"نسبة التطابق مع الأم مائة في المائة."
قالت شجن: "الحمد لله يا رب. يجب أن أصلي لله شكرًا."
يدق هاتف أهداب. إنها أمي.
ثم ترد على الاتصال.
"ألو؟ أعرف أنك أتصلت لتسألي عن مدحت. هو سافر. يا أمي، سافر لمكان لن يعود منه أبدًا."
ثم تخنقها العبرة.
قالت سعدات بخوف: "ماذا حدث يا ابنتي؟ أين سافر مدحت دون أن يخبرني؟"
قالت أهداب: "مدحت توفي يا أمي."
ثم تنهار من البكاء، بينما تضمها حبيبة وتحاول أن تهدئها.
بينما يسقط الهاتف من يد سعدات وتجلس على كرسي خلفها.
"إنا لله وإنا إليه راجعون. يا رب صبرني على مصيبتي الثانية. لقد توفي ابني البكر وهو صغير، وقلت لنفسي لقد عوضني الله بمدحت ابني من الرضاعة بدلاً منه، وكان ابنًا حنونًا وبارًا بي، وقلت عندما أتقدم في العمر سأستند عليه، ولكني خسرته هو الآخر. ولكن لا أستطيع إلا أن أقول ما يرضي الله. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها."
ثم تذهب لتصلي وهي تبكي.
في اليوم التالي، بات مجد وشجن بجوار غرفة العناية المركزة حيث يوجد ابنهم.
قال مجد: "حبيبتي، يجب أن تعودي للبيت لتغيري ثياب الحفلة أنت والخالة حبيبة، فأنت تلبسينها من الأمس وهي غير مريحة."
قالت شجن: "لن أترك ابني وأذهب لأي مكان."
قال مجد: "لم أقل اتركيه، ستذهبين لتبدلي ثيابك ثم ستعودين."
قالت حبيبة: "مجد معه حق، فبقاؤنا في المستشفى لن يقدم أو يؤخر. هيا تعالي لنبدل ثيابنا ونأكل لقمة ونعود."
ثم غادرا.
بعد نصف ساعة، قال مجد: "أشعر أن رأسي يؤلمني. سأحضر كوب قهوة من مقصف المستشفى."
وبالفعل، يذهب ليحضر كوب القهوة.
وعندما يعود، يقف أمام غرفة العناية.
"أنا لا أرى مازن، أين أخذوه؟"
ثم تمر إحدى الممرضات من أمامه.
"لو سمحت، أين أخذوا ابني؟ لقد كان هنا منذ قليل."
قالت الممرضة: "لقد استفاق المريض منذ قليل، وأخرجناه من العناية الفائقة للغرفة التي حجزتها له حضرتك في القسم المميز، وأنا خرجت من عنده للتو."
قال مجد: "وكيف حاله الآن؟"
قالت الممرضة: "بأفضل حال. تستطيع أن تطمئن عليه بنفسك."
يجري مجد نحو الغرفة ويفتح الباب، فيجد ابنه يفتح عينيه.
فيشد الكرسي بجوار سرير ابنه ويجلس، ثم يمسك بيده.
"الحمد لله على سلامتك يا بني. ستفرح أمك كثيرًا عندما تعرف الخبر. سأتصل بها الآن."
ثم يقف ويخرج الهاتف من جيبه ليكلم زوجته.
ينادي المريض بصوت ضعيف: "سيد مجد، أين مازن؟ هل هو بخير؟"
يتسمر مجد مكانه ويسقط الهاتف من يده.
وقال: "ألست مازن يا ابني؟"
قال مدحت: "أنا مدحت، سيد مجد. ولكن مازن كان معي في السيارة وأصر على القيادة."
ينهار مجد من البكاء.
"هذا معناه أن مازن ابني توفي! آه يا ولدي، لقد دفناه أمس على أساس أنه..."
ثم يسكت.
قال مدحت: "على أساس أنه أنا، أليس كذلك؟"
يجلس مجد بجواره ويمسك بيده.
"آسف يا ابني، ولكنهم أخبرونا أن لي كان يقود هو، لي توفي، وكنت أظن أنت. ماذا حدث بالضبط؟"
قال مدحت: "لقد حدث له شد عضلي فجأة أثناء القيادة، ونزلت في الدواسة كي أضغط على الفرامل بيدي، وسمعته يقول لي: أسرع فقد ظهرت سيارة أمامنا. ولم أشعر بما حدث بعدها، وحدث ما حدث."
قال مجد وهو يبلغ ريقه بصعوبة: "قدر الله وما شاء فعل. ولكني أريد منك خدمة يا ابني، لو عرفت شجن بموت ابنها الوحيد قد يحدث لها شيء، فهي مريضة قلب. فأرجوك لا تخبرها. إنك مدحت، أنت مثلت علينا دور مازن من قبل وستكمل تمثيلك للدور أمام شجن حتى نجد حلاً."
قال مدحت: "ولكن هناك أم أخرى ستحزن على فقد ابنها. آسف، لا أستطيع أن أعيش حياة شخص آخر طوال عمري."
قال مجد: "السيدة سعدات صابرة على فقدك ورضيت بالأمر الواقع. ولو أردت أن تخبرها سراً بالأمر فليس هناك مشكلة. أرجوك يا ابني، أنت لن تخسر شيئًا. سيكون لديك شقة مازن الفخمة وسيارة أحدث موديل وعروس جميلة."
قال مدحت: "ولكني هكذا سأخدع ريماس وأهلها. هذا غش."
قال مجد: "لا، ليس غشًا أبدًا، فحتى لو تزوجتم ستعيش في نفس المستوى الذي كانت ستعيش فيه مع ابني، وستظل المدير التنفيذي للشركة كما كنت، وسأعطيك أحسن راتب في الشهر مقداره كذا وكذا. هل هذا يرضيك؟"
يبلع مدحت ريقه.
"دعني أفكر في الأمر."
قال مجد: "ليس هناك وقت للتفكير، فشجن على وشك الوصول، وعليك أن تقرر من ستكون، هل ستكون مازن الثري صاحب الأملاك، أم مدحت الفقير الذي لا يمتلك شيئًا. عليك أن تقرر الآن قبل أن تدخل علينا شجن."
وقبل أن يكمل حديثه، فتح باب الغرفة ودخلت شجن وهي سعيدة وتقول: "لقد أخبروني أن مازن قد استفاق."
وعندما رأت مدحت جالسًا على السرير، تسرعت نحوه.
"الحمد لله أنك بخير يا حبيبي."
ثم اتجهت نحوه وضمتها.
"لقد كدت أموت عندما عرفت الخبر، ولكن الآن ردت إلي روحي."
قال مجد: "دعيه يا شجن، فهو قد آفاق حديثًا."
ابتعدت شجن وجلست على كرسي بجواره.
"هل أنت بخير يا حبيبي؟ أم هناك شيء يؤلمك؟ هيا أخبرني."
قال مدحت: "الحمد لله، أشعر فقط ببعض الضغط على صدري، ولكنني بخير."
ثم نظر نحو الباب، فوجد سعدات وأهداب تدخلان من الباب.
قالت سعدات: "الحمد لله على سلامتك يا مازن. لقد طلبت من أهداب أن تحضرني حتى أطمئن عليك، فعندما أراك كأني أرى ابني مدحت رحمة الله عليه."
ثم جلست بجوار شجن.
قال مدحت لنفسه: "ماذا ستفعل الآن يا مدحت؟ هل ستختار أن تريح قلب شجن وهي أم شخص آخر على حساب قلب أمك؟ هيا قرر."
رواية شجن الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد يومين من الاحتفال بعيد ميلاد أيمن، قال له علاء:
"هل قرأت الخبر الذي نُشر على مواقع التواصل؟"
قال أيمن:
"أتقصد الحادث الذي تعرض له مازن؟"
قال علاء:
"أجل، فبصراحة هو يستحق ما حدث له، فمنذ أن ضايقك وأنا لا أطيقه."
قال أيمن:
"ولكن يا أبي، لا يجب أن نتمنى له السوء أو نفرح بما حدث معه لمجرد أنه ضايقني."
قال علاء:
"بصراحة، أمثاله يستحقون أن يختفوا من على الأرض كلها حتى تهدأ الأوضاع ويستقر المجتمع."
قال أيمن:
"مازن لديه أسرة وهو وحيد والديه، ولو حدث له شيء سيحزنون كثيراً بقدر حزنك علي لو حدث معي مكروه."
قال علاء:
"لا تقل ذلك، فأنا سأموت وقتها."
قال أيمن:
"لا تقل هذا يا أبي، أطال الله عمرك."
قال علاء:
"المهم، ماذا فعلت مع خطيبتك؟"
قال أيمن:
"كما أخبرتك، أنا اعتذرت من الفتاة وأخبرتها أنني أحب واحدة أخرى دون علم أمي ومرتبط بها. والحقيقة أن الفتاة كانت متفهمة جداً وتقبلت الأمر بهدوء، وأخبرتني أنها بعد فترة ستطلب من والديها فسخ الخطبة لأنها لا تتقبلني كزوج، ولو سألها أحد من أصدقائها أو عائلتها عن سبب فسخ الخطبة ستبرر ذلك أننا لم نتفق وانفصلنا."
قال علاء:
"وهل عرفت أمك بالأمر؟"
قال أيمن:
"لا، لم أخبرها حتى لا تبدأ رحلة البحث عن عروس من جديد."
قال علاء:
"هل مازلت مصمم على الزواج من أهداب؟"
قال أيمن:
"نعم، ولن أتزوج غيرها."
تدخل حسناء للغرفة وهي غاضبة وتقول لأيمن:
"وماذا لو عرفت أن أمها من أصحاب السوابق، هل ستظل مصمماً على رأيك؟"
قال أيمن لأمه:
"أمي، لقد أخبرتني أهداب بكل شيء. لقد تربت السيدة سعدات مع زوجة والدها ولم تدخل المدرسة، وبعد أن كبرت تزوجت من شاب يتيم ولكن توفي زوجها بعد ست سنوات من الزواج وكان لديها طفلين، وطردها صاحب العقار لأنها لا تدفع الإيجار، ولم تقبل زوجة أبيها أن تعطيها حقها في الميراث، ولم يكن لديها بيت ولا معاش لتأكل منه، فقد كان زوجها المرحوم على باب الله يعمل كأجير باليومية. فقامت إحدى الشحاتات واسمها عطيات بأخذها لبيتها مقابل أن تساعدها في التسول. ولكن بعد عام واحد تركتها سعدات وأبلغت عنها الشرطة لأنها بدأت تستغل أطفال الشوارع في أي أعمال مخالفة للقانون، وبالفعل تم القبض على عطيات وأفرج عن سعدات وأولادها لأنها شاهدة في القضية وليست متهمة. فلو سمحت لا تحاولي استغلال الماضي لصالحك."
قال علاء:
"يكفي شجاراً مع أمك، وهيا بنا نذهب للقسم، فاليوم سيتم تكريمي لبلوغي سن المعاش."
قالت حسناء:
"لماذا لم تخبرني؟ أنا لدي موعد الآن في الجمعية الخيرية وسألقي كلمة."
قال علاء:
"اذهبي لجمعيتك كما خططت، فلا داعي لحضورك معنا، فهي حفلة رجالية ولن تكوني سعيدة هناك."
قالت حسناء:
"حسناً، سأذهب لأستعد."
قال علاء:
"ونحن أيضاً سنخرج، هل ننتظرك؟"
قالت حسناء:
"لا، سأذهب بسيارتي، فأمامي الكثير من الوقت لأستعد وأنت لا تحب الانتظار."
قال علاء:
"فعلاً، لن أنتظر، فأمامنا نصف ساعة فقط وتبدأ الحفلة ولا يجوز أن أتأخر، والحفلة أقيمت لي."
خرج علاء مع ابنه أيمن وتوجها لمقر الحفلة. وبعد أن انتهت الحفلة، عادا مرة أخرى للبيت. وفي الطريق، شعر علاء بالتعب.
قال علاء:
"لو سمحت يا بني، خذني للمشفى حالاً، أشعر بألم شديد."
نظر إليه أيمن فوجده يتعرق بشكل كبير.
"ما بك يا أبي؟"
قال علاء:
"لا أدري، أنا متعب جداً."
قاد أيمن نحو المشفى بسرعة. وعندما وصل، اتصل بأهداب.
"لو سمحت دكتورة، أبي يتعرق كثيراً ويشعر بدوار. إلى أي قسم أخذه؟"
قالت أهداب:
"اذهب به إلى قسم الأشعة ريثما ألحق بك، فأنا في طريقي للمشفى وأوشكت على الوصول."
بعد دقائق، خارج غرفة الأشعة، رأى أيمن أهداب قادمة.
"أبي في الداخل الآن."
قالت أهداب:
"سأدخل لأعرف ما يحدث وأخبرك."
ثم خرجت بعد دقائق.
"لقد تم عمل الأشعة ولكنه يعاني من فقر الدم المنجلي وهو مرض وراثي."
قال أيمن:
"وكيف نعالجه؟"
قالت أهداب:
"سأخبرك بكل ما هو متبع، ولكن عليك أنت أيضاً أن تجري التحليل حتى يمكنك اكتشاف المرض لأنه مرض وراثي كما أخبرتك."
قال أيمن:
"شكراً أهداب على المساعدة."
قالت أهداب:
"لا شكر على واجب، فهذا عملي. والآن ريثما يخرج والدك من غرفة الفحص، تعالى نأخذ منك مسحة ونقارنها بمساحة والدك لتبدأ العلاج المبكر."
ذهب أيمن مع أهداب لأخذ العينات، ثم غادر أيمن المشفى مع والده نحو منزلهم.
بعد ساعتين، أخذت أهداب نتيجة عينة أيمن التي جهزها معمل التحليل، حيث قارنوا عينته بعينة والده. ونظرت فيها.
"ماهذا؟ لا يوجد تطابق بين عينة أيمن ووالده ولو بنسبة ضئيلة. وهذا يعني شيئاً واحداً، أن علاء ليس والد أيمن. يا ل الألم. أصبت. كيف أخبره بذلك؟"
في المستشفى، نظر مجد نحو مدحت منتظراً أن يقرر من سيكون أمام شجن، مازن أم مدحت. بينما مدحت غارق في التفكير، هل سيختار أمه الحقيقة أم يكسر قلب أمه من أجل ألا تحزن شجن. ثم أتته نوبة من السعال. فأعطاه مجد كوب ماء ونظر في عينيه كأنه يترجاه. وقبل أن يشرب مدحت كوب الماء، تكلمت سعدات قائلة:
"تعرف مازن، أنت تشبه ابني مدحت كثيراً، وكأنك هو، لدرجة أنني كنت أقول لنفسي ربما يكون أخوك التوأم."
قالت شجن باستغراب:
"كيف يكون مدحت أخو مازن التوأم وهو ابنك وأصغر من مازن بعام؟"
قالت سعدات:
"أنا لم أتحدث سابقاً في هذا الموضوع خوفاً على مشاعر مدحت. والحقيقة أن مدحت ابني ولكن من الرضاعة فقط. فقد وجدته وحيداً ذات يوم وأرضعته مع أهداب ابنتي، ولكن أمه الحقيقة لا أحد يعلم عنها شيئاً."
سعل مدحت بشدة بعد أن شرب رشفة الماء.
قالت شجن:
"على مهلك حبيبي."
قال مدحت:
"أنا بخير. أكملي يا خالة سعدات، أين وجدت مدحت؟"
قالت سعدات:
"لن تصدق، لقد أحضرته السيدة التي كنت أعمل عندها وقالت إنها وجدته بجوار أحد صناديق القمامة وأخذته."
قالت شجن لنفسها:
"مستحيل، هل يعقل أن مدحت ابني وكان أمامي طوال الوقت ولم أعرفه؟"
قال مدحت:
"هذا يعني شيئاً واحداً. أقصد مدحت ابن خطيئة."
قالت شجن:
"لا تحكم على أحد حكماً مسبقاً يا بني، فهناك من يتخلون عن أولادهم لضيق الحال أو التعرض للاغتصاب." ثم سكتت.
قال مدحت في نفسه:
"هل عشت حياتي كلها كذبة؟ أهلي، ذكرياتي، كل شيء فيها ليس حقيقياً، حتى أمي وأختي. من أكون أنا إذا؟"
قالت شجن:
"لو سمحت يا سعدات، هل تذكرين الليلة التي وجدتم فيها مدحت؟ هل كان يوم الخميس بعد العصر مثلاً؟"
قالت سعدات:
"للأسف، مدام أنا كبيرة في السن ولا أتذكر هذه التفاصيل، فقد مر عليها زمن طويل، ولكن أعتقد أنه كان قرابة المغرب بالفعل، ولكني لا أذكر اليوم بالضبط."
قال مدحت لنفسه:
"كل شيء انتهى الآن، ولم يعد هناك ما أتمسك به، فأمي التي أخاف عليها ليست أمي. وما دام هذا ماضي قد انتهى، فعلي أن أختار مستقبلي بنفسي."
ثم وجه حديثه لسعدات:
"خالتي سعدات، أنا آسف أنك فقدت ابنك."
نظر مجد في عينيه وابتسم، بينما أغمض مدحت عينيه.
قالت شجن:
"هي لم تفتقد ابنها لأنها ستراه في وجهك كل يوم."
ثم قالت لنفسها:
"ولكن يبدو أنني من فقدت ابني وحرمت منه قبل أن نتعرف على بعضنا."
ثم نزلت دمعة من عيونها.
رواية شجن الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم Lehcen Tetouani
يطرق الباب وتدخل ريماس ووالدها للغرفة التي يوجد فيها مدحت.
قال عثمان، والد ريماس:
الحمد لله على سلامتك يا بني. لقد عرفنا الخبر من الصحافة، لماذا لم تخبرنا؟ سيد مجد، لقد انزعجنا كثيرا أنا وريماس وحاولنا الاتصال بكم، لكن هواتفكم مغلقة.
قال مجد:
تفضل أولاً، اجلس. وأنت وريماس، هيا سلّمي على خطيبك يا ابنتي.
تذهب ريماس لتسلم على مدحت، فيسلم عليها وهو ينظر للأرض. ثم تجلس بجانبه.
قال عثمان:
أنا غاضب منك سيد مجد، لأنك لم تتصل بي. على الأقل كنت وقفت معكم، فبيننا صهر الآن.
قال مجد:
لقد كان الحادث كبيراً وتوفي فيه مدحت، مدير مكتبي. وكنت في حالة لا تسمح لي بالتفكير. ثم نفذ شحن هاتفي أنا وشجن، لأننا بقينا في المشفى طوال الليل. وأنا فعلاً أعتذر منك يا صديقي.
قال عثمان:
لا تعتذر، أنا كنت أريد أن أساندك في محنتك فقط.
قالت سعدات:
أنا سأنصرف الآن، فقد اطمئننت على مازن.
ثم تسلم على مدحت، الذي تنزل دموعه فيمسحها بيده.
قالت سعدات:
أنا آسف لما حدث، لم يكن الذنب ذنبي. لقد طلبت منه أن أقود أنا السيارة، ولكنه أصر على القيادة. سامحيني لأنك فقدت ابنك.
قالت سعدات:
أعرف يا ولدي، أنه لا ذنب لك. فالحذر لا ينجي من القدر. وأنت أيضاً ابني، وسأظل أرى مدحت في وجهك حتى أموت. بالإذن منكم.
تسلم سعدات عليه لتنصرف.
بينما تخرج سعدات من الغرفة، ينظر إليها مدحت بتقبيل يدها كما تعود، ولكنه يتراجع حتى لا يكشف أمره أحد.
قال مجد:
تعالى عثمان وأنت وشجن، لنشرب كوبا من الشاي في المقصف، بينما يتحدث الخطيبان مع بعضهما قليلاً.
يخرج الجميع وتظل ريماس مع مدحت.
قالت ريماس:
كيف حالك الآن؟
قال مدحت:
لست بخير، فكل شيء خطأ وحياتي كلها أصبحت رأساً على عقب.
قالت ريماس:
على العكس، حياتك أصبحت تسير في مسارها الصحيح، وستأخذ ما تستحقه منها.
قال مدحت:
ما أخذه ليس من حقي؟
قالت ريماس:
بل من حقك سيد مدحت.
يُصدم مدحت وينظر في عيونها قائلاً:
كيف عرفتِ؟
قالت ريماس:
بمجرد أن رأيتك وتأكدت عندما اقتربت منك لأسلم عليك. وعندها نظرت في الأرض ولم تنظر في عيني كما كان يفعل مازن. كما أنك لم تمسك يدي بقوة عندما سلمت عليك كما كان يفعل هو. بل على العكس، لم تكد يدك تلمس يدي حتى. وعندما جاءت الخالة سعدات تسلم عليك، ملت برأسك، وكنت على وشك تقبيل يدها، ولكنك تراجعت بسرعة. ومازن لا يمكن أن يفعل ذلك أبداً.
قال مدحت:
لا تفهميني خطأ، أنا لا أحاول انتحال شخصية مازن. كل ما في الأمر أن السيد مجد طلب مني أن أمثل دور ابنه، لأن مدام شجن مريضة قلب ويخاف عليها من الصدمة. لذا اضطررت لمجاراته، وخصوصاً بعد أن عرفت أن المرأة التي عشت في بيتها طوال حياتي كلها ليست أمي.
قالت ريماس:
لقد فعلت الصواب، ولن ألومك أبداً، ولن أخبر أحداً بهذه القصة.
قال مدحت:
أنت تعرفين الحقيقة الآن، ولديك الحق في عدم إتمام ذلك الزواج، فأنا لست الشخص الذي خطبك، ولست من مستواك الاجتماعي.
قالت ريماس:
على العكس، قبل موت مازن كنت أفكر في فسخ الخطبة، لأنه ليس الشخص المناسب بالنسبة لي. أما أنت، فعلى العكس تماماً. أنا أرتاح لك، وأعتقد أنك أنسب شخص من وجهة نظري. لقد عملت معك لشهرين، وكل طباعك تعجبني، حتى نظرات عيونك الخجولة عندما تنظر إلي.
قال مدحت:
هل أنت متأكدة من قرارك؟ فهذا زواج سيستمر طوال العمر، وليس شراكة يمكن إنهائها في أي وقت.
قالت ريماس:
نعم، متأكدة من مشاعري تجاهك تماماً. ولن أتركك حتى لو حاولت أنت فعل ذلك، فلن أعطيك الفرصة.
ثم تبتسم.
قال مدحت:
هذا من دواعي سروري، لأني لن أتحمل أن تتركيني.
قالت ريماس:
هناك نصيحة، أرجو أن تنفذها. لو ظللت تنظر لشجن تلك النظرات الحزينة، ستكشفك بسهولة. فمازن ينظر للشخص في عينيه وكأنه يتحداه.
قال مدحت:
معك حق. لقد قالت لي مدام شجن ذلك من قبل، وأن الشيء الوحيد الذي يميز مازن عني هي نظرة التحدي. لذلك أحاول أن أقلده حتى لا تكشف أمري. ولكن في نفس الوقت، سأبحث عن أهلي حتى أجدهم.
قالت ريماس:
النبش في الماضي قد يؤلمك. لقد منحك الله حياة جديدة جميلة، فحاول الاستمتاع بها فقط.
قال مدحت:
ولكن هذه الحياة الجميلة لن تنسيني نفسي وحقيقتي المجهولة.
قالت ريماس:
على كلا، أنا معك وسأسندك في كل شيء.
قال مدحت:
شكرا ريماس.
في منزل مجد، تعود سعدات مع ابنتها أهداب للمنزل.
قالت أهداب:
سأعدّ العشاء يا أمي.
قالت سعدات:
لا، أنا طهوت الطعام بالفعل، وعملت كل الأصناف التي يحبها مدحت ليأكل منها عندما يعود من المشفى.
قالت أهداب:
ما بك يا أمي؟ ما الذي تقولينه؟ أعرف أن الأمر صعب عليك، فقد فقدت ابنك الوحيد، ولكن عليك تقبل الحقيقة. فالذي في المشفى هو مازن وليس مدحت أخي، فأخي لن يعود أبداً.
ثم تنزل دموعها.
قالت سعدات:
امسحي دموعك يا ابنتي. الذي في المستشفى هو أخوك مدحت وليس مازن كما تظنين. وهذه هي الحقيقة الوحيدة. وبالمناسبة، كان على وشك أن يعترف بذلك، ولكني منعته عندما أخبرته بحقيقة أنه ليس ابني.
قالت أهداب:
بكل المقاييس، ما قلتيه مستحيل. لا يمكن أن يكون الشخص الذي في المستشفى هو أخي.
قالت سعدات:
قد يختلط عليك الأمر بين مدحت ومازن، ولكنّه ربيبي وتربى في حجري. ولو اختلط الأمر على الجميع، فلن يختلط علي. ولو أخفى عن الجميع أنه مدحت، لن يستطيع إخفاء الأمر عني.
قالت أهداب:
أمي، تحليل البنوة بين مازن وشجن أعطى نسبة تطابق تسعة وتسعين في المئة.
قالت سعدات:
أنا واثقة أنه مدحت. ولكن وجود التطابق يعني شيئاً واحداً فقط، أن مدحت الأخ التوأم لمازن.
قالت أهداب:
ما الذي يحدث؟ هل أنا في حلم؟ أخي يظهر فجأة أنه ليس أخي، وقد يكون ابن الأسرة الغنية التي تعملين لديها.
قالت سعدات:
عندما أحضرت عطيات مدحت، أخوك، كنتم صغاراً جداً، فقد كان عندك أقل من عام، وكان هو ابن يوم واحد. لذلك لا تذكرين شيئاً. وأنا لم أخبركم حتى لا يشعر مدحت بالنقص أو اليتم. ولكني أخبرته اليوم حتى يعيش حياته كباقي الشباب، ويتزوج من الفتاة التي يحبها. فقد ضحى طوال حياته، ووقف بجانبي، وساعدك في دفع مصاريف جامعتك حتى تخرجت. وعليه أن ينظر لنفسه قليلاً. فأنت ستتزوجين في أقرب فرصة، وهكذا يكون دوري قد انتهى وسأتقاعد بعدها. فقد انتهت رسالتي.
قالت أهداب:
ولكن هناك شيء آخر يشغل بالي. فليس مدحت وحده من ستتغير حياته، بل هناك شخص آخر.
قالت سعدات:
من هو يا ابنتي؟
قالت أهداب:
أيمن. أجري تحليلاً لمرض وراثي، وكانت المفاجأة أن جيناته ليست متطابقة مع جينات والده. هل يعقل أن والدته كانت تخون زوجها؟
قالت سعدات:
هذا قذف يا ابنتي، ونحن لن نظلم أحداً. فهناك أشياء كثيرة غير الخيانة تؤدي لنفس النتيجة. قد تكون حسناء تزوجت قبل علاء وأنجبت أيمن. وقد يكون أيمن مثل مدحت متبنى. وحتى تعرفي الحقيقة، يجب أن تجري التحليل على حسناء وأيمن أيضاً.
قالت أهداب:
على رأيك، إن بعض الظن إثم. سأحاول أن أجري تحليلاً آخر لأعرف الحقيقة.
قالت سعدات:
وهناك شيء يا ابنتي، لو اكتشفت شيئاً، فلا تخبري أيمن. فلن يكون سعيداً بمعرفة الحقيقة. اتركه يعيش وسط عائلته التي تربى بينها ويحبها. هيا، كفاك ثرثرة وتعالى لتأكلي.
قالت أهداب:
حسناً يا أمي، هيا بنا نأكل.
في اليوم التالي، قالت سعدات:
تعالي لتأكلي يا ابنتي، فقد يتصلون بك في أي وقت من المشفى ويطلبون منك الحضور كالعادة.
قالت أهداب:
أنا قادمة يا أمي.
وبمجرد أن تجلس على كرسي الطعام، يدق هاتف أهداب فترد عليه قائلة:
حسناً، نصف ساعة وأكون عندكم.
ثم تغلق الهاتف.
قالت أهداب:
يبدو أن كلامك صحيح يا أمي. لقد اتصلوا بي فعلاً.
قالت سعدات:
لن تذهبي حتى تأكلي، وسأجهز لك علبة طعام لتعطيها لمدحت، ولكن لا تشعريه بأنك تعرفين الحقيقة حتى لا يشعر بالحرج.
قالت أهداب:
حسناً يا أمي.
علم ونفذ.
تخرج حسناء وهي تقول لنفسها:
أمامي قضية أخرى علي حلها. يجب أن أعرف موضوع أيمن هو الآخر.
رواية شجن الفصل الأربعون 40 - بقلم Lehcen Tetouani
في غرفة الكشف، قال الطبيب:
سيد علاء، ستظل معنا للغد لنضع لك بروتوكول العلاج.
قال علاء:
ألا يمكن أن أغادر وأحضر غداً؟ فأنا أرتاح أكثر في منزلي.
قال الطبيب:
للأسف، هناك بعض التحاليل المخبرية يجب أن تجرى على مدار اليوم. وعندما تنتهي سنسمح لك بالخروج، لا تقلق.
قال علاء:
أمري لله. سأفعل.
ثم قال الطبيب لأهداب:
أنت دوامك يبدأ من صباح اليوم حتى صباح الغد. فتابعي حالته، فهو صديقي المقرب ولا أريد أن يشعر بالتقصير.
قالت أهداب:
حسناً، لا تقلق. سأمر عليه كل فترة وأطمئن. إن كان يريد شيئاً سأبلغك فوراً.
يخرج الطبيب من الغرفة، بينما تقول أهداب لأيمن:
والآن سيد أيمن، اذهب واحضر كوباً من العصير الطازج لوالدك قبل أن يصوم من أجل إجراء التحاليل القادمة.
قال أيمن:
طبعاً، طبعاً. سأذهب وأحضره حالاً. بالمناسبة، قبل أن أذهب، هل ظهر التحليل الذي قمت به أمس دكتورة أهداب؟
قالت أهداب:
نعم، ظهر وهو سليم تماماً. فلا تقلق، فقد كنت من القلة المحظوظة والمرض لم ينتقل لك عبر الجينات.
قال علاء:
عن أي تحليل تتحدثين يا دكتورة؟
تبتسم أهداب بدهاء:
سأخبرك بينما يحضر أيمن العصير.
يخرج أيمن ويغلق الباب.
قال علاء:
ما موضوع التحليل؟
قالت أهداب:
مرضك وراثي، لذلك طلبنا من أيمن إجراء تحليل مبكر حتى نعالج المرض في بدايته ولا يصاب بنفس الشكل الذي تعاني منه الآن. ولكن نتيجة التحليل كانت صادمة بالنسبة لي، فأيمن ليس...
ثم تسكت.
قال علاء:
ليس ابني، صحيح؟
تنظر إليه أهداب باستغراب:
هل تعرف بالأمر؟
قال علاء:
نعم، أعرف. فأنا وحسناء لسنا والديه الحقيقيين. بغض النظر أن حسناء أمه من الرضاعة، ولكنها لا تعرف أن ابننا توفي، وأنني وضعت طفلاً غيره في حضنها بعد أن فقدت ولدها.
ثم يقص علاء على أهداب ما حدث باختصار.
في هذه الأثناء، تأتي حسناء لتطمئن على زوجها بعد أن أخبرها أيمن عبر الهاتف أن والده سيضطر للمبيت في المشفى. وعندما تقف أمام الباب، تسمع الحوار الذي يدور بين أهداب وعلاء، فتفتح الباب فجأة وتدخل والدموع تنهمر من عينيها:
لماذا لم تخبرني؟ هل أنا آخر من يعلم؟ لماذا تحدثت الآن بعد كل هذه السنوات التي مرت؟ هيا أخبرني.
يدخل أيمن وهو يمسك بالعصير في يده:
تخبرك بماذا يا أمي؟
قال علاء:
أمك تقصد أنني لم أخبرها بمرضي. فأنا كنت أعاني منذ فترة ولم أقل لها حتى لا تحزن، فأنا أعرف مقدار حبها لي، ولكني فعلت ذلك من أجلها حتى لا أضايقها.
تبكي حسناء:
ليتني لم أعرف أبداً، فأنا لا أستطيع تحمل الخبر وأشعر أن قلبي يحترق.
قال أيمن:
خذ العصير يا أبي وعليك أن تشربه كله كما أخبرتك الدكتورة.
يأخذ علاء العصير، بينما يتجه أيمن نحو أمه ويجلس بجوارها:
لا تبكي يا أمي. أبي سوف يتحسن، فكل الأمراض اكتشفوا لها علاج في عصرنا هذا، فلا تقلق.
قالت حسناء:
للأسف، هناك أشياء ليس لها علاج أبداً.
قال أيمن:
بل كل شيء له علاج، فلا تقلقي.
ثم يهمس في أذنها:
حاولي السيطرة على نفسك يا أمي حتى لا يؤثر ذلك على نفسية أبي.
قالت أهداب:
لو سمحت سيد أيمن، تعالى معي لأعطيك بروتوكول علاج والدك الذي ستسير عليه بعد خروجه من هنا.
قال أيمن:
حسناً، سأذهب معك. وأنت يا أمي الحبيبة، أريدك أن ترفعي حالة أبي النفسية، أرجوك.
قالت حسناء:
سأحاول، بالرغم من قلبي الذي يحترق.
ثم يخرج أيمن مع أهداب ويذهبان لمكتبها.
يتأكد علاء أن أيمن قد غادر، ثم ينظر لزوجته قائلاً:
لقد فهمت دكتورة أهداب أنك تريدين التحدث معي على انفراد، لذلك أخذت أيمن للخارج.
قالت حسناء:
لقد أخفيت عني أن ابني توفي، لماذا فعلت ذلك؟
قال علاء:
لأن الله رزقنا بغيره في نفس اليوم. ربما لم نكن صالحين كفاية، ولكننا صبرنا عشر سنوات حتى رزقنا الله بطفل ولكنه مات. لكن الله أكرمنا وأبدلنا خيراً منه. لقد أعطانا أيمن وهو ابنك من الرضاعة، ولن يستطيع أحد أن يغير ذلك.
قالت حسناء:
أعرف ما تقوله، ومشاعري لن تتغير نحو أيمن أبداً. ولكني الآن أصبحت خائفة أن يظهر والداه الحقيقيان ويأخذانه مني، فهو ابني الوحيد ولن أتحمل فقده.
قال علاء:
تقلقي، لن يأخذه أحد منك أبداً ما دمت أنا على قيد الحياة. وبالمناسبة، لن يعرف هو أو غيره شيئاً مما حدث.
في مكتب أهداب بالمستشفى، تجلس على مكتبها بينما يجلس أيمن على كرسي أمامها.
قالت أهداب:
هذه الورقة بها كل الأدوية التي سيأخذها والدك، وأرجو أن يأخذها في موعدها حتى تعطي التأثير الفعال.
قال أيمن:
لا تقلقي، سأفعل. بالمناسبة، كيف حال خالتي سعدات؟
قالت أهداب:
هي صابرة ومتقبلة للأمر.
قال أيمن:
لا أفهم، أي أمر تتحدثين عنه؟
قالت أهداب:
وفاة أخي مدحت.
قال أيمن باستغراب:
متى حدث هذا؟
قالت أهداب:
في يوم مولد مازن، ذهب معه بالسيارة ليوصل ريماس خطيبة مازن. وأثناء عودتهم للمنزل، حدث حادث مروع. توفي أخي وأصيب مازن إصابات خطيرة، ولكن مازن تعافى منها.
قال أيمن:
لا حول ولا قوة إلا بالله. لقد قرأت عن حادث انقلاب سيارة مازن، ولكني لم أعرف أن مدحت أخوك معه.
قالت أهداب:
للأسف، هذا ما حدث.
قال أيمن:
سأذهب معك الآن لأعزي خالتي سعدات.
قالت أهداب:
لا داعي، فربما تغضب أمك من تصرف كهذا.
قال أيمن:
لا تقلقي، ستصبح الأمور بخير. هيا بنا.
قالت أهداب:
لا أستطيع ترك المستشفى أثناء دوامي.
قال أيمن:
لو كانت هذه هي حجتك، فانتظري.
ثم يتصل بالهاتف:
ألو دكتور. أريد أن آخذ الدكتورة في مشوار لساعة واحدة.
ثم يغلق الهاتف.
لقد وافق الدكتور على أخذك معي. هيا بنا.
في منزل مجد، بعد أن خرج مدحت من المستشفى.
قال مجد:
هيا حبيبي، تمسك بيدي لأخذك لغرفتك.
قال مدحت:
أنا أستطيع المشي يا أبي، فلا تقلق.
قالت شجن:
أنت تمشي بصعوبة. هيا تمسك بوالدك.
ثم يصطحبانه لغرفته، ثم تغادر شجن ومجد حتى ينام ابنهما.
بينما تأتي حبيبة بعدها بقليل وتجلس بجواره على السرير.
قال مدحت لنفسه:
سأغمض عيوني وأظل صامتاً حتى تظن الجدة أنني نائم وتذهب. فهذه السيدة ترعبني وقد تكشف هويتي.
قالت حبيبة:
هل أنت مستيقظ يا مازن؟
مدحت لا يرد عليها ويمثل أنه نائم.
تمسح على شعره:
الحمد لله أنك نجوت يا ولدي، وإلا فلن أسامح نفسي. يكفي أنك تربيت وحيداً بالرغم من أنك واحد من ثلاثة أخوة توأم. أنا السبب، لقد أخذت أحفادي وتركتهم في الشارع، ولا أعرف مصيرهم حتى الآن. هل ماتوا أم مازالوا أحياء؟
يجلس مدحت على السرير فجأة، فتفزع حبيبة:
هل أنت مستيقظ؟
قال مدحت:
نعم، وسمعت كل شيء. أين تركتي الأولاد لو سمحت؟
قالت حبيبة:
لا تنبش في الماضي يا بني حتى نستطيع العيش في سلام.
قال مدحت:
لو سمحت، فهذا الأمر مهم. ومن يدري، قد أجد أخوتي من خلاله.
قالت حبيبة:
وضعتهم أمام أحد دور الأيتام، ولكن بعض الكلاب أخذوهم.
قال مدحت:
والأطفال كيف كان شكلهم وما الملابس التي كانت عليهم؟
قالت حبيبة:
اثنان توأم متماثل والثالث مختلف قليلاً. أما الملابس، فلم يكونوا يلبسون شيئاً، فكنت ألف كل طفل بفوطة بيضاء صغيرة. ولكن هذا قد حدث منذ زمن بعيد، حتى لو بحثت عنهم الآن فلن تجدهم.
ثم تقص عليه ما حدث بالتفصيل.
قال مدحت:
يا للهول، كيف استطعت أن تفعلي ذلك بأطفال صغار؟
قالت حبيبة:
الذنب كله على ابنتي لأنها لم تحافظ على نفسها.
قال مدحت:
ما حدث ليس ذنبهم ولا حتى ذنب ابنتك. المسؤولية كلها تقع على معدومي الضمير الذين فعلوا بها ذلك.
قالت حبيبة:
أعرف، ولكن سذاجة ابنتي لعبت دوراً كبيراً في الأمر.
قال مدحت:
هلا أعطيتني اسم الشارع الذي تركتهم فيه وتفاصيله؟
قالت حبيبة:
سأقول لك العنوان، ولكن ما الفائدة الآن؟ فقد مر خمسة وعشرون عاماً على الأمر.
قال مدحت:
سأبحث عن الأطفال، أقصد إخوتي. ومن يعلم، قد أجدهم.
قالت حبيبة:
غالب الظن أنهم توفوا، وقد قلت لك السبب.
قال مدحت:
ولكني سأبحث لأتأكد.
ثم يقول لنفسه:
من يدري، فربما أكون واحداً من الإخوة الثلاثة.