تحميل رواية «شهد الحياه» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، بمنزل مكون من عدة طوابق، توجد شقة. تقف بطلتنا أمام المرآة تتحدث مع نفسها. تدخل والدتها، السيدة سميحة، وتردف بعتاب: _ ليه كدا يا شهد، تردي على أبوكي بالطريقة دي، أنا ربيتك على كدا. تنظر شهد إلى صورة والدتها المنعكسة في المرآة وتتحدث بعصبية: _ دا مش أبويا، دا جوز أمي، في فرق الله يكرمك يا ماما. تزفر والدتها بقلة صبر وتردف: _ ارحميني يا بنتي، مش موال كل يوم، هو مش رباكي من صغرك وعلمك وكمان... تقاطعها شهد بحدة: _ ماما مين دا اللي رباني، مين دا اللي علمني. الشقة دي شق...
رواية شهد الحياه الفصل الأول 1 - بقلم زيزي محمد
في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، بمنزل مكون من عدة طوابق، توجد شقة. تقف بطلتنا أمام المرآة تتحدث مع نفسها.
تدخل والدتها، السيدة سميحة، وتردف بعتاب:
_ ليه كدا يا شهد، تردي على أبوكي بالطريقة دي، أنا ربيتك على كدا.
تنظر شهد إلى صورة والدتها المنعكسة في المرآة وتتحدث بعصبية:
_ دا مش أبويا، دا جوز أمي، في فرق الله يكرمك يا ماما.
تزفر والدتها بقلة صبر وتردف:
_ ارحميني يا بنتي، مش موال كل يوم، هو مش رباكي من صغرك وعلمك وكمان...
تقاطعها شهد بحدة:
_ ماما مين دا اللي رباني، مين دا اللي علمني. الشقة دي شقة أبويا، مش كتر خيره هو علشان نيمني في بيته مثلا، بالعكس دا كتر خيري أنا اللي سماحاله إنه يقعد في بيتي.
تنظر لها والدتها بغضب وتردف بصوت جهوري:
_ تصدقي إنك قليلة الأدب، أنا مربيتكيش فعلاً زي ما هو قال.
تهبط الدموع من عينيها. تذهب إلى فراشها وتدفن وجهها في وسادتها وتبكي. تراها والدتها على ذلك الحال، يرق قلبها وتذهب بجوارها وتجلس تمسد على شعرها.
تأخذ سميحة نفسًا طويلًا ثم تخرجه وتتحدث بصوت ناعم وهادئ:
_ شهد، أنا عارفة إنك ما كنتيش عاوزاني أتجوز بعد والدك، بس أعمل إيه يا بنتي. المعلم حسني أقنعني وقتها إنه هاياخد باله منك ومني. أنا كنت ضعيفة ووحيدة وحزينة ومليش حد، قولت وماله، أهو ضل راجل ولا ضل حيطة. بس والله يا بنتي، مع مرور الوقت وشفت معاملته ليكي، أنا بحزن وبزعل أوي من نفسي إني أخدت القرار ده في يوم من الأيام. بس خلاص، مبقاش ينفع أرجع ولا أطلق بعد ما خلفت منه سلمى. هاروح بيكوا فين يا بنتي وهاصرف إزاي عليكوا. حقك عليا، متزعليش. أنا بس كل اللي بطلبه منك إنك تتجنبيه ومالكيش دعوة بيه، وتبطلي كل يوم والتاني مشكلة مع حد ويجوا يشتكوا منك.
ترفع شهد رأسها وتردف بصوت مبحوح:
_ كلكوا جايين عليا يا ماما، أنا أكيد مبعملش مشاكل من هوا، الناس هما اللي بيستفزوني. عم أحمد راجل غلبان ومكتبته كل يوم بتتسرق من الحارة المعفنة دي، يعني علشان بقف وبشوف شغل الراجل مظبوط، أبقى كدا وحشة كخة مثلا. أنا براعي ربنا في أكل عيشي وفي مال الراجل الغلبان ده.
تتنهد سميحة بصوت عالٍ. تستطرد قائلة:
_ بصي يا شهد، أنا كل اللي بطلبه منك حاجة واحدة بس، ابعدي عن عمك حسني، بلاش كل يوم والتاني مشاكل يا بنتي، أصل أنا تعبت.
يومئ شهد برأسها دليلاً على موافقتها. والدتها تعاني من ضعف الشخصية، تتجنب المشاكل. تريدها أن تتعامل مع المدعو حسني وكأنه والدها. كيف تعامله هكذا وهو يكرهها أشد الكره ودائمًا ما يناديها ببنت مصطفى. دائمًا تشعر من اتجاهه بالكره لوالدها، فبالتالي يكرهها لأنها من صلبه.
***
في مكان آخر.
في أحد الأحياء المتوسطة الحال، برج مكون من عدة طوابق، وفي أحد هذه الطوابق شقة المحاسب رامي المالكي. شاب في أواخر العشرينات يعمل محاسبًا في إحدى الشركات، أرمل ولديه طفل اسمه حمزة، عمره ٧ سنوات، يعيش مع والدته السيدة صفاء. رامي شخصيته حازمة مجتهد يسعى لتوفير مستوى أفضل لطفله. كان متزوجًا من زميلته في العمل ولكن وافتها المنية وهي تضع طفلها حمزة. منذ ذلك الوقت ورامي يكرس حياته لطفله ووالدته فقط.
_ رامي، مكنش له لزوم العقاب ده، أنت كلمته وخلاص.
كان هذا صوت صفاء عندما دخلت على ابنها تعاتبه على عقابه لحمزة.
يلتفت إليها رامي الذي كان منشغلاً بدراسة جدوى لمشروعه. ترك قلمه والأوراق التي في يديه وخلع نظارته الطبية وضعها على مكتبه هاتفا بقوة:
_ غلط يتعاقب يا أمي، أنا عاوزه يطلع راجل. بذمتك اللي عمله في المدرسة ده ينفع؟ أنا المدرسة تتصل بيا علشان ضرب زميله، لأ ولما أكلمه وأفهمه، يبجح ويقولي مغلطتش، لا ياخد على دماغه ويتعلم الأدب.
تنظر له صفاء بتعجب. أحيانًا تشعر بأن ابنها متناقض في شخصيته. لاحظ رامي نظراتها المتعجبة، قطب ما بين حاجبيه هاتفا بتساؤل:
_ مالك يا أمي بتبصيلي كده ليه، أنا قولت حاجة غلط.
تبتسم صفاء بسخرية وتردف:
_ أنت غريب يا ابني، مش أنت قايله بلسانك ده قدامي، لما تعمل حاجة اقف ودافع عن نفسك، متهربش ووضح وجهة نظرك، جاي دلوقتي وتقولي بجاحة.
ما أن أنهت صفاء جملتها حتى ضحك رامي بشدة على حديثها ثم هتف:
_ يا أمي على طول بتفهمي كلامي غلط. أنا أقصد يقف ويشرح لي وجهة نظره، لكن لما اللي أكبر منه يسمعه وبعد كده يحكم بأنه غلط يبقى يعتذر، مش يبجح أكتر ويقول لأ أنا مقتنع باللي عملته.
عقدت صفاء حاجبيها دليلاً على تعقيد ابنها في اتخاذ طرق صعبة لتربية ابنه. من وجهة نظرها البسيطة أن التربية أسهل من ذلك بكثير، والدليل على ذلك أنها قامت على تربية رامي وجعلته إنسانًا سويًا يحترم الجميع، والجميع يكن له الاحترام. تساءلت مرارًا وتكرارًا بداخلها لماذا كل هذه التعقيدات والمصطلحات الغريبة لتربية ابنه. قاطع تفكيرها صوت رامي مردفًا:
_ إيه يا ماما ساكتة يعني وبتتبصيلي ومش فاهمة حاجة.
استقامت صفاء في جلستها وتحدثت:
_ بص يا ابني، هو ابنك وأنت حر تربيه بطريقتك، بس الحياة مش جد أوي. وبعدين ده طفل مهما كان راح ولا جه طفل، طبيعي يصدر منه أفعال مش محسوبة. بلاش تقسى عليه، من وقت ما قولتله مش يكلمك ولا يأكل معاك وهو هاري نفسه عياط في أوضته يا حبيبي.
يتنهد رامي ويردف بصوت رخيم:
_ حاضر يا أمي، بس سيبني أكمل عقابي النهاردة بس علشان بعد كده ما يفكرش يعملها تاني.
تحركت صفاء اتجاهه ومالت نحو ثم طبعت قبلة أعلى جبينه وتردف:
_ ربنا يهديك يا ابني، ويخليلك ابنك. أنا حاسة بيك من يوم موت أميرة وأنت بتحاول تكون الأب والأم وكل حاجة، بس معلش راعي إنه طفل ونفسيته بتتأثر بسرعة.
يبتسم لها رامي ويجذب يديها التي كانت تمسد بها على رأسه وطبع قبلة حنونة في كف يديها:
_ حاضر يا أمي، ربنا يخليكي لينا يا رب.
***
في إحدى المستشفيات.
تقف ليلى في أحد ممرات المشفى وتتحدث بصوت خافت للغاية مع خطيبها زكريا على هاتفها الجوال:
_ أعمل إيه يا زكريا، قالولي انتي النهاردة نبطشية علشان مدام سها ابنها تعبان. وبعدين ده شغلي وأنت خاطبني وأنا كده.
يهتف زكريا بعصبية:
_ أنا خطبتك وقولتلك بطلي شغلك ده وأنتي بتعاندي معايا.
تزفر ليلى بعصبية:
_ هو موال كل يوم يا زكريا، أنا لازم أصرف على نفسي. أنت عارف كويس إن مكتبة بابا مبتغطيش كل المصاريف، وأنا لازم أجهز شقتي علشان الست والدتك متتريقيش عليا.
لاحظت ليلى سكوت زكريا. نظرت في هاتفها وجدت أنه أنهى المكالمة. رفعت إحدى حاجبيها باعتراض وقامت بسبه في سرها، وتحدثت بعصبية بالغة:
_ بيقفل في وشي الخط يا زكريا، ماشي والله لاقفل التليفون كله ومتعرفش توصل لي.
_ بتعملي إيه عندك يا ليلى؟
تفاجأت ليلى وشهقت بصدمة من وجود الدكتور كريم. ابتسم لها كريم قائلاً:
_ في إيه، شوفتي عفريت.
تلعثمت ليلى قائلة:
_ لا يا دكتور، في حاجة حضرتك.
يومئ كريم لها برأسه:
_ آه، كنت عاوزك تجهزي العمليات، عندنا ولادة قيصرية.
تحركت ليلى بخطوات متعثرة نحو الممر المؤدي لغرفة العمليات دون كلام، بينما يتنهد كريم بصعوبة. منذ ذلك الوقت وهي تتجنبه. لقد اعترف بحبه لها وهو يعرف جيدًا أنها مرتبطة وتحب شخصًا يدعى زكريا. نعم، تسرع كثيرًا عندما أباح لها بحبه. لقد عاقبته بقلة كلامها معه، وتحاول أن تتجنبه على قدر الإمكان.
تحرك صوب غرفة المريضة ليقوم بواجبه وبداخله حرب كبيرة ما بين. كان يجب أن يعترف بحبه حتى تشعر به، وما بين أن ما فعله خطأ كبير في حقه.
***
كانت شهد تجلس تقرأ في أحد الكتب، تحاول أن تحسن من قراءتها. فزوج أمها أصر على خروجها من المدرسة منذ المرحلة الإعدادية ولم تكمل تعليمها. كان حلم حياتها أن تصبح طبيبة ولكن وقف أمام حلمها زوج أمها. وفي النهاية تدمر حلمها وضاع مثل أي أمنية كانت تحلم بتحقيقها. كانت شاردة في أحلامها البسيطة وانتبهت على صوت عم أحمد. تحدثت قائلة:
_ معلش يا عم أحمد، مسمعتش.
يبتسم أحمد لها بحنان ويردف:
_ سرحانة في إيه يا ست البنات.
أغلقت شهد الكتاب ووضعته أمامها:
_ مش سرحانة ولا حاجة، بقرا في الكتاب.
جذب عم أحمد الكرسي وجلس عليه وأمسك بيديه فنجان الشاي ثم ارتشف رشفة صغيرة قائلاً:
_ مش إحنا اتعودنا نقول لبعض ونحكي كل اللي في قلبنا، مالك يا بنتي.
تسابقت الدموع في عينيها وحاولت على قدر الإمكان أن تتجنب سقوطها:
_ مفيش، اتخانقت مع جوز أمي، معرفش الراجل ده عاوز مني إيه، أنا بحاول أبعد عنه على قد ما بقدر وهو بيحاول بردوا يجر شكلي.
قال أحمد مستفهماً:
_ ده كله بسببي، صح؟
جذبت شهد أحد المناديل الموضوعة أمامها ومسحت عينيها وتردف:
_ هو واخدك حجة مش أكتر، بس هو بيدور على أي سبب علشان يطردني من البيت. أنا خايفة أوي تكون أمي كتبت الشقة باسمه، كل ما أسأل تتهرب مني. أنا هاضيع يا عم أحمد بجد لو كانت كتبته باسمه، هايطردني، أنا عارفة ده راجل شراني.
هز عم أحمد رأسه نفيًا قائلاً:
_ مظنش يابنتي، أمك عارفة حسني كويس، مظنش تكون بالغباء ده.
ابتسمت شهد بسخرية:
_ والله أمي أنا عارفاها كويس، تلاقيها خافت منه، وسمعت كلامه. ده بيبهدلها وبيضربها وكل يوم شتيمة وفضايح ودي مبتنطقش والحجة هاروح بيكي انتي وسلمى فين وأجيب علاج سلمى منين، وهنصرف إزاي، كلها حجج، زي ما أنا بشتغل دلوقتي وبجيب مصروفي، هاشتغل كام شغلانة مع بعض، وأصرف عليها وعلى سلمى.
وضع عم أحمد فنجان الشاي على المنضدة واستطرد قائلاً:
_ بصي يابنتي نصيحة مني، بلاش تكوني أنت السبب في خراب بيت أمك، علشان بعد كده متجبش اللوم عليكي. سلمى اختك تعبانة وأديكم شايفينها عندها السكر بيخليها تدخل في غيبوبة ودا محتاج مصاريف وحاجات. بلاش يا بنتي وزي ما أمك قالت اتجنبي حسني.
ذرفت شهد الدموع من عينيها وقالت:
_ هو أنا مصبرني غير سلمى، لولا هي ما كنتش أتحملته لحظة، بس كله علشان خاطر عيونها بس.
يبتسم عم أحمد ويقول:
_ والله انتي قلبك أبيض بس ميبانش للكل كده.
جذبت شهد منديلًا آخر ومسحت دموعها بقوة وضحكت:
_ أنا لازم أمسح دموعي دي، لحد يجي يشوفني كده، ويفضحوني في الحارة.
استقام عم أحمد ويردف:
_ أنا هاروح أصلي العشاء، ظبطي المكتبة واقفل، ليلى قالتلي هاتبات في المستشفى.
تحركت بجدية وقامت بترتيب الأقلام والكراسات واردفت:
_ حاضر، هارتب كل حاجة وأقفل وأروح.
***
في منزل رامي المالكي.
كان رامي يقف يتابع ابنه خلسة من خلف الباب، وجده يبكي ويلون في كراسة الرسم. رق قلبه ثم قام بطرق الباب عدة طرقات حتى يأذن له ابنه ويعطي له فرصة يزيل دموعه. وبالفعل ثوانٍ وكان حمزة يأذن للطارق بالدخول. دلف رامي بهدوء وجلس على طرف الفراش وفي يده صحن مملوء بالسندوتشات، لرفض ابنه للأكل طوال اليوم. وضع رامي الصحن أمام حمزة وابتسم له واردف:
_ الزعل حاجة والأكل حاجة.
أبعد حمزة الصحن وتحرك باتجاه رامي وجذب يديه واردف:
_ آكل إزاي وحضرتك زعلان مني.
يبتسم رامي بحنان لابنه:
_ حبيبي، أنا عاوزك أحسن واحد في الدنيا دي، ينفع المدرسة تتصل بيا وتقولي حمزة ضرب زميله علشان بيشد في شعر زميلته والولد اتعور في دماغه، ينفع يا حمزة أنا ربيتك على كده.
اندفع حمزة في الكلام:
_ يا بابا والله الواد محمد ده وحش وبيحب يضايق في ملك كل شوية علشان هي تخينة، بيقعد يقولها يا تخينة مش قادرة تجري وبتقعد تعيط لوحدها وهي مامتها ميتة زي وملهاش ماما، وكمان مرات بابها بتقعد تضربها. النهاردة قاعدة بتاكل لوحدها هو جه واخد منها سندوتش ورماه في الأرض وشد شعرها وكلهم ضحكوا عليها. أنا اتعصبت أوي وزعلت عليها، روحت رايح قولتله سيبها يا محمد، قالي لأ، وهي قعدت تعيط. صعبت عليا مسكت إيده شدتها، راح زقني على الأرض، قمت وضربته وزقيته بس ما كنتش أقصد أعوره.
يبتسم رامي لشهامة ابنه:
_ بص، أنا مقولتش إنك تدافع عن زميلتك ده غلط، بس في المدرسة مدرسين وكبار في السن نقدر نروح بسهولة ونشتكي للمستر أو المس وهما هاياخدوا حقك وحق ملك زميلتك، بس إنك تقف قدام المديرة وتقول بصوت عالي أنا مغلطتش ده غلط. افرض وأنت بتزقه وقع، كنت هاعمل إيه؟
_ وطب افرض لما زقني هو كنت وقعت مت، كنت هاتعمل إيه حضرتك؟
كان هذا السؤال البسيط من حمزة بمثابة عقبة أمام رامي. حقًا، ماذا كان سيفعل لو حدث مكروه لابنه فلذة كبده وروحه. قام بجذبه لاحتضانه. اكتفى الصغير بقبلة صغيرة على جبين والده وظل يمسد بيده الصغيرة على ظهر والده، ثم يردف بصوت حانٍ:
_ آسف يا بابا، أوعدك ما أكررها تاني.
أبعده رامي قليلًا عن أحضانه واردف:
_ أنا نفسي أشوفك أحسن واحد في الدنيا ومستحملش حاجة تحصلك، يارب تيجي فيا أنا ولا تيجي فيك أنت.
وتابع حديثه:
_ المهم تعال يالا في حضني خلينا ننام، أصل أنا تعبت أوي النهاردة.
يبتسم حمزة بفرحة:
_ بجد يا بابا، هتنام جنبي النهاردة.
يومئ له رامي وهو يعتدل في جلسته حتى ينام في فراش الصغير:
_ آه، ويالا طفي النور ده، وتعال احكيلك حدوتة أمنا الغولة.
***
في منزل شهد.
كانت سميحة جالسة أمام ابنتها في الصالة الصغيرة، وتتحدث بصوت خافض:
_ بس يا سلمى، راحت الأبلة شهد مسكت في خناق الولية أم حسين، وقالتلها انتي حرامية، انتي عاوزة تضحكي عليا وتاخدي كشكول فوق البيعة. الولية أم حسين ما عجبهاش الكلام زعقت وشتمت شهد، راحت شهد مش ساكتة شتمتها. الحارة اتلمت وكانت خناقة كبيرة، طبعًا حسين راح اشتكى لبابوكي، وبابوكي جه هنا بهدلها واتخانقت معاه.
تبتسم سلمى بضعف:
_ شهد قلبها أبيض بس مشكلتها اندفاعية ومبتحسبش لقدام، بس حقيقي هي في طبعها مبترضاش بالظلم.
تزم شفتيها بضيق وتردف:
_ هي كده متعرفش تمشي من غير مشاكل.
تناولت سلمى قرص الدواء وسمت الله:
_ يا ماما، متجيش عليها، متزعليش مني، هو بابا ملوش حق إنه يدخل ويزعقلها، وخصوصًا هو عمره ما كان سند ليها.
ترفع سميحة يديها إلى السماء وتحدثت:
_ يارب يهديها، ويهدي أبوكي، أصل أنا خلاص مبقتش قادرة أستحمل خناق تاني.
***
حل الليل سريعًا وأصبح الوقت الثانية فجرًا. جلست ليلى بإنهاك واضح بعد هذا اليوم الطويل والمليء بالعمل وكادت تغلق عينيها حتى تريح جسدها قليلًا. تفاجأت بدخول مدام سها. عقدت حاجبيها دليلاً على استغرابها مجيئها في هذا الوقت المتأخر.
_ إيه دا يا مدام سها، إيه اللي جابك دلوقتي.
جلست سها بالقرب من ليلى وتردف:
_ ياستي، الواد بقى كويس وأبوه رجع من شغله وقولتله خليك معاه أروح أكمل نبطشية علشان أقدر آخد إجازة يوم الجمعة، عندي فرح بنت صاحبتي ولازم أفضل معاها اليوم كله.
تزم ليلى شفتيها بضيق واضح:
_ يعني انتي جاية الساعة ٢ تبلغيني كده، أروح أنا بقى إزاي.
تبتسم سها بسماجة:
_ معلش بقى يا ليلى، حقك عليا. وبعدين عادي الدنيا أمان، طب والله وماليكي عليا حلفان، أنا جاية لوحدي ومحدش وصلني ولا حاجة والدنيا فل.
قامت ليلى من مجلسها وخلعت الزي المخصص لعملها وارتدت حجابها بإحكام واستطردت قائلة:
_ أنا ماشية وربنا يستر بقى، ربنا هو وكيلي.
خرجت ليلى من المشفى وتمشّت قليلًا لعلها تجد وسيلة مواصلات تقلّها في أمان لمنزلها. كانت الشوارع هادئة. رأت ضوء سيارة يأتي من بعيد. وقفت مكانها واقتربت السيارة حتى اكتشفت أنها سيارة أجرة. حمدت ربها في سرها وقامت بتلويح يديها حتى يراها. اقتربت منها السيارة ووقفت. ذهبت ليلى ونظرت من خلف الزجاج على سائق السيارة. رأت رجلًا في عمر الأربعينيات اطمأن قلبها. ركبت وأخبرته بعنوان بيتها ونظرت من خلف الزجاج تتابع الطريق. مرت دقائق ولاحظت ليلى بشوارع غريبة يسير بها السائق.
ارتعدت في جلستها واردفت بتوتر:
_ هو أنت حضرتك ماشي إزاي، ده مش طريق العنوان اللي قولتهولك.
نظر لها في المرآة وكانت نظرته جامدة قاسية واردف بمكر:
_ عارف.
بلغ التوتر والخوف أدناه في نفس ليلى وحاولت إخراج صوتها طبيعيًا حتى لا توحي له أنها خائفة:
_ هو إيه اللي عارف، بص لو سمحت اقف هنا.
ضحك بسخرية واردف:
_ اقف هنا، بسهولة كده، لا الأول لازم أستمتع بمزة كده.
كانت على وشك الرد حتى شعرت بتوقف السيارة. نظرت حولها رأت شارعًا مظلمًا لا ترى فيه نورًا وخاليًا من السكن. توجد فيه عمارات تبنى حديثًا. حاولت فتح الباب، ولكنه كان مغلقًا. بلغ الخوف أعلى مراحله. رأته يأتي للخلف ويقوم بخلع قميصه. فتحت عينيها على وسعهما، وحاولت إخراج هاتفها، لكي تستنجد بأحد، ولكنه كان أسرع منها. أمسك يديها بعنف وجذبها نحوه. حاولت الصراخ ولكنه كمم فمها بيديه اللعينة. قامت بعض يديه حتى تأوه وابتعد عنها. تحدثت ليلى بعصبية:
_ أنت يا أخي اتقوا الله، افتح الباب ده.
هجم عليها مرة أخرى ومال بجسده كله عليها وحاول الاعتداء عليها وكانت تفوح منه رائحة كريهة.. رائحة خمر. ظلت ليلى تقاوم وتضربه بيديها الصغيرتين في جسده وتحاول ركله برجليها الضعيفة ولكن لا فائدة فجسدها ضئيل جدًا بالمقارنة بجسده الضخم. قام بخلع حجابها وتم
رواية شهد الحياه الفصل الثاني 2 - بقلم زيزي محمد
في المشفى
كانت "شهد" تدور ذهابًا وإيابًا بقلق واضح على صديقتها، حتى خرج الطبيب من غرفة "ليلى".
تحدثت شهد بلهفة يتخللها القلق:
ها يا دكتور، ليلى مالها؟
حمحم الطبيب في حرج:
حضرتك تعرفي ليلى؟
هتفت "شهد" باندفاع:
آه أعرفها، أنا أختها.
ضيق الطبيب عينيه واردف:
بس ليلى ملهاش إخوات.
شهد بضيق:
هو حضرتك هاتقعد تستفسر مني، أنا قريبة ليلى ولا أختها ولا صاحبتها، ماتقولي حالتها.
زم "الطبيب" شفتيه في ضيق ومد يديه نحو شهد:
أنا الدكتور كريم، دكتور نساء وتوليد، ليلى بتشتغل ممرضة هنا.
مدت "شهد" يديها بفتور:
آه أهلاً، خير حضرتك مالها ليلى.
أردف كريم بحزن:
ليلى خرجت من هنا باين متأخر، وبعدها بساعتين لقيناها جاية مع واحد شاب وأمه وكانت فاقدة للوعي وهدومها متغرقة دم، وواضح من الحالة إنها كانت حالة اعتداء. لما سألنا الشاب دا قال إنه كان معدي مع أمه مروح بيته ولقاها مرمية في شارع قريب من المستشفى، فجابوها على هنا على طول. أنا كشفت عليها وللأسف هي اتعرضت لحالة اغتصاب.
ضربت "شهد" بكفيها على صدرها واردفت بصدمة:
يالهوي، يعني، يعني هي مش بن...
ابتلع "كريم" ريقه بصعوبة واردف بتوتر:
بصي ادخليها، هي محتاجة دلوقتي، وكمان ياريت تساعديها تتكلم، لأن هنبلغ الشرطة.
أومأت برأسها ثم تحركت بصعوبة نحو الغرفة القابعة بها ليلى، وفتحت الباب ودلفت. رأتها نائمة وعيونها متركزة على نقطة ما في السقف، دموعها تسيل بغزارة. اقتربت ببطء، وجلست على طرف الفراش ثم مدت يديها نحو دموع ليلى وأزالتها، قائلة بصوت حزين:
ليلى.
نظرت ليلى نحوها، وظلت صامتة. بينما استطردت شهد:
بصي أنا عارفة إنه موقف صعب، بس انتي يا حبيبتي لازم تحكيلي علشان لما الشرطة تيجي نقولهم ويمسكوا الحيوان اللي عمل كدا.
هزت "ليلى" رأسها بعنف وهتفت بغضب:
لا، لا، لا، أوعي حد يعرف، هاتفضح يا شهد، سيرتي هتبقى على كل لسان، لا يا شهد أوعي.
نظرت لها "شهد" بصدمة:
فضيحة إيه يا ليلى، دا حقك يا حبيبتي، لازم الحيوان دا يتمسك، انتي كدا بتسكتي على حقك.
حاولت "ليلى" النهوض من رقدتها. رأتها شهد وساعدتها في النهوض:
انتي رايحة فين؟ انتي تعبانة.
هتفت "ليلى" بتعب:
لازم أمشي من هنا يا شهد، ساعديني، لازم أختفي من عيون الكل، أنا مش هاستحمل أشوف نظراتهم ليا.
ساعدتها "شهد" في ارتداء ملابسها وأخذتها وخرجت من الغرفة. دلتها "ليلى" على طريق سري للخروج من المشفى. خرجوا من المشفى وساندتها "شهد" في السير، رغم تعب ليلى الواضح والآلام التي تغزو جسدها بأكمله، لكنها أصرت على الهروب من المشفى بأكمله.
***
بس ياض هو دا اللي حصل.
نظر له عبده بصدمة:
يالهوي، يعني أبلة ليلى، ماشية مشي لامؤاخذة.
حسين بتعجب:
أنا قولتلك كدا؟؟، بقولك اتعرضت للاغتصاب.
هتف عبده بحنق:
يابني ماهي السبب في كل دا، يعني إيه اللي يخليها لامؤاخذة تمشي في وقت زي دا، هي بتدعو الشباب إنه يعملوا فيها كدا.
حسين بخبث:
بس أنا إيه، لولا البت شهد لو مش شفتها وهي نازلة من بيتهم تتسحب ومشيت وراها مكنتش هاعرف حاجة.
ضحك عبده بسخرية:
آه يا أخويا وانت إيه حدق، دفعت للممرضة وقالتلك كل حاجة.
زم حسين شفتيه بضيق:
بالله عليك ما تفكرني بالخمسين جنيه حار ونار في جتتها بنت ال*** دي.
وتابع حديثه:
طب إيه المفروض نروح نقول لاستاذ زكريا بدام هو نايم على ودانه كدا ومش عارف اللي خطيبته بتعمله.
ابتسم عبده بغل:
آه يالا، دا حتى الواجب الحارة كلها تعرف، أنا بعزها والله ليلى دي، هي وأبوها اللي عامل نفسه راجل صالح، يروح يربي بنته الأول.
ضرب "حسين" عبده بقدمه بخفة وابتسم بمكر:
لا وكمان نفضح البت شهد، أصل أنا مش طايق أمها من وقت ما اتخانقت مع أمي وأنا هاموت وأفرح فيها.
***
وقفت ليلى على باب منزلها وأخذت نفس طويل، ثم فتحت الباب بهدوء ودلفت للداخل لتجد والدها يجلس نائمًا على أحد الكراسي بالصالون. تجمعت الدموع سريعا في عينيها، حاولت التحكم بعدم نزولها ولكنها فشلت. أزالتها بطرف حاجبها، تقدمت نحو أبيها وجلست برفق على الأرض وحركت يديها ببطء على يديه:
بابا، اصحى أنا جيت.
فتح "عم أحمد" عينيه بتكاسل:
ليلى، انتي جيتي، كنتي فين، هي شهد كلمتك ولا إيه؟
بلعت غصة في حلقها وأردفت كاذبة:
آه يابا كلمتني وأنا لما عرفت إنك قلقان عليا جيت على طول.
ضيق "عم أحمد" عينيه متسائلاً:
في إيه يا ليلى، إيه الحزن اللي في عينيكي دا.
استقامت "ليلى" في جلستها:
ولا حاجة، دا من التعب، أنا هادخل أنام عن إذنك.
هتف "عم أحمد" بحدة:
ليلى دا مش لبسك اللي انتي خارجة بيه الصبح.
استدارت ليلي بتوتر:
ما انت عارف يا بابا إن بسيب كام طقم غيار ليا في المستشفى، وأنا هدومي اللي خارجة بيها اتبهدلت، قولت أغير وأنا جاية.
ابتسم عم احمد وقال:
طيب يابنتي، قومي انتي نامي، وأنا هاقوم أصلي الضحى وأنام شوية.
***
صباحًا في شقة رامي المالكي.
ها يا حمزة جهزت علشان نروح النادي.
أشار له "حمزة" على رباط حذائه فانحنى "رامي" بابتسامة وقام بربط حذائه وعقب انتهائه طبع قبلة على إحدى وجنتي حمزة:
يلا يا بطل ندخل نصبح على تيتة وبعدها نروح النادي.
دلف رامي ممسكًا بيد حمزة إلى غرفة والدته وابتسم:
صباح الخير يا ست الكل.
رفعت "صفاء" عينيها ونظرت لابنها وحفيدها، أغلقت المصحف الشريف وصدقت بصوت عالٍ:
صدق الله العظيم، رايحين النادي؟
أقبل عليها رامي، وطبع قبلة على جبينها وقبلة على يديها:
آه يا أمي، هاروح الجيم وحمزة ياخد تمرين السباحة.
اقترب الصغير من جدته وصعد على الفراش وفعل مثل ما فعله والده:
صباح الخير يا تيتة يا جميلة انتي.
قهقهت "صفاء" على مداعبة صغيرها:
انت اللي جميل، صباح النور يا روح تيتة.
وتابعت باهتمام:
رامي قبل ما تنزل افتحلي التليفون على النت علشان أطمن على أختك هي قالتلي هاتكلمني يوم الجمعة.
حاضر يا ست الكل، هافتحهولك وأول ما تتصل اضغطي على الزرار الأخضر زي ما علمتك.
***
في منزل ليلى.
كانت ليلى جالسة على سجادة الصلاة، وتناجي ربها. أنهت صلاتها وقامت بخطوات متعثرة نحو فراشها، الآلام تزداد في جسدها، فعينيها لم تذق طعم النوم. ظلت خائفة طوال الليل، خائفة من ما يخبئه لها المستقبل. العديد من الأسئلة جاءت في عقلها، ماذا تفعل مع زكريا، كيف تختلق كذبة لكي تقوم بفسخ خطوبتها، هل يقتنع والدها بأسبابها. انتفضت على صوت طرق باب الشقة وصوت زكريا:
افتحي يا ليلى، افتحي.
تشبثت بفراشها وارتعدت خوفًا من صوته، أغمضت عينيها تحاول السيطرة على أنفاسها المرتفعة. سمعت حديث والدها له:
جرى إيه يا زكريا يا ابني، في حد يخبط كدا.
هتف زكريا بغضب:
أخبط!، دا أنا هاكسر البيت دا عليكوا.
هتف عم أحمد معاتبًا:
عيب يا ابني، احترمني، في حد يتكلم كدا مع اللي أكبر منه، يا تتكلم وتقول اللي عندك يا تطلع برا بيتي.
ضحك زكريا بسخرية:
والله انت غريب يا جدع يعني انت هادي كدا ولا على بالك اللي بنتك عملته.
قطب عم أحمد ما بين حاجبيه مستغربًا:
وبنتي عملت إيه إن شاء الله.
تحدث زكريا بصوت جهوري:
بنتك المحترمة ماشية على حل شعرها، امبارح واحد اغتصبها والله أعلم عمل برضاها ولا إيه، وجاية بليل عادي، آه ما تلاقيها مش أول مرة يحصل فيها كدا، تلاقيها متعودة.
ارتد عم أحمد للخلف وتحدث بتلعثم:
انت بتقول إيه، انت كداب، بنتي سليمة، بنتي راجعة عادي من شغلها.
تحدث زكريا بعصبية شديدة:
لو مكنتش مصدقني، اسأل شهد صاحبتها اللي راحت خدتها من المستشفى امبارح، ولا أقولك متسألهاش يمكن شهد كمان ماشية معاها في الخط.
في الداخل...
أغلقت ليلى عينيها بعصبية وتحدثت بصوت مكتوم:
ليه كدا يا شهد ليه، أنا حلفتك متقوليش لحد كدا تفضحيني.
اندفع والدها إلى داخل الغرفة وتفاجأ بأنها يقظة وتسمع تلك الإهانات. وقف مصدومًا وحاول التكلم:
انتي سامعة بيقول إيه يا ليلى.
اندفع زكريا الآخر إلى داخل الغرفة واتجه نحوها وجذب شعرها في يديه، قام بصفعها حتى اختل توازنها، وظلت تحاول أن تدفعه بعيدًا عنها، ولكن ما آلمها نظرة والدها لها. توقف زكريا عن ضربها عندما هتفت بصراخ باسم أبيها:
بابا.
استدار زكريا وجد عم أحمد ملقى على الأرض فاقدًا للوعي. ابتسم بغل واردف:
أهو أبوكي احتمال يموت فيها من اللي انتي عملتيه، أنا هافضحك في الحارة كلها يا كلبة، أنا عرفت انتي بتحبي تقضي نبطشية ليه علشان تعملي اللي انتي عاوزاه ومحدش يعرف بس شهد فضحتك وسيرتك بقت على كل لسان، دبلتك أهي يا و***.
دفعها زكريا نحو الأرض بعنف وخرج من البيت بأكمله. قامت هي ببطء، حاولت الوصول لوالدها:
بابا رد عليا.
يالهوي مفيش نبض.
بحثت عن هاتفها حتى وجدته وضغطت على زر الاتصال وانتظرت قليلاً حتى أتاها صوت يشوبه القلق:
ليلى انتي إزاي تمشي وانتي تعبانة.
هتفت ليلى باندفاع:
مش وقته يا دكتور كريم ارجوك والدي وقع أغمى عليه وأنا مش عارفة أتصرف ولوحدي.
تحدث كريم بلهفة:
اديني عنوان بيتكم بسرعة.
***
كانت تقف أمام المرآة تهندم ثيابها حتى تفاجأت باندفاع زوج أمها للغرفة:
آه يا أختي واقفة تتظبطي قدام المراية.
رفعت "شهد" إحدى حاجبيها ببرود قائلة:
جرى إيه يا جوز أمي، في إيه، إزاي تدخل كدا من غير ما تخبط.
اهدئ يا أبو سلمى، أكيد في سوء تفاهم مش معقول شهد بنتي تعمل كدا.
ضيقت شهد عينيها بتركيز:
عملت إيه يا ماما، ما تتكلموا وتفهموني.
نفض حسني يد زوجته الممسكة به واندفع ناحية شهد وجذبها من شعرها:
بقالي يا بت تستغفلينا وتنزلي في نصاص الليالي وتروحي لليلى اللي ماشية على حل شعرها.
فتحت شهد عينيها على وسعها:
نعم، وانتوا إيه اللي عرفكم.
ضربت "سميحة" بكفيها على صدرها:
يالهوي يعني انتي فعلاً نزلتِ من البيت في نص الليل.
هتفت شهد بعصبية:
آه، علشان أروح لليلى المستشفى.
هجم حسني عليها مرة أخرى وضربها بعنف، حاولت شهد التخلص منه ونجحت ثم اندفعت نحو المطبخ، فتحت أحد أدراجه وجذبت منه سكينًا وأشارت به في اتجاه حسني ثم أردفت بعنف:
لو ضربتني، أو جيت جنبي والله لأموتك.
هتفت سلمى الواقفة برعب:
لأ يا شهد بلاش شيطانك يضحك عليكي.
ضحك حسني بتهكم:
انتي فاكرة حتة السكينة دي هاتخوفني يا بت.
اندفع حسني باتجاه شهد وحاول جذب السكين منها، بينما صرخت سميحة برعب. ازداد الأمر سوء بين شهد المتشبثة بالسكين وحسني محاولاً أخذه منها، وقفت سلمى برعب حقيقي لا تقوى على التدخل بينهم حتى شعرت بأنفاسها تقل تدريجيًا وأصبح كل شيء أسود اللون ووقعت على الأرض مغشيًا عليها.
يالهوى الحقني يا حسني، سلمى أغمي عليها.
تركت شهد السكين فور سماع جملة والدتها وذهبت مسرعة نحو سلمى، حاولت إفاقتها وفشلت، هتفت برعب:
باين عليها دخلت في غيبوبة سكر لازم ننقلها المستشفى.
***
في منزل ليلى.
هتف كريم بحزن:
البقاء لله يا ليلى والدك اتوفى.
إيه؟
تحرك كريم نحوها ببطء وأمسك كتفيها واردف:
أنا مش عارف أقولك إيه، البقاء لله.
نفضت ليلى يديه وتحركت نحو والدها وهزته بعنف:
قوم يابابا، قوم والله أنا مغلطتش، بابا أوعى تسيبني، أنا ماليش غيرك، والله كان غصب عني، أنا حاولت أقوم بس مقدرتش، لا انت مش هاتسيبني، قوم مين هايجبلي حقي من زكريا والكلب اللي عمل فيا كدا.
جذبها كريم بعيدًا عن والدها واردف بصوت حانٍ:
استهدي بالله يا ليلى، حرام اللي بتعمليه دا.
نظرت له ليلى واردفت بعصبية وبكاء مرير:
حرام!، ومش حرام اللي حصلي، أنا مبقتش بنت، أنا اغتصبت، أبويا مات وفاكرني ماشية مشي بطال، أبويا مات ومش هايسمعني ويعرف إن بنته بريئة.
هتف كريم بحزن:
ليلى ابوس إيدك اهدي، واستغفري ربك، يلا علشان أمشي في إجراءات الدفن، إكرام الميت دفنه.
***
في المشفى.
الآنسة سلمى دخلت في غيبوبة سكر.
هجم حسني على شهد ضربًا:
شفتي عملتي إيه يا بت، والله ما هاسيبك عايشة.
تجمع الممرضين والدكاترة وحاولوا إبعاد حسني عن شهد حتى نجحوا.
هتفت سميحة ببكاء:
روحي دلوقتي على البيت مش عاوزة أشوف وشك.
نظرت لها شهد بصدمة واردفت:
هو انتي يا ماما مصدقة اللي هو بيقوله دا كذب، أنا بنتك أعمل كدا.
هدر حسني بغضب:
مش سامع صوتك يا بنت ال**.
صاحت شهد بصوت عالٍ:
متشتمش أبويا فاهم ولا لأ.
صرخت سميحة:
بس بقا يا شهد بقولك روحي وحسابنا بعدين.
ماشي يا ماما أنا هاخرج أقعد برا بس وهامشي لما أطمن على سلمى.
تحركت شهد بصعوبة نحو باب المشفى وجلست على أحد أرصفة الطريق، حاولت الاتصال بليلى حتى تفهم ما حدث ومن أخبر الحارة بتلك القصة، ولكن لا رد.
***
في أحد النوادي.
آهو يابابا حمزة اللي ضربني.
نظر والد الطفل بغضب لحمزة وتحرك نحوه وجذبه بعنف من وسط زملائه في التمرين وقام بضربه على وجهه حتى سقط حمزة أرضًا.
انت يا أخينا، انت إزاي تتهجم على طفل كدا.
كان ذلك صوت "الكابتن"، التفت إليه والد الطفل وهتف بعصبية:
بقولك انت لو خايف على أكل عيشك، يبقى تخرس.
دا أنا اللي هاخرسك العمر كله.
التفت والد الطفل وتفاجأ بحضور رامي، قد تأكد من وجوده في صالة الجيم. قلق قليلاً من منظر رامي، فكانت ملامح الغضب تملكت من وجهه وعضلات جسده، وانسحب الجميع من الساحة حتى الأطفال، فمن الواضح أن اليوم لن يمر مرور الكرام.
***
في المساء.
خرجت "سميحة" من المشفى ورأت ابنتها أمامها تهرول اتجاهها، تصنعت الجمود والقسوة:
أنا مش قولتي روحي، إيه مقعدك هنا.
هتفت شهد بعتاب:
هو انتي يا ماما مصدقة الراجل الخرفان دا، أحلفلك على القرآن إن ما حاجة حصلت من دي، بس هي كل الحكا...
نظرت لها أمها عن كثب واردفت:
إيه وقفتي ليه ما تكملي.
أردفت شهد ببراءة:
علشان ليلى محلفاني يا ماما مقولش لحد.
جذبتها سميحة من يديها وذهبت باتجاه ممر ضيق ومظلم:
لا ماهو انتي هاتحكيلي يعني تحكيلي، أنا مش هافضل كدا، انتي عارفة حسني بيقول عليكي إيه جوا، براءي نفسك حتى قدامي.
أمسكت شهد كتفي سميحة محاولة منها تهدئتها واردفت:
يا ماما ليلى وهي مروحة من نبطشية ركبت تاكسي وراجل منه لله ضربها واعتدى عليها ورماها في نفس شارع اللي أخدها منه وفي واحد ابن حلال هو وأمه معدين لقوها وجابوها المستشفى.
جحظت عيني سمحية من هول مصيبة ليلى:
لا حول ولا قوة إلا بالله ياحبيبتي يابنتي، طيب مين اللي قال إن...
قاطعتها شهد:
ماهو دا اللي أنا عاوزة أفهمه ليلى مأكدة عليا مجبش سيرة لحد مين اتكلم كدا وقال الكلام دا.
فتحت سميحة حقيبتها وأخرجت بعض من النقود وأعطتهم ل(شهد):
خدي روحي استفسري من ليلى وبعد كدا على البيت على طول.
تحدثت شهد قائلة:
طيب بس ابقي طمنيني على سلمى.
***
جلست "ليلى" تبكي وحيدة في بيتها بعد دفن والدها. لم يأتي أحد من الحارة في جنازته. قاطع بكائها صوت شهد الباكي:
والله يا ليلى لسه عارفة دلوقتي.
قامت ليلى باندفاع باتجاه الباب وأشارت عليه:
اطلعي برا مش عاوزة أشوف وشك.
تسمرت قدمها من هجوم ليلى:
ليه يا ليلى، انتي بتكلميني كدا ليه؟
ضحكت "ليلى" بتهكم:
بكلمك كدا ليه!، ليه يا شهد كدا، ليه تفضحيني في الحارة.
أشارت شهد على نفسها بذهول:
أنا أفضحك!!، فين دا، والله ما عملت حاجة.
صاحت "ليلى" بعصبية:
أمال مين اللي قال للحارة كلها اللي حصل امبارح، زكريا جه ضربني وقالي كلام زي السم وفضحني قدام أبويا، أبويا مات يا شهد وهو فاكرني واحدة مش مظبوطة أبويا مات يا شهد.
ذرفت شهد الدموع من عينيها:
والله العظيم ما قولت حاجة لحد ولا اتكلمت.
صرخت "ليلى" في غضب:
لأ انتي كدابة، الحارة كلها بتقول إنك انتي اللي فضحتيني.
اندفعت نحو شهد وجذبتها من مرفقها وأخرجتها خارج البيت وأغلقت الباب في وجهها وصاحت بصوت عالٍ:
مش عاوزة أعرفك تاني، انتي عار على اسم الصحاب.
***
في أحد أقسام الشرطة.
أنا من رأيي إنكم تتصالحوا، أصل انتوا الاتنين غلطانين.
نظر "رامي" بغضب للضابط المسؤول عن المحضر واردف:
دا ضرب ابني قدام زمايله والكابتن شاهد والنادي كله شاهد وحضرتك تقولي غلطان.
تحدث "الضابط" برسمية شديدة:
وانت كمان يا أستاذ رامي ضربته وبهدلته والنادي بردو كله شاهد.
عقد رامي حاجبيه في ضيق:
دا رد فعلي على ضرب ابني.
حضرتك مفيش رد فعل، في قسم وشرطة تيجي تعمل ضده محضر، في قانون في البلد.
تحدث والد الطفل بتعب:
خلاص أنا متنازل عن حقي، بس يدفعلي حق اللي صرفته على علاجي.
حول رامي بصره للضابط الذي تحدث بجدية:
أظن من حقه حضرتك تقريبًا مخلتش مكان سليم فيه.
وياترى حق التكاليف كام؟
كان ذلك صوت "سامي" صديق رامي المقرب.
همس له رامي:
انت بتسأله على تكاليف ما تسكت يا سامي.
أمال سامي على رامي وتحدث بهمس:
انت ناسي جهاز تنمية المشروعات لو سمعوا إنك مشبوه ولا دخلت أقسام المشروع طار من إيدك.
زفر "رامي" في ضيق:
قولت تكاليفك كام؟
ابتسم والد الطفل بخبث:
٥٠٠٠ جنيه.
جحظت عيني رامي:
كام!؟
***
في منزل ليلى.
ردك إيه يا ليلى؟
تمتمت ليلي بالاستغفار، ثم أردفت:
حضرتك واعي يا دكتور للي بتقوله، حضرتك عاوز تتجوزني يوم وفاة والدي، وياترى بقا هاتتجوزني شفقة ولا إيه؟
حمحم "كريم" في حرج لقد أخطأ في اختيار الوقت المناسب:
لأ طبعًا مش شفقة يا ليلى، انتي عارفة كويس إني بحبك من سنين، من أول مرة شفتك فيها وأنا بحبك، أنا بس شايفك يعني وحيدة، أنا خايف عليكي، أنا...
قاطعته ليلى بحدة:
خلاص يا دكتور، لو سمحت متفتحش معايا الكلام دا تاني لأن أنا مش هاتجوز نهائي.
عقد كريم حاجبيه:
إزاي يعني مش هاتتجوزي تاني.
أردفت ليلى بتهكم:
عادي يا دكتور، مش هاتجوز، مين هايرضى بيا وأنا بالحالة دي.
أردف كريم باندفاع في كلامه:
أنا.
نظرت له ليلى والدموع تتجمع في عيونها:
كتر خيرك، بس أنا مش عاوزة.
نهض كريم من جلسته بغضب:
انتي لسه بتحبي اللي اسمه زكريا دا حتى بعد اللي عمله فيكي.
أزالت ليلى دموعها بقسوة:
لأ، وعن إذنك بقى اتفضل علشان كلام الناس، كفاية أوي اللي بيتقال عليا.
هتف كريم بحزن:
على فكرة يا ليلى أنا عاوز أقولك حاجة مهمة، أو إياكي تفتكري حبي ليكي ضعف، بالعكس من كتر حبي ليكي بيخليني أعافر علشان أوصلك، دا الفرق بيني وبينك أنا بحبك بجد لكن انتي عمرك ما دقتي طعم الحب، لسه عرضي موجود، عن إذنك.
***
في منزل شهد.
تحدثت "سميحة" ببكاء:
أبوس إيدك يا حسني وطي صوتك هاتسمعك.
نظر لها حسني بغضب:
ما تسمع ولا تولع، أنا خلاص بقولك بكرة بالكتير تمشي من هنا، مبقتش عاوز أشوفها.
أردفت "سميحة" بعتاب:
اخص عليك يا حسني تمشي تروح فين دا بيت أبوها.
جذبها حسني من مرفقها بغضب:
لأااا، دا بيتي أنا، دا بيت حسني مش مصطفى، انتي ناسية إنك بعتهولي.
نظرت له سميحة بذهول:
يعني إيه، بقى بيتك من حقك تطرد البت منه، لأ يا حسني أنا لسه عايشة مموتش، وبعدين البت مظلومة، دي بنتي وأنا مربياها كويس.
تحدث حسني بغضب:
يعني إيه يا ولية انتي لسه عايشة مموتيش، هاخاف مثلاً لا أبداً، دا أنا ممكن أطردك معاها ولا يهمني، وبعدين يا أختي أنا ماليش فيه أنا ليا اللي الناس بتقوله بنتك مشيت مشي بطال نزلت من البيت تتسحب ورجعت مع الآبلة ليلى في نص الليل الله أعلم كانوا بيعملوا إيه.
حركت سميحة رأسها بعنف:
لأ والله، دي نزلت علش...
قاطعها حسني بغضب:
اسمعي يا ولية آخر كلام هاقوله، بنتك بكرة تمشي، ماليش فيه، ولو عاوزة تمشي معاها امشي مش فارقة بس الله في سماه مانتي شايفة سلمى تاني وهاخفيها من على وش الأرض، وهاقولها أمك اختارت شهد ومختارتكيش، وشوفي بقا هاتتعب إزاي.
***
في منزل رامي.
رامي بغضب:
يعني إيه يا أمي مالوش ذنب، لأ بقى له ذنب في كل حاجة، اتزنقت في زفت ٥٠٠٠ آلاف جنيه من الهوا.
سارت رجفة في جسد الصغير واختبأ في حضن جدته، بينما أردفت صفاء:
يابني اهدى، خلاص اللي حصل حصل وبعدين انت اتزنقت فيه لمين، مش لصاحب عمرك سامي.
جلس رامي بتعب:
يا ماما، أنا داخل على مشروع وتوفير فلوس، أنا بعمل دا كله لمين، مش بعمله له، علشان يكبر يلاقي اللي يتسند عليه، أنا بتعب وبنحت في الصخر علشان مين، وبعدين ماشي سامي على عيني وراسي، بس أنا كدا طبعي كدا، مبحبش يكون عليا فلوس لحد.
استغفرت صفاء ثم أبعدت الصغير عنها وقامت نحو ابنها وجلست بجانبه واردفت:
يابني والله أنا حاسة بيك، وحاسة قد إيه انت مضغوط وتعبان، وبتحاول على قد ما تقدر توفر لينا حياة كريمة وحلوة بس معلش هدي نفسك، الواد خايف من وقت ما جيت، من صوت زعيقك ونرفزتك، دا بدل ما تاخده في حضنك وتحتويه، حمزة اتضرب يا رامي ووسط زمايله.
نظر رامي لحمزة، وجده ينظر له بخوف، رق قلبه وأشار له يأتي. سار حمزة في خوف، حتى اقترب وجذبه رامي له:
متزعلش مني، أنا ربيته على اللي عمله فيك، متخافش أبوك في ضهرك.
ضم الصغير جسد والده له بقوة واردف:
أنا بحبك أوي يا بابا.
ابتسم "رامي" واردف بصوت حانٍ:
وأنا مبحبش حد إلا انت.
***
في منزل ليلى.
جلست تقرأ في القرآن الكريم وتبكي، لعلها تهدأ. توقفت عندما سمعت صوت طرق على الباب. قامت بتعب وفتحت، تفاجأت بأم زكريا. لم تتوقع مجيئها فهي آخر شخص تتوقع مجيئه. طوال الوقت تظهر لها كرهها وعدم قبولها فكرة زواجها من زكريا، ف(زكريا) موظف في الصحة لا تناسبه ليلى بوظيفتها كممرضة في مشفى.
تحدثت ليلى بتعب:
اتفضلي يا طنط.
دلفت أم زكريا ووقفت في منتصف الصالة واردفت بصوت مرتفع:
بصي ياحبيبتي، أنا مش جايلك علشان أعزيكي والكلام دا انتي متستاهليش أصلًا، بصي بقى يا أختي هلا هلا على الجد والجد هلا هلا عليه، انتي مبقاش ليكي قعاد هنا، أنا زكريا ابني زعلان ومقهور إنه خطب واحدة زيك، وكل ما يعدي من تحت باب البيت يجي مقهور ودا ابني ويعز عليا ابني كدا، فانا كلمت أم حسين وقولتلها أنا هاشتري الشقة دي منها بس شرط تكرشك برا البيت، وهي وافقت، مشوفكيش بقى من بكرة الصبح، امشي من دلوقتي مانتي متعودة على كدا، وأنا مش قلقانة عليكي، أنا عارفة سهل تلاقي بيت من البيوت اللي كنتي بتروحيها، عن إذنك يا حبيبتي.
تسمرت قدمها مصدومة من هول الحديث، لم تقوى على الرد. جلست مكانها ودموعها تسيل بغزارة، لماذا كل هذا، هل هو عقاب أم بلاء.
***
في منزل شهد.
نهضت شهد بعصبية:
أنا كنت عارفة إنك هاتعملي كدا، تبيعيله الشقة ومع أول فرصة يطردني وأترمى في الشارع وبيت أبويا موجود.
بكت سميحة:
والله يا بنتي غصب، قالي اكتبيه باسمي علشان وصلات الكهرباء والميه وكدا، أعمل إيه؟
هدرت شهد بغضب:
أعمل إيه أنا، ووديتيني في ستين داهية هاروح لمين يا ماما، ليلى طردتني امبارح علشان شاكة إني السبب في فضحيتها، أروح أقعد في الشارع.
صرخت سميحة:
وأنا أعمل إيه أطلق وأروح بيكي فين، طب وسلمى اللي محتاجة حد يراعيها.
كتمت شهد غيظها:
خلاص يا ماما، أنا هالم هدومي وأمشي وزي ما تيجي تيجي.
هدأت سميحة نوعًا ما واردفت:
بصي يا بنتي خالتك صفاء هي أختي من أمي، ساكنة في .....، روحييلها وعرفيها بنفسك واقعدي معاها هي طيبة وحنينة أوي وهتاخد بالها منك.
تحدثت "شهد" بضعف:
هي هاترضى تستقبلني يا ماما، دا أنا عمري ما شوفتها.
أومات سميحة:
هاترضى والله دي أطيب خلق الله بس منه لله حسني خلاني استلف منها ١٠٠٠٠ جنيه زمان ومعرفتش أردها وحلف عليا طلاق منا مكلماها تاني، فقطعت معاها تليفونات وغيرت رقم تليفوني.
ضحكت شهد بتهكم:
مستلفة منها ١٠٠٠٠ جنيه وبتتهربي منها وعاوزاني أروحلها، دي احتمال تطردني أو تتف في وشي.
رواية شهد الحياه الفصل الثالث 3 - بقلم زيزي محمد
وقفت ليلى خارج سور المشفى، تأملت المشفى قليلاً من الخارج، ثم أخرجت هاتفها الجوال وأرسلت رسالة نصية:
(لو حضرتك فاضي، أنا مستنية في الكافيه اللي جنب المستشفى).
وضعته مرة أخرى في حقيبتها وتنهدت. ذهبت في طريقها للمقهى، عازمة في قرار نفسها على تنفيذ ما تريده.
***
عزمت حقيبة ملابسها، وأحكمت حجابها، منعت نفسها من البكاء. لا أحد يساوي دمعة واحدة من دموعها. أمها تركتها من أجل زوجها وابنتها، تركتها تمشي وحيدة، لا مأوى لها. ماذا إن رفضت خالتها استقبالها؟ حتى الأمل الوحيد التي قضت الليل كله عليه تبخر بعلمها ترك ليلى للشقة وذهابها إلى مكان لا يعلمه أحد. إذن خالتها صفاء هي الحل، حتى تؤمن لنفسها مكان للمبيت وعملاً تنفق منه على حاجتها. فتحت باب غرفتها، نظرت بعينيها الواسعتين وجدت أمها جالسة منكبة على نفسها وتبكي، وأختها تنظر لها بحزن شديد، أما (سبع البورمبة) حسني ينظر لها بتشفي وابتسامات ساخرة. تجاهلت نظراته وتجاهلت بكاء أمها وحزن أختها وذهبت مباشرة في اتجاه باب الشقة. وقفت عندما سمعت أمها تردف ببكاء:
(يا شهد أبوس إيدك سامحيني).
استدارت ونظرت لها بقوة:
(اللي بيسامح ربنا، ابقي اطلبي منه السماح على موافقتك طردك لبنتك ورميها في الشارع. عن إذنك).
خرجت من الشقة قبل سماع رد أمها. خرجت من البناية متجاهلة نظرات الناس لها واتجهت نحو الشارع الرئيسي، حتى تستقل سيارة الأجرة لتقلّها لبيت خالتها. دعت ربها في سرها كي يصلح لها حالها.
***
في الكافيه.
كانت "ليلى" تجلس بتوتر شديد وأمامها كريم الذي كان بدوره يبتسم لها بحب. أخذت ليلى نفسًا طويلاً ثم أخرجته ببطء، وهتفت بتوتر:
(حضرتك ياريت تسمعني للآخر. أنا جيت وطلبت مساعدة منك لأنك حد محترم ووقفت جنبي كتير. أنا خلاص مبقاش ليا مكان، ومستحيل أرجع المستشفى، مش هستحمل أشوف نظرات زمايلي ليا. فـ أنا يعني، احم، أنا كنت سمعت من زمايلي إن والدك مريض واحم متقاعد. أنا ممكن أجي أساعده وأبات معاه وأعطيله دوا بانتظام، وكدا).
هتف كريم بصوت حنون للغاية:
(ليلى أنا طلبت اتجوزك علشان أعيشك ملكة لأنك تستاهلي تعيشي كدا. مش عاوزك ممرضة لوالدي. والدي عنده اتنين مش واحدة. بس أنا يا ليلى عاوزك مراتي، نفسي تحسي بيا).
رفعت ليلى عينيها الممتلئين بالدموع:
(دكتور كريم، إنت ليه مش مدرك إني مش هقدر؟ مش عشان ذكريا، لأ. عشان اللي مريت بيه مش سهل. اللي مريت بيه حاجة صعبة أوي فوق ما حد يتخيله. أنا اتخد مني أعز ما أملك. أنا اتبصلي من المجتمع كأني متهمة مش المجني عليها. أنا أبويا مات وهو فاكرني مش كويسة. أبويا مات بسببي. إزاي ممكن تتخيل إني هاقدر أعيش وأكمل حياتي وأتجوز وأحب عادي وبسهولة؟ أنا اتدمرت حرفيًا من جوه. أنا كل حاجة اتكسرت فيا، مبقاش ينفع حاجة فيا تعيش وتفرح ولا قلب ولا روح. أنا بقيت جسم ماشي بيتحرك بس من غير روح).
تاهت الكلمات من كريم، رمقه بحزن:
(ليلى أنا حاسس بيكي. بس أنا موافق إنك تكوني ممرضة لوالدي وتباتي معاه بس تكوني على ذمتي. ليلى هاتقعدي إزاي في البيت براحتك مثلًا؟ يبقى نتجوز ونقعد براحتك وناخد هدنة نتعامل فيها كأننا أخوات. وأنا أوعدك مش هاضغط عليكي وهاسيبك تقرري في الآخر إنتِ عاوزاه إيه).
فاجأته ليلى بسؤالها:
(هو إنت بتحبني على إيه؟ يعني أنا ليلى حتة ممرضة لا راحت ولا جت. شكلي عادي، مش غنية. إنت ما شاء الله عليك عكسي في كل حاجة دكتور وشكلك يعني احم جذاب، وغني. أي بنت تتمناك).
ابتسم كريم وأردف بحب:
(أنا بحب ليلى الطيبة، ليلى الحنونة، ليلى الجميلة بروحها قبل شكلها، ليلى اللي صوت ضحكاتها جذبني أول مرا جيت المستشفى. بحب ليلى الجميلة أم عيون عسلية ووشها أبيض كانه بدر منور. عشقت خصلات شعرك اللي بتتمرد من طرحتك. ليلى أنا بحبك أوي، ومش مكسوف وأنا بقولها. أرجوكي وافقي بجوازنا أنا عمري ما أذيكي، ولا عمري أفكر أهينك. بس كل اللي نفسي فيه إن لما أدخل البيت أبقى مرتاح إنك موجودة فيه وعلى ذمتي).
نظرت ليلى له بقوة لعلها تستشف من حديثه عن كذب، ولكن كالعادة استطاع بهدوئه ورزانته أن يضغط عليها ويغير قرارها وتوافق على عرض الزواج حتى وإن كان مؤقتًا أو مع إيقاف التنفيذ.
***
في منزل رامي.
كان رامي يدور في الغرفة بغضب شديد حتى سمع صوت هاتفه. التقطه بسرعة، وضغط على زر الإجابة، أتاه صوت يتحدث برسمية:
(أستاذ رامي، أنا رأفت اللي مسؤول عن مشرو... ).
قاطعه رامي بسرعة:
(آه، آه، أستاذ رأفت. أنا اتصلت على خدمة العملاء أستفهم ليه حضرتك الشيك مش اتصرف لغاية دلوقتي. المكان جاهز والمعدات جاهزة واتركبت، ليه الشيك التاني اتأخر كدا).
هتف "رأفت" بجدية:
(حضرتك في مصر يا أستاذ رامي، أكيد فيه تأخير في صرف الشيك التاني. الصبر بس بكرة بالكتير أوي هايتصرف).
تعجب رامي من رده:
(حضرتك، أنا اتأخرت في افتتاح المشروع هألحق الموسم إزاي؟ طيب هألحق أجيب الخامات. كل تأخير ميبقاش في صالحي. حضرتك أنا حاجز ناس عشان شغل ومقعدهم في بيوتهم وعمال أقولهم خلاص هانبتدي. الناس دي بتدور على أكل عيشها ولو لقوني اتأخرت يالا السلامة، وشوف بقى لغاية ما ألاقي ناس زيهم).
هتف رأفت ببرود:
(بالراحة يا أستاذ رامي، العجلة من الشيطان. كل حاجة في وقتها. المهم عشان عندي شغل، بكرة هاصرف الشيك، سلام).
غلق رامي المكالمة وألقى الهاتف بعصبية وهتف بصوت عالٍ:
(أقوله عطلة وزفت مصالح بتتأخر يقولي إنت عايش في مصر عادي. منا عارف إني عايش في مصر).
***
هتفت شهد بصدمة:
(يعني إيه الإسانسير بايظ؟ يعني أنا المفروض هاطلع ٨ أدوار؟ يالهوي).
قال بواب البرج بضيق:
(أعملك إيه، اطلعي دا حتى طلوع السلالم رياضة).
رفعت أحد حاجبيها باعتراض:
(رياضة!!! قول قطع نفس. دول ٨ أدوار ياعم الحج، لا وكمان إيه بالشنطة. وسعلي كدا من طريقي، ما أبدأ رحلة الصعود).
وقفت شهد في منتصف الأدوار وحاولت تنظيم أنفاسها العالية والهائجة وهتفت لنفسها:
(اجمدي كدا يا شوشو، اجمدي وفكري في أي حاجة اهو أنسي تعب السلم).
وصلت أخيرًا وبعد معاناة لباب شقة خالتها وقفت وهندمت ثيابها وحجابها وطرقت الباب عدة طرقات، حتى فتح الباب. ظهر رامي بجسده الطويل، وملامحه الغاضبة. حمحمت شهد وأردفت بابتسامة عريضة:
(أنا شهد، بنت أخت خالتو صفاء).
رمقها رامي بنظرة سريعة ثم أغلق الباب في وجهها بقوة. عقدت شهد حاجبيها وأردفت:
(هو قفل الباب في وشي ولا أنا بتهيألي).
***
في بيت حسني.
كانت سميحة تقوم بغسل الأطباق ودموعها تتساقط حزنًا على ابنتها، ثم شعرت بيد لطيفة تتحرك بلطف على كتفيها وصوت حانٍ يهتف:
(أنا عارفة إنك كان نفسك تسيبيني يا ماما وتروحي معاها بس اللي منعك مرضي).
استدارت سميحة لابنتها واندفعت نحو أحضانها وبكت بصوت عالٍ:
(أنا مقسومة يابنتي، بنتي اترمت في الشارع والله أعلم صفاء هاتستقبلها ولا لأ. أنا في نظرها أم قاسية وجاحدة، بس أعمل إيه ما باليد حيلة).
بكت سلمى هي الأخرى:
(أنا كمان مقدرتش أدافع عن أختي قدام ظلم بابا. أنا كمان في نظرها وحشة).
ابتعدت سميحة عنها:
(لا متقوليش كدا، دا هي أصلًا رضيت تمشي من غير مشاكل عشان إنتي متتعبيش. هي بتعمل دا كله عشان خاطرك).
دلف حسني إلى المطبخ وأردف بصوت غليظ:
(مش هناكل إحنا في سنتنا دي، العياط دا مش هايخلص).
استدارت سميحة بسرعة وأوهمته أنها تقوم بالطبخ وهتفت بصوت حاولت أن يكون طبيعيًا:
(أهو بعمله، أول ما أخلصه هنادي عليك).
هتف حسني بضيق:
(طب أخلصي ياختي، نسوان تجيب الهم والقرف).
***
كانت ليلى تجلس في سيارة كريم وتنظر للمارة في الطريق وشردت فيما يخبئه لها المستقبل. هل فعلًا كريم يحبها؟ هل هو شخص طيب القلب كما يظهر لها؟ هي لم تعرف عنه سوى الدكتور كريم الخلوق المحترم، وبعض من الكلام المسرب عن حياته من الممرضات الأخريات. تسرب شعور الخوف والقلق إلى نفسها، حتى انتبهت على صوت كريم مناديًا إليها. نظرت له وهتفت بوجه خالٍ من التعابير:
(خير يا دكتور).
ابتسم كريم وهتف:
(إيه بقولك إحنا وقفنا، ووصلنا قدام المأذون. وبعدين إيه دكتور دي، اسمي كريم وبس).
هزت ليلى رأسها بنفي وأردفت:
(لأ حضرتك بالنسبالي دكتور كريم وبس، معلش لازم يكون فيه تحفظ في العلاقة).
رمقها بضيق قائلًا:
(طيب يلا، عشان ندخل للمأذون).
***
(آه وإنتي جاية ليه بقى إن شاء الله).
كان ذلك صوت رامي الغليظ. نظرت له والدته معاتبة، ثم انتقلت ببصرها لشهد وابتسمت قائلة:
(نورتيني يا شهد والله كان نفسي أشوفك من زمان).
ردت شهد لها الابتسامة ولكنها لم تكن أكثر من ابتساكة مجاملة:
(الله يخليكي يا خالتي، وأنا كمان نفسي أشوفك).
نهض رامي وأردف بغضب:
(إنتي يا بتاعة ردي عليا، إنتي جاية ليه؟).
انتفضت شهد من جلستها واقتربت منه وأشارت له بيديها:
(بص بقولك إيه اهدى على نفسك كدا، إنت بتكلمني كدا ليه، هو أنا بشتغل عندك ولا إيه).
ذهل رامي من جرأتها في الرد عليه:
(إيه قلة الأدب دي، إنتي إزاي تردي عليا كدا).
رفعت شهد حاجبيها باعتراض:
(مش إنت اللي لسه مكلمني بقلة أدب، طبيعي هأرد عليك بقلة أدب).
جذبها رامي بغضب من مرفقها:
(أنا قليل الأدب؟ طب وأقسم بالله لولا إني عامل احترام لأمي كان زمانك دلوقتي مع الأموات).
وقفت صفاء معاتبة كلا منهما:
(كدا، دي عمايل ناس كبيرة، عيب والله).
ترك رامي مرفقها وجلس مكانه:
(استغفر الله العظيم).
همست شهد لنفسها:
(مؤمن أوي يا خويا).
رفع عينيه الخضراء نحوها:
(أهو بصي يا أمي بتبرطم وبتقول حاجة عليا).
هتفت صفاء في هدوء:
(اهدأ يا ابني، قوليلي يا شهد، سميحة مجتش معاكي ليه؟).
بلعت شهد ريقها بتوتر وأردفت:
(احم، عشان جوزها طردني من البيت).
عقدت صفاء حاجبيها:
(إزاي يعني طردك دا بيت أبوكي؟ أنا فاكرة كويس والدك الله يرحمه لما اشتراه كتبه باسم سميحة عشان تفرح، بس قالها إن دي شقتك لما تكبري).
هتفت شهد بضيق:
(لأ ماهو حسني الله يجحمه، ضحك عليها وخلاها تبيعه له، وكرشني برا البيت).
ضيقت صفاء عينيها بتركيز:
(طيب معلش يابنتي، طردك ليه؟ هو لو عاوز كان طردك من زمان، إشمعنى دلوقتي).
شعرت شهد بالانكسار. تمالكت نفسها وأردفت:
(هو أصلًا كان بيتلككلي كل يوم والتاني إهانة وضرب وفضايح، وأي عريس بيجيلي بيطرده من برا من غير ما أعرف، بس المرادي بقى جتله على الطبطاب).
هتف رامي بحدة:
(ليه إيه اللي حصل).
تقلصت ملامح شهد بغضب:
(عشان صاحبتي، يعتبر أعز أصحابي. أبوها اتصل عليها في نص الليل وكان قلقان عليها اكمنها يعني بتشتغل ممرضة في مستشفى. أنا اتصلت عليها واحد زميلها رد وقالي إنها تعبانة في المستشفى ولازم أجاي ويستحسن مبلغش والدها. وليلى دي صاحبة عمري، نزلت من غير ما حد يحس وروحت وهناك عرفت إنها يعني، احم اتعرضت للاغتصاب وكدا. فضلت معاها لغاية ما خرجت، وروحنا البيت، وحلفتني ما أقول لحد. روحت نمت صحيت على جوز أمي بيضربني ويزعقلي والحارة كلها عارفة الحكاية بس حد محرف فيها وقالوا علينا إننا ماشيين مشي بطال. بعدها روحت لليلى أستفهم منها مين قال، طردتني برا البيت فاكراني السبب وإني نطقت بكلمة، مع إني والله لو على رقبتي ما كنت أنطق بحرف).
هتف رامي بتهكم:
(طب مانتي فضحتها اهو ونطقتي بكل حاجة).
تجمعت الدموع في عينيها:
(أنا مكنتش هانطق لولا إن طردت من بيتي وبقيت في الشارع ملياش مكان، ولما جيت هنا أحتمي فيكم عشان إنتوا من دمي، وواجب عليا أحكي الحقيقة، عشان في الآخر ميبقاش اسمي كذابة، وإنتوا متعرفوش ليلى، يبقى مفضحتهاش معاكم. أنا بحكي السبب اللي خلى جوز أمي يطردني من البيت، على العموم عن إذنكم).
هتف رامي سريعًا:
(إنتي رايحة فين؟ اقعدي هنا، إنتي مش لسه قايلة إنك من دمنا يبقى اقعدي هنا معانا. ليكي مكان تروحي له؟).
هتف شهد بكبرياء:
(لأ مليش بس أرض الله واسعة).
نهضت صفاء من جلستها:
(اقعدي يا حبيبتي دا بيتك قبل ما يكون بيتنا. وبعدين معلش اتعودي على رامي كدا هو بيغضب بسرعة وبيزعق على طول).
هتف رامي بحدة:
(هو أنا كدا زعقت يعني).
ابتسمت "شهد" سريعًا وأردفت:
(خلاص أنا مش زعلانة منك إنت في مقام أخويا الكبير بردو).
نهض رامي سريعًا والتقط هاتفه ومفاتيحه وأردف:
(أنا ماشي يا أمي، اتأخرت على الشغل. صحي حمزة وفطريه وخليه يذاكر شوية، ميقعدش على التلفزيون إلا لما يذاكر الأول يا ماما).
هتفت صفاء:
(حاضر يابني).
خرج رامي وانتظرت شهد سماع صوت إغلاق الباب، ثم نظرت لصفاء:
(هو كدا وافق أقعد معاكم).
ابتسمت لها صفاء:
(آه طبعًا وافق، رامي ابني جدع وطيب).
ردت لها شهد الابتسامة:
(ربنا يخليهولك، متقلقيش يا خالتي، أنا بس هنام هنا ومتحسوش بيا، ومن بكرة هنزل أدور على شغل، مش هاكلفكو حاجة).
هتفت صفاء بعتاب:
(كدا بردو يا شهد إحنا اتكلمنا في كدا، إنتي قولتي بلسانك رامي زي أخوكي الكبير وكمان تشتغلي إيه، إنتي تقعدي هنا تساعديني على حمل البيت).
حمحمت شهد ثم أردفت بفضول:
(معلش يعني هو رامي ابنك مخلف).
هتفت صفاء بحزن:
(آه مخلف حمزة عنده ٧ سنين، بس مراته ميتة... بعد ولادة حمزة بيومين جالها نزيف بعد الولادة خطأ دكتور الله يسامحه بقى).
تمتمت شهد بصوت منخفض للغاية:
(عشان كدا عصبي، لازم أعذره بردو).
ثم تابعت حديثها بصوت عالٍ:
(ربنا يرحمها يا خالتي والله زعلتيني، المهم أنا كنت عاوزة يعني أقولك على حاجة).
انتبهت لها صفاء قائلة:
(حاجة إيه يا حبيبتي).
تحدثت شهد بإحراج:
(أنا عارفة يعني يا خالتي إن أمي استلفت منك ١٠٠٠٠ جنيه ودا مبلغ كبير، واتهربت من سداده بس يمين الله ما كنت أعرف إلا امبارح، بس أنا أوعدك هادور على شغل وهاسدهم ليكي على طول).
هتفت صفاء بعتاب:
(اخص عليكي هو أنا كنت جبت سيرة فلوس يا شهد وبعدين الفلوس دي دول ورثي من المرحوم جوزي ومكنتش هاعوزهم في حاجة، إنتي شايفا رامي اهو راجل قد الدنيا بيشتغل محاسب في شركة، وكمان بيفتح مشروع جديد وميمي بنتي مسافرة السعودية مع جوزها ومش محتاجة. أنا لو كنت عاوزاهم كنت طلبتهم، وبعدين اختي وفي ضيقة عادي، والله أنا نسيتهم).
هتفت شهد بحزن:
(إنتي طيبة أوي يا خالتي، الا قوليلي إنتي لو مكان أمي هاتسيبي بنتك ترمي في الشارع).
صمتت صفاء عقب جملة شهد، فهي في نفسها عاتبت على أختها وضعفها من ناحية حسني، صمتت لأن إجابتها سوف تزيد البعد بين شهد وسميحة.
***
عند زكريا.
اندفع زكريا إلى غرفة والدته بغضب وأردف:
(إنتي يا ماما طردتي ليلى من شقتها صحيح؟).
لوت مديحة شفتيها بتهكم:
(آه ياخويا طردتها، عشان يا حنين مترجعش في كلامك وتقولي اتجوزها وأستر عليها).
صاح زكريا بصوت جهوري:
(بس أنا لسه منتقمتش منها، لسه مش شفيت غليلي منها، بنت ال***** مشيت قبل ما أذلها تاني وتالت ورابع، مشيت قبل ما أتزوج قصاد عيني).
ابتسمت مديحة في خبث:
(ولا يهمك يا حبيبي، دا أنا هاجوزك ست ستها، وهاجيبلك اللي أحلى منها وتنسيك ليلى وأبو ليلى).
نظر لها زكريا وأردف بغل:
(بنت ال*** كانت مقضياها ياما، وأنا تتمنع عليا، وتقولي متمسكش إيدي إلا بعد كتب الكتاب، وأنا طول الوقت كنت بتقرطس).
رفعت مديحة حاجبيها باعتراض:
(ولا عاش ولا كان اللي يقرطسك يا حبيبي، دا إنت زكريا باشا موظف في الصحة قد الدنيا، هي كانت تطولك؟ وبعدين هي مكنتش على ذمتك يا زكريا، دي كانت لسه في بيت أبوها، كانت بتقرطس أبوها هي، وأهو ربنا عطالها ما في نيتها وأبوها مات وأنا طردتها شر طردة، متزعلش يا حبيب أمك).
هدأ زكريا نوعًا ما، فكلام والدته له كان عبارة عن مخدر:
(بصي ياما، إنتي من بكرة تدوريلي على عروسة وتجوزهالي فاهمة ولا لأ وعاوزها أحلى من ليلى مية مرة).
قهقهت مديحة بشر:
(وحياتك عندي لاخلي الحارة كلها تتكلم عن جمال عروستك وادبها وأخلاقها).
***
(بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير).
رفعت ليلى أبصارها نحو كريم وجدته ينظر لها بسعادة وتتسع ابتسامته. حاولت جاهدة إخراج ابتسامتها ولكنها فشلت وهبطت مكانها الدموع. خرجت سريعًا من مكتب المأذون وتوجهت نحو السيارة. حزن كريم كثيرًا وأنهى إجراءات المأذون، ثم خرج واستقل سيارته وأدارها دون كلام. كانت طول الطريق ليلى تبكي بصوت، وكريم يضغط بيده على محرك السيارة بعصبية ويحاول التحكم في أعصابه، حتى وصل عند منزله، أوقف السيارة على جنب الطريق وفتح درج السيارة وجذب منديلًا وأعطاها إياه في صمت. أخذته ليلى وأزالت دموعها، ثم تنهدت بصوت عالٍ. استدار ناحيتها كريم وأردف:
(ليلى، والدي كان عارف إني بحبك. أنا طبعًا اتصلت بيه وفهمته إن والدك مات وخطيبك سابك ومبقتيش قادرة تدفعي إيجار شقتك وأنا عرضت عليك الزواج وإنتي وافقتي. ياريت متجيبيش سيرة ال...).
قاطعته ليلى بعصبية:
(خلاص يا دكتور، متشكرة وفهمت الحكاية).
نظر لها كريم مستغربًا:
(ليلى على فكرة أنا مقلتش لوالدي الحكاية دي عشان متحسيش بشفقة من حد، ولا تحسي إنك قليلة ولا تبقي حساسة. الموضوع دا سر بيني وبينك).
هدأت ليلى قليلاً فهي قد توقعت أنه يخفي أمر اغتصابها خوفًا من مواجهة والدته:
(طيب يا دكتور، يلا بينا).
هتف كريم بضيق:
(ليلى ماهو مش معقول قدام والدي تقوليلي دكتور، على فكرة إحنا هانعيش قدامه زي أي زوجين عاديين. والدي تعبان ومش عاوز أحسسه بحاجة).
توسعت أعين ليلى وهتفت بتلعثم:
(يعني إيه يا دكتور نعيش زي أي زوجين عاديين؟ لاء إحنا كل واحد فينا ينام في أوضة).
ولأول مرة يغضب كريم على ليلى:
(إنتي بتفكري إزاي يا ليلى؟ أنا عمال أقولك تعبان ومش عاوز أحسسه بحاجة، وبعدين متخافيش أوي كدا مش هنام جنبك، هنام على الأرض، في أي زفت، بس والدي ميحسش بحاجة، والدي محتاج الهدوء والراحة).
صعدت الدماء لوجه ليلى وهتفت بإحراج:
(احم، آسفة يا دكتور).
نظر لها كريم بتعجب:
(تاني!!، دكتور، يا ليلى بقولك قوليلي كريم، بصي ما بينا قولي دكتور وقدام بابا قولي كريم، أوك).
هتفت بنبرة مهزوزة للغاية، خائفة مما تقدم عليه:
(طيب).
***
عاد رامي من عمله مرهقًا، أخرج مفاتيح البيت وبعدها رجع في قراره تذكر وجود شهد بالداخل. ابتسم ابتسامة لطيفة وهادئة ولكنها سرعان ما اختفت عندما تذكر أمرًا ما. قام بالضغط على جرس الشقة، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى فتحت له والدته.
(رامي، إنت اللي بترن، مفتحتش ليه؟).
هتف رامي بتعب:
(عشان اللي اسمها إيه دي لتكون قلعة الطرحة).
(اسمي شهد يا عم رامي).
كان ذلك صوتها المفاجئ من خلف والدته. نظر لها باندهاش:
(عم رامي!!!).
استدارت بخفة قائلة:
(آه فكك كدا مالك متنشن ليه؟).
اختفت من تحت بصره، أومأ على والدته وهمس:
(هي مالها يا أمي واخدة البيت لحسابها؟ أنا شايف ما شاء الله رايحة جاية والدنيا حلوة).
ضحكت صفاء وهمست:
(اسكت دي عسل، أنا شفتها الصبح وقولت نكدية، لقيتها فرفوشة وبتحب الضحك. دي طابخة بإيديها النهاردة، وحمزة كمان اتعلق بيها بسرعة).
هتف رامي بضيق:
(طابخة، يا أمي قولتلك مبحبش آكل من إيد حد غيرك، بقرف).
نظرت له صفاء وأردفت بعتاب:
(عيب يا ابني، دي مهما كان بنت خالتك).
رفع رامي حاجبيه ببرود:
(هو أنا شتمت فيها، أنا بقولك بقرف يعني دا طبع فيا).
(متخافش بغسل إيدي كويس، وأكلي نضيف، بكرة تتحايل عليا أعملك أكل كل شوية).
قالت كلامها وذهبت مرة ثانية إلى المطبخ، بينما ابتسمت صفاء. نظر لها رامي بحدة:
(ماهو مش أسلوب دا يا أمي، أقول كلمتين ألاقيها نطالي وبترد).
تجاهلت صفاء كلامه وأردفت:
(بقولك إيه روح يالا خد الشاور بتاعك و يالا عشان نتغدى).
***
وقفت في تلك الغرفة الواسعة، التي تقريبًا حجم منزلها مرتين، مصممة بشكل عصري، كل شيء مهندم وفي مكانه، وهذه أول عادة عرفتها عن كريم، أو الدكتور كريم وهي النظام. وضعت حقيبتها على جنب وجلست على الأريكة بجانب النافذة، حتى دلف كريم، ونظر لها مستفهمًا:
(إنتي قاعدة ليه كدا؟).
نهضت مرة أخرى وهتفت بتوتر:
(يعني، مش عارفة أعمل إيه؟).
ابتسم لها كريم وأردف بلطف:
(تعملي إيه في إيه، خدي يالا شاور، وغيري هدومك، ولما تخلصي نروح لبابا في أوضته تتعرفي عليه وتقعدي معاه).
تلعثمت في كلامها:
(آه، ماشي، حاضر).
ذهبت بخطوات متعثرة نحو الحقيبة فوجدته سابقها ورفعها على السرير وقام بفتحها، ثم أردف:
(أنا ها أدخل أغير في الأوضة دي، وبليل ابقي رصي هدومك فيها).
ضيقت عينيها بتركيز:
(أرص هدومي فيها إزاي مش فاهمة).
هتف كريم بجدية:
(بصي ياستي بقت موضة اليومين دول بدل الدولاب يعملوا غرفة متقسمة كدا وفيها مرايات وتبقى أوضة اللبس).
لوت شفتيها بسخرية:
(ليه يعني وماله الدولاب اشتكى).
ضحك كريم بخفة:
(والله ما عارف موضة بقى).
تحركت نحو حقيبتها، وأخرجت ملابسها البسيطة على استحياء، ثم دلفت إلى المرحاض، مغلقة على نفسها جيدًا، لا تعرف لماذا تفعل هكذا، ولكنها شعرت في يوم وليلة بعدم الأمان. افتقدت إحساسه بوفاة والدها. مهما كان لطف كريم معها، يجب عليها الحذر. خلعت ملابسها بتوتر، وفتحت المياه الدافئة، وأخذت حمامها، ثم لبست هدومها والتي كانت عبارة عن جيبة سوداء اللون وبلوزة سوداء. قامت بإحكام حجابها جيدًا، ثم خرجت من المرحاض بإحراج وجدت كريم يجلس على الأريكة، يلعب في هاتفه. رفع بصره نحوها وابتسم، حتى تلاشت ابتسامته وحل محلها العبوس:
(إنتي ليه لابسة الطرحة يا ليلى).
وضعت ليلى يديها تلقائيًا على حجابها:
(أومال؟ ملبسهاش ليه؟).
نهض كريم واتجه نحوها:
(وتلبسيها ليه أصلًا، إنتي في بيتي ومفيش راجل غريب).
ردت ليلى سريعًا:
(إنت غريب).
رمقها كريم باندهاش عقب جملتها:
(أنا غريب؟ أنا جوزك يا ليلى).
نظرت له ليلى بتحدي:
(على الورق).
نظر لها كريم بغضب:
(مفيش حاجة اسمها على الورق، دا كله كلام فارغ، إنتي قدام ربنا مراتي شرعًا وقانونًا، أما بقى حكاية حقوقي الزوجية أنا راجل يا ليلى عمري ما آخدها منك غصب عنك، أو مش برضاكي. عشان إحنا مش حيوانات، ياريت كلامك دا ميتكررش تاني، أنا حافظ حدودي كويس ومش هاتعداها، بس ياريت إنتي كمان تحافظي على منظري قدام نفسي وقدام والدي، أنا مش كل شوية هاطلب منك تتصرفي إزاي، إنتي كبيرة وفاهمة، عن إذنك، أوضة بابا آخر الطرقة يمين).
تحركت ليلى نحو المرآة، ثم نظرت لنفسها، ترقرق الدموع في عينيها:
(هو ليه مفيش حد فاهمني، محدش حاسس بيا، محدش حاسس باللي مريت بيه، محدش حاسس أنا عيشت إيه مع الحيوان دا. أنا كنت بتمنى الموت في اللحظة دي بس مموتش. أنا فقدت أعز حاجة البنت بتملكها، يارب، إنت وحدك حاسس بيا، أنا مش عارفة أتكلم، ولا أطلع اللي جوايا، يارب أنا مش قد صدمة تانية في كريم، كفاية عليا صدمة موت أبويا، وصدمة ذكريا، و، وشهد، شهد اللي خانتني وفضحتني، أنا مش مسامحاها، مش مسامحاها أبدًا).
رواية شهد الحياه الفصل الرابع 4 - بقلم زيزي محمد
كانت تقف بهمة ونشاط في المطبخ وتقطع الخضروات لإعداد السلطة. لقد علمت من خالتها مسبقًا أن رامي يعشق السلطة بجانب الطعام. شردت بذهنها إلى ليلى، أين ذهبت وما حل بها. لم تنتبه للسكين الحاد الذي بيديها، جرحت نفسها وأصدرت آه خفيفة إثر جرحها.
أسرعت نحو الماء وفتحت الصنبور، وحاولت تنظيف يديها. تنهدت بتعب واردفت بهمس: "جيب العواقب سليمة يارب، يارب احميها دي غلبانة وحزينة، وملهاش حد، يارب كون معاها وابعد عنها الشر."
انتبهت على صوت حمزة: "بابا الحق شهد عورت نفسها بالسكينة وفي دم بينزل منها."
هتفت سريعا: "لا يا حمزة أنا كويسة."
اندفع رامي لداخل المطبخ بقلق: "سكينة إيه اللي عورتي نفسك بيها، أوعي كدا إيدك."
سحبت شهد يديها بسرعة: "مفيش حاجة في إيدي، دي تعويرة بسيطة."
جذب رامي يديها بغضب وأدارها حيث الجرح وطلب من والدته علبة الإسعافات. قام بتنظيف إصبعها. تسربت الدماء إلى وجه شهد من فرط الإحراج. أنهى رامي عمله وقام بغسل يديه واردف بحدة: "مبتعرفيش تدخلي مطبخ، قولي، محدش غصبك تدخلي."
سرعان ما غضبت شهد من هجومه: "لا بعرف أدخل المطبخ، وشاطرة كمان."
نظر لها بتهكم وقال: "أمال حضرتك عورتي نفسك إزاي يا شاطرة."
تقلصت ملامح شهد بغضب واردفت: "انت بتكلمني كدا ليه، ماتهدى على نفسك شوية."
كان على وشك الرد ولكن فاجأه امتنع عن الرد وأمر حمزة بالخروج من المطبخ والذهاب إلى غرفته. وقفت صفاء على أتم الاستعداد لتدخل في الوقت الحاسم. انتظر رامي ثواني حتى خرج حمزة، ثم اندفع بغضب نحو شهد واردف بغيظ: "بقولك إيه أنا هنا ليا احترامي، اياكي ثم اياكي تفكري تقللي مني، هاديلك فوق دماغك، مش على آخر الزمن، هاتيجي انتي وتهزقيني قدام ابني وأسكتلك مثلا."
اقتربت شهد وقالت بتحدي: "طيب كويس إنك عارف إن هزقتك."
اصطبغ وجه رامي باللون الأحمر واتسعت عيناه من وقاحتها: "انتي واحدة....."
قاطعه حديثه صوت صفاء الحازم: "كفاية يا رامي، كفاية انتو الاتنين، إيه داخلين حرب، اعتذري يا شهد لرامي، مش رامي دا في مقام أخوكي الكبير بردوا." وقالت حديثها الأخير بغمزة خفيفة من عينيها، انتبهت لها شهد على الفور حاولت كتم ضحكتها.
نظرت له مردفة بحزن مصطنع: "صح أنا آسفة يا رامي يا أخويا."
***
"ما شاء الله جميلة زي ما وصفك ليا كريم بالظبط."
تسربت الدماء إلى وجه ليلى واخفضت بصرها على استحياء. لا تعرف شعورها بالإحراج من حديث والد كريم السيد "جمال"، أم محرجة من نظرات كريم لها. ساد الصمت في الغرفة. نظر جمال لكريم نظرة ماذا بها، حرك كريم شفتيه دون إصدار صوت (مكسوفة).
هتف جمال وقال: "بقولكو قومو ناموا، أنا أخدت دوا واتعشيت وخلاص هنام."
هتفت ليلى بتعجب: "بس لسه بدري."
ابتسم جمال بلطف: "لا أنا راجل كبير ودقة قديمة وبنام بدري."
نهض كريم من جلسته وذهب باتجاه ليلى وقام بمحاوطتها بيديه: "طيب يا بابا تصبح على خير."
أخذها كريم وخرج من الغرفة. وفور خروجهما ابتعدت ليلى بسرعة. نظر لها بضيق واردف: "لدرجادي مش طايقة لمستي يا ليلى."
تحدثت ليلى بصوت منخفض للغاية: "وانت لدرجادي مش حاسس أنا حاسة بإيه، انت دكتور، ومش دكتور عادي، دكتور نسا وتوليد، يعني انت عارف إحساسي كويس، ولو مكنتش عارفه، أحب أعرفهولك يا دكتور كريم، أنا بقيت كارهة أي راجل، وأي نظرة من راجل وأي لمسة، أو حتى أي همسة، سواء بقى الراجل دا انت أو غيرك، كلكم واحد."
نظر لها بغضب، ثم تجاهلها ودلف غرفته. حدقت هي في أثره وغمغمت: "يووه شكلي عكيتها ولا إيه، بس أنا صح لازم يعرف حدوده كويس."
***
في منزل رامي المالكي.
قهقهت صفاء بصوت عالي: "يالهوي عليكي يا شهد، والله دمك خفيف."
اتسعت ابتسامة شهد واردفت: "ماهي تستاهل يا خالتي، جاية تتنصح عليا، قمت مديها أم حسين الهبلة دي، فاكرة هاتضحك عليا، دا ولا هي ولا عشرة زيها."
ربتت صفاء على يد شهد: "بتفكريني بأبوكي، كان يحب الحق زيك."
تلاشت ابتسامتها، ثم ترقرق الدموع في عينيها وقالت: "حتى عم أحمد كان طيب وغلبان أوي يا خالتي، موته كسر حاجة جوايا، كان بيسمعني لما جوز أمي يجي عليا، كان بيقويني، يعز عليا إنه مات وفاكر إني فضحت بنته، أنا مش كدا يا خالتي، أنا لا يمكن أخون حد أكلت معاه في نفس الطبق."
صمتت صفاء عقب حديث شهد. أزالت شهد دموعها بطرف كم ثيابها ورفعت صينية الشاي واردفت بهدوء: "ننسى بقى الزعل، من وقت ما جيت وأنا منكدة عليكوا، هاروح أطلع الشاي لرامي."
قالت صفاء: "طيب روحي أوضته، وأنا هاكلم ميمي بنتي على النت."
وقفت شهد على عتبة باب غرفة رامي، وتنفست بهدوء وقالت لنفسها: "عامليه حلو يا شوشو، دا مهما كان أكبر منك وعيب، أي نعم هو رخم، ودمه تقيل بس هاعمل إيه، وعلى رأي المثل، إيه اللي رمك على المر اللي أمر منه."
طرقت الباب بهدوء، سمعت صوت رامي يأمرها بالدخول. دلفت بهدوء رأته يتحدث في الهاتف، أشار هو إلى المنضدة، لكي تضع الشاي عليها، ذهبت ثم وضعتها ولكنها لم ترى تلك الأقلام الموضوعة بعشوائية على المنضدة، تحركت الصينية ثم وقع الشاي على الأوراق. انتبه رامي إلى صوت كسر كوب الشاي، استدار بسرعة، جحظت عيناه، ألقى الهاتف من يده، ابتلعت شهد ريقها بخوف، وارتدت إلى الخلف.
***
في منزل كريم.
بدل كريم ثيابه بثياب مريحة، ثم وضع الغطاء على الأريكة، وخرج من الغرفة. في نفس وقت خروجه، خرجت ليلى من المرحاض. لاحظت الغطاء الموضوع على الأريكة، ذهبت باتجاهها وجلست عليها حتى دلف كريم مرة أخرى بصحن من السندوتشات ووضعه أمامها وقال: "كلي، انتي تقريبًا طول اليوم مأكلتيش حاجة."
نظرت للاكل، ثم رفعت بصرها لكريم واردفت بصوت هادئ: "هو انت زعلان مني يا دكتور، أنا حقيقي مقصدتش الكلام دا، بس، بس أنا....."
اقترب كريم أكثر من ليلى وابتسم: "أنا حاسس بيكي وبإحساسك، ليلى أنا معاكي لآخر نفس فيا، هاخليكي تحبيني، زي ما أنا بحبك."
دق قلبها بعنف وتوترت وقالت: "طب ممكن أنام."
همس كريم وقال: "طيب كلي الأول، وبعدين روحي نامي على السرير، أنا هنام على الكنبة."
هرب الكلام من على شفتيها وابتعدت ببصرها عنه، أنفاسه الساخنة لفحت وجهها، أدت إلى توترها. سحقًا للأيام، سحقًا للظروف، من هي ليلى؟ مجرد فتاة، تعمل كممرضة في المشفى، فتاة فقدت أعز ما تملك في ثوانٍ، ومن أمامها أوسم رجل، وأحن رجل، ولكن تلك الحادثة تركت أثرًا في نفسها، تركت الضعف، وعدم الأمان، والخوف. خسرت نفسها، خسرت أباها، خسرت بيتها، خسرت كل شيء. ذاك هو شعورها، شعور صعب التغلب عليه.
***
"ما خلاص بقى، مكنش شوية ورق وقع عليه شاي."
تقلصت ملامحه بغضب عقب جملتها: "تعرفي أنا نفسي أعمل فيكي إيه، نفسي أموتك، انتي ضيعتيني."
رفعت حاجبيها ببرود وقالت: "تموتيني عشان شوية ورق."
فتح رامي باب الغرفة، ثم صاح بصوت عالي: "مامااا."
دلت صفاء على أثر صوته: "في إيه يا رامي."
أشار لها رامي بغضب على الورق وقال: "شفتي ست الحسن والجمال هببت إيه، كبت الشاي على الورق بتاع المشروع."
زمت صفاء شفتيها بضيق: "معلش يا رامي، أكيد غصب عنها."
زفر رامي بضيق واردف: "بصي خليها ملهاش دعوة بيا ولا تكلمني ولا كأننا شايفين بعض من الأساس."
رمقته باندهاش عقب جملته: "يالهوي دا العقل زينة والله، مكلمكش عشان شوية ورق ممكن يتكتب تاني."
ضحك رامي بسخرية: "ماهو أنا أقولك إيه وإنتي واحدة جاهلة مش فاهمة، دا ورق مشروعي اللي عندي أهم من واحدة زيك."
رمقته بغضب، ثم تركت الغرفة دون كلمة واحدة.
رفع رامي حاجبيه ببرود وقال: "مالها دي، اتقمصت مرة واحدة ليه؟"
هتفت صفاء بعتاب: "ينفع يا رامي تقولها جاهلة، دي كلمة تقولها."
اتسعت عيني رامي باندهاش: "هو انتي إيه يا ماما، يعني كبت الشاي على الورق اللي بقالي شهور بعمل فيه وإنتي تقوليلي، بتقولها كدا ليه."
جلست صفاء بهدوء: "اقعد يا رامي، عاوزة أتكلم معاك."
جلس رامي أمامها وقال: "خير."
قالت صفاء بحذر من ردة فعله: "ميمي أختك كلمتني، والدكتورة حددت معاد ولادتها كمان شهر، ويعني قالتلي طه جوزها ها يحجزلي عشان أسافر لها."
عقد رامي حاجبيه واردف: "تسافريلها ليه؟"
تنهدت صفاء وقالت: "عشان يا ابني أكون معاها وقت الولادة وكمان بعد الولادة وأرعى بناتها، انت عارف كويس ظروف طه الأيام دي والشركة بتنزلهم على غلطة، وهو محتاج يركز عشان يثبت نفسه كويس، ولو نزلها محتاج فلوس كتير أوي ليها ولبناتها."
قال رامي بضيق: "طيب وأنا يا ماما ومشروعي وحمزة محتاج اللي يراعيه، هاتسيبنا إزاي."
ردت صفاء سريعًا: "ماهي شهد أهي ما شاء الله عليها هاتأخذ بالها منكم."
هتف رامي بذهول: "انتي عاوزة تسيبنا مع شهد دي لوحدنا، لا يا أمي مينفعش وبعدين تاخد إيه، دي بقالها يوم واحد، وبتعمل كوارث في البيت."
أردفت صفاء بعتاب: "اخص عليك يا رامي، أمال نرميها في الشارع، وهي ملهاش مكان، وبعدين يا ابني دي ظروف غصب عني، أول بس ما ميمي تشم نفسها وتشد حيلها هاتلاقيني جاية، بص يا رامي أنا هاسافر السعودية لأختك، بس هاحملك أمانة في رقبتك ليوم الدين وهي شهد، أمها سمعت كلام جوزها حسني الكلب وطردوها من بيت أبوها، هي آه هبلة وتبان شعنونة بس من جواها غلبانة وضعيفة، وبعدين يا رامي إحنا واجبنا نحافظ على لحمنا ودمنا، عاملها زي ميمي أختك."
كان على وشك الرد لولا طرق الباب ودخول شهد وفي يديها حقيبتها. نظرت له بضيق، ثم حولت بصرها لخالتها واردفت: "خالتي أنا هامشي بقى، شكراً على حسن ضيافتكم ليا."
هتف رامي سريعًا: "تمشي تروحي فين؟"
تجاهلته شهد ووجهت حديثها لصفاء وقالت: "بلاد الله واسعة يا خالتي، ها أدور على مكان أقعد فيه ومتهنش فيه."
انتفض رامي من جلسته وهتف بحدة: "بقولك يا شهد بصيلي وأنا بكلمك، أنا موتي وسمي اللي يتجاهلني."
نظرت له بتحدي واردفت: "كان في حد عزيز على قلبي علمني حكمة، قالي اللي يهينك يا شهد مترديش عليه الإهانة، اتجاهليه وده أقوى رد له."
اقترب رامي واردف بتحدي مماثل: "طب كويس إنك عارفة إني هنتك."
هتفت شهد سريعًا بذهول: "انت بتردهالي!"
غمز لها رامي بخفة وابتسم: "روحي ارجعي على أوضتك وبطلي جنان، تروحي فين يا عسل، بصي من اليوم اللي دبت رجلك فيه في البيت ده، مش هاتطلعي إلا على بيت جوزك."
ابتسمت صفاء بلطف: "خلاص بقى يا شوشو، وبعدين مين هاياخد باله من رامي وحمزة وأنا مسافرة."
هتف شهد سريعًا بفضول: "ليه هو انتي هاتروحي فين يا خالتي؟"
دفعهم رامي خارج الغرفة وقال: "لا اتكلموا برا براحتكم، أنا ورايا شغل كتير ولازم أخلصه."
***
تقلبت ليلى في الفراش يمينًا ويسارًا، عيناها لم تذق طعم النوم لمدة يومين، حتى النوم يجافيها. تنهدت بصعوبة. نظرت لكريم وجدته مستغرقًا في نومه. قامت بهدوء من الفراش وخرجت بهدوء من الغرفة. نظرت في أرجاء المنزل الضخم، ابتسمت بسخرية. سألت نفسها هل هذا تعويض عن ما حدث لها، أم أنها سوف تعيش خسارة ثانية. سمعت صوتًا يتحدث بهدوء، تحركت نحو مصدر الصوت، اكتشفت أنه خارج من غرفة والد كريم السيد "جمال".
طرقت الباب بهدوء ودلفت، وجدته ينظر لصورة في يديه والدموع تسيل من عينيه. شعرت ليلى بالإحراج لدخولها فهتفت: "آسفة يا عمو، بس سمعت صوتك، كنت بحسب محتاج حاجة."
أشار لها أن تأتي دون أن يزيل دموعه. تقدمت نحوه ووقفت على مقربة منه. أشار لها مرة ثانية أن تجلس بجانبه. شعرت بالتوتر ثم جلست. رفعت بصرها نحو تلك الصورة التي في يديه، وجدت امرأة غاية في الجمال، ممسكة بطفل صغير يضحك بسعادة. انتبهت على صوته قائلًا: "دي أم كريم، ناني، وده كريم وهو صغير."
نظرت له ليلى باستغراب واردفت: "اسمها ناني كدا على طول."
ابتسم جمال بحب: "آه كان اسمها الحقيقي، كانت تحب اسمها أوي، لدرجة هنا في سلاسل باسمها بأشكال دهب وفضة، ووصتني أشيلهم لبنت كريم، ووصتني كريم لما يتجوز ويخلف بنت، أخليه يسميها ناني، ويديها السلاسل دي ليها."
حركت ليلى أصابعها على وجه ناني والدة كريم واردفت: "شكلها كانت طيبة."
هز جمال رأسه مؤكدًا: "طيبة أوي، طب أقولك كانت أختي كريمة تضايقها بالكلام وكانت تضحك في وشها ولا تزعل ولا تشتكيلي، تعرفي ماتت وكريم عمره ١٠ سنين، عاش عمره من غير أم، دايما يشوفها في الصور، تعرفي وهو صغير كان بيجي ياخد صورها ويقعد في أوضته يتكلم معاها، بس لما كبر، بطل يعمل كدا، معرفش نسيها ولا زهق."
ترقرق الدموع في عينيها: "مفيش حد بينسى أبوه وأمه، بس تلاقيه مشغول بالحياة، بس هاتلاقيها جواه، محفورة جوه قلبه."
هتف جمال بأسف: "أنا آسف يا بنتي، نسيت أعزيكي، البقاء لله."
اندفعت ليلى نحو حضن جمال وبكت واردفت بصوت متقطع: "أنا، تعبانة أوي، أبويا، مات، سندي، مات."
ربت جمال على رأسها وحدثها: "اهدي يا بنتي، ده قضاء ربنا، إحنا مش في إيدينا حاجة، مسيرنا هنموت ونشوف كل اللي بنحبهم، وبعدين ربنا بيقطع من هنا وبيوصل من هنا، ربنا أخد منك أبوكي، وعوضك بكريم، كريم ابني حنين أوي وبيحبك أوي يا ليلى، كان بيجي يحكيلي عنك وعن جمالك وأدبك، بس دايما كان حزين عشان خطوبتك الأولى، بعدها جه وقالي إن خطيبك فسخ خطوبته معاكي."
تلعثمت ليلى وقالت: "آه، ماهو بعد موت بابا، محدش من أهله جه عزاني ودايما أمه بتعاملني وحش أوي، وهو مكنتش مهتم لموت والدي وكدا، وبعدين كريم لقيته بيقولي أتزوجني الصراحة استغربته أوي، لأنه والدي كان لسه متوفي."
هتف جمال موضحًا: "ماهو حكالي عنك، وأنا قلتله لو بتحبها اتجوزها متسبهاش لوحدها يا كريم، هاتها هنا وهي هاتحبك واحدة واحدة."
أردفت ليلى كاذبة: "آه ماهو طردوني من الشقة وأنا وافقت لأني كنت عارفة إن كريم بيحبني."
وضع جمال كفيه على وجنتيها: "مالك يابنتي وشك بقى كله أحمر ليه."
أردفت ليلى بتوتر: "مش عارفة، أنا هاقوم أغسل وشي وأنام."
ابتسم لها جمال: "طيب تصبحي على خير."
هتفت ليلى وهي تغلق باب الغرفة: "وانت من أهله."
وقفت خارج الغرفة تنظم أنفاسها المضطربة أثر كذبها المتواصل على والد كريم. هتفت لنفسها: "بدأتي تكذبي يا ليلى وكل ده خوف من فضيحتك."
***
حاول رامي النوم ولكنه لم يستطع. فتح نور الأباجورة الموضوعة بجانبه، وجلس نصف جلسة، وتنهد بضيق ثم هتف: "اطلعي من دماغي بقى يا شهد، ياريتك ما جيتي ولا شوفتك تاني."
(فلاش باااااك)
أوقف رامي سيارته جنبًا وترجل منها وتحدث في الهاتف: "خلاص يا ماما فهمت، لو جوزها شفته مكلموش، يالا اقفلي بقى عشان أنا داخل على العمارة."
أغلق رامي مع والدته، ثم دخل العمارة وصعد أول الدرج، ونظر في هاتفه، وجد كثير من الاتصالات، وكانت من زوجته أميرة، ثم شعر رامي باصطدام جسد صغير به. رفع بصره وجدها فتاة، سبحان من صورها، ملامحها رقيقة، أنفها صغير، فمها مكتنز، وخصلاتها السوداء المتمردة من حجابها، خمرية البشرة. انتبه أخيرًا على صوتها.
"انت يا أخينا هاتقعد كتير تتأمل فيا."
حمحم بحرج وقال: "احم، معلش، اعذريني كنت باصص في التليفون."
"لأ عادي، بس ابقى ركز بعد كدا."
ولمرة أخرى شرد رامي في ملامحها حتى انتبه لصوت ضحكتها مع فتاة أخرى.
"دايمًا كدا يا شهد متأخرة."
ضحكت شهد: "آه التأخير مرض فيا."
حدق في أثرها وغمغم: "شهد."
رفع أبصاره للطابق العلوي، ثم صعد الدرج المتبقي وطرق الباب. مرت ثوانٍ، وكانت سميحة تفتح الباب. دلفت رامي وبعد السلامات والمحادثات البسيطة والسؤال عن حالها، والاطمئنان عليها، تفاجئ بنفسه يسألها: "هي مين شهد يا طنط."
ضحكت سميحة: "يووه، انت شوفتها."
ضيق رامي عينيه بتركيز وقال: "آه تحت، كانت بتضحك ونازلة من هنا."
هتفت سميحة موضحة: "آه أصلها رايحة المكتبة لعم أحمد، بتشتغل شغلانة خفيفة كدا عشان متحتكش بحسني جوزي، أصلها ولا بطيقه وهو ولا بطيقها."
ثم تابعت: "هي كلمتك على السلم."
هز رامي رأسه نفيًا واردف بحرج: "أصل خبطت فيا على السلم وبعدها جت صاحبتها وضحكت معاها ومشيت."
ابتسمت سميحة: "آه ملحقتش يعني تتعرف عليها، شهد دي شعلة نشاط وحركة، متعرفش تقعد هادية كدا ومطيعة، على طول بتناغشك، هي من صغرها كدا." ثم استطردت بحزن: "انت عارف أبوها كان دايما يقولي شهد دي المفروض كنت اسميها في شهادة الميلاد شهد الحياة."
باااااااااااك
عاد رامي من ذكرياته، ثم أبعد الغطاء وقام، ذهب نحو مكتبه وفتح درجه، ثم أخرج مجموعة أوراق، مكتوب بها بالخط العربي. بحث كثيرًا حتى رآها، أخيرًا، الورقة التي كان قد كتب فيها اسمها. نظر لها وابتسم واردف بحب: "شهد الحياة، وأي حياة، الورقة دي كتبتها يوم ما روحت وشوفتك وكان وقتها من ٨ سنين، عمرك ما روحتي من بالي ولا ملامحك فارقتني ولا اسمك فارقني."
رواية شهد الحياه الفصل الخامس 5 - بقلم زيزي محمد
نظرت له وبكت بكاء مرير:
"يعني يابابا انت مش زعلان مني؟"
اقترب منها والدها وأزال دموعها:
"لا يابنتي مش زعلان منك، دا انتي ليلى، بنتي حبيبتي، أنا لا يمكن أزعل منك."
اتسعت ابتسامتها وأردفت:
"خلاص خدني معاك يا بابا، أنا عاوزة أفضل معاك، مش عاوزه أسيبك أبدا."
نظر لها بحنان وقال:
"لأ، يا ليلى، دا مكانك، كريم مكانك يابنتي، أنا خلاص مبقتش موجود."
عبست قليلا وقالت:
"لا يا بابا مكانك مكاني، حتى شوف أنا مبسوطة وفرحانة ازاي."
اقترب منها والدها وجعلها تستدير للجهة الأخرى، وقف خلفها وأردف:
"بصي هناك كدا يا ليلى، دا بقى بيتك انتي وكريم، أيوا دا اللي منور وشكله حلو دا."
عبست ليلى قليلا ثم نظرت بدقة إلى هذا البيت، وجدت حديقته مظلمة للغاية:
"بابا بس جنينته مضلمة اوي أنا اخاف أدخله."
قال والدها بهدوء ولطف:
"ليلى دا بيتك، العش الحلو اللي هاتبنيه مع كريم، هاتقابلكو عقابات كتيرة اوي، لازم بحبكو تتغلبو عليها، هاتقعو وتقفوا تاني، وواحدة واحدة الجنينة هاتنور وهاتبقى احلى من البيت."
صمتت ليلى قليلا تتأمل جمال المنزل ثم استدارت بسرعة لم تجد والدها، التفتت حواليها بقلق وصاحت:
"بابا، انت فين، بابا، بااااااا."
فتحت ليلى عينيها ودموعها تسيل على وجنتيها، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وجدت كريم أمامها، يمسد على شعرها برقة ويهمس لها:
"اهدي يا ليلى دا كابوس، اهدي."
انتفضت ليلى من نومتها وجذبت الغطاء بعنف عليها، وقالت:
"انت عاوز مني إيه، ابعد عني."
رمقها بتعجب ثم أدرك أنها كانت تحلم بكابوس فاردف بهدوء:
"أنا هاعوز منك إيه، أنا شوفتك بتنهجي وبتستنجدي بوالدك، قولت يمكن دا كابوس، حاولت أصحيكي بس."
ترقرق الدموع في عينيها، وما هي إلا ثواني قليلة وبكت بشدة، حاول كريم الاقتراب، ولكنه تراجع وأخذ مسافة حتى لا تخاف منه:
"ليلى اهدي، أنا لا يمكن أذيكي والله."
أزالت ليلى دموعها وأردفت بتلعثم:
"أنا آسفة، آسفة، مكنتش أقصد."
ابتسم كريم وقال:
"متتأسفيش، يالا قومي جهزي نفسك علشان نطلع نفطر مع بابا."
أومأت ليلى بالموافقة وأردفت بخفوت:
"ماشي."
***
في منزل رامي المالكي.
وضعت شهد بقية الصحون على المائدة، وصاحت بصوتها:
"يالا يا خالتو، أنا حضرت الفطار."
أقبل عليها رامي عابسا:
"هشش، وطي صوتك، في حد يعلي صوته كدة على الصبح."
رفعت حاجبها ببرود وأردفت:
"يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، هو أنا بنام بمشكلة ونصبح بمشكلة."
ابتسم رامي باستفزاز وقال:
"تعرفي أنا مش هتخانق معاكي، عارفة ليه، عشان معكرش مزاجي على الصبح."
ضحكت شهد بسخرية:
"اصمالله على مزاجك."
عبس رامي قليلا وأردف:
"أما حمزة فين؟"
قالت شهد بفخر:
"أنا صحيت الصبح بدري ولبسته وعملتله سندوتشات ونزلت سلمته لباص بتاع المدرسة."
قال رامي بضيق:
"وإزاي ما يجيش يصبح عليا وياخد مصروفه مني."
أشارت لنفسها بفخر وأردفت:
"أنا سدادة، أنا مكانك."
انتفض من مكانه وأردف بغضب:
"يعني إيه انتي مكاني، أنا أبوه ياخد مصروفه مني، يدخل يشوفني قبل نزوله المدرسة."
صاحت بضجر:
"والنبي بلاش دوشة على الصبح، أنا مش بقولك العدوان الثلاثي قام تاني على مصر عشان تتعصب كدا، دا أنا بقولك الواد لبسته ونزلته واخد مصروف، عادي يعني مش فارقة، وبعدين اسكت، خلينا مكتومين بلاش فضايح."
نظر لها رامي بتعجب وقال:
"مكتومين ليه إن شاء الله، وفضايح إيه دي، ما تتكلمي عدل."
ابتسمت بخبث ثم أردفت ببراءة مصطنعة:
"يالهوي انت مش فاكر، دا إحنا قعدنا نخبط، نخبط ونقولك اصحي يا رامي، وانت ولا هنا، دا غير طبعاً صوت شخيرك معرفناش ننام منه."
أشار رامي بصدمة على نفسه وقال:
"أنا!!!"
هزت رأسها مؤكدة وقالت:
"آه انت، لا حرام بجد صعبت عليا، المهم أنا رايحة أعمل القهوة لخالتي."
ثم توقفت في منتصف الطريق وضربت بكفها على جبهتها قائلة:
"آه من حق حمزة بيبعتلك البوسة اللي على الهوا دي."
أرسلت له قبلة له على الهواء، تجمدت أنفاسه أثر حركتها البسيطة، والتي كانت بالنسبة له مثيرة، تنهد بصعوبة وقال لنفسه:
"ربنا يصبرني عليكي يا شهد، أصل انتي بالطريقة دي هتلبسيني في الحيط."
***
كانت صفاء جالسة في غرفتها وممسكة في يديها الهاتف ترى ميمي ابنتها صوت وصورة على أحد برامج الإنترنت، ضحكت صفاء بخفوت وأردفت:
"اسكتي دول هايولعوا في بعض، مبيعرفوش يقعدوا إلا لما يتخانقوا."
قالت ميمي بخبث:
"أيوا بقى يا ماما وما محبة إلا بعد عداوة."
ابتسمت صفاء بسخرية:
"لا انسي يا ميمي، أخوكي خلاص هايعيش عمره كدا، يالا بقى الله يجازي اللي كان السبب."
قالت ميمي بضيق:
"لا يا ماما استغفري ربنا اللي كان السبب روحه طلعت لربنا، وبعدين ما تزعليش مني، رامي أخويا مأفورها أوي."
قالت صفاء موضحة:
"لا والله يا ميمي، أنا كنت حاضرة وسامعة كل حاجة، وأي حد مكانه هايعمل كدا يابنتي."
هزت ميمي رأسها برفض:
"لا يا ماما، أصل خلاص اللي مات مات، والحي أبقى من الميت، ورامي لو فكر يعملها ويتجوز، هو كدا مش هايعمل حاجة تغضب ربنا بالعكس، وبعدين لازم يفكر في مصلحته ومصلحة ابنه شوية."
تنهدت صفاء بقلة حيلة:
"ادعيله يا ميمي ربنا يهديله حاله."
***
في منزل زكريا.
دلفت مديحة إلى غرفة زكريا، وجلست على طرف الفراش وقالت:
"اصحي يا زكريا، يالا عشان تروح شغلك."
تململ زكريا في فراشه وأردف بضيق:
"مش عاوز أروح كلمتهم وقولتلهم هاخد إجازة."
لوت مديحة شفتيها بتهكم وقالت:
"يوووه و دا كله عشان إيه، أوعى تكون يا واد يا زكريا محروق على المخفية اللي اسمها ليلى."
نهض زكريا وجلس نصف جلسة وقال:
"آه يا ما، أنا محروق، بس عارفة ليه، عشان ملحقتش آخد بتاري منها، انتي اتسرعتي وطردتيها."
لكزته مديحة في كتفه وقالت بغل:
"دا أحسن حل ولا اتسرعت ولا حاجة، خليها تمشي من هنا وتقعد في الشوارع، وكلاب السكك تنهش في لحمها، وبعدين أنا طردتها عشان أقعدك في بيتها، أنا أخدت شقتهم من أم حسين، وقبضت الجمعية وهابيع تلات غوايش بتوعي، وهاوضبها أحسن توضيب، هاجوزك فيها ومعاك أحلى عروسة."
ابتسم زكريا بسخرية:
"وفين العروسة بقى."
غمزت له مديحة وأردفت:
"عندي."
زكريا بفضول:
"مين يا ما."
اقتربت منه مديحة وقالت بصوت منخفض:
"إيه رأيك في البت سلمى، بنت حسني."
ابتعد زكريا قليلا ونظر لها بصدمة:
"سلمي أخت شهد!!!"
هزت رأسها مؤكدة وقالت:
"آه هي، إيه رأيك فيها، البت جميلة وحلوة."
قال زكريا بجدية:
"يا ما انتي مركزة، انتي عارفة سلمى دي عندها إيه، دي عندها السكر."
ضربته مديحة بخفة على كتفه:
"وإيه يعني يا عبيط، أهي دي تاخدها تكسر عينيها، ومتقدرش ترد معاك، وتعمل اللي انت عاوزه فيها، واهو اسمك قدام الناس بتعمل ثواب فيها."
قال زكريا بحيرة:
"مش عارف يا ما، بس متتهيألي لا."
قال مديحة بصوت كفيح الأفعى:
"لا ينفع، وينفع أوي يا زكريا، دايماً يا واد خد اللي أقل منك، اللي تقدر تكسر عينيها."
نظر لها زكريا بتركيز، ثم أبعد ببصره عنها وشرد يفكر في أمر زواجه من سلمى.
***
ارتشف جمال رشفة صغيرة من الشاي ثم قال:
"هو انت مش رايح المستشفى يا كريم."
رفع كريم بصره، ثم أغلق الكتاب الذي بيده وأردف:
"لا يابا واخد إجازة."
غمز له جمال وابتسم:
"آه عشان عريس جديد بقى وكدا."
ضحك كريم بسخرية:
"آه ومش أي عريس."
ثم استطرد قائلاً:
"الأ قولي يا بابا هي عمتو كريمة جاية فعلاً."
قال جمال بهدوء:
"أنا عارف يابني إنك مش بتطقها، بس أعمل إيه دي أختي الوحيدة."
أغلق كريم عينيه بعصبية وقال:
"يابابا أنا عارف هي جاية ليه، أكيد حضرتك اتصلت بيها وقولتلها كريم اتجوز، فهي تسكت لا طبعاً تيجي وتخنقني وتخنق ليلى."
زفر جمال بقلة صبر:
"طب أعمل إيه يا كريم، لو معرفتش إنك متجوز، وجت بعد كدا عرفت، هاتزعل مني."
نهض كريم من جلسته وجلس بجانب أبيه واخفض صوته:
"يعني هي لما تيجي وتقعد تضايق في ليلى، وليلى تزعل وتعيط، هاعمل إيه أنا وقتها."
قهقه جمال على ابنه:
"أنت خايف على زعلها من عمتك، لدرجادي بتحبها يا دكتور."
وضع كريم يديه وكمم فم جمال:
"اسكت يا بابا هتفضحنا."
***
كانت تجلس بجانب خالتها تتساءل معها في أمور مختلفة، حتى قاطع حديثهم، صوت جرس الباب، قامت شهد وفتحت الباب، لتجد أمامها شاب طويل ورياضي، وسيم، حمحم الشاب بحرج، لتنتبه هي وتفوق من تأملها.
"احم، حضرتك عاوز مين."
ابتسم الشاب بتهذيب:
"أنا عاوز رامي، انتي مين!"
هتفت شهد بإحراج:
"أنا شهد بنت خالته."
رفع سامي حاجبيه باندهاش:
"بنت خالته!!، أخص عليه مقاليش إنه عنده بنت خالة حلوة كدا."
اصطبغ وجهها باللون الأحمر لشدة خجلها:
"شكراً."
ثم تابعت قائلة:
"رامي مش هنا، في شغله."
ابتسم سامي بلطف وقال:
"طيب هاروحله شغله، ابقي سلميلي على طنط صفاء، سلام."
أغلقت شهد الباب وسندت رأسها عليه وقالت لنفسها:
"اهدي يا شهد، اهدي هو أول واحد يعاكسك ولا إيه."
***
في منزل كريم.
وضعت ليلى صينية التقديم على المنضدة أمام كريمة عمة كريم وجلست بجانب كريم بتوتر، رمقتها كريمة لها بنظرات كلها حدة وقسوة، بلعت ريقها بصعوبة، ثم شعرت بيد كريم تمسك بيديها، نظرت ليديه ثم رفعت بصرها لكريمة بإحراج، وجدتها تنظر لها بغضب، حاولت سحب يديها من يد كريم ولكن كريم أصر وثبت يديها جيدا، انتبهت على صوت كريمة الحاد.
"إزاي يعني متعملش فرح يا كريم."
هتف كريم بهدوء:
"اصل والد ليلى لسه متوفي."
هتفت كريمة بقسوة:
"ما يموت، إحنا عاوزين نفرح بيك."
ترقرق الدموع في عينيها حاولت منعها، حين أردف جمال قائلاً لتلطيف الأجواء:
"بقولك يا كريمة هما حرين، يعملوا فرح، ميعملوش براحتهم."
انتفضت كريمة بغضب وصاحت:
"انت بقيت نسخة منها يا جمال، الله يرحمها ماتت وسابت أثر كبير فيك، بقيت مهمل زيها يا جمال، وسمحت لابنك يتجوز واحدة معرفناش ليها أصل، انت مش شايفها عاملة إزاي، ولا حتى شايف لبسها، باين عليها بيئة أوي."
صاح كريم بغضب:
"عمتي، لاحظي إنك بتهيني مراتي وبتهينها في بيتي."
اقتربت كريمة من كريم بغضب:
"انت بتكلمني أنا كدا يا ولد."
صاح كريم بجنون هز صوته أرجاء المكان:
"أنا الدكتور كريم، أوعى تكوني فاكرة للحظة إني ممكن أعديلك إنك تهيني مراتي، لغاية هنا ولا لأ يا عمتي."
حولت بصرها لجمال وقالت:
"أنا ماشية، وبيتك دا أنا مش داخلة تاني إلا لما ابنك يجيلي ويعتذرلي."
خرجت كريمة من المنزل، ثم تحرك كريم بعصبية نحو غرفة مكتبه، بينما تحرك جمال نحو غرفته بكرسي، وبقيت هي وحدها، نظرت حولها لا أحد، سالت الدموع من عينيها وكتمت صوت شهقاتها.
***
كان رامي يجلس منهمك في عمله، قاطعه دخول سامي، رفع بصره وظهرت ابتسامة خفيفة على فمه وقال:
"يا أهلا يا عم سامي منور والله."
جلس سامي أمامه وقال:
"أنا روحتلك البيت على فكرة ومش لقيتك."
عقد رامي حاجبيه باستغراب:
"وانت تروحلي البيت ليه وانت عارف إني في الوقت دا بكون هنا في الشركة."
هتف سامي بجدية:
"آه بس كنت بحسب إنك مش هاتروح بعد ما الشاي اتكب على الورق بتاع المشروع."
هتف رامي سريعا:
"وانت إيه اللي عرفك إن الشاي وقع على الورق."
ضحك سامي بخفة وقال:
"يابني انت نسيت إنك كنت بتكلمني وقتها، وبعدها سمعت غلوشة جامدة وبعدها سمعتك انت وبنت بتتخانقوا، وحقيقي يا رامي مبطلتش ضحك، دمها خفيف أوي، وبعدها سمعتك وانت بتنادي على مامتك، فقولت أقفل كدا عيب."
هتف رامي بتهكم:
"وعيب ليه، ما كنت تكمل وتسمع بالمرة مانت ماشاء الله سامع الخناقة كلها."
ثم تابع حديثه:
"على العموم دي مش حد غريب، دي تبقى بنت خالتي."
هز سامي رأسه مؤكداً:
"اممم منا شوفتها."
سأله رامي بحدة:
"شوفتها فين؟"
ضحك سامي بصوت عالي:
"لا يا رامي ركز بجد، انت مالك شارب حاجة، منا لسه قايلك إني شوفتها لما روحت بيتكم."
هتف رامي بضيق:
"آه، وقولتوا إيه؟"
أمسك سامي ببعض الأقلام الموضوعة أمامه وحركهم بطريقة عشوائية وأردف:
"مش حاجة اتعرفنا بس، بس حقيقي مزة، ما تجوزهالي يا رامي."
انتفض رامي من مكانه وقال بضيق:
"انت اتجننت يا سامي تتجوز إيه، انت ناسي انت إيه وهي إيه؟"
سامي مستغرباً:
"أنا إيه وهي إيه مش فاهم فهمني."
هتف رامي بضيق:
"شهد لسه صغيرة يا سامي، ومش هاتتجوز حد كان متجوز قبل كدا."
لوي سامي شفتيه بتهكم:
"مالي يعني إن كنت متجوز قبل كدا ومتفارقنا واتطلقنا، أول مرة أشوف حد يعيب على الراجل المتجوز قبل كدا."
زفر رامي بضيق:
"فيه إيه يا سامي، انت هاتحاسبني على كل كلمة أقولها ولا إيه، أنا قصدي إنها لسه صغيرة ومش هاتتجوز دلوقتي."
هتف سامي بهدوء:
"والله دي حاجة تقررها هي مش انت، وبعدين مش باين عليها ولا صغيرة ولا حاجة."
صاح رامي بتحذير:
"سامي، الزم حدودك، على فكرة اللي واخد راحتك عليها في الكلام دي تبقى من لحمي ودمي، حاسب وانت بتتكلم عليها."
ابتسم سامي باستفزاز:
"آه قول كدا، أوعى تكون بتحبها وغيرانه والجو دا، إيه نسيت وعدك لأميرة."
انتفض رامي من مكانه، وأمسك سامي من ياقة قميصه بعصبية وأردف بصوت مكتوم:
"وأقسم بالله، لو مش حافظت على حدودك كويس، لاعرفك قيمتك، أنا لغاية آخر لحظة عامل حساب الصحوبية اللي بينا، وبعدين يا محترم يا مؤدب أنا عمري ما أنسى وعدي لأميرة ولا عمري أنسى أميرة نفسها، وأنا بحب شهد فعلاً بس زي أختي، وأنا مسمحش إن حد مهما كان مين هو يتكلم على أختي كدا."
أبعد سامي يد رامي بعنف وأردف:
"وانت عيب تتكلم كدا مع المفروض إنه يكون أخوك وصاحب عمرك، أنا مش عيل لدرجادي، وبعدين عادي شوفتها وعاجبتني وطلبت اتجوزها، ومعرفش هي صغيرة ولا لأ، كان ممكن تتكلم معايا بأسلوب أحسن من كدا، أنا ماشي يا صاحبي."
ترك سامي رامي وخرج، جلس رامي على أحد الكراسي، وضغط على أسنانه بغيظ وقال:
"يعني يقول عليها حلوة وعاوزني اسكتله، والهانم أكيد حكت معاه، ماهي رغاية."
***
في منزل كريم.
وقفت ليلى أمام مكتب كريم، وأخذت نفس طويل، ثم طرقت الباب، سمعت صوت كريم يأمر الطارق بالدخول، فتحت الباب ودلفت بهدوء ووقفت على أعتاب الغرفة، وجدته يجلس على الأريكة مغمض عينيه.
هتفت ليلى بتلعثم:
"احم، هو انت زعلان مني في حاجة."
أجابها كريم وهو لازال مغمض عينيه:
"وأنا أزعل منك ليه؟"
هتفت ليلى بصوت مهزوز:
"أصل انت من وقت ما مشيت عمتك وانت متعصب ومضايق، وقافل على نفسك الباب، وكمان انت اتخانقت معاها بسببي."
فتح كريم عينيه ثم أشار لها أن تأتي، اعتدل في نومته، أتت عليه وجلست حيث أشار لها، ثم وجدت يديه تجذب يديها ويمسكها بتملك:
"ليلى، أنا عمري ما اسمح إن حد يهينك، أنا مش متجوزك عشان تتهاني، أنا لو مكنتش وقفت عمتي عند حدها كانت كملت واتطاولت عليكي بزيادة و دا شئ غير مسموح بيه أبدا."
هتفت ليلى سريعا:
"بس عمي زعلان منك، ودي بردو عمتك ومهما كان ليها احترامها."
هز كريم رأسه برفض وقال:
"لا يا ليلى عمتي صعبة أوي، ودائماً بتبص بنظرة تعالي للناس وأنا مبحبش كدا، ولا بحب أتعامل معاها، وبابا عارف كدا كويس."
نهضت ليلى قائلة:
"طيب تعال يالا نقوم نعتذرله."
ابتسم كريم، حاول جاهداً منع ابتسامته ولكنه فشل، وذلك بسبب يديها التي مازالت تمسك بيده دون أن تجذبها منه، نهض معها وأخذها لغرفة والده طرق الباب بهدوء ودلفوا معا، نظر له جمال بغضب ثم تجاهله ووجه حديثه لليلى:
"خير يا ليلى كنتي عاوزة حاجة."
ابتسم كريم على والده، ثم ترك يد ليلى وذهب لأبيه وجلس على ركبتيه أمامه وهتف بهدوء:
"حضرتك زعلان مني."
هتف جمال بعتاب:
"دا ينفع يا كريم أنا ربيتك على كدا، تهين عمتك كدا."
هتف كريم بعصبية مكتومة:
"يعني يا بابا عاوزني اسكت وهي بتهين مراتي، دا ميرضيش ربنا."
قال جمال بعصبية:
"تقوم ترد بالطريقة دي، دي عمتك ليها احترامها."
ثم رفع بصره نحو ليلى واستطرد قائلاً:
"ليلى، الكلام دا مش ليكي طبعاً، أنا زعلان جداً من كريمة أختي وعلى كلامها، بس صدقيني يابنتي، هي كدا طول عمرها، حتى مع ناني أم كريم، بس أنا عتبي على كريم ابني، اللي المفروض يرد بس بذكاء، وميحرجش نفسه، ولا يخليها تشرط على حضرته إنه يروح يعتذرلها في بيتها."
طبع كريم قبلة على يد جمال وهتف:
"طب قولي إيه اللي يراضيك يا بابا وأعمله، أنا عمري ما زعلتك، ومقدرش على زعلك."
تنهد جمال بضيق:
"اللي يراضيني إنك تروح لعمتك البيت وتراضيها وتاخد ليلى معاك كمان، هي لازم تعرف إن ليلى بقت جزء من حياتنا، ولازم تتقبلها، وانت بتحبها وهاتكمل حياتك معاها سواء برضاها ولا لا، وبعد كدا اتعود تتحكم في انفعالاتك يا كريم، وتكون أهدى من كدا."
قالت ليلى بتلعثم:
"لا، يا عمي أنا مش هاروح في مكان، ولا هافرض نفسي على حد."
هتف كريم بحزم:
"لا يا ليلى كلام بابا صح، لازم الكل يعرف إنك مراتي، وأولهم عمتي وتعاملك حلو."
***
وقف رامي بمنتصف المنزل بغضب وصاح بصوت جهوري:
"اللي بقوله تسمعيه يا شهد أحسنلك."
همست شهد لصفاء وأردفت:
"ردي انتي يا خالتي، أصل باين عليه الجنون طلع ولا إيه."
هتف رامي بغيظ:
"ما تردي عليا يا هانم."
رفعت شهد حاجبيها باعتراض:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، مالك يا بن خالتي، أرد عليك وأقولك إيه لامؤاخذة، هو انت قلت كلام يترد عليه."
اتسعت عيني رامي وقال بغيظ:
"بقى كل اللي قولته دا، وفي الآخر تقوليلي هو فيه كلام يترد عليه."
جلست شهد وأردفت بلامبالاة:
"آه أنا عندي حق، هو دا كلام واحد عاقل، ينفع تقولي متفتحيش باب الشقة تاني، يعني إيه مفتحش باب الشقة تاني، مش فاهمة، اديني سبب مقنع مفتحش بسببه باب الشقة تاني."
كان على وشك الرد ولكن منعه رنين هاتفه، نظر فيه وجده الموظف المسؤول عن مشروعه، ضغط على زر الإجابة سريعا وهتف:
"أهلا يا أستاذ رأفت، خير."
رأفت: ...........
عقد رامي حاجبيه وقال:
"إيه، بتقول إيه!!!!"
رواية شهد الحياه الفصل السادس 6 - بقلم زيزي محمد
التفت شهد لحمزة وهتفت بحيرة:
هو مكنش من شوية بيزعقلي، دلوقتي بيضحك وبيتكلم في التليفون، حقيقي سبحان مغير الأحوال.
رمقها حمزة بعدم فهم ثم وضع أمامها كتاب باللغة الإنجليزية وقال:
طب بصي في الإنجليزي مش عارف أنطق الكلمة دي، قوليها كدا.
نظرت شهد في الكتاب وشعرت بالاحراج لعدم معرفتها، تظاهرت بإنشغالها وتركت حمزة دون أي رد، ودلفت المطبخ، بمجرد دخولها، أطلقت العنان لعينيها وبكت بصمت.
***
عند زكريا.
كان يجلس بتوتر وعصبية يفكر في أمر زواجه من سلمى، فدلفت عليه مديحة مبتسمة بمكر.
نظر لها وقال:
إيه يا ما، بتضحكي ليه؟
جلست بجانبه وقالت:
أصل أنا نزلت لعم حسني المحل بتاعه وكلمته وفرح أوي ومستنينا بليل عنده.
اتسعت عيناه، وصاح بضجر:
إيه يا ما دا، إزاي تعملي كدا، هو أنا كنت لسه قلتلك رأي.
هتفت مديحة بضيق:
وأنا هاستنى رأيك في إيه يا عنيا، إنت عارف سنك كام، عندك ٣٠ سنة، هاتفضل عايش على ذكراها، لأ أنا عاوزاك تتجوز وتملى عليا البيت دا.
هز رأسه برفض وقال:
لأ، أنا فاهمك إنت عاوزني أتجوز، عشان اللي أم أبويا عملته فيكي زمان، تعمليه إنت في مراتي، عندك عقدة لامؤاخذة.
نظرت له بصدمة ثم بكت بكاء مصطنع:
اخص عليك يا زكريا، بقا أنا عندي عقد، دا أنا نفسي أجوزك وأتمنى عليا البيت عيال.
اقترب زكريا منها وقبل جبينها:
مش تزعلي ياما مني، بس يعني ملقتيش غير سلمى دي، طب يعني هي هاتخلف وهي عندها السكر.
أزالت دموعها المزيفة وقالت:
آه عادي بتحمل وبتخلف، ها هنروح بقى لحسني بليل نخطبها.
زم شفتيه بضيق وقال:
طيب ياما، هاخد الطقم وأنزل أكويه تحت.
ذهب زكريا باتجاه الدولاب وأخرج ثيابه ثم خرج من المنزل، جلست هي بارتياح وضحكت بشر وقالت لنفسها:
وأنا أنسالك يا سلمى كلامك لليلى عليا، دا أنا هاوريكي اللي عمرك ما شوفتيه.
( فلاش باك ).
عم الفرح في بيت عم أحمد، واعتلت الزغاريط والأغاني البيت، فاليوم خطوبة زكريا وليلى، وقفت هي تصطنع الابتسامات.
اقتربت من عم أحمد قائلة:
الا قولي أمال ليلى فين عاوزة أسلم عليها، قبل ما تطلع للناس.
أشار لها والد ليلى قائلاً:
ادخلي يا أم زكريا، ليلى جوا في أوضتها معاها شهد وسلمى بيساعدوها في اللبس.
ذهبت هي باتجاه غرفة ليلى ووضعت يديها على مقبض الباب إلا أنها توقفت وسمعت:
سلمى: والله يا ليلى الله يكون في عونك طنط مامت زكريا صعبة أوي، الصراحة أنا مبحبهاش أبدا ولا عمري ارتحتلها، بحس ابتسامتها كدا مش صافية حتى سلامها بردو مش صافي كدا.
ليلى: بس أنا ياستي ماليش دعوة بيها أنا ليا دعوة بزكريا وبس، وبعدين أنا هاقعد بعيد عنها دا كان شرطي على زكريا، أنا مش ناقصة وجع دماغ.
شهد: صح الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح، المهم اتكتمتو بقى خلينا نخلص، أصل الولية القرشانة دي تطب علينا زي القضى المستعجل.
تعالت ضحكات ليلى وسلمى عقب جملة شهد، بينما اتسعت عيني مديحة، وأردفت لنفسها بغيظ:
وحيات أمي لانتقم من كل واحدة فيكو، وأولهم إنتي يا خطيبة ابني هانتقم منك أشر انتقام.
بااااك.
تملكها الغيظ بعدما افتكرت حديث الفتيات، ابتسمت بغل وقالت:
عمري ما نسيت كلامكو، ومع أول فرصة انتقمت من ليلى وشهد، أما إنتي بقى هاذلك وأربيكي وأعلمك الأدب وهاجبلك الضغط كمان.
***
في منزل رامي المالكي.
وضعت شهد القهوة على المنضدة أمام المعلمة الخاصة بحمزة، نظرت لها المعلمة بتعالي، حين أردف حمزة قائلاً:
مس هايدي، دي شهد تبقى بنت خالة بابا وصاحبتي.
تجاهلتها هايدي ونظرت في الكتاب الممسكة به وقالت بفتور:
امممم أهلاً.
رفعت شهد حاجبيها وقالت:
أهلاً بيكي يا أختي.
تركتها شهد ودلفت إلى المطبخ، أخذت نفس طويل ثم أخرجته ببطء، ثم جذبت أحد الكراسي وجلست عليه وقالت لنفسها:
أهدي يا شوشو متعيطيش، أهدي، بتعيطي ليه كان ذنبك إيه إنك متعلمتيش، لأ أنا هاعيط، هاعيط وربنا.
لم تحتمل أكثر من ذلك وبكت، فعدم تعليمها ترك أثر في نفسها، أصبح نقطة ضعفها، أصبحت تشعر بالخزي من عدم إكمال تعليمها.
دلف رامي إلى المطبخ، وجدها تعطيه ظهرها والواضح من حركات جسدها أنها تبكي.
اقترب ببطء ووقف أمامها وهتف في قلق:
مالك يا شهد بتعيطي ليه؟
رفعت بصرها إليه ودموعها تملأ وجهها وأردفت بضيق طفولي:
مفيش.
أشار إلى دموعها وقال:
إزاي مفيش، ودموعك دي، أوعي تكوني زعلانة إن بقولك متفتحيش الباب.
وقفت وهتفت بعصبية:
بص انت لو مضايق مني، وكارهني قولي، وخليني أمشي، بس مش كل شوية مشكلة.
اقترب منها وأزال دموعها بيديه، سرت قشعريرة في جسدها أثر لمساته، رجعت بضع خطوات للخلف.
حمحم هو بحرج وقال:
مين مزعلك يا شهد الحياة.
رفعت بصرها إليه بصدمة وقالت:
إنت إيه اللي عرفك بالاسم ده.
ابتسم وأردف بهدوء:
مش هاقولك إلا لما تقوليلي زعلانة ليه؟
أحم، انتو هنا وأنا بدور عليكو.
التفت كلا من رامي وشهد لمصدر الصوت، وجدوا هايدي واقفة وتنظر لهم بحدة.
عقدت شهد حاجبيها وقالت:
وإنتي بتدوري علينا ليه، إنتي مش المفروض بتدي لحمزة الدرس.
تجاهلتها هايدي عن قصد ونظرت لرامي وقالت:
أستاذ رامي، حضرتك أنا كنت بدور عليك عشان أشتكيلك من حمزة، ينفع كدا مش مذاكر، أجي أسأله يقولي معرفتش أذاكر، وتقريبا سأل اسمها إيه دي معرفتش.
أغلقت شهد عينيها بعصبية، شعرت بالحرج الشديد، ترقرق الدموع في عينيها.
انتبهت لحديث رامي الحاد:
وإنتي نظامك إيه هنا يا مس هايدي، حضرتك المفروض بتدي الكلمة مرة واتنين وتلاتة، وأنا قبل كده قولتلك إن معاه تليفون وتقدري تسجلي الدرس كله بصوتك عشان لما يعوز مراجعة، يرجع للفويس اللي بصوتك، أنا ممكن أقرأ الكلمة غلط وهي نطقها حاجة تانية خالص.
هتفت هايدي بضيق:
قصدك إيه، إن أنا مقصرة في حق حمزة.
هتف رامي مؤكداً:
ده الواضح قدامي يا مس هايدي، بدام حمزة مش عارف ينطق، يبقى إنتي مقصرة في الشرح.
ابتسمت نصف ابتسامة وقالت:
طيب يا أستاذ رامي، هاخد بالي من الشرح أوي، ومانشوف التقصير من مين، عن إذنكم.
خرجت هايدي، أرادت شهد أن تهرب من أسئلة رامي، تحركت صوب الباب، ولكن يد رامي منعتها، استدارت ببطء ونظرت له بتساؤل، حين أردف مبتسماً:
مش هتقولي بقى زعلانة من إيه.
نظرت له باستغراب ثم قالت:
إنت غريب أوي يا رامي، بتزعق وبعدين تهدى وده كله في ثواني، إنت إزاي قادر تتحكم كدا في نفسك.
غمز لها بشقاوة وقال:
شفتي، أنا مش أي أي ولا زي زي.
نظرت له شهد بعبوس وما هي إلا ثواني قليلة حتى تعالت ضحكتها على حديثه، نظر لها رامي بحب، وقال في سره:
يخربيت ضحكتك يا شيخة.
بالخارج.
ما أن سمعت هايدي ضحكات شهد ورامي، شعرت بالغضب، شردت قليلاً وقالت لنفسها:
بقى أنا أقعد أظبط في نفسي وأحبك سنين، وتيجي دي في الآخر تاخدك مني.
انتبهت هايدي على صوت حمزة:
مس دي حلها كدا صح.
هتفت سريعاً وهي تحاول التركيز مع ضحكات شهد ورامي:
آه، آه صح يا حمزة كمل يالا.
***
وقفت ليلى بتوتر في غرفتها تنظر إلى ملابسها بحيرة، ماذا ترتدي، كريمة انتقدت ثيابها قبل ذلك.
جلست بحزن وأردفت:
ألـبس إيه.
عاوزة نصيحتي البسي البلوزة دي، بتبقى حلوة أوي عليكي، لما كنتي بتيجي بيها المستشفى كنت بتبسط أوي.
نهضت سريعاً بتوتر من الواضح أنه كان يقوم بمراقبتها، اصطبغ وجهها باللون الأحمر وأردفت بتلعثم:
مينفعش ألبس ألوان، أنا و....
قاطعها كريم بهدوء:
ليلى عمر الحزن على والدك ما كان باللبس، أنا شايف دي كلها مظاهر كدابة، الحزن بيبقى في القلب.
هتفت ليلى موضحة:
لأ هي مش مظاهر كدابة، بس الواحد مبيبقاش له نفس يلبس ألوان ويفرح، بيبقى كاره الحياة والدنيا.
صمتت هي قليلاً، ثم أخرجت ما في نفسها:
طب تعرف أنا مش عارفة عايشة إزاي، أنا مش قادرة أوصف مدى الوجع والألم اللي جوايا، أنا نفسي أخرج اللي جوايا مش عارفة، صحيح أنا مببكيش كتير، بس أنا قلبي بيبكي على موت أبويا، المفروض أن وجعي بيقل، بس الحقيقة إنه بيزيد، أنا ساعات بحس إنه مماتش، ساعات بحس إنه مسافر، بس راجع بعد شوية، أنا مش قادرة أصدق إنه مات، أنا جوايا حاجات كتير اتكسرت وعمرها ما تتصلح.
قال كريم بجدية:
طب إنتي عارفة إنتي طلعتي اهو اللي جواكي ودي خطوة حلوة.
ابتسمت ليلى بتهكم وقالت:
ده ميجيش نقطة في اللي جوايا.
اقترب كريم منها وربت على كتفيها وقال بهدوء:
بس أنا فرحان أوي يا ليلى بالنقطة دي، وأتمنى إنك تزودي كل يوم نقطة هايبقى عندي رصيد كبير أنا متأكد.
شعرت بالخوف أثر لمسته وبلعت ريقها بصعوبة، أدرك هو حالتها أبعد يديه وقال بحماس:
طب إيه رأيك تلبسي الفستان الأسود ده، اهو أسود، ومتركزيش على الفراشات البيضة ياستي اعتبري كأنها مش موجودة.
أومأت هي برأسها وأخذته ودلفت إلى المرحاض، بينما هتف كريم بضيق:
شكلي هاتعب معاكي أوي يا ليلى.
***
في منزل حسني.
ضربت بكفيها على صدرها وهتفت بصدمة:
يالهوي يا حسني عاوز تجوز سلمى لزكريا.
رفع حاجبيه ببرود وقال:
وفيها إيه يا ولية، ماله زكريا!
هتفت سميحة بضيق:
ماله زكريا، ماله، إنت إيه يا حسني مش واخد بالك هو وأمه عملوا إيه في ليلى.
زمجر حسني بحدة وقال:
عملوا فيها إيه، يكونش اتبلوا عليها، وبعدين ده حقه يفضحها في الحارة كلها.
اتسعت عينيها بذهول وقالت:
حرام عليك يا راجل، ده إحنا عندنا ولايا.
هتف حسني بعصبية:
بقولك إيه متوجعيش دماغي، أصل أنا مش ناقص، اللي أقول عليه يتنفذ، سلمى هاتتجوز زكريا، وهايجوا بليل يخطبوها.
انتفضت سميحة بغضب وقالت:
ده على جثتي، مش هيحصل أبداً، وبعدين إنت ناسي بنتك عيانة وعندها السكر.
وقف هو مقابلها وقال بتحدي:
عيدي كدا يا ولية اللي قولتي، على إيه يا أختي، جثتك، آه ماهو فعلاً هايبقى على جثتك، أوعي تكوني فاكرة إنك هاتلوي دراعي، لأ أبداً، إنتي ناسيه وصلات الأمانة اللي كتباهم على نفسك لحج متولي، أكلمه ومن بكرة أخليه يرفعهم عليكي.
صاحت سميحة بغضب:
يالهوي، عاوز تحبسني يا حسني، تحبس مراتك، وبعدين أنا يا خويا كنت كتبتهم ليه، مش عشان تفتح محل الجزارة وتقف على رجليك دي آخرة المعروف يا أبو بنتي.
لوى حسني يد سميحة خلفها وأردف بشر:
أنا معنديش عزيز ولا غالي، اسمعي كلامي وإنتي ساكتة عشان محطكيش في دماغي، بنتك هاتطلع بليل والضحكة من الودن دي للودن دي، فاهمة ولا لأ.
أردفت هي ببكاء:
فاهمة، بس سيب إيدي.
كانت تقف سلمى في الخارج تستمع إلى حديثهم، سالت الدموع من عينيها، ذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ثم جلست على فراشها تبكي، والدها يريد أن يزوجها زكريا أكثر شخص كرهته في العالم هو السبب في فراق أختها وصديقتها.
أخذت هاتفها وحاولت الاتصال بشهد حتى تنجدها بحل، ولكن لا رد، جلست تفكر ماذا تفعل، تهرب، أم تتزوج زكريا خوفاً من تنفيذ والدها لكلامه ويسجن أمها.
رفعت بصرها إلى السماء وقالت بصوت مبحوح:
يارب ساعدني أنا ضعيفة، ساعدني يارب، زكريا لا، زكريا لا يارب، يارب الموت عندي أهون من أني أتزوجه.
***
في منزل رامي.
ألقت شهد هاتفها بعنف وهتفت:
لسه فاكرين تتصلوا عليا، ده انتوا زي ما يكون ما صدقتوا أمشي، حتى مفكروش يطمنوا إن كنت عند خالتي ولا لأ، وزي ما قسيتوا قلبكم عليا، هاقسي قلبي عليكم.
انتبهت لجرس الباب، فتحت باب غرفتها وذهبت باتجاه حتى ترى من الطارق ولكن أوقفها صوت رامي الحاد:
هو إنتي ليه يا شهد مبتسمعيش كلامي، أنا مش قولتلك متقربيش ناحيته.
ضحكت هي باستهزاء وهتفت:
إنت طبيعي يا رامي ولا نظامك إيه، يعني إيه مفتحش الباب.
تجاهلت أوامره وذهبت صوب الباب ووضعت يديها على المقبض وجدت يديه فوق يديها ويهتف بغضب:
أنا هنا راجل البيت واللي أقوله يتسمع، فاهمه ولا لأ.
هتفت شهد بتحدي:
طب والله لافتح بقى، أوعى كدا.
جذبها بعنف وألصقها بالحائط واقترب منها وأردف بهمس:
بلاش أنا يا شهد، أصل أنا مجنون وهاتزعلي مني، يلا على أوضتك.
استدار هو وفتح الباب، وجد والدته تنظر لهم بغضب.
ابتسم هو ببرود وقال:
إيه يا ست الكل دا كله تأخير.
هتفت صفاء بضيق:
والله قول لنفسك، سايبني ساعة على الباب، وقاعدين تتخانقوا، مش عيب على سنكم، وانتوا عاملين زي العيال الصغيرة.
استدار هو بخفة وأردف بخبث:
دي شهد السبب، بتحب تعاندني وتضايقني وأنا والله في حالي.
أشارت هي لنفسها بصدمة:
أنا!!، طب أشهدك يا خالتي في حد عاقل يقول متفتحيش الباب.
أمسكت صفاء برأسها بتعب وقالت:
آه ياني من وجع الدماغ، وسعوا كدا من طريقي والله حمزة أعقل منكم.
ذهبت صفاء بينما وقفت شهد أمام رامي ونظرت له بغضب:
بص بقى إنت ولا تكلمني ولا ليك دعوة بيا وأقولك الكبيرة أنا مخاصمك.
قال رامي بتهكم:
لأ يابت أنا اللي هاموت وأكلمك، ابعدي كدا، بلا قرف.
تسمرت مكانها مصدومة عقب جملته، أردفت بغيظ وقالت:
أنا قرف، ماشي يا رامي أما أوريك مبقاش أنا.
***
وقف كريم وليلى على أعتاب المصعد ينتظرون قدومه، التوتر بداخلها يزداد.
نظر هو لها نظرة خاطفة، ثم جذب يديها برقة وهتف بصوت حانٍ:
خلاص متتوتريش، لازم نعمل كدا عشان عمتي تبطل تضايقك، وهي طبعاً أكيد مش هتضايقك في بيتها، أنا معاكي ياقلبي وعمري ما اسمح حد يضايقك أبداً.
شعرت بالخجل عقب نطقه لكلمة قلبي، كلماته بسيطة ولكن لمست شيئاً ما في قلبها، أخفضت بصرها أرضاً وصمتت، بينما وصل المصعد، دلفا ثم ضغط كريم زر الطابق الثاني عشر وما هي إلا دقائق ووصل المصعد الطابق المنشود.
***
جلس رامي أمام صفاء بينما هتفت صفاء قائلة:
شهد فين؟
قال رامي:
في المطبخ، بتعمل الغدا.
أومأت صفاء ثم أردفت قائلة:
بص أنا نزلت النهاردة روحت فعلاً زرت قبر أبوك بس عملت مشوار تاني.
عقد رامي حاجبيه وقال:
مشوار إيه؟
قالت صفاء بهدوء:
روحت بعت سلسلة دهب من بتوعي، وجبتلك ٥٠٠٠ جنيه، اديهم لسامي.
وضعت صفاء المال أمام رامي، بينما قال لها رامي بضيق:
ليه كدا يا ماما، أنا كنت هاسد سامي لما المشروع يمشي، أنا مش هاخد الفلوس دي.
قالت صفاء بحزن:
والله أزعل منك يا رامي، إنت ليه يابني كدا، مبتحبنيش أساعدك، أنا مش حد غريب، أنا أمك، ودهبي ليك إنت وأختك، يعني لما تتزنق واجب عليا أقف جنبك، وبعدين مشروعك لسه لما يكمل ويقف هاتتأخر في سداد الفلوس، أنا حاسة بيك يابني، الله يكون في عونك، إنت مقطع نفسك يا حبيبي، الرحمة شوية بنفسك.
ابتسم رامي ثم قام باحتضان والدته وقال:
ربنا يخليكي ليا يا أمي، متحرمش من وجودك في حياتي يارب.
***
وقفت هي في المطبخ تنظر للشئ الذي في يديها، ثم ابتسمت بمكر وقالت:
مش أنا قرف، يبقى تتعلم الأدب يا رامي.
فتحت الغطاء وسكبت قليلاً من تلك الزجاجة في صحن رامي، وقلبتهم جيداً، ثم أخذت الأطباق للخارج، ورفعت صوتها:
يلا يا خالتو الأكل جاهز.
***
كانت هي تنظر لمنزل كريمة بانبهار، مصمم على أحدث طراز، وضعت الخادمة أمامهم القهوة، تمسكت أكثر بيد كريم، عندما لمحت كريمة تأتي بتكبر واضح، ثم جلست بتعالي وقالت:
خير يا كريم؟
حاول كريم التحكم في نفسه وقال بهدوء:
كل خير يا عمتي، إنتي مشيتي زعلانة من عندنا، أنا جيتلك عشان أراضيكي.
ابتسمت هي بتهكم وقالت:
لأ كتر خيرك يا كريم والله.
ثم نظرت لليلى واستطردت قائلة:
إنتي، قومي ادخلي المطبخ اقعدي مع الخادمات، لغاية ما أقول لابن أخويا كلمتين.
بلعت ليلى إهانتها ثم أومأت نهضت بخزي، وجدت كريم يسبقها، وأحاط يديه حولها وقال بابتسامة مصطنعة:
معلش بقى يا عمتو، أنا هامشي أصل مش فاضي، وعدت ليلى أخرجها النهاردة، عن إذنك نبقى نكمل كلامنا بعدين.
لم يستطع الصبر لسماع رد كريمة، أخذ ليلى واتجه صوب الباب، ثم خرجوا، وقف بعصبية أمام المصعد، وضغط بعصبية على زر المصعد، نظرت هي له وجدته في حالة لا يرثى لها، فضلت الصمت.
***
في منزل رامي المالكي.
خرج رامي من المرحاض بتعب، وجد والدته وشهد وابنه يقفون بتوتر.
مدت شهد يديها وأخذت يديه وذهبت باتجاه الأريكة، ساعدته على الجلوس، أغمض هو عينيه من شدة الألم، وأن بصوت ضعيف، أنبت نفسها على ما فعلته في حقه، فهي لا تعلم بجان نقطتين من الملين في الطعام فسوف تفعل كل هذا.
بينما جلست صفاء وأخذت تراقب الموقف في صمت، بداية من يد شهد الممسكة بيد رامي، ونظرات القلق والخوف في عينيها، ورامي الممسك بيديها بقوة.
تحرك الصغير ناحية والده وقال ببكاء:
بابا إنت كويس، تعال نروح لدكتور، متخافش هاقوله مش يعطيك حقنة.
فتح رامي عينيه بتعب، ونظر لصغيره مبتسماً وقال:
أنا كويس يا حبيبي هما شوية مغص وهايروحوا.
هتفت شهد بحزن وأسف:
ألف سلامة عليك يا رامي.
ابتسم لها رامي، ثم أغمض عينيه وقال في سره:
يادي النيلة لما بتقولي اسمي بيحصلي حاجات غريبة، يارب صبرني، أنا حاسس إنها بقت خطر عليا ومبقتش قادر أستحمل.
رواية شهد الحياه الفصل السابع 7 - بقلم زيزي محمد
اتفقنا، نقرى الفاتحة، والجواز بعد اسبوعين، لغاية ما شقة زكريا تجهز.
أطلقت مديحة الزغاريد، بينما نظر حسني بتحذير لسميحة، انتبهت لنفسها واطلقت هي ايضا الزغاريد مصاحبة لدموع الحزن.
نهضت مديحة من جلستها واقتربت نحو سلمى، ثم عانقتها وقالت بفرح مصطنع:
مبروك يا حبيبتي، يازين ما اخترت والله جمال وادب.
نظرت لها سلمى نظرة خاوية، ثم نقلت بصرها لزكريا المبتسم لها.
القت نظرة غاضبة عليه، وزادها نفور اتجاه، بينما شعر زكريا بالسعادة والفرح واردف في سره:
عندك حق يا ما، جميلة اوي وحلوة، ازاي عدت من تحت ايدي، وكمان صغيرة في السن، مخسرتش كتير يا واد يا زكريا.
في منزل رامي المالكي.
كانت صفاء تدور في غرفتها بعصبية تفكر في أمر ما. شعرت هي بمشاعر ابنها اتجاه شهد، هي اكثر شخص تعرفه، وتعرف ماذا يفكر. رامي لم يذق طعم الحب قبل ذلك، تزوج اميرة بناءا على رغبتها من كثرة اصرارها على زواجه. اختار اميرة لادبها و كانت يتيمة الابوين وزميلته في العمل. تزوجها ولم يحبها، ولكن مع ظهور شهد اصبح الوضع خطر.
وقفت هي وشردت بتفكيرها قليلا ثم قررت ان تتحدث مع ابنها اولا.
خرجت الى الخارج. بحثت بعينيها على شهد لم تجدها. ذهبت بإتجاه غرفة رامي وجدتها تجلس على طرف الفراش وهو نائما يتحدثون بهدوء.
اقتربت بخفة حتى سمعت:
شهد بحزن: الف سلامة عليك يا رامي، معلش، مكنتش اعرف والله ان معدتك حساسة.
ضحك رامي بخفة: وانتي مالك يابنتي محسساني انك السبب.
ارتبكت شهد قليلا ثم حاولت الثبات وقالت: اقصد اكيد انا اتغابيت وحطيت سمنة كتير في الاكل، علشان كدا بطنك وجعتك.
قال رامي بهدوء: عادي يا شهد، متخديش في بالك المهم انها عدت.
صمتت شهد قليلا ثم رفعت بصرها، وسألته بفضول: الا قولي يا رامي، انت حق هاتعمل مشروع وكدا، اصل خالتي حكتلي وانا الصراحة مفهمتش حاجة.
أومأ رامي براسه وقال: اه مشروع على قدي كدا، مصنع ملابس بس يعني اطفال وحريمي ورجالي كله مش مقتصر على حاجة اللي هايبقى ماشي في السوق هاعمله.
جلست شهد باريحية اكثر واردفت: ما شاء الله ومعاك بقى شركا ولا لوحدك.
هتف رامي موضحا: لا بصي في فالدولة جهاز اسمه جهاز تنمية المشروعات الصغيرة، يعني لو حد عنده فكرة مشروع وعاوز يعمله بس امكنياته مش قد كدا، بيعمل دراسة جدوى للمشروع وبيقدمها وهما بيدروسها ولو لاقوها بتعود بنفعة بينفذوها. انا عملت كدا والحمد لله وافقو، جابولي بقية المكن اللي انا عاوزها، لان انا كنت اشتريت شوية مكن ووقفت لقلة الفلوس، فا كنت قاعد قدام التلفزيون في مرة لقيتهم موجودين على برنامج وبيحكو عنه قولت ليه لا ماقدم واشوف يا صابت يا خابت، والحمد لله ربنا وقف جنبي، وزي ما قولتلك جابو بقيه المكن وصرفو الشيك تاني وهاجيب الخامات وخلاص هابدا اشتغل، ادعيلي بس اعرف اسوق المنتج بتاعي واقف كدا على رجلي وانجح.
نظرت له شهد بانبهار وقالت: ما شاء الله عليك يا رامي، بجد انت مثال للشباب الكويسة اللي بتحاول تسعى وتشتغل، انا بجد فخورة بيك، بس معلش انت يا رامي مش شغال محاسب في الشركة، ليه يعني تتعب نفسك في مشروع.
ابتسم رامي لكلماتها البسيطة المشجعة وقال: تسلمي ياشهد، بس ياستي اما بالنسبة ليه فكرت في مشروع تاني هاقولك، متطلبات الحياة بقت صعبة اوي يا شهد وانا كمان مدخل حمزة مدرسة خاصة، وكمان فلوس دروسه وحاجات كتير اوي، غير بقا ظروف البيت، انا ايه اللي يخليني اكتفي بمرتبي، ما ممكن اكبر نفسي، وابقى حر نفسي.
شعرت شهد بالاحراج فهي بمثابة عبئ جديد على حياته: طيب بقولك بما ان انت بتفتح مصنع وفيه ملابس، فانا كنت متعلمة الخياطة وشاطرة موت، انا هانزل اشتغل معاك، ومش عاوزة مرتب انا عاوزة اشتغل وبس.
رفع رامي حاجبيه باعتراض وقال: هو انا كنت قصرت في حاجة، شغل ايه اللي انتي عاوزة تشتغليه، لا طبعا كلامك مرفوض يا شهد.
لوت شهد شفتيها بحنق وقالت: يا رامي انا كدا ولا كدا كنت هانزل واشتغل، انا مبحبش قعدة البيت، يا تشغلني عندك، يا تسيبني انزل ادور على شغل، وعلى فكرة عمر ماشغل الواحدة ما كان اهانة ليا، بالعكس انا كنت قريت في كتاب اللي قدرت افهمه يعني انه بيعمل مكانة كدا وحاجة كبيرة ليها.
اعتدل هو في نومته وجلس واردف بعصبية: هششششش بلاش كلام اهبل، مكانة ايه وبتاع ايه، انتي تقعدي هنا مفيش حركة ولا نزول ودا اخر كلام، ودلوقتي يالا اعمليلي ينسون بطني وجعتني تاني.
شهد بنفاذ صبر: بص يا رام....
قطع كلامها دخول صفاء. نظرت لها شهد وابتسمت: اهي خالتي حبيبتي اللي نصفاني هاتحكم ما بينا.
قالت صفاء بهدوء: لو سمحتي يا شوشو، اعملي لرامي ينسون وانا شاي وبعدين تعالي حكميني زي ما انتي عاوزة.
أومأت لها شهد وتحركت خارج الغرفة، بينما جلست صفاء بالقرب من رامي وتحدثت بصوت خافت:
انا عاوزك في موضوع مهم، واسمع الكلمتين الاول، وبعدها قول رأيك وبلاش صوت عالي علشان مش عاوزة شهد تسمع.
نظر لها رامي باهتمام واردف: قولي يا ماما.
تحدثت صفاء بجدية: بص يا بني، انا مش عارفة اللي هاقوله صح ولا غلط، بس انا حاسة من جوايا ان هو دا الصح. انا مش هاعرف اسيبك انت وشهد واسافر لاختك السعودية الا وانتو متجوزين، لان يابني مينفعش تقعدو لوحدكو الشيطان شاطر، وكمان الناس تقول ايه، ودي سمعة بنت، وكمان انت عصبي وبتتخانق معاها على اي حاجة وهي كرامتها ناقحة عليها وكل ما تزعقلها تقول اسيب البيت وامشي، وانا اليوم اللي امها طردتها فيه، اعتبرتها بنتي، ولايمكن اسيبها ابدا مهما حصل.
حاول رامي التحكم في اعصابه وقال: تقصدي بايه الشيطان شاطر لان دي النقطة اللي لازم ارد عليكي فيها لان كل اللي قولتيه بالنسبالي تفاهات، علشان يا ماما انا لا يهمني ناس ولا حد يقدر يتكلم عليها بنص كلمة، ولا هي تقدر تسيب البيت وتمشي وانا وعدتك بكدا حتى لو اتخانقت معاها صبح وليل.
زمت صفاء شفتيها بضيق وقالت: الشيطان شاطر يا رامي، بصتك لشهد مش مريحاني، واوعى تكدب عليا، انا امك و فاهمك كويس اوي.
قالي رامي بضيق: بصي يا ماما، شهد بالنسبالي اختي وبس، انا لايمكن اتجوز بعد اميرة، لا يمكن احب بعد اميرة، انا قفلت قلبي وخلاص، لكن شهد استحالة يا امي تكون مراتي.
رفعت صفاء حاجبيها باعتراض: دا اخر كلام عندك.
ابتسم رامي ابتسامة مزيفة وقال: اه طبعا اخر كلام، انا وشهد استحالة، في فروق كتير ما بينا اصلا، هي عاوزة حد شبهها علشان يقدر يعيش معاها، وانا عمري ما اتجوز حد غير اميرة.
وقفت شهد على باب الغرفة واستمعت لحديث رامي، سالت الدموع من عينيها. ذهبت لغرفتها واغلقت باب الغرفة وبكت على حالها.
في منزل حسني.
جلست سلمى تنظر بعداء شديد لزكريا، بينما ابتسم زكريا كالابله. زفرت هي بضيق شديد، فحمحم قائلا:
ايه يا ست البنات، شكلك مضايقة من خطوبتنا.
نظرت له باندهاش عقب جملته واردفت: طب كويس انك فاهم اني مضايقة، مكمل انت ليه بقى، انت ترضى على نفسك تتجوز واحدة مش عاوزك.
ابتسم زكريا ابتسامة مصطنعة عكس البركان الذي بداخله وقال: مش عاوزني ليه يا سلمى.
قالت سلمى ببرود: علشان انت مالكش امان بتغدر، غدرت بصاحبتي وهي اكيد ملهاش ذنب في اللي حصلها، انت عارف وانا عارفة كويس مين هي ليلى وشهد، فضحتها في الحارة ومهنش عليك انها كانت في يوم خطبتك، اقولك بقى انا بكرهك يا زكريا لانك السبب في بعد اختي عني.
انتفض هو من جلسته واردف بلغظة وقال: انا اللي ماليش امان، ولا هي السافلة اللي غدرت بيا وسمحت لواحد يلمسها، انتي بتكرهيني، انا بقى هاقولك الكبيرة، انا اللي هاكون السبب في موتك يا سلمى هاكسر قلبها بيكي، لما تعرف ان اتجوزتك، وهانتقم منك علشان انتي بتحبيها، صدقيني يا سلمى انتي هاتموتي علي ايدي وايد امي، استعدي بقى لجحيم زكريا اللي بتكرهيه.
ذهب صوب باب الغرفة وفتحه بعنف وصاح بأعلي صوته:
يا ماا تعالي هنا.
خرجت مديحة مهرولة: في ايه يا زكريا.
قال زكريت في اقتضاب: مفيش يالا.
لوت مديحة شفتيها في تهكم وامالت على حسني الواقف بجانبها: خلي بنتك تفك بوزها يا حسني، انا ابني مش اي حد، هي بنتك كانت تطوله، دا اخر تحذير ليها.
القت مديحة نظرة غاضبة على سلمى، ثم خرجت من البيت. فور خروجها اندفع حسني بإتجاه سلمى وجذب شعرها في يديه وصاح بصوته الجهور وقال:
ايه يابنت ال****، عملتي ايه في الراجل، دا انا هاموتك الليله دي.
صرخت سميحة واردفت بعصبية: سيبها يا حسني هاتموت في ايدك.
دفعها حسني على الارض وتحدث بغلظة: بصي يابت انا بقولك اهو انتي تتظبطي مع زكريا، هو انتي كنتي طايلة تتجوزي واحد زيه، دا انتي معيوبة وعندك السكر، والعرسان بتطفش لما بتعرف انك عيانة، انا عاوز اخلص من همك وقرفك، ولو فكرتي بس انك تهربي والله لاجيبك ووقتها هاقتلك، فهميها يا ولية انا معنديش عزيز ولا غالي.
ترقرقت الدموع في عيني سلمى عقب حديث والدها، بينما ربتت والدتها على كتفها واردفت:
قومي معايا يا سلمى، قومي يا ضنايا اوديكي اوضتك.
في منزل رامي المالكي.
طرقت صفاء باب غرفة شهد بهدوء، ثم دلفت وجدتها تجلس وتنظر لهاتفها بحزن. اقتربت منها وشاهدت اسم اختها سميحة علي شاشة الهاتف، تملكها الغضب. جذبت الهاتف من يد شهد بعصبية وضغطت علي الزر وقالت:
الو.
هتفت سميحة بتساؤل: صفاء.
قالت صفاء باندفاع: اه صفاء اختك اللي نسيتها وبقيتي سنين مبتكلميهاش علشان جوزك المحترم، عاوزة ايه يا سميحة بتتصلي على شهد ليه، سيبها في حالها، انتي مش رمتيها، جاية دلوقتي تسألي فيها، ودا كله علشان خاطر مين المحروس حسني، رميتي بنتك ومسألتيش وصلت هنا ولا لأ، زي ما عملتي زمان وقطعتيني سنين علشان حسني الزفت حالف عليكي بالطلاق، تقاطعي اختك يا سميحة، بقولك ايه اللي ما تعزش عليها بنتها واختها تبقى واحدة مش همها الا مصلحتها وبس، من النهاردة انسي ان ليكي بنت، انسي ان ليكي اخت، بنتك بقت بنتي وانا المسؤولة عنها، ويالا من غير سلام.
اغلقت صفاء المكالمة دون سماع رد سميحة. القت الهاتف ثم جلست بجانب شهد واخذتها في احضانها ظلت تمسد على راسها بهدوء، بينما الاخرى بكت بكاء مرير.
في منزل حسني.
نظرت سميحة للهاتف بصمت، ثم رفعت بصرها لابنتها واجهشت بالبكاء. هتفت سلمى قائلة:
في ايه ياماما، هو مين كان بيكلمك، خالتو صفاء.
هزت سميحة راسها دون كلام، بينما هتفت سلمى بهدوء: طب قولي هي قالتلك ايه.
قالت سميحة بصوت مبحوح: اقول ايه يا سلمى، اقول ان اختي سمعتني كلام يدبحني، طب اعمل ايه محدش حاسس بيا، ابوكي وماسك عليا شيكات لو خالفت كلامه هايكلم حج متولي يحبسني بيهم و...
قاطعتها سلمى: ماما هو بابا مكنش سدهم.
اردفت سميحة بغيظ: سدهم الظالم بس ماسكني بيهم، علشان الحج متولي صاحب عمره خلاه يحتفظ بالشيكات وكل ما اجاي اخالفه يجي ويهددني بيهم، انا خلاص تعبت.
زمت سلمى شفتيها في ضيق وقالت: معلش يا ماما اهدي، طيب هو انتي مبتكلميش ليه خالتو صفاء.
ضحكت بسخرية وقالت: ابوكي بردو السبب، بعد موت مصطفى ابو شهد، ابوكي ضحك عليا واتجوزني، صفاء وجوزها مش عاجبهم حسني وكانو شايفينه طماع، وهو حس بكدا، علاقتنا انا وصفاء مكنتش مستقرة اوي، بس جه طلب مني استلف من صفاء ١٠٠٠٠ جنيه علشان محل الجزارة وقتها عليه ديون، رفضت راح ضربني علقة، اضطريت و كلمتها واتوقعت ترفض بس هي كدا صفاء طيبة وافقت، بعد ما اخدتهم بشهر حلف عليا بالطلاق منا مكلماها واقطع علاقتي بيها، انا يابنتي كنت هاعمل ايه بشهد وبيكي، كنت هاروح فين، قطعت معاها وانتو كبرتو و عيالها كبرو ومحدش يعرف عن التاني حاجة، بس هي الصراحة، بعتتلي رامي ابنها مرة سأل عليا، ولما ابوكي منه لله عرف، ضربني وهددني بيكي انه هاياخدك مني، فبعتلها رسالة مع واحدة جارتي متكلمنيش تاني ولا تبعتلي ابنها تاني.
نظرت سلمى لسميحة بغضب: ايه دا يا ماما، ايه ضعف الشخصية دا، انتي ازاي كدا، مضيتي شيكات على نفسك لواحد المفروض انه صاحب بابا، وكمان بابا سدهم وسايبة بابا عادي يزل ويهين فيكي، كمان اختك اللي مدياكي فلوس وانتي بتتهربي منها، انتي ازاي كدا.
انتفضت سميحة بغضب وقالت: دا جزاتي يا سلمى، يعني انا في الاخر استاهل كدا، انا كنت بخبي عنكو ليه، علشان متشلوش همي، بقى انا دلوقتي غلطانة.
هتفت سلمى بضيق: ايوة غلطانة، انتي ضعفك دا ودانا في ستين داهية شهد اهي مشيت وبعدت عننا، وانا هايجوزني لزكريا هو وامه يموتوني.
هتفت سميحة بنبرة مهزوزة: خلاص يابنتي انا هاروحله واقوله انك مش هاتتجوزي زكريا، وانا السجن مصيري.
اغلقت سلمى عينيها بتعب وقالت: خلاص يا ماما انتي عارفة كويس اوي اني مش هارضى تتسجني بسببي و كمان ايه يعني هي جوازة ولا اكتر، متتكلميش مع بابا تاني في حاجة وخليني اخلص.
أومأت سميحة ثم خرجت و ذهبت لغرفتها، دلفت واغلقت الباب جيدا ثم اخرجت من دولابها صندوق صغير فتحته واخرجت منه بعض الصور القديمة. امسكت صورة ثم قالت بصوت مبحوح:
غلطت اكبر غلطة في حياتي يا ابو شهد، غلطت بعد ما اتجوزت بعدك، اتهنت، بقيت ابيع بناتي علشان خوفي من ان ادخل السجن، انا خايفة اوي يا مصطفى من اللحظة دي، عشت طول عمري معززة مكرمة، وفي لحظة حياتي اتقلبت جحيم بقيت انام احلم بكابوس دخولي السجن، انا عارفة ان انا انانية لما فكرت ابيع شهد وارميها واهو ببيع سلمى كمان، انا تعبانة اوي يا مصطفى، ومبقتش لاقية حل، حسني بينتقم منك فيا، مش ناسي اللي زمان عملته فيه، بينتقم وانا كنت غبية وصدقته، كلام صفاء اختي طلع صح، انا بتعذب يا مصطفى، حاسة ان نهايتي على يد حسني.
سمعت سميحة صوت حسني الغليظ خارجا، وضعت الصور في الصندوق واغلقته جيدا ثم وضعته في الدولاب، ازالت دموعها تنهدت بقوة وقالت: يارب كون معايا، انا ضعيفة اوي.
في منزل كريم.
ضحكت ليلى بصوت خافت ثم قالت: ياااه ياعمي دا اخت حضرتك صعبة اوي.
تنهد جمال ثم قال: يوووه صعبة بس، طب انتي مش ملاحظة اسم كريم وكريمة.
عقدت ليلى حاجبيها وقالت: فعلا لاحظت بس قولت عادي يعني.
هز راسه بنفي ثم قال: لا عادي ايه، انا هاحكيلك ياستي، ناني مراتي عرفت انها حامل فرحنا اوي، جت كريمة قالت لو بنت هاتتسمى علي اسمي، انا رفضت لان كنت ناوي اسميها على اسم ناني، وطبعا كريمة كانت حاسة بكدا فكانت بتغير فأصرت بقى وعلشان ناني طيبة قالت خلاص لو جت بنت نسميها كريمة، جه بقى ولد أصرت تسميه كريم، هي كانت بتعاند طبعا علشان متديش فرصة لناني تسمي ابنها.
ابتسمت هي بتهكم وقالت: مرات حضرتك كانت غلبانة اوي.
هتف جمال موضحا: كانت طيبة يا ليلى، كانت بتحب في تعيش جو فيه سلام نفسي ،مبتحبش تعيش في ضغوطات نفسية ، كانت بتحب تريح كريمة علشان تشتري دماغها.
نظرت ليلى لغرفة كريم المغلقة ثم قالت: هو كريم من وقت ما جينا قافل على نفسه مبيتكلمش ليه.
قال جمال: المفروض انك تكوني انتي الي عارفة، وبدام حسيتي انه مضايق، يبقى المفروض عليكي تروحيله وتسأليه وتحاولي تخففي عنه.
نظرت هي بتوتر لباب الغرفة، ظلت حائرة ما بين ان تذهب وتسأله عن سبب ضيقه، او تتجاهله حتى لا تعطيه أمل في علاقتهم.
في منزل شهد.
هتفت شهد بعتاب: حتى يا خالتي لو كان هو وافق انا مكنتش هاوافق، انا مستغرباكي الصراحة ازاي تفكري كدا.
قالت صفاء بتساؤل: وايه بقى اللي انتي مستغرباه يا شهد.
قالت شهد بضيق: انك تفكري كدا، يا خالتي انا اول ما دخلت البيت دا وانا اعتبرت رامي اخويا الكبير، وعمري ما حسيت منه انه بيعاملني معاملة غير اخ لاخته.
ثم تابعت بانكسار: وبعدين ياخالتي في فرق بيني وبين رامي، انا شهد اللي مكملتش تعليميها ودا رامي ما شاء الله محاسب قد الدنيا، في فرق يا خالتي.
قالت صفاء بقلة صبر: بلاش تفكيرك العقيم دا ياشهد، هو اه يانعم التعليم حلو، بس انتي ما شاء الله عليكي بتعرفي تقري وتكتبي، وكمان عندك دراية بحاجات كتيرة اوي في الحياة مش جاهلة يعني، وبعدين يا ستي خلاص انا غلطت لما فكرت كدا انا اسفه ليكو، ممكن بقى تفكي بوزك دا، خلاص انتي و رامي اخوات.
ابتسمت شهد ثم جذبت يد صفاء وقبلتها: بجد انتي احن قلب يا خالتي، ربنا يخليكي ليا، انا عارفة انتي فكرتي كدا ليه، فاكرني يعني لما رامي يزعقلي هاسبله البيت، لا طبعا انا مش هاعمل كدا انا على قلبكو.
قهقهت صفاء عقب جملة شهد وقالت: يالهوي عليكي بتعيطي وتضحكيني في نفس الوقت، يارب تقعدي على قلبي على طول.
قالت شهد بفخر: اي خدمة.
وضعت صفاء كلتا يديها على وجه شهد واردفت: اوعي يا شهد تسيبي البيت دا وانا مسافرة، دا بيتك مش بيت رامي، اوعي يابت، يعلم ربنا اليوم اللي انتي جتيلي فيه وانا اعتبرتك بنتي اللي خلفتها، عاوزة اجاي الاقيكي وبعدين يا شوشو انا عاوزكي تخلي بالك من رامي وحمزة حطيهم في عنيكي.
قبلت يد خالتها وقالت: متخافيش انتي سايبة وراكي اسد، بس وحياتي يا خالتي قولي لرامي انزل معاه المصنع انا بكره القعدة في البيت وكمان اشغل وقتي اللي هو في فالشغل وحمزة في مدرسته.
قالت صفاء بنبرة هادئة: حاضر يا شهد، هاخليه يشغلك معاه، بس خليكي هادية وبلاش مشاكل، رامي خلقه ضيق.
هتفت شهد بحماس: انا مفيش اهدى مني، هاشتغل وماليش دعوة بحد.
في منزل كريم.
وقفت ليلى امام غرفة كريم حائرة، واخيرا حسمت قرارها وقررت الدخول. طرقت الباب ثم دخلت وجدته يجلس على الاريكة ينظر في هاتفه. اقتربت وجلست على طرف الاريكة واردفت بصوت هادئ:
مالك يا كريم، من وقت ما جينا وانت قاعد في الاوضة.
رفع بصره وقال متصنعا اللامبالاة: مفيش.
صمتت ليلى، ترقرقت الدموع في عينيها، ثم قالت بصوت حزين: هو انا عملت حاجة غلط عند عمتك، قولي لو في حاجة غلط عملتها.
رفع كريم بصره واندهش من دموعها، ترك الهاتف من يديه، ثم اقترب منها وقال بصوت حنون: بتعيطي ليه يا ليلى، قولت ايه يخليكي تعيطي، انا مش زعلان منك ولا عملتي حاجة غلط عند عمتي.
هتفت ليلى بعصىبيه: امال افسر بايه اللي انت عامله من وقت ما جينا، مبوز في وشي، وقاعد لوحدك، انت بتحسسني انك مغصوب عليا، انا مبقتش فاهمة حاجة.
هتف كريم موضحا: لا يا ليلى، انت اللي محسساني انك مغصوبة عليا، علشان كدا بحاول ابعد علشان مضايقكش.
قالت ليلى بحنق: لا يا كريم قول الحقيقة، انت قبل ما تنزل كنت كويس، روحنا عند عمتك قلبت، في ايه.
ابتسم على مجادلتها معه ثم قال: انا زعلت علشان عمتي وكلامها، عمرها مهتتغير، مش عارف بابا عنده اصرار كبير يقحمها في حياتنا.
ابتسمت ليلى من بين دموعها وقالت: يقحمها!!!!، ايه الكلام دا.
شعر هو بالسعادة لابتسامتها، اقترب بخفة، ثم جذب يديها برقة وقال: تعرفي ايه اكتر تلات حاجات حلوة النهاردة حصلت.
بلعت ريقها بتوتر ثم قالت بتلعثم: ايه هما.
اقترب اكثر ونظر مباشرة لعينيها ذو اللون العسلي الصافي وقال بهمس: اول حاجة انك قولتي كريم مش دكتور كريم.
ثم تابع بهمس مع اقترابه اكثر: تاني حاجه انك حسيتي بيا وانا مخنوق، وابتسامتك طلعت تاني ونورت الدنيا.
ثم اقترب اكثر فلم يعد يفصل بينهم انش واحد، قال وهو ينظر لفمها المكتنز: تالت حاجة اني هاعمل كدا ويومي هايتقفل باحلى حاجة حصلتلي.
جذب كريم راسها نحوه وامال على شفتيها ينهل منهما ما يريد.
رواية شهد الحياه الفصل الثامن 8 - بقلم زيزي محمد
وضعت الطعام على المائدة، نظرت بطرف عينيها لكريم، ثم همست بضيق:
_ بقولك ايه يا دكتور، دا اخر تحذير ليك.
رفع كريم حاجبيه ببرود وقال:
_ تحذير على ايه مش فاهم.
هتفت ليلى بغيظ:
_ لا انت فاهم كويس وعارف، اللي حصل من اسبوع عمره ما يتتكرر يا دكتور، وبلاش نظراتك وابتسامتك بتاعت كل يوم دي.
وضع كريم اللقمة في فمه وقال بهدوء:
_ نظرات وابتسامات ايه شكلك بتتوهمي يا ليلى.
كانت تسكب الماء في الكوب، عقب انهاء جملته وضعت الكوب امامه بعنف فجاءت بعض قطرات الماء على يده وملابسه، رفع بصره لها باندهاش اثر حركتها، بينما هي نظرت له بتحدي ثم قالت وكانها لم تفعل شيئ:
_ انا رايحة ادي لعمي الدوا.
***
في منزل رامي.
كانت تدور وراءه مثل النحلة وهي تهتف بضيق:
_ انت وعدتني يا رامي اني اشتغل.
توقف هو عن جمع اوراقه والتفت لها قائلا ببرود:
_ فين دا محصلش، بطلي كدب.
لكزته في كتفه بخفة وقالت:
_ رامي متعصبنيش مش خالتو كلمتك وانت قولت ماشي وفتحت مشروعك المفروض انزل بقى اشتغل.
رفع يده امام وجهها وقام بالعد على اصابعه قائلا:
_ اولا ماما كلمتني وانا وافقت في حالة لما تسافر السعودية هاتنزلي تشتغلي،
ثانيا انا اه فتحت المشروع بس بعمل كام موديل يعني الشغل لسه مبدأش،
ثالثا ودا الاهم بطلي زن علشان انا خلقي ضيق،
رابعا لو الحركة اللي عملتيها في كتفي اتكررت هاكسرلك ايدك.
ثم التفت لجمع باقي اوراقه، بينما هي استطردت قائلة:
_ معلش يا رامي نسيت خامسا.
حاول جاهدا منع ظهور ابتسامته وقال بجدية:
_ مفيش هما اربع حاجات بس.
قالت شهد ببرود:
_ لا بس خامسا دي عندي بقى.
استدار لها ببطئ ورفع حاجبيه وقال:
_ قوليلي بقى خامسا اللي عندك.
ابتعدت هي بضع خطوات وقالت باندفاع:
_ انك ارخم واحد شفته في حياتي.
فور انتهاء جملتها، فرت هاربة منه، بينما هو ابتسم على طفولتها هاتفا لنفسه:
_ مش كفاية عليا البيت يا شهد يبقى بيت و مصنع، انا بتعذب في قربك، ربنا يصبرني.
***
في منزل حسني.
جلست سلمى تقرأ القرأن الكريم، لعلها تهدأ، قاطع قرأتها صوت رنين هاتفها، صدقت على قرأتها و نظرت فيه وجدت اسم شهد يضيئ الشاشة، ابتسمت بسعادة ثم أمسكت الهاتف ووضعته على اذنها وهتفت بفرحة:
_ شهد حبيبتي، وحشتيني اوي.
قالت شهد بصوت حنون:
_ وانتي كمان وحشتيني يا سلمى، معلش لو مكنتش برضى ارد، كنت زعلانة منكو ومش قادرة ارد عليكو.
ترقرت الدموع في عينيها وقالت:
_ حبيبتي يا شهد حقك والله، حقك كمان تقاطعينا العمر كله
ثم تابعت قائلة:
_ قوليلي اخبارك ايه واخبار خالتي معاكي.
قالت شهد بحزن:
_ خالتي دي مفيش اطيب منها، دا انا متهيائلي انها اطيب من امي نفسها، ربنا عوضني بجد، عارفة يا سلمى مشيت من عندكو وانا كنت تايهة، كنت رايحلهم وانا ميتة من الخوف يقفلو بابهم في وشي، بس الحمد لله ربنا جبرني اوي، وكرمني بخالتي ورامي.
هتفت سلمى بصوت مبحوح:
_ معلش يا شهد، والله ماما غصب عنها معلش، يالا ربنا يسامح اللي كان السبب.
قالت شهد بقلق:
_ مالك يا سلمى صوتك ماله، اوعي يكون ابوكي بيعمل فيكي حاجة، قوليلي وانا والله اجاي انط في كرشه وميهمنيش حد.
ابتسمت سلمي بحزن وقالت:
_ حبيبتي يا شهد ربنا يخليكي ليا، انا كويسة وبابا مبيعمليش حاجة، بس المهم انتي خلي بالك من نفسك.
تنهدت شهد وقالت:
_ طيب وانتي بردو خلي بالك من نفسك ومتقوليش لماما ان اتصلت علشان متزعلش ان مكلمتهاش.
قالت سلمى بحزن:
_ هو انتي لسى زعلانة منها يا شهد.
قالت شهد بتهكم:
_ هي اللي عملته فيا قليل، اللي عملته دا هايفضل مأثر فيا العمر كله.
ثم استطردت قائلة:
_ يالا انا هاقفل في حد بيرن الجرس، سلام.
ودعتها سلمى بدموع وكانها لاخر مرة تسمع صوتها وقالت:
_ سلام.
ثم اغلقت الهاتف ونظرت له، فسقطت بعض قطرات من دموعها على شاشة الهاتف:
_ هاتوحشيني اوي يا شهد، مش عارفة كنت عاوزة اسمع صوتك اكتر واشبع منه، قلبي مقبوض، استر يارب.
***
في منزل كريم.
جلست ليلى في غرفتها بتوتر شديد، قالت لنفسها:
_ يارب ما تنادي عليا، مش ناقصة اسمع كلام يسم بدني، يارب...
لم تكمل جملتها ووجدت كريمة تفتح الباب وتدخل للغرفة، رأتها ليلى انتفضت واقفه تنظر لها بتوتر، بينما اردفت كريمة بتهكم:
_ ايه شوفتي عفريت ولا ايه.
ابتلعت ليلى ريقها بتوتر وقالت:
_ لا انا اسفة بس...
قاطعتها كريمة بحدة:
_ هشش، اقعدي عاوزة اتكلم معاكي.
جلست كريمة بتكبر وتعالي، بينما جلست ليلى بتوتر شديد، ثم قالت كريمة بحدة:
_ مش المفروض عرفتي اني برة تطلعي تستقبليني وتخدمي عليا ولا اهلك معلموكيش كدا.
نظرت لها ليلى بصدمة من اهانتها لها وقالت بأدب:
_ البنت المسؤولة برا تخدم على حضرتك، مع ان انا شايفة مالوش لزمة، لان حضرتك صاحبة بيت وتقدري تتحكمي في البيت زي مانتي عاوزة، واهلي علموني واجب الضيافة، بس انا شايفة انك مش طايقني، يبقى مالوش لزمة اخرج واضايق حضرتك بوجودي.
نظرت لها كريمة بحدة وقالت:
_ لا بتعرفي تردي ولسانك طويل، كريم جابك من انهي داهية، انتي ولا من مستوانا، ولا من بيئتنا، معرفش اتهبل في دماغه ولا ايه.
حاولت ليلى التحكم في اعصابها، التزمت الصمت وعدم الرد عليها، نهضت كريمة بضيق وقالت بهمس مسموع:
_ قليلة الادب.
ثم خرجت من الغرفة، فور خروجها انفجرت ليلى بالبكاء.
***
في المصنع.
دلف رامي مكتبه بعد يوم طويل وشاق وجد سامي ينتظره، نظر له رامي نظرة سريعة ثم جلس على مكتبه دون القاء تحيته على صديقه، ابتسم سامي بسخرية وقال:
_ على فكرة انا المفروض ازعل مش انت.
هتف رامي بحدة:
_ خلاص انا وانت زعلانين من بعض عادي حكاية بسيطة.
قال سامي بضيق:
_ انا نفسي اعرف انت زعلان مني على ايه، انت اللي غلطت فيا يا رامي ومش عملت حساب العشرة اللي بينا وفي الاخر رايح تعطي لهايدي بنت عمي الفلوس اللي انت سالفها مني وكانك بتقولي مبقتش عاوز اعرفك تاني.
قال رامي ببرود:
_ عادي يا سامي هي مش بنت عمك والا حد غريب، وبعدين زي مانت عارف انا كنت مشغول بالمصنع وهي بتعطي درس لحمزة، شوفتها وقولتلها وصليهم لسامي بس.
نهض سامي واخذ مفاتيحه وهاتفه واتجه صوب الباب سارع رامي بجذب يديه وقال:
_ انت رايح فين احنا مش بنتكلم.
زم سامي شفتيه بضيق وقال:
_ رايح في داهية، بس قعدة معاك لا، خلاص انا فهمت انت عاوز تقولي ايه.
هتف رامي بتهكم:
_ وانا عاوز اقولك ايه بقى يا فكيك.
ابعد سامي بصره وقال بضيق:
_ عاوز تقولي خلاص الصحوبية ما بينا انتهت.
قهقه رامي عقب انهاء جملة سامي وقال من بين ضحكاته:
_ انت فظيع يا سامي انت ليه محسسني ان انا وانت بنفركش، اهدى يابني كدا.
جذب سامي يده بعنف وقال:
_ طب بطل استفزاز، ولو جدع قولي انا غلطت في ايه.
اخذ رامي نفس طويل ثم اخرجه وقال بهدوء:
_ بص يا سامي انت غلطان، اولا انت عارف كويس اني في الوقت دا ببقى في الشركة، متستعبطش وتقولي اصل انا قولت ان الشاي اتكب فقولت مش هاتروح، لا انت جيت البيت علشان تشوف شهد فضولك اخدك لكدا، والغلط الاكبر بقى يا سامي انك تتكلم عليها وقدامي وكاني ماليش اي لزمة ولا حتى في احترام، ليا ازعل بقى ولا لأ، وعلى فكرة انا في جملة على طول بقولهالك انا بكره اللي يستغباني، وانت مبتاخدش بالك منها، او بتعمل نفسك اهبل وبتتصرف على الاساس دا.
اصاب سامي التوتر عقب كلمات رامي له وقال:
_ وانا بستغباك في ايه، لا حقيقي دا كان وقتها تفكيري.
ثم تابع باندفاع وقال:
_ بس على العموم حصل خير.
ابتسم رامي نصف ابتسامة وقال:
_ حصل خير فعلا.
***
في منزل رامي المالكي.
_ خلاص يا شوشو، كدا فهمتي البيت بيمشي ازاي والمصاريف وكل حاجه.
كان صوت صفاء جاد حازم، أومأت شهد وقالت:
_ اه ياخالتي فهمت كل حاجة متقلقيش، انا شاطرة والله.
ابتسمت صفاء وقالت:
_ شاطرة بس ايدك سايبة شوية، انتي عارفة يابت يا شهد انتي ماشية بمبدأ ايه.
عقدت شهد حاجبيها وقالت:
_ ايه ؟!.
ضربتها صفاء بخفة على وجينتها وقالت:
_ اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب.
ضحكت شهد بصوت عالي وغمزت لخالتها:
_ طب دا حتى احلى مبدأ الواحد يمشي بيه، انا طول عمري مابشلش هم لبكرة، الواحد بيعيش مره واحدة، هانتعب ونفكر ليه.
وضعت صفاء يديها على فم شهد وقالت:
_ يابت وطي صوتك لهايدي تتضايق.
اخفضت شهد صوتها وقالت بعبوس:
_ مش عارفة البت دي قارشة ملحتي ليه يا خالتي رخمة اوي، ومش عارفة اصلا حمزة بيستحملها ازاي.
ضحكت صفاء بخفة وقالت:
_ انا عارفة هي مخنوقة منك ليه ؟.
هتفت شهد بفضول:
_ ليه يا خالتي؟.
ابتسمت صفاء بمكر وقالت:
_ فاكراكي هتاخدي منها رامي.
عقدت شهد حاجبيها وقالت:
_ اخده منها ازاي لامؤاخذة.
زمت صفاء شفتيها بضيق وقالت:
_ انتي هبلة ياشهد ولا ايه، هي فاكرة ان رامي بيحبك، وهي بتحب رامي وبترسم عليه وعاوزة تتجوزه ورامي بينفضلها فهمتي.
اتسعت عينيها باندهاش وقالت:
_ وربنا انا قولت، البت دي مش مظبوطة وجاية هنا تشقط.
رمقتها صفاء بعتاب وقالت:
_ يابت وطي صوتك، هاتتبسطي انتي لما هي تسمع كلامنا.
ثم تابعت بخبث:
_ بس ايه هي مش هاتبقى هنا وبس هاتروح مع رامي المصنع هاتنزل تشتغل، رامي حكالي امبارح.
تقلصت ملامحها بغضب وقالت:
_ حكالك ايه يا خالتي ايه هايودي البت دي المصنع هي مش مدرسة، ايه فهمها هي في التصنيع والا الخياطة.
هتفت صفاء موضحة:
_ ماهو هايدي ما شاء الله عليها بتفهم بكل حاجة وشاطرة اوي، ورامي هايحتاجها في العلاقات العامة، وبعدين ياستي هي اصلا تبقى بنت عم سامي صاحب رامي.
قالت شهد بحنق:
_ اه ابنك ياخدها معاه المصنع وانا يقولي لما ماما تسافر السعودية.
ثم تابعت في سرها:
_ ماشي يا رامي.
***
في منزل كريم.
(ليلا).
تحرك ببطئ حتي لايوقظ من في البيت ، اقترب من باب غرفته ،ثم سمع صوت بكائها اندفع للداخل بسرعة، رائها جالسة على السرير تبكي، ازداد القلق بداخله:
_ مالك يا ليلى.
رفعت بصرها اليه ثم هتفت بحزن:
_ مفيش.
اقترب منها وجلس على طرف الفراش، ثم مد يديه وازال دموعها وقال بصوت حنون:
_ لا فيه يا قلبي، بتعيطي ليه يا حبيبتي.
ابعدت يديه بعنف وهتفت بعصبية:
_ انا مش قلب حد ولا حبيبة حد.
تمالك هو اعصابه وقال بهودء:
_ طيب يا ليلى، في ايه ؟.
ابعدت بصرها عنه، ولكن ما لبثت ثواني ونظرت اليه وقالت بغضب:
_ كريم انا عاوزة امشي من هنا، خدلي شقة بعيد عن هنا، او حتى اوضة فوق سطوح، بس قعدة هنا لأ.
رفع احد حاجبيه وقال:
_ تمشي من هنا ازاي، في ايه يا ليلى ؟.
اتتفضت ليلى واقفة وقالت بصوت عالي:
_ بقولك عاوزة امشي من هنا، ايه مبتفهمش ولا ايه، قرفت منك ومن البيت دا وقرفت من الاهانة، عاوزة امشي، طلقني.
الى هذا الحد وكفى، بدأ الغضب يتصاعد بداخله، وعند نطقها لكلمة ( قرفت منك ) رفع يده وصفعها بكل قسوة على وجهها حتى اختل توازنها وسقطت على الفراش، رفعت بصرها ونظرت له بصدمة، بينما احتدت نظراته لها وقال بصوته الجهور:
_ لغاية هنا وبس يا ليلى، اياكي تتخيلي للحظه اني ممكن اعديلك اهانتك، فاهمة والا لأ.
ازالت دموعها بعنف ونهضت مرة اخرى وقالت بتحدي:
_ لا دي مش اهانة يا دكتور، بالعكس دي الحقيقة، انا قرفانة منك ومن نفسي ومن الدنيا كلها، انا قرفانة من اهانة عمتك ليا، انا تعبت مكنش المفروض نتجوز، انت غيري وانا غيرك، انت فوق اوي وانا تحت اوي، طلقني وسيبني.
اردف كريم بتهكم:
_ اطلقك!!، بعد دا كله اطلقك، جايه دلوقتي عاوزة تبعدي عني علشان سمعتي كلام من عمتي ضايقك، طب وانا، انا اللي عشت في حبك سنين، حبك اللي بيكبر جوايا كل ثانية، انا اللي كنت كل يوم بتمنى تبصيلي والا حتى تحسي بيا جاية دلوقتي تقوليلي اطلقك، عارفة ! حاجة واحدة في حياتي ندمت عليها وللاسف مش قادر اتخلى عنها هي بس اني حبيتك في يوم من الايام، اخترت واحدة قلبها جاحد مبتحسش.
امسكت قميصه بعنف وهتفت بغضب:
_ وانت ليه مش حاسس بيا، انا البنت اللي ضاعت احلامها وحياتها، انا البنت اللي اغتصبت بكل وحشية، انا اللي هافضل في نظر الكل حتى نظرك ضعيفة وفيا حاجة ناقصة، اوعى تضحك على نفسك يا دكتور وتقولي ان الحاجة دي مش فارقة معاك، انت ممكن تذليني عليها بعد كدا.
وضع يديه فوق يديها الممسكة بمقدمة قميصه وهتف بهمس حزين:
_ لا يا ليلى عمري ما اعمل كدا، عارفة ليه ؟، لاني بحبك مش بس بحبك انا بموت فيكي، انا بعشقك وبعشق كل تفصيلة فيكي، انا بخليكي تنامي وبقعد اتأمل في ملامحك، انتي عارفة ليه مش حاسة بحبي، لانك للاسف مدقتيش طعم الحب، متعرفيش الحبيب ممكن يعمل ايه علشان يوصل لحبيبته، ممكن يبيع نفسه ومبادئه وكل حاجة بس علشان بيتمنى نظرة رضا وحب من عنيها، علشان يتمنى بس وجودها جنبه.
سالت الدموع مجددا من عينيها وهتفت بانكسار:
_ وانت بعت مبادئك في ايه يا دكتور، بعتها لما اتجوزتني صح، لما تنازلت عن مستواك واتجوزت ليلى الممرضة صح.
ضحك هو بصوت عالي واردف بعصبية تشبه الجنون:
_ هو انا هافضل كام مرة اقولك بحبك، ارحميني بقى، حسيها مني ولو مرة واحدة.
ابعدها عنه بعنف ثم خرج من الغرفة بل من المنزل باكمله، بينما هي جلست مكانها وبكت بكاء مرير، ثم هتفت لنفسها:
_ حاسة بيك، وزمان كنت بحس بيك، بس زمان كان بينا سد، دلوقتي بقى فيه ما بينا الف سد، الحياة مابينا مستحيلة، يارب انت حسبي ووكيلي.
***
في منزل حسني.
كان حسني يقف في المطبخ ويمسك بهاتفه ويهمس:
_ مش عارف ولية منحوسة صحيح، كل ما احاول اخلص منها مبعرفش.
هتف صوت انثوي بخبث:
_ علشان انت حنين معاها، اجمد كدا يا راجل واديها على دماغها.
اتسعت عيناه بصدمة:
_ اكتر من كدا، دا انا بقالي اسبوع بصبحها بعلقة وبمسيها بعلقة وهي زي الجاموسة تاخد الضرب من هنا وتقول حاضر.
ذفرت هي بضيق وقالت:
_ انت طولت ياحسني، اخرك معايا بعد فرح بنتك، تسجنها بقى تموتها تطلقها تعمل اللي تعمله، المهم انا مدخلش على ضرة ابدا.
ابتسم حسني بمكر وقال:
_ طبعا يا جميل انت مينفعش يبقى معاك ضرة.
وقفت هي مصدومة، تسمع لكلمات ابيها مع امرأة، اندفعت نحو غرفتها، جلست على فراشها وهتفت بصدمة:
_ بابا، بيكلم واحدة، وهايتجوزها، وبيعمل دا كله علشان يخلص من ماما، طيب مين دي، انا لازم اعرف.
***
في منزل رامي المالكي.
شعرت شهد بالعطش، ارتدت حجابها باهمال، ثم خرجت الى المطبخ، وقفت تسكب المياه، شعرت بانفاس شخص ورائها استدرات بسرعة، وجدت رامي يقف متأملا فيها، هتفت بوجه شاحب:
_ خضتني يا رامي.
حمحم رامي بحرج وقال:
_ احم، معلش كنت جعان بس.
هتفت شهد بضيق:
_ ابقى كح طيب او اعمل اي صوت.
قال رامي بحنق:
_ براحة يا شهد، بقولك كنت جعان.
استدرات تضع الكوب مكانه ثم هتفت بضيق:
_ انا بكلمك ليه اصلا، انا مخصامك.
شعرت بيه يقف خلفها مباشرة، ثم مد يديه وقام بعدل حجابها، توترت هي اثر لمسته، شعر بها وبتوترها، اراد تخفيف حدة التوتر قال بصوت حنون:
_ مالك يا شوشو زعلانة ليه، انا مقدرش على زعلك.
اغلقت عينيها بقوة، تجمدت انفاسها، صوته يديدغ مشاعرها البسيطة، سمعته ينادي عليها مرة ثانية:
شوشو.
فتحت عينيها وهتفت بارتباك:
_ نعم.
هتف هو بهمس:
_ مالك، زعلانة مني ليه.
اغلقت عينيها مرة اخرى وقالت في نفسها:
_ يالهوي عليا، اجمدي كدا يا شهد، هايغمى عليا.
هتف رامي بهمس شديد:
_ شهد.
استدرات مرة واحدة وقالت باندفاع غير مدركة انعدام المسافة بينهم:
_ ايه شهد، شهد سمعت والله، عاوز ايه يا رامي.
نظر لعينيها تحت ضوء المطبخ الخافت، حقا جميلة ملامحها البسيطة، خصلاتها المتمردة من حجابها، جزء من عنقها يظهر له، ابتلع ريقه بصعوبة، حاول ان يكبح رغباته، ثم اردف بهيام متناسيا كل شئ:
_ متنرفزة ليه يا شهد، مخاصمني ليه.
ضاعت هي في نبرة صوته، نظراته لها، ثارت انفاسها، اردات ان ترجع لخلف اصطدمت بالمنضدة خلفها، وضعت يديها تلقائيا على صدره وهتفت بهمس:
_ رامي مينفعش.
اقترب برأسه اكثر واصبح وجهه مقابلا لوجهها ونظر لشفتيها التي تنطق باسمه فيضيع هو في بحور عشقها:
_ هو ايه اللي مينفعش.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم عزمت على فعل شئ، رفعت يدها ببطئ ثم صفعته على احد وجنتيه، اتسعت عيناه اثر صفعتها، اردات الهروب خوفا منه، جذب يديها بعنف وقال:
_ ايه اللي انتي هببتيه دا.
رواية شهد الحياه الفصل التاسع 9 - بقلم زيزي محمد
اقترب برأسه أكثر وأصبح وجهه مقابلًا لوجهها، ثم نظر لشفتيها التي تنطق باسمه، فيضيع هو في بحور عشقها.
"هو إيه اللي مينفعش؟"
بلعت ريقها بصعوبة، ثم عزمت على فعل شيء. رفعت يدها ببطء وصفعته على إحدى وجنتيه. اتسعت عيناه أثر صفعتها. أرادت هي الهروب خوفًا منه. جذب يديها بعنف وقال:
"إيه اللي انتي هببتيه دا؟"
هتفت بتلعثم:
"أعمل إيه يعني، منا لازم أفوقك."
هزها بعنف وقال بعصبية مفرطة:
"تفوقيني من إيه يا هبلة انتي؟"
أخفضت بصرها وقالت بهمس:
"مش انت كنت بتتحرش بيا؟"
اتسعت عيناه عقب جملتها وقال:
"بتحرش بيكي، انتي واعية للكلمة دي؟"
ضربت بكفيها على صدرها وقالت بصدمة:
"يالهوي يا رامي، انت بتتحرش بشهد!"
كانت هذه صفاء. فنظر لها كلا من شهد ورامي بصدمة لوجودها، فقالت بصراخ:
"رد عليا، انت كنت بتعمل إيه؟"
هتف رامي موضحًا:
"مبعملش حاجة يا أمي والله."
اقتربت صفاء وقالت بغضب:
"دي آخرة تربيتي، تتحرش ببنت خالتك يا رامي، دي أمانة يا رامي، انت تعمل كدا، يطلع منك كدا."
هتفت شهد بارتباك:
"استني بس يا خالتي، رامي معمل..."
قاطعتها صفاء بحدة:
"بس والله لاجبلك حقك منه، أوعي تخافي."
تقلصت ملامحه بغضب ثم قال:
"حق إيه يا ماما، انتي هاتصدقيها؟ دي هبلة، أنا أتحرش بدي!"
شهقت شهد بصوت عالٍ ثم أردفت بتهكم:
"إيه إيه يا خويا، هو سكتناله دخل بحماره، غلطان و بتبجح."
جذب يديها بعنف، ثم قال بعصبية:
"لمي نفسك يا شهد، أصل والله لأقطعلك لسانك دا."
هتفت صفاء بحدة وقالت:
"بقولك إيه يا رامي، والله العظيم اللي هاقوله دلوقتي لو متنفذش، انت لا ابني ولا أعرفك، أنا بقولك اهو."
نظرت له شهد بتشفي وابتسمت ابتسامة انتصار، بينما استطردت صفاء بنفس حدتها وقالت:
"بكرة تكتب كتابك على شهد، بكرة تكون مراتك رسمي فاهم، وإلا لأ."
سرعان ما تلاشت ابتسامتها ونظرت لصفاء بصدمة، فهتفت باندفاع:
"بس يا خالتي الله يكرمك، انتي بتقولي إيه، قال إيه أتجوزه قال."
رفع رامي أحد حاجبيه باعتراض ثم هتف بحنق:
"بقولك إيه، اهدي بس شوية كدا، أصل أنا اللي مرضاش اتجوزك والله."
اقتربت صفاء منهم وأشارت بإصبعها السبابة في وجههم وأردفت بعصبية:
"اللي قولته هايتنفذ، وانت يا رامي لو بكرة الصبح مكنتش كاتب كتابك عليها، انت ابني ولا أعرفك، وهاسيبلك البيت دا ومش هاتعرفلي مكان."
تحركت شهد بعصبية مفرطة صوب غرفتها، بينما نظر رامي لوالدته بغضب وقال:
"في إيه يا ماما، إيه الكلام العجيب اللي انتي بتقوليه دا، جواز إيه، انتي ناسيه ولا إيه؟"
هتفت صفاء معاتبة:
"لا مش ناسيه يا رامي، بس انت اللي حطيت نفسك في الحتة دي وزنقت نفسك فيها، أنا مكنتش هاتكلم ولا هاطلب منك كدا لو أنا مكنتش حسيت منك بمشاعر اتجاهها، انت مش شايف نفسك بقيت زي المراهق."
رفع حاجبيه ببرود وقال:
"مراهق! على العموم متزعليش نفسك، أنا هاسيبالها البيت وأقعد في المصنع الفترة اللي انتي مسافرة فيها."
هتفت صفاء بحدة:
"لا يا رامي، أنا قولت كتب كتاب، وبعدين متزعلش نفسك، هاتفضل على وعدك، دا مجرد كتب كتاب وهاتتعاملوا عادي ولا كأنها مراتك، بس عشان الحرمانية."
زفر رامي بعصبية ثم جز على أسنانه قائلًا:
"يا أمي، أنا مش هاكتب عليها، دي آخر واحدة ممكن أتجوزها."
دخلت شهد فجأة ثم وضعت يديها في خصرها قائلة بتهكم:
"ما تهدى ياعم الشبح، قال أنا اللي بموت فيك وهاموت وأتجوزك."
نظر لها رامي وجدها ممسكة بحقيبتها في يديها وأبدلت ثيابها. اقترب منها ببطء وقال مستفهمًا:
"انتي رايحة فين؟"
هتفت شهد بحنق:
"رايحة في داهية، مالكش دعوة."
جذب يديها بعنف وأردف بعصبية شديدة:
"شهد أنا عفاريت الدنيا بتنطط في وشي، ادخلي أوضتك."
تجاهلته شهد وتجاهلت يديه الممسكة بها، ثم وجهت بصرها لصفاء مردفة:
"بصي يا خالتي أنا هامشي لأن مبقاش ينفع أقعد هنا أكتر من كدا، قوليله بقى يسيب إيدي."
شعرت صفاء بارتفاع ضغط دمها، والآلام حادة في رأسها. ترنحت في وقفتها. رآها رامي كذلك، اندفع صوبها ثم أخذ بيديها. هتف بقلق:
"مالك يا أمي؟"
قطبت شهد حاجبيها وهتفت بتوتر:
"إيه يا خالتي، انتي تعبانة ولا إيه؟"
أغمضت صفاء عينيها بتعب وهتفت بصوت مجهد:
"وديني أوضتي يا رامي."
***
في منزل كريم..
جلست تنتظر عودته، منذ خروجه بتلك الحالة. لم يعد إلى الآن. هاتفته كثيرًا لم يجب. سمعت صوت باب المنزل. خرجت من غرفتها، وجدته يدلف إلى المنزل مترنحًا. نظرت له باستغراب:
"كريم انت بتتطوح كدا ليه؟"
رفع بصره إليها قائلًا بصوت ثقيل للغاية:
"ليلى، انتي مستنياني؟"
اتجهت صوبه قائلة:
"أوعى تكون شارب حاجة."
ضحك هو بصوت عالٍ:
"آه أنا شارب حاجات."
زمّت شفتيها بضيق ثم همست لنفسها:
"يالهوي عليا، خليت دكتور كريم يشرب."
تعالت ضحكاته مرة ثانية ثم بدأ بالغناء:
"يتعلموا، يتعلموا من الرقة، لا لا من القسوة دي يتعلموا."
حزنت كثيرًا ثم اقتربت منه وجذبت ذراعه تسنده. وقف هو عن ترنحه وهتف بنبرة شبه ضائعة:
"انتي ليلى بجد؟"
ابتسمت هي ابتسامة صغيرة وقالت بصوت هادئ:
"آه أنا."
ترقرقت الدموع في عينيه ثم هتف بحزن:
"أمال ليه بتعملي فيا كدا، ليه قلبك قاسي كدا."
نظرت لعينيه ولتلك الدموع التي يحاول جاهداً منعها. مدت يديها وحاوطت وجهه بيديها وقالت بصوت حنون:
"الدنيا السبب، هي اللي خلتني أعمل كدا، سامحني."
دفن وجهه في عنقها وقال بنبرة شبه باكية:
"حبك بيعذبني يا ليلى، ياريتني ما شوفتك ولا حبيتك."
وقفت هي مصدومة من عناقه لها. ابتلعت ريقها بصعوبة. مشاعر كثيرة متضاربة بداخلها. تريد البعد، وفي نفس الوقت تتمنى قربه لها. تشعر بالخوف لعناقه لها، وتشعر أيضًا بالاطمئنان في داخل أحضانه. ابتعد هو عنها بعدما شعر بعدم استجابتها، ثم استقام في وقفته جاهدًا للتحرك نحو غرفته دون مساعدتها. استفاقت هي من الشرود في مشاعرها. انتبهت له فسارعت نحوه تجذب يديه وتسانده. نظر لها بطرف عينيه قائلًا بصوت هادئ:
"خلاص يا ليلى، هاقدر أدخل أوضتي، مش لدرجادي يعني."
هزت رأسها برفض قائلة:
"لا طبعًا، هاساعدك يالا."
أدخلته الغرفة ثم ساعدته على الجلوس على طرف الفراش. انخفضت هي بعفوية وجذبت قدمه حتى تقوم بخلع حذائه. جذبها هو بسرعة وأجلسها على ساقيه قائلاً بحب:
"مكانك مش تحت عند رجلي يا ليلى، مكانك هنا جنب قلبي، عمرك ما تعمليها تاني."
خجلت ليلى كثيرًا لوضعها ذلك، ثم هتفت بتلعثم:
"عادي يعني، انت جوزي."
قاطعها مبتسمًا:
"أنا جوزك، أول مرة تنطقيها."
تسرب اللون الأحمر القاني لوجنتيها ثم هتفت:
"انت عاوز إيه يا كريم؟"
هتف هو سريعًا:
"عاوزك."
ثم تابع مصححًا:
"قصدي عاوز فرصة، تفتحي قلبك دا ليا، عاوزك تحسي بقلبي، عاوزك تحسي أنا بعشقك قد إيه."
تسارعت دقات قلبها ثم هتفت بهمس:
"مش هاقدر."
جذبها نحوه أكثر ثم دفن وجهه في عنقها قائلًا بنفس همسها:
"ليه يا قلبي."
سالت الدموع من عينيها ثم صمتت. رفع بصره نحوها، فهتف بتساؤل:
"انتي لسه بتحبيه؟"
هزت رأسها بنفي ثم قالت بحزن:
"مش قصدي عليه، أنا قصدي على اللي حصلي."
مد يديه وأزال دموعها ثم طبع قبلة رقيقة على إحدى وجنتيها قائلًا بحب:
"مش مستعجل يا حياتي، خلينا نمشيها واحدة واحدة، ادي فرصة لنفسك تتعرفي عليا، افتحي قلبك دا ليا وللحياة، صدقيني مش هاتندمي."
صمتت هي كثيرًا ثم هتفت بنبرة طفولية:
"خايفة أوي يا كريم، أنا مش بعرف أتكلم، مبعرفش أقول اللي جوايا، نفسي أطلع اللي جوايا، نفسي أعرف أتنفس تاني، أنا اتكسرت."
زاد من احتضانها ثم قال بحنو:
"إيه رأيك أحجزلك عند دكتورة شاطرة أوي، ودي هتبقى بعيدة عني وعن أي حد وتحكيلها مشاعرك وتتعالجي."
هتفت بتلعثم:
"قصدك دكتورة نفسية، هو أنا مجنونة؟"
حرك رأسه بنفي ثم هتف موضحًا:
"انتي المفروض ممرضة ومتعلمة وفاهمة، مش معنى أبقى مخنوق ومش لاقي حد يفهمني أو في حاجة اتكسرت جوايا أبقى كدا أنا مريض نفسي، بالعكس، أوقات في ناس وانتي منهم مبيعرفوش يحكوا اللي جواهم، بس لو لقوا حد غريب عنهم ممكن يسمعهم، صدقيني انتي حالك هيتصلح كتير لو روحتي وحكيتي معاها هترتاحي وترجعي ليلى تاني."
أومأت رأسها بضعف ثم هتفت بهمس:
"ماشي، موافقة."
***
صباحًا في بيت حسني..
ارتدت سلمى ثيابها، وقفت في منتصف الغرفة، تحاول كبح مخاوفها. استدارت للخلف ثم نظرت للمرآة، هتفت لنفسها:
"متخافيش يا سلمى، انتي هاتكلميه في وسط الناس، مش هايضربك، متخافيش."
دخلت سميحة بوجه متورم ثم هتفت بتعب:
"انتي رايحة فين يا سلمى؟"
نظرت لها سلمى بحزن، ثم اقتربت منها ووضعت يديها على وجه سميحة قائلة بحزن:
"بيوجعك؟"
ابتسمت سميحة بضعف:
"عادي يا بنتي، اتعودت يومين كدا ويروق."
ثم تابعت:
"قوليلي انتي رايحة فين على الصبح كدا؟"
طبعت سلمى قبلة رقيقة على وجه سميحة ثم قالت بهدوء عكس ما بداخلها:
"رايحة مع زكريا، اتصل عليا امبارح علشان ننقي أوضة النوم، هاروح معاه علشان لو قولت لأ، هايتصل على بابا وهايبهدلني."
ربتت سميحة على كتفيها قائلة:
"ربنا يباركلك يابنتي."
ثم استطردت بنبرة حزينة:
"الا قوليلي شهد مش كلمتك؟"
تلعثمت سلمى قائلة:
"ها، لا، بعتت رسالة بطمنا على نفسها."
ابتسمت سميحة بتهكم:
"بتكدبي يا سلمى، نهايته ابقي سلميلي عليها."
أومأت سلمى برأسها ثم تحركت صوب باب الشقة وهي تدعو بداخلها أن يمر اليوم بسلام. هبطت الدرج ببطء وهي تفكر في كلامها مع والدها تحاول ترتيبه في ذهنها. تحركت صوب محل الجزارة ملك لأبيها. بلعت ريقها بصعوبة، ثم وقفت أمام أبيها. نظر هو لها بحدة ثم هتف بصوت غليظ:
"نازلة عن معادك عشر دقايق ليه يابت؟"
نظرت له بخوف، حاولت جاهداً إخراج صوتها بنبرة طبيعية:
"جاية أتكلم معاك في موضوع."
نظر لها بغضب ثم أشار إلى المكان:
"تتكلمي هنا، ما كنتي تستني نتكلم في البيت."
هتفت بتلعثم:
"مش هاينفع، ماما مينفعش تسمع حاجة."
قطب بين حاجبيه وهتف بغلظة:
"هو إيه اللي أمك مينفعش تسمعه؟"
نظرت للطريق من حولها ثم قالت:
"هنتكلم هنا في الشارع يابابا."
صمت ثواني ثم أشار إليها لدخول إلى المخزن القابع في نهاية المحل. دخلت هي بخطوات مبعثرة قليلاً، ينتبها شعور بالخوف من ردة فعله، ولكنها عزمت على ما بداخلها.
***
في منزل رامي المالكي..
جذب يديها بغضب ثم هتف بحنق:
"بقولك اقفي كلميني، في إيه يا شهد ما تتظبطي."
استدارت شهد ثم هتفت بضيق:
"عاوز إيه يا رامي، خليني أدخل لخالتي وأديها الدوا ربنا يهديك."
زفر هو بعصبية قائلاً:
"اقفي وكلميني عدل."
وقفت على مضض ثم قالت:
"آهو نعم."
أخذ نفس طويل ثم أخرجه ببطء قائلاً بهدوء:
"أنا مش عاوزك تزعلي ماما، لو قالتلك جواز قوليلها ماشي، أنا خايف عليها، طول الليل نايمة بتعيط وضغطها عالي، بحاول أراضيها ومش راضية، أنا عمري ما زعلتها ولا أقدر أعمل كدا، انتي مش عارفة هي بالنسبالي إيه، دي كل حياتي."
سرعان ما تجمعت الدموع في عينيها وهتفت بنبرة شبه باكية:
"طب مانا كمان بحبها أوي، أنا اعتبرتها مكان أمي اللي رمتني، بس يعني اللي خالتي بتطلبه مني صعب، في حد بيتجوز أخوه؟"
صدمته هي بجملتها الأخيرة. ابتسم بسخرية:
"معلش يا حجة شهد، اتنازلي واتجوزيني، معلش يا سنيورة يا كونتيسة يا برنسيسة، مش انتي السبب في كل دا، بقا أنا امبارح بتحرش بيكي."
أزالت دموعها بقوة وهتفت بتحدي:
"آه انت امبارح كنت بتتحرش بيا."
رفع حاجبيه باعتراض ثم جذبها نحو غرفته المجاورة لغرفة صفاء، مغلقاً الباب خلفه والصق ظهرها للباب وحاوطها هو بجسده. لم تدرك هي هجومه المفاجئ عليها في ثوانٍ ولكنها شعرت به يقف أمام وجهها ويديه ارتفعت وتمركزت على إحدى وجنتيها يداعبها بلطف قائلاً بمكر:
"أنا قررت أوريكي يعني إيه أتحرش بيكي، أصل انتي عندك حول تقريبًا في مفهوم التحرش."
حاولت هي دفعه عنها، قائلة بتحذير:
"ابعد عني يا رامي، أصل هاصوت وألم الناس عليك، انت إيه اللي حصلك، مانت كنت عاقل."
هتف بهمس:
"مش عارف مالي بشوفك."
اتسعت عيناها بصدمة قائلة:
"أوعى انت بتحبني يا رامي؟"
ضربها على رأسها بخفة ثم هتف بمكر:
"هو أنا مش لقيت إلا انتي وأحبك، هو أنا مجنون."
دفعته بغيظ، ثم هتفت بانفعال واضح على ملامحها:
"اصمالله على جمالك، دا انت حتى اسمك رامي."
خرجت من الغرفة بغيظ، بينما وقف هو مكانه يستوعب جملتها له. تحرك نحو المرآة نظر على صورته المنعكسة ثم هتف:
"طب والله حلو، هي البت دي متخلفة ولا إيه، وماله اسمي."
***
عند سلمى..
لوى حسني يديها خلف ظهرها بعنف:
"بتصنتي عليا يابت."
هتفت هي ببكاء:
"والله يابابا غصب عني، سمعتك غصب، سيب إيدي هاتتكسر."
زمجر حسني بحدة قائلاً:
"دا أنا هاكسرلك راسك، أوعي يابت تتخيلي إنك ممكن تهدديني، انتي مش عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه."
شعرت هي بالآلام حادة في ذراعها، حاولت جاهدة أن تفلت نفسها من يد أبيها ولكنها فشلت. عاودت هي التوسل له بأن يتركها:
"بابا بالله عليك سيبني، خلاص مش قادرة."
دفعها حسني بغضب نحو الأرض، أصدرت آه إثر اصطدامها بالأرض الصلبة، ثم هتف حسني بصوته الجهوري:
"اسمعي يابت، مش المعلم حسني هاتجي حتة بت زيك وتقولي أعمل إيه ومعملش إيه، دا أنا أقتلك وأخلص منك وامك قبلك، أنا رد سجون يابت."
تراجعت هي بخوف ثم هتفت بتلعثم:
"أنا يابابا، كل اللي بطلبه منك إنك ترجع عن قرارك بالجواز من واحدة تانية، عشان خاطري، أنا هاتجوز زكريا عشان خاطر أمي."
ابتسم حسني بمكر ثم قال:
"خلاص طول ما انتي حلوة كدا وبتسمعي كلامي مش هاتجوز على أمك، ولا هاعمل فيها حاجة، يالا قومي ظبطي نفسك عشان خطيبك زمانه على وصول."
***
في منزل رامي..
هتفت شهد بعتاب:
"كدا يا خالتي تتعبي عشان تعرفي معزتك في قلبنا يعني."
نظرت صفاء للجهة الأخرى ولم تعطها رد، بينما تنهدت شهد وقالت بهدوء يشوبه المشاغبة:
"انتي مقموصة يا صفصف."
نظرت لها صفاء بصدمة:
"صفصف!! أنا بلعب معاكي يابت ياشهد."
ضحكت شهد بخفة ثم أردفت بسعادة:
"ضحكت عليكي خليتك تتكلمي."
هتفت صفاء بضيق:
"والله انتي عيلة، أنا مش هارد عليكي."
زفرت شهد بحنق:
"مالك يا خالتي أنا مش عارفة أفرّفشك، طب قوليلي انتي عاوزة إيه عشان ترضي عليا."
هتفت صفاء بهدوء:
"انتي عارفة كويس أنا عاوزة إيه؟"
استغفرت شهد في سرها ثم قالت بنفاذ صبر:
"يا خالتي والله ما ينفع، رام..."
قاطعتها صفاء بحدة:
"اسمعي يا شهد، انتي جيتي البيت دا واعتبرتيني أمك، طيب يابنتي أنا أمك وبقولك لازم أجوزك انتي ورامي، متخافيش كتب كتاب بس عشان اضمن إن مفيش حرمانية عليا ولا عليكو، وبعدين أنا كدا هاطمن عليكي أكتر، أنا الله أعلم هارجع امتى، لغاية ما ميمي تقوم بالسلامة وتشد عفيتها وتبقى كويسة، من دلوقتي لغاية ما أرجع لازم أطمن عليكي."
طوقت شهد وجه صفاء بيديها ثم قالت بنبرة حنونة:
"يا حبيبتي والله لو أمي ما هاتعمل كدا، حاضر يا خالتي مش هازعلك، اللي انتي عاوزاه هايحصل كله، بس إحنا أخوات وبس، وكمان محدش يعرف نهائي بجوازنا، ماشي."
أومأت صفاء بسعادة ثم قالت:
"حبيبتي يا شهد، بس إحنا لازم نتصل بأمك وتعرف."
هتفت شهد بتهكم:
"قال يعني هايفرق معاها، براحتك كلميها وقوليلها."
***
في أحد المستشفيات..
جلست كريمة بتعالٍ في إحدى غرف المشفى ثم جاءت إليها كبيرة الممرضات بملف، ووضعته أمامها باستيحاء وهتفت بنبرة مهذبة:
"أهو ياهانم ملف ليلى من وقت دخولها المستشفى لغاية دلوقتي."
أخذته كريمة بطرف أصابعها، ثم نظرت فيه نظرة سريعة. رفعت بصرها وتحدثت بعنجهية:
"البت دي نظامها إيه في المستشفى، سلوكها إيه مع الدكاترة؟"
لوت كبيرة الممرضات شفتيها:
"حسرة عليها، هي كانت محترمة وطيبة ومخطوبة لموظف في الصحة، بس يعني حصلها مصيبة ضيعتها على الآخر."
ابتسمت كريمة بمكر:
"آه قوليلي بقى اللي حصل بالظبط وإياكي تسيبلي معلومة واحدة."
ثم أخرجت من حقيبتها رزمة من المال ووضعتها أمامها. فرحت الأخرى بسعادة قائلة:
"من عنيا يا هانم، هاقولك من طقطق لسلام عليكو."
ثم تابعت قائلة:
"بصي ياهانم في يوم."
رواية شهد الحياه الفصل العاشر 10 - بقلم زيزي محمد
في أحد معارض الأثاث، وقفت سلمى تنظر للأثاث بحزن. لا أحد يشعر بها وبما تعاني. سوف تضحي بنفسها من أجل إنقاذ أمها من السجن، وتضع نفسها تحت رحمة "مديحة" وزكريا، ذلك الشاب غير الملتزم، الخائن من وجهة نظرها. حولت بصرها نحوه، وجدته يجادل مع صاحب المعرض على السعر. بعد دقائق قليلة، وجدته يأتي إليها وهو يشعر بالانتصار لشراء الغرفة بالثمن الذي أراده. وقف أمامها ثم ابتسم قائلاً:
"جبتها بالسعر اللي أنا عاوزه، شوفتي فاكرني أهبل وهوافق، بس على مين، دا أنا زكريا."
هتفت بضيق:
"طيب ممكن نمشي أنا تعبت."
قطب هو ما بين حاجبيه ثم هتف بقلق:
"ليه، يعني لامؤاخذة بسبب السكر؟"
نظرت له بحزن مردفة:
"لا متخافش مش هو، تعبت بس من اللف على المعارض."
أردف هو بتهكم:
"آه تلفي على المعارض وتنقي أوضة أسود في أسود."
ثم تابع بهمس لنفسه:
"وأمي تشلوحني لما تشوف الأوضة."
***
في المقابر. وقف رامي بحزن أمام القبر، قرأ بعض الآيات القرآنية، ثم قال بحزن:
"ربنا يرحمك يا أميرة، كنتي أميرة فعلاً."
ثم تابع بأسف:
"أنا عارف إني هاخلف وعدي معاكي، بس غصب عني، أمي مقدرش على فراقها، متزعليش مني، انتي متعرفيش أنا عانيت قد إيه وأنا بفتكر كلامك ليا وأنا مضطر أنفذ عكسه."
هبطت دمعة ساخنة على وجنته، أزالها بسرعة، ثم شرد في الماضي.
(فلاش باك)
في إحدى المستشفيات. يجلس بجانب والدته يشعر بالقلق، فحالة زوجته تسوء يوماً بعد يوم، لكن صوت تلاوة والدته للقرآن الكريم بعث في نفسه الطمأنينة. انتبه هو لخروج الممرضة من الغرفة التي تقبع بها زوجته. هتف بقلق:
"إيه حالتها دلوقتي؟"
هتفت الممرضة بأسف:
"والله حالتها بتسوق، بس هي طالبة، حاولوا مش تجهدوها بالكلام بس."
أومأ لها رامي ثم دلف للغرفة ووراءه صفاء. نظر لها بحزن، شاحبة، فقدت نصف وزنها. اقترب ببطء، ثم طبع قبلة رقيقة على جبينها. شعرت أميرة بقبلته الحنونة، فتحت عينيها بتثاقل، ثم هتفت بتعب:
"رامي.."
هتف بهمس:
"نعم يا أميرتي."
ابتسمت بضعف ثم هتفت بتساؤل:
"ماما فين؟"
اقتربت صفاء قائلة بنبرة يشوبها الحزن:
"أنا أهو يا بنتي."
حاولت أميرة تنظيم أنفاسها ثم هتفت بصوت متقطع:
"رامي أنا عاوزة أطلب منك طلب."
ربت رامي على شعرها بحنان:
"قولي اللي نفسك فيه وأنا هانفذه."
سالت دموعها بكثرة:
"رامي أنا حاسة إني هاموت، لو مت أوعى تتجوز وتجيب مرات اب لابني، أوعى يا رامي، وانتي يا ماما ربيه زي ما ربيتي رامي كده، بس بلاش تجبله مرات اب."
قاطعها رامي بحدة:
"هش متقوليش كده، انتي بس بتدلعي عليا علشان تشوفي معزتك عندي، انتي إن شاء الله هاتقومي بالسلامة وهتبقي زي الفل، وانتي اللي هاتربي ابننا ونجبله أخوات كمان."
هتفت صفاء مؤكدة على حديث ابنها:
"أيوه إن شاء الله تقومي بالسلامة يا أميرة، قوليلى بقى هاتسميه الواد ده إيه."
ابتسمت أميرة ابتسامة بسيطة:
"حمزة، حمزة رامي المالكي."
(باااااك)
عاد من شروده على صوت حارس المقابر:
"أستاذ رامي حضرتك الليل بدأ يهل، ومينفعش تفضل كتير هنا."
ابتسم هو على سذاجة الرجل ثم قال:
"طيب يا عم أمين، اهتم بس بالزرع اللي حوالين القبر."
أومأ له حارس المقابر قائلاً:
"من عنيا يا أستاذ رامي، بس أمانة توصل سلامي للست والدتك."
نظر رامي للقبر مرة أخرى ثم قال بشرود:
"حاضر."
***
في منزل كريمة. جلست كريمة في منزلها تنظر لتلك الأوراق تقرأها بتمعن شديد، وما إن أنهت قراءتها حتى وضعتها أمامها، ثم ابتسمت بشر:
"والله ووقعتي تحت إيدي يا ليلى، وعاملة فيه متربية، ماشي والله لأفضحك وأربيكي وأربي ابن أخويا قبلك بس كله بآوانه، الصبر يا كريم يلا علشان تتعلم تعصاني إزاي وتيجي بيتي وتبهدلني حلو."
(فلاش باك)
تجلس في غرفتها تقرأ أحد الكتب، بينما طرقت الخادمة الباب بهدوء. نظرت كريمة للساعة وجدتها الساعة الثانية بعد منتصف الليل. من يجرؤ على طرق باب غرفتها في ذلك الوقت؟ أذنت بصوت صارم للطارق بالدخول. دخلت الخادمة على استحياء ناظرة للأسفل قائلة بأدب شديد:
"كريمة هانم، أستاذ كريم ابن أخو حضرتك برا، وعاوزك ضروري."
اندفعت هي صوب الخارج بسرعة، قائلة بقلق:
"كريم، أبوك حصله حاجة؟"
رفع بصره إليها ثم احتدت نظراته:
"لا أبويا تمام، بس أنا مش تمام."
قطبت ما بين حاجبيها قائلة بعدم فهم:
"مش فاهمة، يعني إيه اللي أنت قولته؟"
وقف كريم وهتف بصوت عالٍ نسبياً:
"إنتي مش هاتبطلي بقا طريقتك دي، أنا جيتلك لغاية عندك أنا ومراتي وقولتلك حقك عليا، المفروض إنك تهدي، لأ بقا إزاي، تقومي تيجي البيت النهاردة وتضايقي في ليلى، ليه؟ كانت عملتلك إيه."
ابتسمت بتهكم:
"هي لحقت اشتكتلك، أما تربية حواري بصحيح."
اتسعت عيناه من كلامها الفظ:
"إنتي بجد مش طبيعية."
هتفت هي بصرامة شديدة:
"ولد احترم نفسك، أنا عمتك."
هتف كريم بعصبية:
"طيب يا عمتي لو سمحتي ملكيش دعوة بيا تاني واخر مرة تكلميها كده، على فكرة هي كرامتها من كرامتي، خلص الكلام."
(باااااك)
عادت هي من شرودها قائلة بغيظ:
"والله لاعلمك الأدب وأخليك تطلقها علشان تبقى تقف قصادي حلو يا كريم يا ابن ناني."
***
في منزل كريم. وقفت ليلى تنظر للمرآة باستحياء، فأول مرة تظهر هكذا أمام كريم. صحيح منامتها لم تظهر جسدها، ولكن لونها الأحمر يتناسب جداً مع لون بشرتها. منذ وفاة والدها وهي ترتدي ثياباً غامقة اللون كئيبة، ولكن بعدما وعدته بأنها تعطيه فرصة قررت خلع الأسود، والعودة للحياة تدريجياً. ابتسمت ابتسامة صافية ثم مشطت شعرها للخلف تاركة بعض خصلاتها لتتمرد. خرجت من الغرفة تبحث بعينيها عن زوجها، وجدته يطلق صفيرًا خلفها. استدارت بسرعة ثم هتفت بصوت مضطرب:
"كريم، إيه خضتيني."
اقترب كريم ممسكاً بخصلة من شعرها قائلاً بحنان:
"سلامتك من الخضة يا روح كريم."
اصطبغت وجنتيها باللون الأحمر ثم وضعت يديها تلقائياً عليهما تتحس سخونتهما:
"احم، إنت كده بتوترني."
أبعد يديها برفق قائلاً بمكر يصحبه غمزة بسيطة من عينه:
"لا أوعي، خليهم كده يظهروا، دول أحلى حاجة في الدنيا والله."
تسربت ابتسامة صغيرة على ثغرها:
"احم أنا هاروح أعشي عمو."
داعب وجنتيها بلطف ثم جذب يديها:
"عمو اتعشى، تعالي نتفرج على فيلم."
***
في منزل رامي. تحدثت شهد بعصبية مشيرة الهاتف في وجه صفاء:
"شفتي مبتردش عليا."
هتفت صفاء بهدوء:
"يا بنتي أهدي إنتي على طول مهيبرة كده، تلاقيها مشغولة."
كانت على وشك الرد ولكن قاطعها دخول رامي إلى المنزل. نظر لها ورأى ملامح الغضب على قسمات وجهها. ابتسم بسخرية قائلاً:
"مالها الحلوة، مضايقة ليه."
انتفضت هي من جلستها قائلة بعصبية:
"خالتي قوليله مالوش دعوة بيا، ولا يكلمني أبداً، أصل والله أفركش الموضوع، مش كفاية هو السبب."
ما إن أنهت حديثها اتجهت صوب غرفتها بضيق، وتلك الدموع اللعينة تمنعها من التساقط.
نظر رامي لصفاء بذهول ثم هتف بتساؤل:
"أنا قولت إيه لكل ده، هي ما صدقت ولا إيه."
زمت شفتيها بضيق:
"معلش يا ابني، أمها مبتردش عليها، هي بتكلمها علشان تقولها عن كتب الكتاب بكرة."
شعر بسعادة بسيطة بداخله لموافقتها على أمر زواجها منه، ثم تجاهل هذا الشعور سريعاً قائلاً:
"وهي تكلمها ليه وتحرق دمها، هي مش رمتها من الأول يبقى خلاص تنسى إن ليها أم عايشة."
اتسعت عيناها بصدمة قائلة بعتاب:
"إنت ينفع إنك تنسى أمك مهما عملت، ينفع تنساني يا رامي، يا ابني دي غريزة في الإنسان، حتى لو أمها قست في لحظة رغم إنها كانت مجبورة، هاتنسى أمها بالسهولة دي، وبعدين شهد معدنها طيب وأصلها نضيف، بس هي زعلانة على نفسها، مينفعش يا رامي نيجي ونقولها إنسي أمك، عيب يا ابني إحنا كبار مش صغيرين، وبعدين ده جواز هو لعب عيال أمها لازم تعرف."
هتف رامي بضيق:
"لا أنا مقتنع باللي بقوله هي موقفتش جنبها ورميتها والله أعلم حياتها كانت هتبقى إزاي لو مكناش موجودين، بس براحتكم تقولوا متقولوش في الأول وفي الآخر دي أمها."
أطلقت صفاء تنهيدة قوية بعدها أردفت:
"هو انت روحت زورت أميرة؟"
اكتفى بتحريك رأسه بمعنى (نعم) والتزم الصمت. أدركت صفاء أنه لا يريد التحدث في الأمر، التزمت الصمت هي الأخرى. بينما في الغرفة المجاورة هناك النقيض تمام، تقف أمام المرآة تتحدث مع نفسها بضيق:
"يعني وافقت إن أطرد من بيت أبويا وقولنا ماشي معلش مغصوبة على أمرها، مش تعبرني بعد ما أمشي قولت برضه ماشي، إنما أتصل عليها فوق الستين مرة متردش، لأ هي كده بتقولي إنها مش عاوزاني في حياتي."
قاطع حديثها رنين هاتفها، نظرت فيه وجدت اسم والدتها. احتل الغضب ملامح وجهها ثم ضغطت على الزر المجيب قائلة:
"لسه فاكرة إن ليكي بنت، افرض كنت في مصيبة وبستنجد بيكي، هو انتي لدرجة دي بتعاني، ليه بتعملي معايا كده."
هتفت سميحة بعتاب:
"أنا يا شهد هانسى إنك بنتي وكمان هابيعك، إنتي ليه مش قادرة تسامحيني يا بنتي والله غصب عني، أنا المخروب ده مش عارفة مكنش بيرن ويعمل صوت عالي ليه، جبته علشان أشوف سلمى اتأخرت ليه، لقيتك رانة كتير أوي."
شعرت شهد ولأول مرة بالغيرة تجاه سلمى. حاولت كبح هذا الشعور قائلة بغضب:
"طيب نهايته أنا متصلة عليكي علشان أعرفك إن رامي اتقدملي وأنا وافقت وهايكتب كتابه بكرة عليا ماشي، عاوزة تيجي تعالي مش عاوزة براحتك."
قطب سميحة حاجبيها باستغراب:
"هو رامي مش متجوز؟ أنا فاكرة كويس إنه جه مرة عندي وكان متجوز جديد."
قالت شهد بتهكم:
"وإنتي إيه يعرفك اللي حصل مانتي مقاطعة أختك بقالك سنين، على العموم هو مراته ماتت وهي بتولد ابنه حمزة، وطلب إيدي وأنا وافقت، كتب الكتاب الساعة ٧ في...، عاوزة تيجي براحتك مش عاوزة برضه براحتك مبقتش فارقة كتير."
***
في منزل زكريا. وقفت مديحة على أعتاب غرفة زكريا قائلة بغضب:
"يعني إيه لون الأوضة أسود، إنت اتهبلت يا واد، إزاي أصلاً تسمح وتوافق على كده."
هتف زكريا باللامبالاة:
"عادي يا ماما إنتي مكبرة الموضوع ليه، عروسة وبتختار لون الأوضة."
نظرت له بغضب وقالت بصوتها الجهوري:
"مش أسود يا روح أمك، دي كأنها بتقولك حياتك معايا سودة، بس على مين والله لأعلمها الأدب بنت سميحة، اديني يا واد اسم المعرض ومكانه."
هتف زكريا بخشونة:
"ليه يا ماما."
أردفت بازدراء:
"علشان أتصور جنبه يا حبيب أمك."
ثم تابعت بغضب:
"هايكون ليه، علشان أغير الأوضة دي وأجيب أوضة على مزاجي، إنت عاوز الناس تيجي تبارك تلاقي أوضة سودا، يالهوي دي حتى فضيحتي تبقى بجلاجل في الحارة."
حرك رأسه برفض قائلاً:
"لأ يا ماما أنا كده أبقى عيل في نظرها."
اندفعت صوبه تحركه بعنف قائلة بعصبية:
"واد يا زكريا هو من دلوقتي خلاص بقيت بتسمع كلامها، بتريل عليها يلااا."
ابتعد زكريا بغضب عن مديحة:
"أمااا ابعدي عن دماغي السعادي، عاوزة المعرض هاقولك عليه مش فارق أصلاً معايا."
هدأت قليلا ثم هتفت:
"طيب هات الكارت بتاعه ويانا ياهي."
***
في منزل حسني. ربتت سميحة على يد سلمى قائلة بحنو:
"معلش يا ضنايا اتعاملي معاه حلو علشان تشتري دماغك من أبوكي."
أزالت سلمى دموعها ثم أردفت بصوت مبحوح:
"تعبت يا ماما وأنا واقفة وبكلمه عادي، مش قادرة أتخيله جوزي، أنا هاشوف جهنم على إيده هو وأمه، ربنا يسامحك يا بابا إنت السبب في كل ده."
حزنت سميحة على ابنتها:
"معلش يا بنتي، مش في إيدي أقولك غير معلش."
التزمت الصمت ثواني ثم تابعت قائلة بإصرار:
"أنا هاخليه يروح يقدم وصلات الأمانة للشرطة وعندي أسجن ولا إنك تكوني خايفة كده."
ابتسمت سلمى بسخرية:
"قال يعني بابا هايقف ومش يجوزني زكريا، خلاص يا ماما ده قدر ومكتوب."
ثم تابعت متجاهلة ذلك الموضوع حتى لا تحزن والدتها أكثر قائلة:
"أما ل أول ما دخلت كنتي فرحانة ليه؟"
هتفت بفرحة عارمة:
"شهد هاتتجوز رامي ابن خالتك اتصلت وقالتلي، أنا فرحانة أوي يا سلمى أخيراً ربنا رزقها وهتبقى في عصمة راجل."
اتسعت ابتسامة سلمى قائلة:
"الحمد لله، يارب بس يطلع كويس ويعاملها بما يرضي الله."
هتفت سميحة مؤكدة:
"أكيد ده رامي تربية صفاء أختي، أنا فرحانة أوي ليها هي تعبت في حياتها أخيراً هترتاح من الظلم."
عانقتها سلمى بفرحة:
"الحمد لله يا ماما ربنا كرمها، هاتروحلها صح."
ابتعدت سميحة وعلى وجهها ابتسامة:
"طبعاً هانروح بكرة أنا وانتي، لازم نكون جنبها."
"لأ يا ولية مفيش روحة في حتة، ولا انتي ولا بنتك."
نظرت كلا من سميحة وسلمى بصدمة لحسني الواقف على أعتاب الغرفة ونظراته كلها تنم على الشر والغل. هتفت سميحة بتلعثم:
"يعني إيه مش أروح يا حسني."
احتدت نظراته أكثر وهتف بصوت غليظ:
"اللي سمعتيه يا ولية مفيش روحة في مكان، البت دي مشيت ملناش علاقة بيها."
نظرت له سميحة بنظرات غير مصدقة، يريد منعها عن حضور زواج ابنتها. هتفت بانفعال:
"لأ يا حسني هاروح وهاحضر دي بنتي، إنت عاوزاها تكرهني العمر كله ولا إيه."
تدخلت سلمى بهدوء لتهدئة الوضع:
"يابابا لو سمحت اهدى، إنت مشيتها من هنا، وهي هاتتجوز لازم نقف جنبها."
هتف حسني بصرامة شديدة:
"اللي أقوله يتنفذ مفيش مرواح في مكان والبت دي تنسيها يا ولية فاهمة والا لأ."
ثم اقترب منهم بخطوة سريعة وجذب الهاتف من يد سميحة ووضعه في جيبه. حول نظراته لسلمى قائلاً بغلظة:
"هاتي يابت تليفونك يالا."
تراجعت بعض الخطوات وهتفت بتلعثم:
"ليه يا بابا، عاوز تليفوني ليه."
اختصر تلك الخطوات بخطوة واحدة ثم جذبها من شعرها قائلاً بغضب:
"هاتي يابت بدل ما أخلعلك شعرك في إيدي."
هتفت سميحة بانكسار وبصوت باكي:
"اديهوله يا سلمى."
وضعت سلمى يديها في جيب سروالها وأخرجت هاتفها مشيرة إياه في وجه حسني ثم هتفت بألم:
"حاضر يا بابا اهو، اتفضل بس سيب شعري."
تركها حسني بعنف ثم نظر لسميحة قائلاً بغل وضيق:
"بصي يا حلوة إن كنتي فاكرة إنك بتقوليلها اديله التليفون فانا أهبل وهأسكت لأ يا ماما، ده أنا حسني يعني أنا فاهم دماغك دي فيها إيه، أنا قاعدلكو بكرة في البيت وابقي وريني هاتخرجي إزاي إنتي والمجبورة بنتك."
***
في منزل كريم. لم تتابع الفيلم، ولم يتابع هو أيضاً. أحياناً تنظر بطرف عينيها له تجده ينظر لها متأملاً وعلى ثغره ابتسامة بسيطة. يصيبها التوتر إثر نظراته تلك، تنتظر نهاية الفيلم بفارغ الصبر تريد الهروب ولكن تلك النهاية لم تأتي حتى الآن.
"ليلى."
كانت نبرة صوته حنونة لطيفة تزيل التوتر بداخلها. حولت نظرها نحوه مردفة بهدوء:
"نعم."
اتسعت ابتسامته أكثر مردفاً بحنان أكثر:
"مات بصيلي وبلاش الفيلم اللي إنتي مش مركزة معاه ده."
ضحكت هي برقة ثم امتثلت الجدية:
"بقولك يا دكتور إنت عندك إصرار رهيب تسرع في علاقتنا وأنا قولتلك نهدي شوية."
اقترب أكثر مردفاً بعبوس:
"قلبك قاسي أوي يا ليلى."
أبعدت هي قليلاً مردفة بنفس ذات العبوس وكأنها تريد تقليده:
"إنت اللي عاطفي أوي يا دكتور كريم."
اتسعت عيناه بصدمة مردفاً:
"إنتي بتتريقي عليا يا ليلى، يا فضيحتي."
نظرت له بذهول عقب جملته:
"فضحتك!"
ثم تابعت بضحكات متقطعة:
"إنت فظيع أوي، مبحسكش دكتور كريم اللي كان بيشخط فينا يكهربنا كلنا."
ابتسم هو بسعادة لضحكاتها تلك قائلاً:
"طب إنتي عارفة إني كنت بشخط فيكم، وكنت نفسي أقولك ما عدا إنتي يا ليلى."
هتفت هي بتسرع:
"كنت بحس بكده."
ثم استوعبت ما نطقته، وضعت يديها على فمها بإحراج:
"احم أنا هقوم أنام تصبح على خير."
قامت سريعاً من جلستها تهرب من نظراته نحو غرفتها، بينما هو جلس بارتياحية أكثر مردفاً بفرح:
"كانت بتحس، يعني أنا كنت صح، ليلى بتحس بيا، الله أكبر يعني المجهود اللي كنت ببذله مرحش هدر."
***
مر الليل سريعا على أبطالنا، منهم من نام وهو يشعر بالراحة والسعادة، ومنهم لم يذق طعم النوم خوفا مما يخبئه له المستقبل، ومنهم لم ينام لشعوره بالحزن والقهر. أتى الصباح بنسماته الطيب، بدأت الشوارع بالحركة. خرج رامي من غرفته وجدها تقف تنظر لحركة الناس من النافذة وتتنهد ببطء وكأن يوجد عبء ثقيل على صدرها. اقترب منها هاتفا بهدوء:
"صباح الخير يا شهد."
استدارت شهد نصف استدارة قائلة بصوت مبحوح:
"صباح النور."
قطب رامي حاجبيه بتساؤل:
"مالك واخدة برد ولا إيه."
حركت رأسها بنفي قائلة باللامبالاة:
"عادي تلاقيني علشان منمتش."
استند بظهره على زجاج النافذة وأصبح وجه مقابل وجهها، رأى عيونها المنتفخة ولونها الأحمر، هتف بضيق واضح:
"مالك يا شهد، معيطة ليه."
وكأن تلك الجملة هي الإشارة لتنفجر بالبكاء:
"ماما لقيتها باعتلي رسالة الصبح بتقولي إنها مش هتقدر تيجي علشان جوزها مش موافق، شفت حتى يوم جوازي باعتني علشان مش موافق، طول عمري بقول إنتي مش يتيمة يا شهد، إنتي أمك لسه عايشة، إنتي ليكي أهل، بس أول مرة أحس إني يتيمة الأب والأم ويتيمة الأهل، عايشة بطولي لوحدي، قلبي واجعني أوي يا رامي."
اقترب أكثر ثم عانقها بقوة، ألمته تلك الكلمات أحياناً كان يشعر بالسخط على نفسه لأنه يحبها، ولكن تلك الصغيرة تعاني وتتألم ولم تخبر أحدا بما يدور بداخلها.