تحميل رواية «شهد الحياه» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، بمنزل مكون من عدة طوابق، توجد شقة. تقف بطلتنا أمام المرآة تتحدث مع نفسها. تدخل والدتها، السيدة سميحة، وتردف بعتاب: _ ليه كدا يا شهد، تردي على أبوكي بالطريقة دي، أنا ربيتك على كدا. تنظر شهد إلى صورة والدتها المنعكسة في المرآة وتتحدث بعصبية: _ دا مش أبويا، دا جوز أمي، في فرق الله يكرمك يا ماما. تزفر والدتها بقلة صبر وتردف: _ ارحميني يا بنتي، مش موال كل يوم، هو مش رباكي من صغرك وعلمك وكمان... تقاطعها شهد بحدة: _ ماما مين دا اللي رباني، مين دا اللي علمني. الشقة دي شق...
رواية شهد الحياه الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم زيزي محمد
انحنى رامي لمستوى ابنه وهتف حمزة بهمس شديد: "انت جهزت كل حاجة؟"
ابتسم رامي على حماس حمزة مردفاً: "اه التورته اهي وهانطلع أنا وأنت مرة واحدة نغني مع بعض ونقدملها الهدايا."
اتسعت عيني حمزة بصدمة مردفاً: "بس أنا حطيت القطة في الصندوق بتاعها في أوضة شهد."
هتف رامي بهدوء: "عادي أنا هاقدم هديتي وأنت تروح تجيبها، هي دلوقتي قاعدة بتتفرج على التلفزيون صح؟"
أومأ حمزة برأسه، فهتف رامي بجدية: "طيب يالا هاشيل التورته ونغني مرة واحدة، أوك."
حمزة: "أوك."
خرجوا من المطبخ وهم يهتفون بكلمات "سنة حلوة يا جميل" بصوت عالٍ. التفت شهد بسرعة وهي تقطب مابين حاجبيها باستفهام، ولكنها سرعان ما ابتسمت. نعم، اليوم هو عيد ميلاد شهد الحياة. نهضت من جلستها وتقدمت نحوهم وهي تخبئ وجهها بين يديها لخجلها. هتفوا بكل أغاني أعياد الميلاد: h.b.d، سنة حلوة يا جميل، أبو الفصاد. اندمجت بسرعة معهم وهي تهتف بحماس، حتى قاطعها رامي قائلاً:
"يالا يا شهد قبل ما تطفي الشمعة اتمني أمنية."
نظرت له بأعين تلمع من السعادة والفرح: "انت إزاي عرفت عيد ميلادي؟ وإزاي جبتوا التورته؟ أنا فرحانة أوي ومبسوطة، ربنا يخليكوا ليا."
رامي: "عرفته من قسيمة الجواز، والتورته جبناها وانتي ماخدتيش بالك، وفرحتك ياستي عندي بالدنيا، اتمني يالا أمنية وخليها في سرك."
هزت رأسها بنفي وهي تهتف بابتسامة عريضة تزين وجهها المتورد: "لأ، أنا هاتمني وهاقول الأمنية بصوت عالي."
أخذت نفس طويل ثم أخرجته ببطء، ثم هتفت بأعين مغلقة: "بتمنى تفضلوا معايا العمر كله، وتفضلوا الحاجة الحلوة اللي في حياتي، أنا بحبكوا أوي."
فتحت عيناها على قبلته الرقيقة على إحدى وجينتها وهو يهتف بخفوت: "واحنا كمان بنحبك أوي، لأ احنا مش بنحبك بس احنا بنعشقك يا شهد الحياة."
تورّدت وجنتاها باللون الأحمر، وزادت أنفاسها اضطراباً لكلماته الخافتة، ولأول مرة يدق قلبها بعنف. لم ترفع عينيها ولكن أنزلتهم أرضاً لخجلها منه، حتى هتف الصغير:
"كل سنة وأنتي طيبة يا شوشو، أنا جبتلك هدية حلوة أوي."
انحنت لمستواه وهي تهتف بفرحة: "بجد؟ هي فين؟"
حمزة: "في أوضتك، استني أجيبها."
تركهم الصغير، فمد رامي يديه يمسكها من مرفقها يرفعها. نظرت له بارتباك بسبب قربه الشديد منها. أخرج من جيب بنطاله علبة زرقاء من القطيفة. تابعتها بأعينها وهي تنظر لها بحماس. قام بفتحها فظهر سلسال من الذهب يتدلى منه اسمها بالخط العربي "شهد الحياة". اتسعت عيناها بذهول وهي تهتف بفرحة: "شهد الحياة؟ أنت عملت سلسلة باسمي؟"
أومأ برأسه وهو ملتزم الصمت، فقط عيناه تتابعها وتتابع كل حركة تصدر عنها. عيناها، وجنتاها، شفتيها التي يود أن يلتهمهم بقوة ليعبر عن مدى عشقه لها. وضعت شهد يديها على كتفه وهي تهتف بامتنان: "شكراً على كل حاجة عملتها ليا، شكراً على الهدية الحلوة دي كلفت نفسك."
أخرج السلسال من العلبة وقام بتلبيسها وهتف بحب: "دي بسيطة أوي، أنا هاجيبلك كل حاجة نفسك فيها وبتتمنيها، أنا لسه معملتش حاجة ليكي، ربنا يخليكي لينا."
لمست طرف السلسال بإصبعها وهي تنظر له: "أول ماشفتك قولت في سري دا الضهر والسند، برغم خناقتنا الكتيرة..."
احتضن وجهها سريعاً وهو يطبع قبلة سريعة على شفتيها وهو يهتف: "لأ، مش قادر."
أغلقت عيناها بقوة وهي تستمع بسحر هذه اللحظة. انتبهوا على صوت حمزة وهو يصيح من داخل الغرفة:
"بابا تعال طلعها مش راضية تطلع."
ابتعد رامي وهو يلمس شفتيها بإصبعه وهو يهتف: "وأقسم بالله أسعد يوم في حياتي كلها."
أبعدت بصرها عنه وهي تهتف بارتباك: "هي إيه دي اللي مش راضية تطلع من الأوضة؟"
رامي: "دي تبقى..."
قاطعته بسرعة: "لأ، متقوليش، خليني أشوف إيه دي بنفسي وأتفاجئ."
أومأ لها دليلاً على موافقته واتجه نحو التورته وهو يمسك السكينة: "طيب روحي لغاية ما أقطع التورته."
تركته وذهبت لغرفتها بقلب يرقص فرحاً. فتحت الغرفة وهي تنظر لحمزة: "إيه دي يا حمزة اللي مش راضية تطلع؟"
أشار حمزة لها وهو يقول بعبوس: "أهي واقفة الناحية التانية من السرير، رخمة أوي."
قطبت مابين حاجبيها وهي تتحرك نحو الاتجاه الثاني وتهتف بمزاح: "أوعي يكون قط..."
سرعان ما اتسعت عيناها بخوف حقيقي. لا، ليس خوفاً وإنما رعب. علت أنفاسها وهي تهتف بتلعثم: "قط... ق... قط..."
وسرعان ما تحولت هذه النبرة المتلعثمة إلى صراخ حاد: "يالهوووووووووووي قطططططططة، الحقوني."
نبرتها صارخة حادة، وبسببها انتفض الصغير يركض خوفاً، وانتفضت القطة تهرول في أرجاء الغرفة مع هرولة شهد.
***
بمنزل حسني...
هتف بصوته الغليظ: "إنتي كنتي فين يا ولية النهاردة؟"
تصنعت اللامبالاة: "كنت بجيب الخضار من السوق الكبير، أسعاره أرخص من اللي في الحارة."
حسني بخشونة: "آه، مش المعلم متولي بيهددني وعاوزني أدفع الوصلات؟"
اعتدلت بجلستها وهي تتفحصه جيداً: "بيهددك!!! الله، هو مش أنت كنت دفعتهم قبل كده ولا بتكدب عليا؟ دا أنا كنت فاكرك وأخدتهم منه وبتهددني وبس."
حسني: "لأ، منا كنت بكدب ومدفعتش حاجة وكنت بنيمه وبقوله بكرة وبعده، وكنت بستعطفه بحكم الصحوبية بس أظاهر هو قلب عليا وعاوز حقه ٣٠ ألف جنيه، إيه العمل بقا؟ لو مش دفعتهم هاتتسجن."
تصنعت الحزن: "طب ما تدفعهم يا حسني."
اتسعت عيناه وهو يشير على نفسه: "مين؟ أنا!!! منين يا حسرة؟ دا أنا عليا ديون لمعلمين في السوق."
لوت فمها بسخرية وهي تهتف بنفسها: "يالهوي عليك يا حسني الكلب..." ثم استطردت قائلة برجاء مصطنع: "لأ بالله عليك يا حسني، أنا مش قد السجن، قوله يأجلها يومين كدا، عالله أعرف أتصرف في أي مبلغ."
حك ذقنه وهو يقول بإيماءة خفيفة دليلاً على موافقته: "طيب شوفي كدا كلمي أي حد، صفاء اختك ولا أي حد، أصل متولي يبيع أبوه ولو مدفعتيش هاتتسجني يعني هاتتسجني."
جزت على أسنانها وهي تهتف بعصبية: "ربنا يبعد عني السجن يا حسني، وإن شاء الله مفيهاش سجن ولا حاجة."
***
بمنزل كريم....
فتح الحجرة وهو يطل برأسه من الباب وعلى وجهه ابتسامة: "ليليتي صحيتي؟"
تنهدت بعمق وهي تهتف بهدوء: "منمتش، تعال."
دلف ثم جلس بمقابلها وقال: "ليه يا قلبي منمتيش ليه؟"
هتفت بحزن: "أنام إزاي بعد اللي عرفته؟ أنا متخيل مش هايجلي نوم خالص إلا لما أشوفها وأخليها تسامحني."
ربت على يديها بحنان: "إن شاء الله هاتسامحك وهاتعذرك، اللي إنتي مرتي بيه مكنش سهل بردوا."
ليلى بعينين دامعتين: "هو انت ممكن يا كريم تسيبني تحت أي ظرف وتتخلي عني؟"
أشار على نفسه وهو يضحك: "أنا!! أنا أسيبك؟ طب إزاي بعد كل حاجة عملتها؟ بعد المعاناة اللي كنت بعانيها ولسه بعانيها معاكي، أسيبك بعد دا كله؟ طب انتي عارفة أنا بقالي كام سنة بحبك؟ أنا بقالي ٤ سنين عايش على حبك بتنفسه، بنام على صورتك، وأصحى عليها. ٤ سنين بأيامهم وشهورهم. سنتين قبل ما تتخطبي لخطيبك وأنا بحبك وإنتي بتصديني، والسنتين التانيين وإنتي مخطوبة لخطيبك وشايفك مبسوطة أوي وفرحانة. كنت بتخيل فرحتك دي ليا وبسببي مش بسبب غيري. كنتي بتوجعي قلبي أوي يا ليلى. أنا أوقات كنت بقف قدام المراية اللي هناك دي، وأقعد أكلم نفسي وأقول: انت بتحبها ليه؟ انت مش شايفها عيونها بتلمع من الفرح واتخطبت لغيرك، إيه الضعف دا يا كريم؟ أقوى بقا وبطل تحبها وأخد قرار. وتاني يوم بالظبط أول ما أشوفك تلاقيني بضحك وبرجع أتخيل ويرجع قلبي يدق من أول وجديد. وكل اللي أنا قولته لنفسي اتبخر طار في الهوا. وتقوليلي أسيبك؟ طب بذمتك إزاي؟"
اقتربت منه وهي تضع يديها على وجهه تتحسسه بلطف وبنبرة حب صادقة نابعة من أعماق قلبها، ولأول مرة تهتف ما في جوفها: "من أول يوم جيت المستشفى، قالوا في دكتور وسيم وحلو أوي، وشبه بتوع السينما جه المستشفى. وقتها ضحكت عليهم وعلى دماغهم، بس لما شوفتك عذرتهم. كنت باخد بالي من نظراتك ليا، كنت بتوتر وعايزة الأرض تنشق وتبلعني، وأقول أكيد دي تهيؤات بقا الدكتور كريم يبص على ليلى الممرضة. طب على إيه؟ كنت بجري أروح أحكي لشهد عليك، وشهد تضحك عليا وتقولي: إنتي بتفكريني بالروايات يا ليلى اللي بقراهم، الفقيرة والوسيم الغني. عارف رغم إن تعليمها على قدها بس ليها صوت وبحة غريبة وهي بتحكيلي الروايات دي، كنت بحب أنام وتفضل تحكيلي البطل دا عمل إيه والبطلة اتصرفت إزاي. كنت بتخيلك البطل وبتخيل نفسي البطلة، وأعيش جوا الروايات على صوت شهد الهادي. بس تاني يوم كنت بصحى على الواقع وكمية الفروقات اللي بيني وبينك، وإن مينفعش أعيش في أوهام. زكريا اتقدملي ولقيت إن دا أنسب حل علشان أنساك واتخطبت، خصوصاً بعد ما شوفتك كذا مرة وإنت قاعد مع دكتورة نهلة والإشاعات اللي طلعت عليكوا في المستشفى وقتها، قررت أنساك واتخطبت. كنت طول الوقت بقنع نفسي إن أنساك بزكريا. أنا وهو مكنش بينا تفاهم أصلاً بس في المستشفى كنت ببان سعادتي. لما جيت وقولتيلي إنك بتحبني اتفاجئت، اتخضيت، بس وقتها فهمت إن الدنيا بتقولي: مينفعش، هو لو كان نصيبك كان هايبقى من الأول. وكملت مع زكريا..."
قاطعه وهو يطبع قبلة في كف يديها: "وأهو إنتي بقيتي مراتي وبين إيديا، أنا أسعد واحد في الدنيا دي. أنا اللي بقولك اهو يا ليلى افضلي جنبي واوعي تسيبني لأي سبب مهما كان."
ابتلعت ريقها وهي تهتف بارتباك: "كريم، هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟"
كريم: "اطلبي اللي نفسك فيه، عيوني ليكي."
ليلى: "هو انت ممكن تخليني... م... مرات... مراتك؟"
رفع بصره يرمقها باندهاش عقب جملتها: "إنتي بتقولي إيه؟"
ليلى بدموع: "أنا عايزة أتخلص من كل حاجة في حياتي مرت، عايزة أصالح شهد، وأبقى مراتك أنت. أكيد هاتقدر تنسيني كل حاجة عدت وفاتت، عايزة أفتكر لمستك إنت مش لمسته اللي بتحرقني. أنا عايزك تمحي أي أثر جوايا، عايزة لما تلمسيني أو تحضنيني مخافش، متوترش. نفسي أرجع طبيعية تاني، أنا تعبت من اللي جوايا، تعبت أوي."
حدق فيها وقضب الجبين مستغرباً لما قالته: "أنا حقيقي مندهش، إنتي فاجئتيني."
ليلى: "فاجئتك بحاجة حلوة ولا وحشة؟"
كريم: "حلوة طبعاً، بس إنتي يا ليلى بتتسرعي. إنتي شايفة إن ممكن لمستي ليكي تريحك بس هي ممكن تحرقك لأنها ببساطة هتبقى في نظرك زيها زي الحيوان دا. أنا من رأيي يا حبيبتي تهدي وتسيبي نفسك لدكتور هدى وهي هتساعدك تخفي صح."
سالت الدموع من مقلتيها بغزارة وهي تقول بكسرة: "أنا فهمت ليه، إنت مش قادر تلمس واحدة حد قبلك اغتصب..."
قاطعها كريم بقلة قوية على شفتيها. ابتعد عنها وهو يهتف: "دا إحساسي كل مرة بشوفك فيها. إنتي بتجننيني، أنا بحاول أسيطر على مشاعري عشان مش أؤذيكي، وتقوليلي الكلام الفارغ دا. ليلى، أنا عايزك ملكي ليا ولحياتنا مع بعض، مش عايز أشوف نظرة ندم أو خوف في عينيكي."
عانقته وهي تقول: "ربنا يخليك ليا، إنت نعمة كبيرة أوي في حياتي، إنت الحاجة الوحيدة اللي ربنا عوضني بيها عن موت أبويا واللي حصلي."
ابتعد عنها وهو ينظر لها بحب وابتسامة صافية: "ويخليكي ليا يا كل حياتي، إيه رأيك ننام بقا أصل أنا حاسس إنك تعبتي أوي انهارده."
أومأت برأسها دليلاً على موافقته وقالت: "ماشي، بس الأول إيه رأيك أبعت رسالة لشهد أعتذر لها."
هز رأسه بنفي وقال: "لأ طبعاً، شهد تستاهل نرتب فكرة حلوة عشان تحاولي تراضيها، مينفعش خالص نبعتلها رسالة."
ليلى: "صح، أنا عايزها تسامحني من قلبها، عشان أنا كمان قلبي يرتاح شوية."
كريم بمزاح: "لأ قلبك دا ليا ولا حد يجي جنبه ولا يتعبوا، أنا ممكن أقلب بلطجي لو حد فكر يضايقه أو يجرحه، دا حاجة كبيرة أوي عندي، دقاته دي اللي بتخليني عايش أصلاً."
تجرأت واقتربت منه وطبعت قبلة رقيقة على شفتيه وهتفت بهمس: "فعلاً، هو عايش عشانك إنت وبس."
***
بمنزل رامي المالكي ....
جلست ترتعش وتنظر بخوف حقيقي حولها، بينما هو يكاد يكتم ضحكته بصعوبة. نظرت له، رأته يحاول جاهداً أن يكتم ضحكته. تجمعت الدموع في عينيها سريعاً وبدأت بالصراخ مجدداً: "أعااااا، إنت بتتريق عليا؟ أنا بكرهكوا كلكوا."
هتف رامي ببرود: "معلش."
نهضت واقتربت منه وهي تقوم بتضييق عينيها وتشير بسبابتها في وجهه: "اعترف، قول إنت اللي اقترحت إنكم تجيبوا القطة دي، تلاقيك عايز تنتقم مني، إنت أصلاً بتكرهني، لأ وحاططها في أوضتي عشان أدخل أشوفها أطب أقع أموت، تقوم ترتاح مني صح."
ابتسم رامي بتهكم: "طب ما كنت قتلتك أحسن من الحورات دي كلها يا شهد."
اتسعت عيناها بصدمة وهي تقول: "إنت عايز تقتلني؟!"
وضع كفه على جبهتها يتحسسها وهتف: "لأ إنتي مش سخنة، أمّال مالك؟"
وضعت يديها على وجهها تتحسسه بقلق: "مالي فيا إيه؟"
رامي: "مالك هبلة ليه كدا؟"
نفضت يديه بعيداً عنها وقالت بعصبية: "أوعى تتريق عليا فاهم ولا لأ."
ثم استطردت بأمر: "يالا روح نام في الأوضة بتاعتي وأنا هنام في أوضتك."
هتف ببرود وهو يريح جسده على سريره: "لأ مبعرفش أنام إلا هنا، روحي إنتي أوضتك، ربنا يسامحك بوظتي اليوم بجنانك."
نظرت له بأعين مشتعلة من الغضب وقالت: "لأ بقا، إنت اللي هاتروح تنام في أوضتي، مش إنت اللي سبتها في أوضتي تمرح فيها وتلمس في حاجاتي، آه ياني زمانها واخدة الأوضة لحسابها."
رامي: "لأ حول ولا قوة إلا بالله، إنتي عايزاني أرميها في الشارع؟ حرام يابنتي إنتي قلبك حجر، بكرة أبقى أروح أرجعها لصاحب المحل... ثم تابع بخبث: دا لو صاحب المحل رضي ورجعها."
زفرت بحنق وجلست تبكي من جديد: "يارب، أعمل إيه أنا دلوقتي؟ أنا بخاف منهم، جسمي بيرتعش، قلبي بحسه هايقف، مبقدرش أقعد معاهم، دا أنا لما كنت بشوفها على السلم كنت بنزل ماما تطلعني من الخوف وبردوا بقعد أصوت."
همس لنفسه: "طب والله لو كنت أعرف كدا من زمان، كنت اشتريت واحدة وأهو كانت علمتك الأدب شوية."
قطبت مابين حاجبيها وهي تهتف بضيق: "إنت بتقول إيه؟ أنا مش سامعاك."
أطلق تنهيدة قوية وهتف: "كنت بقول نامي معايا لغاية ما أحل مشكلة شهد بكرة."
هزت رأسها ولكنها سرعان ما انتبهت لشيء وقالت: "شهد مين؟"
كتم رامي ضحكته وهتف بجدية مصطنعة: "القطة، شهد القطة حمزة سماها كدا أصلها شبهك حلوة ومنورة زيك."
اندفعت نحوه تغرز أسنانها في يديه. انفجر رامي ضاحكاً عليها وحاول الابتعاد ونجح في إبعادها بقوة، حتى هتفت بحنق: "إيه دا؟ كل دي عضلات بتربيهم إزاي دول؟"
استعرض عضلاته أمامها وهتف بتفاخر: "دول تربية سنين يابنتي."
أبعدت خصلات شعرها بكبرياء وهتفت باستنكار: "تربية سودا. المهم أنا هاضطر غصب عني أنام جنبك هنا، هاحط المخدة دي فاصل ما بينا."
رامي: "وليه بقا إن شاء الله المخدة دي؟ أجرب أنا مثلاً وخايفة مني؟"
هتفت بازدراء: "لأ، عضلاتك بتخنقني."
اقترب منها يمسكها بقوة: "لأ، كله إلا عضلاتي يا شهد، دا أنا أروح فيكي في داهية." ثم استطرد هامساً بالقرب من أذنها: "دا البنات في المصنع عينهم مني، هو انتي فاكرةني أهبل ومش واخد بالي."
التفت له وهو مازال ممسكاً بها بقوة: "لأ، هما هايموتوا منك من عيونك الخضرا."
غمز لها بشقاوة: "شفتي؟ حتى عيوني عاملة شغل عالي أوي."
حاولت التملص منه وقالت: "لو مسكتش هاروح أقولهم أنا مراتك، وأقولهم إنك متجوز وبتموت في دباديبي."
أحكم إمساكها وهمس بخفوت شديد: "طب وماله؟ قولي كدا، أنا راضي والله."
شهد: "راضي إيه؟"
أكمل رامي بنفس همسه: "إني ميت في دباديبك."
شهد: "احم، ابعد طيب خلينا ننام."
ابتعد رامي وهو يأخذ تلك الوسادة الموضوعة في المنتصف بأحضانه وهتف: "تصبحين على خير يا شهد."
رمقته بضيق وهي تريح جسدها على الجانب الآخر من السرير وهتفت: "وانت من أهله..."
***
بالصباح ....
وقفت تعد الشاي وتعيد ترتيب أفكارها جيداً حتى لا تثير شكوك أحد. دخل زكريا كعادته كل صباح وهو يلقي عليها تحيته المقتضبة، وكالعادة سلمى نائمة في ذلك الوقت. قطع الصمت صوت زكريا بنبرته الذكورية: "صباح الخير يا أمي."
ردت التحية وهي تعطيه ظهرها: "صباح النور يا عين أمك."
التوى شفتيه بتهكم: "إيه الرضا دا كله يا أمي؟ خير."
وضعت أمامه كوب الشاي وهتفت بضيق: "لأ يا خويا، أنا طول عمري راضية عنك، بس إنت لما المحروسة رضيت عنك وإنت نسيت أمك والدنيا."
هز رأسه مستنكراً: "إنتي يا أمي بتغيري من مراتي؟ إنتي ليكي معزة في قلبي وهي ليها معزة تانية خالص."
هتفت مديحة بمكر: "طب ومعزتي اللي في قلبي مش بتقولك كدا كتير؟"
ارتشف رشفة صغيرة ورد قاطب الجبين: "كدا كتير إيه؟ مش فاهم؟"
مديحة: "أنا يا زكريا مستنياك تيجي تقولي: ياما افرحي دي سلمى حامل. بس دا مبيحصلش، وأنا الصراحة بدأت أقلق."
هتف زكريا متعجباً: "تقلقي!!! تقلقي إيه يا أم زكريا، دا إحنا لسه متجوزين جداد، لسه بدري يا أمي."
شهقت مستنكرة: "بدري؟ بدري من عمرك يا واد، البنت اللي مش معيوبة هي اللي بتحمل على طول، ومراتك طولت وكدا غلط."
زفر بضيق هاتفا: "مش فاهم انتي عاوزة نروح لدكتور يعني نكشف؟ ماشي، هانروح بكرة نطمن."
هزت رأسها بنفي وهتفت: "لأ طبعاً دكتور إيه؟ إحنا لسه هانصرف على علاج وبتاع، إحنا نروح للشيخ مدكور دا مكشوف عنه الحجاب ونص البنات بتروحله بيحملوا على طول."
ضرب كفاً على كف وهو يضحك باستهزاء: "شيخ إيه ياما؟ إيه الكلام الفارغ دا؟ أنا لأ يمكن أودي سلمى عنده أبداً."
هتفت سريعاً وباندفاع: "لأ، منا برضه مرضاش أوديها تتخض، هو بس عايز صورة وشها عشان يحضر عليها وبس كدا."
هتف بذعر: "لأ لأ يحضر عليها! إنتي عايزاهال تتلبس ياما؟ لأ طبعاً، وبعدين سلمى عندها السكر يعني هو أكيد السبب في تأخير الخلفة، أنا هاخدها ونروح لدكتور."
هتفت بصرامة شديدة: "بص بقا يا واد، أما أقولك إنت هاتجبلي صورة ليها وإلا آخدها عند الشيخ بنفسها، اسمع كلامي يا زكريا وابقا روح يا خويا براحتك عند الدكتور."
زم شفتيه بضيق مردفاً: "طيب يا أمي، هاديكي صورة ليها، وإياكي بقا سلمى تعرف، هاتزعل مني أوي."
أخرج محفظته من جيب بنطاله الخلفي وأخرج منها صورة صغيرة لسلمى. مدت يديها سريعاً تلتقطها بفرح: "هاات يا خويا، خايف على زعلها يا واد، شكلها ركبت ودلدلت."
زفر بعصبية مردفاً: "أهو جينا للكلام اللي مالوش لازمة، إنتي ماخدتيش اللي انتي عايزاه يبقى خلاص اسكتي، سلام."
تركها زكريا وهو يزفر بضيق، بينما هي ابتسمت بمكر وهتفت بصوت كفحيح الأفاعي: "الخطة ماشية زي ما إنتي رسمتيها بالظبط يا مديحة، أما أوريكِ يا سلمى، مبقاش أنا يومك قرب أوي."
رواية شهد الحياه الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم زيزي محمد
"يعني إيه يا رامي؟ القطة مش هترجع؟ والله هاسيب لك البيت."
رمقه باندهاش عقب جملتها ثم هتف: "عايزة تسيبي البيت عشان قطة؟"
هزت رأسها بعنف وهي تردف بغيظ: "آه، أسيب البيت وأسيبك أنت شخصياً لو فكرت تخليها هنا. يا أنا يا هي."
زفر بضيق: "يا شهد، اهدي كده. أنتِ مالك مهيبّرة ليه كده؟ أنتِ عارفة بتتكلمي عن إيه؟ دي قطة يا ماما، أنتِ ليه محسساني إنها عدوتك؟"
هتفت شهد بنبرة يصاحبها البكاء: "أنت ليه مش قادر تفهم إني بخاف منهم؟ قلبي بيقف لما بشوفهم."
اقترب منها ليحتضنها وهو يربت على ظهرها بحنان وهتف: "أولاً سلامة قلبك من كل شر. ثانياً متعيطيش، أنا الدنيا بتقف في وشي لما بتعيطي. ثالثاً بقى، أنا قلت إني هاسيبها هنا على طول؟ أنا قلت لحد ما بس أشوف حل في موضوع صاحب المحل اللي مش راضي يرجعها. أنا هاعرضها على النت وحد ياخدها وخلاص. رابعاً بقى، عمرك ما تهدديني بإنك تسيبي البيت. البيت ده بيتك أنتِ، أنا اللي أسيبه وأنتي لأ."
ابتسمت من بين دموعها وهتفت بمرح: "نسيت خامساً يا رامي، وأنت دايماً بتناسها."
ضيق عيناه بتركيز وهتف بتوعد: "والله لو قولتي إنّي أرخ..."
قاطعته بوضع يديها على فمه تمنعه من إكمال حديثه وهتفت بخجل: "خامساً بقى، ودا الأهم، إنك أحن واحد في الدنيا دي كلها."
ثم أكملت حديثها سريعاً: "ويلا بقى، اتأخرنا على المصنع."
اتسعت ابتسامته عقب ما تفوهت به: "يلا ياستي، بس استني أحطلها أكل الأول."
شهد: "انت متأكد إنك نقلت كل حاجاتي في الأوضة عندك؟"
هتف رامي بتأكيد: "آه والله نقلتها كلها. بسببك معرفتش أنام، مصحّياني من النجمة أنقلك حاجاتك."
شهد: "أماااال عايزني أسيب لها حاجاتي تشبع بيها؟ معلش بقى، خنقت عليك في أوضتك."
هتف رامي بمكر: "أوضتي أوضتك يا شوشو، البيت كله ملكك أصلاً."
أومأت شهد بابتسامة، ولكنها عادت وسألت بعبوس: "هي خالتو ليه قفلت باب أوضتها بالمفتاح قبل ما تسافر؟ أنا مش فاكرة إنها كانت قافلة بالمفتاح وهي ماشية."
أعطاها رامي ظهره وهتف بارتباك: "مش عارف. هي ماما كده بتحب تحافظ على حاجتها. سيبني بقى أروح أحط للقطة أكلها."
أخذ رامي طعام الهرة ودخل عليها الغرفة، مغلقاً الباب خلفه وموجه حديثه للهرة: "أنتِ جيتيلي من السما. أنا لو أعرف إنها هتخاف من القطط وتنام جنبي طول الليل، كنت مليت الأوضة دي قطط. المهم بقى يا حلوة، خدي راحتك، الأوضة أوضتك. أنا عايزها لما أنتِ تمشي تشوف الأوضة تكرهها نفسها وتفضل جنبي."
ثم ابتسم بمكر وهو يعود بذاكرته قليلاً.
(فلاش باك)
ظل طوال الليل يتأملها ويتأمل كل تفصيلة في وجهها المحبب له. ابتسم بسعادة لرؤيته لسلساله في رقبتها تلمسه بخفة. شكر في سره الهرة لأنها السبب في ذلك الوضع. ثم جاءت في ذهنه فكرة خبيثة. نهض بخفوت وهو يسير على أطراف أصابعه حتى لا يوقظها وخرج من الغرفة متوجهاً لغرفة والدته. دلف إلى الحجرة وبحث عن مفاتيحها، حتى وجدها وأغلق الغرفة جيداً، وأخفى المفاتيح، وهتف لنفسه بسعادة:
"كده هي هاتنام معايا ومفيش مجال تنام في حتة تانية."
(باااك)
ابتسم بمكر وهو يداعب الهرة: "يا خراي، دي لو عرفت إني بكذب بموضوع صاحب المحل ده وإني مكلمتوش أصلاً، وإني أنا اللي قافل أوضة ماما، هاتولع في البيت كله. هبلة وأنا عارفها كويس."
***
بمنزل زكريا...
هتفت سلمى بضيق وهي ممسكة بسماعة الهاتف: "أنا اتخنقت من العيشة دي. كل يوم أمثل إني بحبه حاسة إني هاطق، هاموت."
حاولت سميحة تهدئتها: "اهدي يا ضنايا وكل حاجة هتبقى تمام. قوليلي بس المخفية مديحة مبتاخدوش على جنب تكلمه أو أي حاجة."
سلمى: "لأ يا ماما أبداً. دي مستسلمة للوضع بطريقة غريبة. وكمان مبتكلمنيش لما زكريا بيمشي ولا بتخليني أعمل شغل البيت."
سميحة: "لأ كده الوضع بدأ يبقى خطر. الولية دي بتحضر لك حاجة."
سلمى بخوف: "بتحضرلي إيه يعني؟"
سميحة: "مش عارفة. بصي خليكي بعيد عنها. أنا خلاص دبرت أموري وقدرت أجيب كام قرش كده، وكلها يومين بالكتير هاخدك حتى لو زكريا طلقك، وهاخد شهد ونسافر أي محافظة تانية نقعد فيها ونبعد عن هنا خالص."
سلمى: "جبتي فلوس منين يا ماما؟"
سميحة: "جبتهم من أي حتة بقى. مش أنتِ عايزة تهربي من زكريا؟ أنا هاساعدك."
سلمى: "المهم عندي إني أبقى معاكي أنتِ وشهد. شهد وحشتيني أوي."
سميحة: "إن شاء الله هانتجمع من جديد، وهاترجعوا لحضني."
***
صاح حسني منادياً: "ست مديحة، أم زكريا!"
التفتت له مديحة وهتفت بضيق: "خير يا حسني."
عبث حسني بشاربه وهتف: "أما أنتِ مخاصماني ولا إيه؟"
مديحة: "لأ ومخاصمك ولا حاجة. أنت حر. اللي بياكل على درسه بينفع نفسه."
هتف حسني بخشونة: "الله، الله! إيه بس عملت إيه لكل ده؟"
رفعت حاجبيها ببرود وهتفت: "بقالك قد إيه بتتخلص من الولية مراتك عشان نتجوز؟ كل يوم تقول بكرة وبعده وأنا ساكتة. بس لأ، دا أنا مديحة اللي كل الحارة بتتمنى قربي يا معلم."
حسني: "طب ويمين الله يا أم زكريا، أنا كنت بخلص في الموضوع، وكنت هاسجنها بالوصلات اللي معايا. بس بنت الرفدي قالتلي هاتتصرف في فلوس، فقولت أستنى أقلب منها قرشين وبعدين أسجنها. أهو البحر يحب الزيادة."
مديحة: "آه قول كده بقى، هو الموضوع كده؟ طيب ماشي، بس بردوا سرّع في الموضوع."
حسني: "من عنيا يا ست الكل. مش تامريني بأي حاجة؟"
مديحة: "لأ شكراً..." ولكنها سرعان ما تابعت بمكر: "كنت عايزة أطلب منك طلب بس ماليش غيرك أطلب منه."
حسني: "اؤمريني."
مديحة: "تلاجتي باظت يا خويا، وكنت عايزة أشتري واحدة جديدة، فكنت عايزة على الفلوس اللي معايا، عايزة فوقهم ٣ آلاف جنيه، لحد ما الواد زكريا يقبض الجمعية وأدهوم لك."
اتسعت عيناه بصدمة ثم سعل بشدة: "كح، كح! ٣ آلاف جنيه مرة واحدة؟"
لوت شفتيها بتهكم: "إيه؟ تقيلة عليك ولا إيه؟ دا أنا قلت أنت قدها وقدود."
هتف بضيق: "آه قدها طبعاً. بصي، أنتِ عدي عليا بالليل في البيت ومتخافيش، هاحبس الولية سميحة في الأوضة مش هاخليها تشوفك، نقعد مع بعض وأتصرف لك في الفلوس."
هتفت بغنج مصاحبة غمزة خفيفة: "يوووه يا راجل، الحارة تقول إيه..."
اتسعت ابتسامته وهو يهتف بخشونة: "هايقولوا إنك طالعة عند حمات ابنك، متخافيش."
مديحة: "خلاص، على معادنا بالليل."
***
بمنزل كريم...
"أحلى شاي لأحلى عمو جمال في الدنيا."
هتف جمال بهدوء: "تسلمي يابنتي. أما كريم نزل الشغل ولا إيه؟"
أومأت برأسها، بينما هتف جمال بتساؤل: "أما مالك الأيام دي يا ليلى؟ حاسك مجهدة وتعبانة ووشك أصفر. أوعي تكوني حامل ومخبية؟"
كانت ترتشف من الشاي بتلذذ بعد سماع جملته. سعلت بشدة. هتف جمال سريعاً: "يا ساتر يارب، اهدي يابنتي، ياساتر."
هدأت ليلى وهتفت: "الحمد لله، أنا كويسة يا عمي متقلقش."
ثم استطردت: "إحنا مبنفكرش في خلفة دلوقتي، سايبين الأمور تهدى الأول. أنت عارف طبعاً إن وأنا وكريم لسه بناخد على بعض، مش عايزين نتسرع."
هتف بضيق: "آه، وانتوا هتاخدوا القرار امتى بقى؟ بصي ياليلي، أنا مش عايز أدخل مابينكوا، بس أنا بكبر يابنتي واللي مضى من عمري كتير، عايز أشوفلي حفيد من صلب كريم ألعب معاه ويقولي يا جدو."
ليلى: "حاضر يا عمي. المهم متضايقش أنت بس."
جمال: "وأنا هاضايق ليه يابنتي؟ ربنا ما يجيب زعل أو ضيق مابيننا."
هتفت ليلى بارتباك: "عمي، هو إيه أكتر حاجة ممكن تضايقك مني أو تخليك تكرهني؟"
ثم تابعت بارتباك واضح: "قصدي يعني تكره أي حد."
هتف بكلمة واحدة صارمة حادة: "الكذب."
رفعت بصرها ترمقه بخوف: "قصدك إيه؟ يعني أنا مثلاً لو كذبت عليك في حاجة أو خبيت حاجة تكرهني وكده؟"
أومأ وهو يهتف بقوة: "مش أكرهك وبس، لاء. أنا أطردك من حياتي كلها. أصل يا ليلى، اللي بيكذب يبقى في إيده يقول الحقيقة. والكذب بس بيلجأ للكذب مع إنه ممكن يقول الحقيقة ويخلص نفسه. أنا عندي اللي بيواجه ده شخص يستاهل التقدير والحب والاهتمام وكل حاجة. عشان كده أنا بنيت قصة حبي مع أم كريم على المبدأ ده وهو الصراحة وممنوع الكذب. وربيت ابني على كده."
ثم تابع بعينين لامعتين ونبرة يصاحبها الفخر: "عندك كريم ابني، أنا مصاحبه ولا يمكن يخبي عني أي حاجة أبداً."
أغلقت عينيها بقوة تأنب نفسها على ما فعلته في حق كريم وكذبها عليه...
فاقت على صوته: "ليلى، تليفونك بيرن يابنتي."
تنحنحت بحرج ثم اتجهت صوب هاتفها تلتقطه بخفة. نظرت فيه وجدت اسم مديحة يضيء به الشاشة. خفق قلبها بشدة. دلفت غرفتها ثم أجابت بعصبية: "ألو، عايزة إيه؟"
هتفت مديحة بسخرية: "ما تهدي على نفسك يا أختي."
زفرت ليلى بغضب: "بقولك إيه، اخلصي مش فايقالك، عايزة إيه مني على الصبح؟"
هتفت مديحة بمكر: "عايزة ٢٠٠٠٠ ألف جنيه يا حبيبتي."
جحظت عيناها بصدمة وهتفت باندفاع: "كام؟!"
هتفت مديحة بتهكم: "سلامة السمع، إيه؟ باظ عندك؟ عايزة عشرين ألف جنيه وبكرة بالكتير يكونوا عندي."
هتفت ليلى بتوبيخ: "أنتِ مجنونة ولا فيكي إيه؟ أنا نبهت عليك إن العشر آلاف دول آخر حاجة ممكن أدفعها لك، ولا المحروس ابنك مش عارف يكمل بقية جوازته، فجايلي أنا؟ لأ بقى مش هاصرف عليكوا."
ضحكت مديحة بقوة وهتفت: "أنتِ هبلة أوي يا ليلى. أنا بقى حابة أصدمك، زكريا يا أختي اتجوز من زمان. وأقولك الكبيرة اتجوز سلمى أخت شهد. شفتي يا أختي الزمن."
هتفت ليلى بصدمة: "سلمى اتجوزت زكريا إزاي؟!"
هتفت مديحة بتأفف: "اخلصي، أنا مش ناقصاكي. هاتديني الفلوس امتى؟!"
هتفت ليلى بعصبية مفرطة: "والله ما يحصل تاخدي مني فلوس تاني، وأعلى ما في خيلك اركبيه، فاهمة ولا لأ."
هتفت مديحة بغيظ: "هي بقت كده؟ بقى مش همك؟ خافي مني يا ليلى، والله هاوريكي وش عمرك ما شفتيه، وهافضحك عند حماكي، وهايطردك برة بيته زي ما أنا طردتك برة الحارة، وهافضحك تاني."
ارتعدت أوصالها لحديث تلك اللعينة، ولكنها سرعان ما تذكرت حديثه: "بيلجأ للكذب مع إنه ممكن يقول الحقيقة ويخلص نفسه. أنا عندي اللي بيواجه ده شخص يستاهل التقدير والحب والاهتمام وكل حاجة. عشان كده أنا بنيت قصة حبي مع أم كريم على المبدأ ده وهو الصراحة وممنوع الكذب..."
عادت للواقع وهي تهتف بقوة: "أنا قلتلك قبل كده وبقولهالك تاني، أعلى ما في خيلك اركبيه. قولي للعالم كله، مبقاش عندي حاجة أخاف منها."
أغلقت المكالمة سريعاً وهي تهتف بنبرة شبه باكية: "مبقاش عندي حاجة أخسرها. خلاص اللي يحصل يحصل، مش هاضعف تاني أبداً."
***
بالمصنع...
"فهمتي هاتقولي إيه بالظبط؟ اياكي وتغلطي في حرف."
كان هذا صوت هايدي الواعد، بينما أومأت شيماء بقوة وهي تهتف بحقد: "متخافيش، هادخل أبهدلها فوق دماغها شهد الزفتة دي وأخلي مستر رامي يطردها."
زفرت هايدي بغضب وهتفت بقلة صبر: "خليكي في اللي أنتِ فيه وركزي في اللي بقولهولك. يالا ادخلي."
طرقت شيماء غرفة رامي، سمعته يأذن لها بالدخول. دلفت بقلق. رفع رامي بصره يرمقها بتفحص. قطب مابين حاجبيه باستفهام واضح: "خير، في حاجة؟"
ابتسمت بقلق وهتفت: "إزيك يا مستر رامي."
رفع أحد حاجبيه ببرود: "أنتِ جاية هنا عشان تسأليني عامل إيه؟ أنتِ اسمك إيه وبتشتغلي في أنهي قسم؟"
تنحنحت شيماء ثم هتفت بتلعثم: "أنا شيماء، بشتغل في قسم الجودة. والصراحة كنت جاية أشتكيلك."
رامي: "تشتكيلي من إيه؟ في حد بيضايقك؟"
هزت شيماء رأسها بنفي وهتفت: "لأ، بس يعني اللي بيحصل ده ظلم وكمان يعني قلة أدب. ده مكان أكل عيش وكلنا مضايقين من اللي بيحصل."
زفر رامي بضيق: "اخلصي، هو أنتِ لسه هاتقعدي تحكي معايا؟ في إيه بالظبط ووضوح."
ارتبكت شيماء من نبرته الحادة: "يعني، ااا أقصد، إن حضرتك شهد كل يوم واقفة تضحك مع واحد شكله ومش بتشتغل. وبالذات بقى مستر سامي، واقفة بتضحك وتهزر معاه. وحاولنا ننصحها بردوا مفيش فايدة. وكده مبيرضيش ربنا. ممكن البنات الصغيرة اللي بيشتغلوا على المكن يقلدوها. معندهاش حيا خالص."
انتفض رامي من جلسته بغضب وهتف بصوته الحاد: "أنتِ اتجننتي! إزاي تقولي كده..."
قاطعه دخول شهد المفاجئ وعلى وجهها ابتسامة. وقفت تحدق بهم، وخاصة بعدما رأت ملامح رامي الغاضبة وانكماش شيماء. هتفت باندفاع: "في إيه يا رامي..."
حولت شيماء بصرها لشهد بتعجب من نطقها لاسمه دون ألقاب. تحدث رامي بلهجة آمرة: "بصيلي هنا يابت أنتِ."
نظرت له شيماء بخوف: "ن.. نعم يا مستر."
أشار رامي على شهد وهو يهتف بغضب: "اللي أنتِ جاية تتكلمي في حقها دي تبقى مراتي. يعني يا حلوة تلمي لسانك، أصل والله أقطعهولك وأقطع لـ أي كلب يفكر ينطق اسمها على لسانه. وطبيعي إنها متشتغلش لأنها مرات صاحب المصنع. دي بتنزل تراقب عليكوا. وسامي ده يبقى صاحبي وقريبي، فطبيعي إنها تقف تسلم عليه لما تشوفه."
صدمت شهد من كم الاعترافات التي اعترف بها رامي. حاولت أن تستشف الموضوع ولكنها فشلت. ما علاقتها بسامي والعمل وشيماء؟ التزمت الصمت حينما أشار لها رامي أن تتقدم منه. وبالفعل تقدمت منه، حاوطها بيده وهو يقول: "يلا اطلعي برا، واستني بقى لما أبقى أشوف هارفدك ولا هاخدي خصم."
خرجت تعتلي قسمات وجهها الدهشة. شهد زوجة مالك المصنع. وعند تذكرها لأمر رفده لها، ذهبت مسرعة لهايدي. دلفت حجرة هايدي باندفاع:
"الحقي، يا مس هايدي الحقي، روحت في داهية."
قطبت مابين حاجبيها وهي تسأل: "في إيه؟ أوعي يكون رامي عرف إني وراكي."
هزت رأسها بنفي وقالت: "لأ، الموضوع أكبر من كده. دي طلعت مراته."
جحظت عيناها بصدمة وهتفت: "إيه؟ أنتِ اتجننتي."
شيماء: "هاحكيلك يا مس هايدي."
***
بمكتب رامي...
هتفت شهد بعدم فهم: "في إيه يا رامي؟ مالها شيماء بتقول إيه في حقي؟"
تنفس ببطء وهو يهدأ نفسه حتى لا ينفعل عليها: "هو أنا كام مرة قولت بلاش وقفة زفت مع سامي يا شهد."
شهد: "في إيه يا رامي؟ هو بينادي عليا بيسلم عليا باحترام، فين الغلط؟"
اشتعلت عيناه بنيران الغيرة وهتف بغضب مكتوم: "في إني مش عايزك تقفي مع بشر، حتى هو بالذات. اسمعي كلامي ولو مرة واحدة. أنتِ ليه بتحبي تتعبي قلبي؟"
وضعت يداها بعفوية وهي تهتف بتهكم: "سلامة قلبك يا رامي، هو أنا تاعبة قلبك في إيه؟"
وضع يده فوق يديها وهو يتمسك بها بقوة ويهتف بتحذير: "لآخر مرة بقولك متقفيش مع راجل يا شهد، لآخر مرة بقولك بلاش سامي يا شهد. المرة الجاية هاتشوفي وش عمرك ما شفتيه. أتمنى إنك مش تشوفيه."
دلف سامي فجأة وهو يهتف بعبوس: "رامي..."
تسمر مكانه من رؤيته لشهد ويديها موضوعة على صدر رامي بحرية، ويد رامي الممسكة بها وانعدام المسافات مابينهم. لوى فمه بتهكم وقال: "آه يعني كلام البنات صح، أنتِ طلعتي مراته. طب مش تقولوا كنا نبارك."
سحبت شهد يديها بسرعة بارتباك، بينما هتف رامي بضيق: "وأنت مالك مضايق ليه؟ فيها إيه لما تبقى مراتي؟"
هتفت شهد سريعاً باندفاع: "ااااا، لأ رامي قال كده عشان هي تبطل كلام عليا. إحنا مش متجوزين ولا حاجة."
تحولت أنظاره لها وهو يرفع حاجبيه باعتراض. ابتعلت ريقها بصعوبة وهتفت: "خلاص يا جماعة حصل خير. صدقني يا سامي مفيش حاجة بيني وبين رامي."
هتف رامي بصوته الجهوري: "شهد في إيه؟ مالك اتظبطي كده، أنتِ بتبرري إيه."
هتف سامي بابتسامة خبيثة: "خلاص، خلاص مصدقك يا شهد. ملهاش لازمة تحلفي."
أومأت شهد بارتباك، وتركت الغرفة هرباً خوفاً من غضب رامي، وعلمت أنها سوف تخوض حرباً قوية ليلاً، والعقاب هو عدم مروح المصنع.
ساد الصمت في الغرفة إلى أن قطعه رامي بحدة: "أنت مالك ومال شهد يا سامي؟ حاططها في دماغك ليه؟"
أشار على نفسه وهو يتصنع الصدمة: "مين أنا؟ فين ده؟ وأنا مالي بيها؟ هو أنت مش شايفها كانت بتحاول إزاي تقنعني إن مفيش بينكم حاجة؟"
هتف رامي بخشونة: "قصدك إيه يا سامي وضح كلامك أكتر."
ابتسم سامي بخبث وهتف وهو يتصنع البراءة: "قصدي متقفش قصاد حبنا يا رامي. أنت شايف قد إيه هي خافت على زعلي إن لو عرفت إنك متجوزها. ليه عايز تعمل مشاكل مابيننا؟ رامي، أنا وشهد اتولد مابيننا حب ولسه بيكبر. ارجوك متقفش في وشنا. عن إذنك."
ابتلع غصة في حلقه، وهتف بصدمة: "حب... شهد وسامي إزاي؟ وأنا بتقرطس نهارك أسود يا شهد."
***
أمام سايبر سامح...
فتحت حقيبتها وجذبت الصورة وأعطتها لسامح بخفة وهتفت: "الصورة أهي، واضحة لوشها ولا لأ؟"
نظر سامح في الصورة وأطلق صفيراً: "إيه البت الموزة دي؟ جبتها منين دي؟"
هتفت بضيق: "مش حلوة أوي كده يا أخويا."
نظر لها بذهول وهتف بغلظة: "دي مش حلوة؟ أنتِ عمياء، لمؤاخذة! دي فلقة قمر. المهم، عايزة صور إيه؟ قاعدة مع واحد في كافيه؟ ولا صور في أوضة نوم؟ ولا صور وهي عريانة؟ عايزة إيه بالظبط؟"
اتسعت عيناها بذهول وهتفت بتساؤل: "يالهوي، أنت ممكن تعمل دا كله؟"
أومأ وهو يبتسم بمكر: "آه، وأعمل اللي أمر من كده."
مديحة: "طب بص، عايزة صور وهي قاعدة في كافيه، أو جنينة مع واحد، ولامؤاخذة يعني مميلة عليه، عايزة صور اللي يشوفها يتأكد إنها ماشية مع الواد ده."
سامح: "طيب تعالي بعد يومين خدي الصور ومعاكي بقية المبلغ."
مديحة: "طيب يا خويا سلام. ربنا يقدرك على فعل الخير."
تركته مديحة وهي تبتسم بفخر لنفسها. رن هاتفها، نظرت فيه وجدت اسم كريمة. زفرت بحنق ثم هتفت: "ألو يا هانم."
هتفت كريمة بتوبيخ: "إيه يا متخلفة؟ عمالة أتصل بيكي تليفونك مقفول. عملتي إيه؟ هاتديلك فلوس بكرة؟"
كتمت مديحة غيظها وهتفت: "لأ يا هانم، رفضت وقالتلي أعلى ما في خيلك اركبيه. وكمان قالتلي مبقاش عندي حاجة أخسرها."
هتفت كريمة بتعجب: "والله!!! خلصت اللعبة بدري بدري. طب جهزي نفسك بقى، هاتصل عليكي خلال يومين تيجيلي وهاقولك نعمل إيه."
مديحة: "طيب يا هانم. تحت أمرك."
أغلقت هاتفها ثم هتفت لنفسها: "أعوذ بالله. وليه معفنة؟ ما لحق أروح لسبع البرومبة حسني ألف القرشين. آه، هو أنا هافضح بنته من جيبي ولا إيه؟"
***
بمنزل رامي...
هتف حمزة ببراءة: "هو بابا ماله يا شهد؟ مش عاوز ياكل ليه؟"
زفرت شهد بضيق وقالت: "زعلان مني."
حمزة: "ليه يا شهد؟ عملتي إيه؟"
شهد: "نيلت الدنيا كعادتي. هنام أنا فين؟ زفتة الطين مرزوعة في أوضتي، وسي رامي مقموص مني."
حمزة: "نامي معايا."
شهد: "فين بقى؟ على الألعاب ولا أحط راسي على السرير ورجلي على الأرض؟ أنت مبتشوفش سريرك عامل إزاي؟ حد سريره على هيئة مركب؟"
حمزة: "آه، أنا عايز أطلع قبطان، وبابا لما عرف جابلي الأوضة دي."
زفرت شهد بضيق: "مبدهاش بقى، أقوم أصالحه وأمري لله. وأي حاجة يقولي أنتِ غلط أقوله صح."
ثم تابعت وهي توجه حديثها لحمزة: "حمزة، اشرب اللبن والعب بالمكعبات لحد ما أدخل لبابا أصالحه وأجي."
***
بمنزل حسني...
دلفت للغرفة وهي تتفحصها بخوف. كل شيء مقلوب، وحسني يقف في منتصف الغرفة يلهث بقوة، وعيناه تبث شرارات الغضب منها. هتفت بصوت مرتبك: "في إيه يا حسني؟ بتدور على إيه؟"
التفت لها حسني وهتف بغلظة: "فين يا ولية الفلوس اللي كانت تحت البلاطة دي؟"
نظرت لحيث أشار بعينين مرتبكتين، بدأت وتيرة الخوف تتصاعد لديها. خططها كلها فشلت. سمعته يهتف بصوته الجهوري الغليظ: "بقولك فين يا ولية الفلوس؟ انطقي."
هتفت سميحة بخوف: "مش... مش عارفة فلوس إيه؟ أنت عاين فلوس هنا؟"
اقترب منها بسرعة البرق وأمسك مرفقها بقوة: "بقولك فين فلوسي؟ طلعيهم، لاحسن والله اقتلك."
حاولت الابتعاد وهي تهتف بتلعثم: "مش عارفة. الله! وأنا مالي؟ يمكن حرامي دخل وسرقهم؟ ولا شوف أنت عاينهم فين."
رفع يداه وهبط بكفه على وجنتها يصفعها بقوة. من شدة الصفعة اندفعت وجسدها ارتطم بالأرضية الصلبة. تأوهت بضعف، بينما هتف بغل: "هاقتلك يا سميحة لو مش قولتي فين. دول تعبي وشقايا. ١٠٠٠٠٠ ألف جنيه يا ولية راحو فين؟"
نهضت وعلى وجهها ملامح الألم وبدأت تستعيد بذاكرتها عدد المرات التي أرعبها بسجنها بسبب وصولات الأمانة التي كتبتها على نفسها من أجله. أيأخذ هو النقود وهي تُهدد بالسجن؟ عندها هتفت بضعف بمحاولة أخيرة لتشتيت انتباهه: "معاك مية ألف جنيه ومستخسر فيا تدفعلي ٣٠ ألف جنيه تسددلي الوصولات؟ اخص عليك، هانت عليك العشرة."
أمسك ذراعها بقوة وهتف بحقد دفين: "انطقي قولي فين فلوسي يا حرامية! والله هاسجنك بالوصلات. الوصلات دي معايا، هاسجنك بيهم، وأتجوز ستك وتاج راسك مديحة."
رفعت بصرها ترمقه بصدمة: "عايز تسجني عشان تتجوز مديحة؟ آه يا واطي يا كلب! والله لأحرق قلبك. الفلوس معايا ومش هتطول منها ولا مليم. خلاص، بح."
ابتعد عنها وهو ينظر لها بشر، ودلف للمطبخ بسرعة، بينما هي تلتفت حولها. علمت أنه سوف يأتي بسكين. اندفعت صوب باب الشقة، وما إن وضعت يديها على المقبض، وفتحت الباب فتحة صغيرة، شهقت بألم، وشعرت بسكين حاد ينغرس في ظهرها. ومع انغراس السكين بظهرها شعرت بقلبها ينزف ألماً على بناتها اللاتي فرطت بهن خوفاً من السجن وفرطت بحقوقهن وزجت بهن إلى براثن المجهول والضياع. بناتها اللاتي أثرت حياتها على حياتهن بجبنها وضعفها وقلة حيلتها، وبدت تلوح لها ملامح شهد الساخطة بعد أن كانت مفعمة بالحياة والحيوية والبهجة. هي بيديها قتلت أحلامها وأخرجتها من بيت والدها؛ ذاك البيت الذي سلمته لمعدوم الضمير والنخوة بجهلها. أما حسني أخرج السكين مع انحنائه للأمام وهي تتمسك بالباب وتتسارع أنفاسها، فغرس بكل قوته السكين مرة أخرى في ظهرها. شهقت بقوة أكبر، واندفعت صوب الأرض، تلتقط أنفاسها الأخيرة. وهذه المرة رأت سلمى هزيلة محنية الظهر وفكرت بما يمكن لمديحة أن تفعله بها بعد أن انكسر ظهرها وخسرت آخر من يمكن أن تستند عليه. فها هي تلفظ أنفاسها الأخيرة وحسني إما يُسجن أو يهرب. هنا أصبحت سلمى بلا سند على الرغم أنه كان سنداً هشاً، إلا أنهم كانوا بحياتها بأي حال من الأحوال. عندها أغلقت عينيها حتى تبقى صورة ابنتيها آخر ما يلوح في أفق حياتها المظلمة التي رأتها بشريط سريع يمر أمامها حياة عاشتها منكسرة خاضعة ومهزوزة.
اندفع نحوها وهو يهتف بغضب: "انطقي قولي فين فلوسي."
هزها بعنف أكبر: "فين فلوووسي؟ انطقي يا ولية."
وقفت تتابع المشهد من خلف باب الشقة خلسة، وما إن رأته يصرخ بها، حتى هتفت صارخة بكل قوتها:
"الحقواااا ياناس حسني قتل سميحة، يالهووووووووووووووووووى حسني قتل سميحة، الحقوووووا ياناس، الراجل قتل الولييييية بالسكينة."
&&&&&&&&&&&&&&&
انتهى الفصل الثاني والعشرون.
رواية شهد الحياه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم زيزي محمد
بمنزل رامي المالك
زفرت بضيق وهتفت: ما خلاص بقى يا رامي مكنش بوز دا، ياسيدي قولتلك أنا غلطانة، حقك عليا.
رمقها بغضب، ثم حول بصره للجهة الاخرى.
سمعها تزفر للمرة الخمسين وتتمتم بكلام غير مفهوم. اقتربت منه، ثم وضعت قبلة رقيقة على إحدى وجنتيه وهي تهتف بخفوت: قلبك ابيض بقى، أنا مش فاهمة لدرجادي اللي عملته يزعلك مني، وتمتنع عن الأكل؟
تجمدت أنفاسه بسبب قبلتها، ضربات قلبه ستكسر صدره من قوة نبضها. تمالك نفسه بصعوبة وهتف بخشونة: أنتي شايفة يعني اللي أنتي عملتيه مكنش يصح في حقي وحقك، تقفي وتبجحي وتقولي لا مش مراته، أنتي مستعرة إنك تبقي مراتي يا شهد؟
قالها باستنكار شديد وهو يشير بيده على نفسه.
هتفت سريعا وباندفاع وهي توضح وجهة نظرها: لا والله أنا خوفت بس سامي يكون فاهم غل...
قاطعها وهو يمسك مرفقها بقوة، ويجز على أسنانه وقال: سامي، ماله سي زفت، قوليلي بقى في إيه بينك وبينه.
حاولت إبعاده وهي تهتف بعدم فهم: آه، اوع يارامي، هايكون في إيه...
هتف رامي بغضب وهو يُمني نفسه بإجابة تهدئ من بركان الغيظ بداخله: أمّال ليه قعدتي تقولي إنك مش مراتي؟ ليييه اتوترتي إنه يعرف؟ ليييييييه انطقي.
هتفت شهد بألم: آه رامي إيدك بتوجعني، اوعى بقى.
نفضها بعيدًا عنه بقوة وهتف بعدما أيقن أنها لن تنطق بما يُبرد ناره: بعدنا أهو، اتفضلي اطلعي برا، مش طايق أشوف حد قدامي.
حركت يديها بسرعة على مكان الألم تدعكه بقوة، ثم تقدمت منه وهي تمسك يديه وتطبع قبلة رقيقة في كفه وهتفت بنعومة: على فكرة بقى أنت زعلك عندي بالدنيا كلها، أنا كنت بصالح أبويا كدا وأنا صغيرة، وبدام صالحتك كدا، يبقى أنت غلاوتك كبيرة أوي في قلبي دي حاجة، أما الحاجة التانية وهي سامي، أنا بس لقيت الخبر انتشر بسرعة خفت علشان كدا قولت لا مش مراته، وأديك شوفت نظرات البنات ليا بعد ما عرفوا إني مراتك، خافوا مني وأنا مكنتش عاوزة كدا.
تعجب من قدرتها على تطويعه وتحويله لحملٍ وديع بين يديها بثانية وبالثانية التي تليها تمامًا تثير زوابع وعواصف غضبه. هتف بصوت عالي: ما الدنيا كلها تعرف إنك مراتي وعلى ذمتي، عاوزاني أقف في الشباك دا وأغنيها بصوت عالي، شهددددد مرررراتي، أنا اللي بقولهالك قولي لكل الناس إنك مراتي.
ابتسمت برقة وهتفت بمزاح: طب ولما تفضح الدنيا، اتجوز إزاي بعد ما تطلقني..
رمقها بصدمة وذهول ثم اقترب منها بسرعة شديدة واقتصر المسافات البسيطة بينهم، وهتف أمام شفتيها ونظره معلق بهم: اياكي وكلمة الطلاق، هاقتلك قبل ما تكوني على ذمة حد غيري، خلاص أنتي اتكتبتي ليا، بقيتي على اسمي وهاتفضلي على اسمي، لاخر نفس فيا...
امسك رأسها بيديه واطبق شفتيه على شفتيها وقبلها بقوة. لم يعرف قبلته كانت بسبب اشتياقه لها، أم عقابًا على ما تفوهت به. زادت ضربات قلبها في بادئ الأمر من هجومه المفاجئ لها واعصاره بشفتيها، ولكن مع تحول قبلاته القوية إلى قبلات ناعمة هادئة، هدأت هي بين يديه وذابت في بحور عشقه لها. مدت يديها بعفوية تتمسك بمقدمة تيشيرته.
في هذه اللحظة، ومع هدوئها بين يديه، تجرأ أكثر وحرك يديه تحيط بها تجذبها أكثر نحوه، وباليد الأخرى بدأ بفك أزرار منامتها. الآن حبيبته بين يديه ولاول مرة لم تمتنع عنه. الآن لم يعد يتذكر من هو وماذا يفعل ولا حتى وعوده التي قطعها مع نفسه، ولا وعوده مع أميرة. أميرة!!! بدأت أجراس الخطر تدق بعقله بقوة.
ابتعد عنها ببطء يتفحصها بهدوء، بداية من عينيها المغلقة بقوة، وشفتيها المتورمة، وشعرها المبعثر، وتورد وجنتيها. طبع قبلة أخرى خفيفة سريعة على ثغرها وهتف بهمس: شهد...
استمرت في إغلاق عينها بقوة لشدة خجلها. داعب وجنتيها بلطف وهو يهتف بهمس: شهد افتحي عيونك.
فتحت عينيها بخجل، لمح تلك اللمعة الغريبة في عينيها. ابتسم، ما إن رأت ابتسامته اخفضت بصرها تهرب من نظراته لها، فمد يده يغلق أزرار منامتها ببطء شديد وهي تتابع يديه المتنقلة بحرية على جسدها، ثم رفعهم يعيد ترتيب شعرها المبعثر. ابتلع ريقه بصعوبة يحاول كبح رغباته، ثم أردف بنفس همسه: شهد ارفعي عينك بتنزليها ليه....
رفعت بصرها بسرعة وهي تهتف برقة: رامي أنت....، ليه بتعمل معايا كدا.
أطلق تنهيدة قوية، لعلها تريح صدره: مش عارف، كل اللي اعرفه إني بتجنن لما سامي بيجيب اسمك، شهد كلامه ليا انهاردا بيوحيلي إنكوا ما بينكوا حاجة.
قطبت ما بين حاجبيها وهتفت بعدم فهم: يعني إيه بينا حاجة.
زفر بضيق وهتف: يعني قالي إنك بتحبيه، وقالي سيبنا ومتدخلش بينا وتفرق بينا.
اتسعت عيناها بصدمة: أنا!!!، أنا بحبه، لا طبعًا استحالة سامي يقول كدا، استحاااالة..
لوى فمه بتهكم: آه يعني أنا بكدب وبحور، معلش اسف ياستي.
زمت شفتيها بضيق: يووووه يا رامي، أنا أقصد إنك فهمته غلط، أكيد فهمته غلط، أصل هو هايقول كدا بناءً على إيه، أنا بعامله كأخ وبس... ثم تابعت بابتسامة: علشان خاطري عدي اللي حصل انهاردة أنا مبحبش بوزك دا بيقفلني والله من الحياة.
أخذ نفس طويل ثم هتف: خلاص يا شهد، عاوزني أفك قولي لأي حد يقابلك في المصنع إنك مراتي أوك.
شهد: يعني يا رامي دا اللي هايريحك، حاضر بكرة هاقف في المصنع وأمسك ميكروفون وأقول أنا مرررات رامي.
جذبها لاحضانه وربت على ظهرها بحنان هاتفا بخفوت: بطلي تريقة، قولي للكل كدا أصل وأقسم بالله أقول أنا ومنزلكيش المصنع تاني، أنا عادي أعملها وياريت أعملها يا شهد هاارتاح، بلاش تثيري غيرتي يا شهد علشان واقسم بالله هاتشوفي وش عمرك ما شوفتيه.
أومأت براسها دليلا على موافقتها: حاضر يا رامي هاعملك اللي انت عاوزو.
ثم رفعت بصرها وتابعت: ممكن تقوم تاكل بقى.
بالحارة.
تجمع الناس بالحارة يراقبون نزول جثة سميحة وهي محملة على ناقلة الإسعاف مغطاة بملاءة بيضاء، وحسني مكبل يداه بكلابشات الشرطة ينظر لسيارة الشرطة بخوف، بينما وقفت سلمى تبكي بصوت عالي وتهتف بحرقة: آه ياماماااااااااا، اوعى سيبني عاوزة أروحلها، خديني معاكي يا ماماااا.
حاوطها زكريا جيدًا وهو يمسكها بقوة وينقل بصره بين سلمى الصارخة وجثة سميحة، فهتف بهدوء: أهدي يا سلمى، لاحول ولا قوة إلا بالله.
هتفت جارة لهم: أهدي يا حبيبتي حرام تصرخي كدا، كدا هي بتتعذب.
مصمصت جارة أخرى لهم: ياعيني يابنتي، إن لله وإن إليه راجعون.
جاءت عيناها في عيني حسني، رمقه بكره شديد وصاحت: حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنت قتلتها، أنت اللي خدتها مني، طول عمرك شيطان، منك لله، منك لله.
بينما اكتفى حسني بإرسال شرارات الغضب لها ولمن حوله.
غادرت سيارة الإسعاف بجثة سميحة مع محاولة سلمى اللحاق بها وهي تبكي بشكل يدمي القلوب، ولكن كانت يدي زكريا أقوى منها تمنعها من أن تخطو خطوة باتجاهها.
وغادرت أيضًا سيارة الشرطة، وانفض الناس من حولهم، فاقتربت مديحة متصنعة البكاء: يلا يا ابني خلينا نطلع.
نفضت سلمى يدي زكريا بغضب بعيدًا عنها: اوعى سيبني عاوزة أروح ورا أمي.
هتفت مديحة بتهكم: تروحي وراها فين دي ماتت.
رمقتها سلمى بحقد دفين: تلاقيكي مبسوطة فيا صح.
رفعت حاجبيها ببرود: أنا هابسط ليه ياختي، شوف مراتك يا زكريا وعقلها.
زكريا: خلاص ياما سلمى تعبانة، عديهاااا.
ثم تابع كلامه لسلمى: يلا نطلع ياسلمى، أمك زمانها في المشرحة، والدنيا ليل خلينا للصبح والصبح يبقا يحلها ربنا.
هتفت بغضب أكبر: بقولك اوعى سيبني، عاوزاها أروح معاها..
زفر بضيق: يابنت الحلال استهدي بالله، لو روحنا هانعمل إيه، بكرة الصبح نبقى نروح...
تخلصت من قبضته القوية وتحركت بخطوات متعثرة واعين زائغة وهي تهتف بنبرة شبه ضائعة: لا أنا هاروحلها، حبيبتي سابتني ومشيت قالتلي إنها هتاخدني معاها، سابتني لييييه....
جذبها من مرفقها وهو يهتف بعصبية: بس بقا كفاية فضايح إحنا في الشارع، يلا بينا على فوق.
ومع محاولاتها للتخلص منه، وتمسكه الشديد بها، وقعت فاقدة للوعي، مد زكريا يديه بسرعة تلحقها من اصطدامها بالأرض، وهو ينظر لها بخوف ويهتف بقلق: سلمى، سلممى.
بمنزل كريم.
هتف كريم بابتسامة عريضة على وجهه: ها بقى ياستي إيه اللي مزعلك انهاردا ومخليكي تايهة كدا.
قطبت ما بين حاجبيها مردفة: طب وليه الابتسامة العريضة اللي على وشك دي..
كريم: دي علشان أنا فرحان وسعيد، إن كل يوم بكلمك وبحكي معاكي، وعرفنا بعض أكتر، وبقينا قريبين من بعض، وحبك اللي في قلبي زاد أكتر وأكتر وأكتر....
هتفت ليلى بحزن: بجد أنت طيب أوي يا كريم، أنا أوقات بحس إني مستاهلكش، أنت حاجة كبيرة أوي أوي بالنسبالي ....
داعب أنفها بيديه وهتف بمزاح: متضحكيش عليا وتثبتيني، مالك بجد ما أكلتيش حلو وعيونك فيها كلام كتير.
ليلى: انهاردا وأنا قاعدة مع عمو جمال سألته إيه أكتر حاجة ممكن تكرهني بسببها، رد عليا وقالي الكدب، طب ولو هو عرف إننا كدبنا عليه في موضوعي هايكرهني؟؟ طب ممكن يكرهك بسببي؟
كريم: يكرهني أو يكرهك ليه، إحنا كدبنا في إيه، إحنا مجرد خبينا حاجة بس عليه، ودا مش علشان خايف منه بالعكس دا علشان إنتي تتعاملي معاه براحتك، وبعدين ياستي هو إيه اللي هايعرفه حاجة زي دي، الحاجة دي هاتفضل بيني وبينك وبس، وارجوكي بقا يا ليلى بطلي خوف بقى وارمي ورا ضهرك علشان خاطري.
هزت رأسها وهتفت بخفوت: حاضر يا كريم هاحاول أنسى.
ثم نظرت أمامها وهتفت في نفسها: الدنيا مش راضية تسيبنا في حالنا يا كريم وحاسة إننا هانفترق قريب، أم زكريا مش هاتسيبني في حالي، بس أوعدك إني هافضل أعافر علشان نفضل مع بعض..
بمنزل رامي.
تنقلت على جانبيها يمينًا ويسارًا ثم نهضت وفتحت نور الأباجورة وزفرت بضيق وهتفت بصوت هادئ: رامي أنا قلبي واجعني مش عارفة ليه...
استدار نصف استدارة وهتف بقلق: قلبك وجعك إزاي مش فاهم.
وضعت يديها فوق قلبها وهي تهتف بحزن: مش عارفة والله، قلبي واجعني أوي، حاسة بحاجة حصلت لماما أو سلمى.
ثم نظرت له وهي تهتف بقلق: أو ممكن ليلى.
اعتدل في نومته ثم هتف مطمئنا إياها: متخافيش هما كلهم كويسين بس انتي تلاقيقي مش عارفة تنامي كويس.
شهد: رامي ما تتكلم معايا في أي حاجة خليني أعرف أنام.
رامي: امممم، نتكلم في إيه مثلا.
فكرت لوهلة أن تنطق باسم أميرة، زوجته التي لم يذكر اسمها ولو مرة واحدة أمامها...
هتفت بتلعثم: عن أميرة مراتك...
رامي: أميرة!!!، اشمعنا.
شهد: علشان أنت مجبتش ولا مرة اسمها قدامي، ليه بقى؟!.
تصنع اللامبالاة: عادي على فكرة، مش لازم أجيب اسمها قدامك، هي في قلبي على طول.
لم تعرف لماذا انتابها شعور بالغضب عقب ذكره لها أنها في قلبه على طول. تغاضت بسرعة عن شعورها وهتفت: أيوا بس اللي أعرفه إن اللي بيحب حد بيجيب سيرته على طول.
رامي: مش شرط على فكرة عادي، كل واحد وشخصيته.
ساد الصمت في الغرفة بعد جملته، ولكنها قاطعت الصمت كالعادة بثرثرتها المعتادة: طب قولي انتوا عرفتوا بعض إزاي.
زفر بحنق وأردف: يخربيت فضولك هايموتك، ياستي أميرة كانت زميلتي في شغلي في الشركة وبس.
اقتربت منه بحماس وهي تهتف بفضول: يعني إيه وبس، احكي انتوا كنتوا بتحبوا بعض وانتوا بتشتغلوا مع بعض؟
هز رأسه بنفي: لأ، عادي هي كانت زميلتي وكانت مقربة مني، بس أمي تقريبًا كانت بتزن يوميًا عليا اتجوز ففكرت فيها هي محترمة وفي حالها، اتقدمت ليها واتجوزنا وبس.
شهد: وبس!!!، وبس إيه يا رامي، بس كدا الحكاية خلصت أمّال فين الحب بقى وكدا والمغامرات.
ضربها بخفة على رأسها: ماهي الروايات لحست دماغك، عادي مش شرط اتنين متجوزين يبقوا بيحبوا بعض وبيعشقوا بعض، عادي ممكن يكون حب عشرة....
نظر لها وجدها تنظر له بتركيز، فهتف بتلعثم: بس أنا كنت بحبها، عادي يعني.
هتفت بمزاح: الحمد لله، مقولتش وبس.
ابتسم على مزاحها ولكنها سألته: طب أنت مفيش مرة عشت قصة حب، وسهرت الليل تحب فيها وفي ملامحها، وتوحشك ونفسك تشوفها، جاوب بصراحة...
تنهد بقوة وهتف بعبوس: اممممم حبيت وعشقت وسهرت الليل أفكر فيها، وكنت بصحى الصبح على أمل أشوفها وأتأمل ملامحها، وأروي شوقي ليها، حبيتها لدرجة الجنون، حبيتها لدرجة إن رسمتها كتير، مع إن مشوفتهاش إلا مرة واحدة وبس، خطفت قلبي بنظراتها البريئة، خطفته ومبقتش قادر أرجعه تاني، حبيتها لدرجة إن كل يوم بكتب اسمها في نوتة صغيرة، وأشوف حبي خلص ليها والا لأ، وألاقيني بشتري نوتات كتير وبكتب اسمها كتير وبسرح فيها.
ارتسمت ابتسامة جميلة على ثغرها وهي تتأمله بشرود وأخذت تمني نفسها أن كل هذا الكلام من أجلها وأنها حبيبته التي خطفت قلبه. وهتفت تنشد أن يرد بما يطمئنها ويقولها إنها هي مالكة قلبه: الله!، إيه الكلام الحلو دا، طب إيه مش اتجوزتها ليه، وتعوض اللي عيشته في بعدها معاها.
هز رأسه بنفي: مينفعش، في سد بيني وبينها.
زائغت شهد بخيبة أمل وانفطر قلبها وهو يرد ماحيًا أمل أن تكون هي المعنية بهذا العشق الجارف وسألت بتوهان: هي السبب في السد دا، والا أنت؟
أشار على نفسه مردفًا: أنا السبب، أنا اللي وعدت، أنا اللي متزفت ومش قادر آخد خطوة في حياتي، علشان وعد وعدته زمان، خايف تروح من إيدي، مش هاستحمل بجد.
رمقته بغضب وهتفت: هي لسه موجودة!!!.
أومأ وهو يرجع رأسه للخلف ويغلق عيناه وهتف: قريبة مني أوي، قريبة مني لدرجة إن مش قادر أطلعها من قلبي، ولا أطلعها من حياتي.
جزت على أسنانها وهي تهتف لنفسها بخوف: يالهوي مين دي اللي قريبة منه أوي، يالهوي لتكون هايدي، لا قلبي هايقف، معقولة، لا لا لا، يعني إيه، دا أنا قلبي بدأ يحبك يا رامي، كدا رامي بح، كان عنده حق سامي لما قال إنه بيعاملني كأخته.
نظرت له وجدته مازال مغلق عينيه بقوة، هتفت مرة أخرى لنفسها ولكن بصوت عالي: أخته وبيبوسني.
فتح عينيه بسرعة وهتف بتساؤل: نعم؟!!.
ارتبكت بشدة وهي تسب نفسها على ما تفوهت به، ثم هتفت باندفاع: مفيش، مفيش نام نام.
جذب مرفقها بسرعة وجعلها تستدير له: بوسة إيه مش فاهم، مين بيبوسك.
لوت شفتيها بسخرية مريرة على تحطم آمالها الوليدة: هو في حد غيرك بيعمل كدا، تصبح على خير، وبكرة تشوف حل للزفتة اللي في أوضتي هي أخدت راحتها ولا إيه.
بمنزل زكريا...
جلست بصدمة وهي تهتف: إيه حامل إزاي.
هتف بفرحة: إيه اللي إزاي ياما، سلمى حامل ياما والله دا كلام الدكتور.
مديحة: يمكن غلط وهو بيكشف يا واد، وتكون غيبوبة السكر.
هز رأسه بنفي وهتف بسعادة: لا ما الدكتور أخد منها عينة دم ونزلت روحت المعمل اللي على أول الحارة والبت اللي هناك أكدتلي إنها حامل.
ثم تابع بقلق: بس الدكتور قالي أبدأ أروحله علشان يتابع معاها علشان السكر وكدا، ربنا يستر بقى.
اقترب منها بسرعة وجلس بجانبها واحتضنها: أنا فرحان أوي ياما الحمد لله ربنا كرمنا، شكل الشيخ مدكور دا شيخ بجد، الحمد لله يارب، أنا فرحان ربنا عوضني بسلمى وبالنونو، هتبقي جدة يا مديحة...
في ظل سعادته وثرثرته عن مدى فرحه بحمل سلمى، كانت هي شاردة في فشل مخططاتها. بدأ كل شيء ينهار بحمل سلمى، كان بداخلها نيران الحقد والكره تتصاعد. استفاقت على يد زكريا وهو ينبهها: ياماااا، سرحانة في إيه.
مديحة: مش حاجة، مراتك عرفت؟
زكريا: لا، هاقولها بكرة لما تصحى، أخدت مهدئ، أكيد هاتِفرح إن ربنا عوضها عن موت أمها، المهم هاقوم أشوفها كويسة والا لأ...
تابعته ببصره وهو يدلف لغرفته مغلقًا الباب خلفه، هتفت بغضب: آه يا نااااري، حسني اتسجن ومطلعتش منه بحاجة، وادي السنيورة حملت وأنا كدا فشلت لا والله أبدًا، مش هاتفلتي من إيدي يا سلمى وهاترمي في الشارع زيك زي شهد وليلى وبفضيحة كمان.
رواية شهد الحياه الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم زيزي محمد
بمنزل زكريا
جلس بجانب والدته بوجهه العابس: صباح الخير ياما.
صباح النور ياحبيبي، ليه مبوز كدا.
حك رأسه بقوة وهو يهتف بألم: منمتش ياما، سلمى طول الليل كوابيس، مش عارف ايه دا.
هتفت بحزن مصطنع: علشان ياعيني امها ماتت، وابوها القاتل، صعبة بردوا يا زكريا.
أومأ بحزن واردف: كلامك صح فعلا ياما، بقى عم حسني يقتل ام سلمى كدا بالساهل وعلشان ايه.
هتفت باندفاع: علشان الفلوس.
قطب مابين حاجبيه مردفاً وهتف بتساؤل: الا من حق إيه اللي ودّك عندهم ياما في الوقت دا، وإيه اللي عرفك إنه علشان الفلوس.
نظرت له بارتباك وهتفت بتلعثم: ها،، اصل اااا، اصل أنا روحت اشتكيله كامن الواد اللي عنده خمني في ميزان اللحمة، فروحت اشتكيله وأقعد معاهم شوية، لقيت الباب موارب وبيضربها بالسكينة أنا جسمي انتفض ياخويا ومحستش بنفسي غير وأنا بصرخ، وكان بيقولها يا حرامية فين فلوسي.
اندفعت نحوها سلمى بغضب وهتفت بصراخ: أنا أمي مش حرامية، فاهمة ولا لأ، أنا أمي أشرف منك ومن عشرة زيك.
شهقت مديحة بصدمة واردفت: بسم الله الرحمن الرحيم بيطلعوا امتى دول.
أمسكها زكريا بقوة وهتف مهادئاً إياها: أهدي يا سلمى أمي مش قصدها حاجة، هي بتحكي اللي حصل وبس.
سرعان ما تداركت الأمر وهتفت ببكاء مصطنع استكمالا لمخططاتها الشريرة: والله يابنتي أنا أمك صعبت عليا أوي مكنتش تستاهل كل دا، دي كانت طيبة وأنا كنت فاهمها غلط، متزعليش مني اعتبريني أمك يابنتي.
رمقتها بشك، بينما هتف زكريا: ربنا يخليكي لينا ياما، والله أمي طيبة يا سلمى.
ثم مال على أذن سلمى يهتف بهمس شديد: هي طيبة اه، بس أوقات بيجيلها هفوات كدا، متركزيش معاها.
داهمها ذلك الدوار مجدداً تمسكت سريعاً بزكريا، وهتفت بنبرة ثقيلة: آه الحقني.
************************************
جلس بخوف وهو يتابع وكيل النيابة بعينيه المرتبكة، حتى قطع الصمت.
وكيل النيابة: اسمك وسنك وعنوانك.
جف حلقه من الارتباك، الآن أصبح مدركاً أنه قتلها، الآن بدأ مستقبله يتحدد أمامه ويرى حبل المشنقة يلتف حول عنقه بقوة، ارتعد في جلسته ووزع نظره بين وكيل النيابة والشخص المسؤول عن المحضر بخوف، حتى هتف وكيل النيابة بحدة: ما تخلص قول اسمك وسنك وعنوانك.
هتف حسني بارتباك: أنا اسمي حسني عبد الرحيم على حميدة وسني ٥٥ سنة وعنواني شارع.
س: المجني عليها سميحة كارم متولي تقربلك إيه؟
ابتلع ريقه بصعوبة واردف: مراتي يابيه.
س: قتلتها ليه؟
توتر في جلسته وتذكر زميله في الزنزانة وهو يملي عليه ما يقوله: أي حاجة يقولك عليها قول معرفش معملتش مقتلتش اوع تعترف.
هتف باندفاع: أنا مقتلتهاش يابيه.
ابتسم وكيل النيابة واردف: آه انت حافظ مش فاهم، بص من الآخر كدا انت ممسوك متلبس، بصماتك على أداة الجريمة، الجيران كلها اعترفت عليك، ومهما تقول معرفش مقتلتش مسيرك هاتعترف بردوا، انطق بقى بالذوق، قتلتها ليه؟
هتف حسني وعينيه تطلق شرارة من الغضب الممزوج بالحقد: قتلتها لأنها تستحق الموت، دي حرامية يابيه سرقت مني مية ألف جنيه بتوعي خبتهم بعيد عني، مرضيتش تقولي فين وكانت عاوزة تهرب مني، الشيطان سيطر عليا يابيه، محستش إلا وأنا بضربها، هو مش من حقي أموتها يابيه، دي سرقت فلوسي يا ناس تعبي وشقايا، فين القانون اللي هايجبلي حقي يا بيه.
اردف المحقق بهدوء: اهدا كدا وقولي فلوس إيه وسرقتهم إزاي.
******************************
بمصنع المالكي.
شهد استني هو أنا مش بكلمك.
استدارت تهتف بضيق واضح على ملامحها: يا أستاذ سامي، بجد مش عاوزة أحرجك بس أنا مش عاوزة مشاكل مع رامي ولا يتقال عليا كلام وحش.
قطب مابين حاجبيه مردفاً: مين يقدر يتكلم عليكي، دي هي واحدة وأنا عارف مين زقها عليكي.
هتفت بفضول: مين؟
هتف بنبرة خبيثة: هايدي.
هتفت شهد بعدم تصديق: نعم!!!، هايدي ليه تعمل كدا؟
ثم استطردت مستفسرة: هي مش هايدي دي بنت عمك متتهيألي؟
أومأ برأسه وهتف: آه بنت عمي، بس بردوا يا شهد أنا مع الحق، وهي غلطت لما زقت شيماء عليكي، بس هي عندها مبرر.
شهد: مبرر إنها تسوء سمعتي؟، وياترى إيه هو؟
هتف بمكر: اصل بتحب رامي جدا، ورامي كان بيحبها فحست إنك ممكن تخطفيه منها.
رفعت حاجبيها ببرود وهتفت: هو رامي كان بيحب أميرة ولا بيحب هايدي، ما ترسى على بر.
تلعثم في رده وقال: لا أقصد هو كان بيحب أميرة، كان فعل ماضي، لكن هايدي هي المستقبل انتي مبتشوفيش نظراتهم لبعض، دا أنا قولت إنك قفشتي الموضوع.
هتفت ببرود عكس ما بداخلها وما تشعر به من نيران الغيرة التي تهش في قلبها: لا مقفشتش، ربنا يهني سعيد بسعيدة عن إذنك.
تركته وهو يبتسم بمكر: كنت غلط من الأول لما قولت إنه بيحب أميرة، أنا كدا ماشي صح.
********************************
بمنزل زكريا.
هتف زكريا بنبرة حنونة وهو يمد كوب اللبن لسلمى: اشربي يا سلمى، لازم تتغذي كويس.
اردفت ببكاء حاد: لا مش عاوزة حاجة، أنا عاوزة أروح لأمي، ربنا ياخدني وأروح لها.
هتف سريعاً بغضب بسيط: بعد الشر عليكي يا سلمى، ليه بتقولي كدا وتسيبني لمين، طب مش عاوزة تشوفي النونو اللي جاي في السكة دا.
قطبت مابين حاجبيها ونظرت له باستفهام، بينما هو أومأ بقوة وهتف بسعادة: آه انتي حامل يا قلبي، في بطنك في نونو جميل.
هتفت بصوت مرتجف للغاية: إيه؟!، أنا حامل، لا مش عاوزاه، مش عاوزاه.
ربت زكريا على يديها بحنان وهتف: ليه يا قلبي، دا حتى دي نعمة والله، أنا مبسوط إنك حامل.
قاطع حديثه دخول مديحة وهي تحمل صينية الطعام وعلى وجهها ابتسامة مصطنعة: اتفضلي الأكل يا سلمى.
ابتسم زكريا بسعادة: تسلم إيدك ياما، شفتي ياسلمى أمي حاسة بيكي إزاي.
وضعت مديحة الصينية أمامهما وهتفت بهدوء: يابني العمر بيروح في ثانية، واديك شفت موت أم شهد.
لكزها زكريا بخفة هاتفا بتحذير: في إيه ياما، ما تراعي كلامك.
مديحة: يعني أقصد يابنتي أنا كنت غلطانة في حقك، سامحيني كلي يالا واشربي اللبن، ومن هنا ورايح أنا مش هازعلك أبداً وانتي هاتشوفي دا بعنيكي.
تركتهم مديحة وعلى ثغرها ابتسامة خبيثة، بينما كانت سلمى تنظر في أثرها بخفوت وتهتف في سرها: ياترى مجهزةالي إيه يا مديحة، شكلك ناوية على موتي.
استفاقت على هزات زكريا لها وهو يقول: سلمى هي أختك شهد فين؟
هتفت بعينين دامعتين وصوت حزين: عند خالتي.
زكريا: طب ما تقوليلي عنوانهم أروح وأبلغها لازم تعرف.
سلمى: مش عارفة عنوانها ولا حتى أعرف رقم تليفونهم، حتى رقم تليفون شهد كان مسجل على تليفوني وهو كسرهولي.
زم زكريا شفتيه بضيق: طيب أنا هاحاول أتصرف وأوصل لعنوانهم، أسأل أي حد من الحارة على رقم شهد لعل وعسى يكون حد معاه.
ثم استطرد قائلاً: سلمى أنا مش عاوزك تخافي مني، أنا والله ما أرضى أزعلك تاني أو أضايقك، اللي حصل ما بينا فات ومات وندفنه كمان، أنا مبسوط بابننا اللي جاي دا.
رواية شهد الحياه الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم زيزي محمد
دلفت إلى مكتب هايدي وهتفت بضيق: عاوزاكي.
رفعت بصرها ترمقها بسخرية: مين أنا، خير يا....، سوري نسيت اسمك.
أمالت على المكتب وهي تستند براحتها على سطحه الزجاجي وهتفت ببرود: أولاً يا حلوة اسمي شهد، أنا مش سهل حد ينساني، ثانياً يا حلوة طلعيني دماغك الحلوة دي، علشان أنا لو حطيتك في دماغي هاتزعلي مني.
أرجعت ظهرها للخلف ووضعت ساق على أخرى وهتفت بتهكم: وأنا هاحطك في دماغي ليه إن شاء الله تعنيني في إيه، انتي حيالله واحدة بتشتغلي عند رامي.
اغتاظت كثيراً لتعمد هايدي إهانتها، جزت على أسنانها تحاول كبح تلك الانفعالات التي تتصاعد بداخلها وهتفت ببرود بعكس ما بداخلها: لا، انتي حطاني في دماغك وأنا متأكدة من كدا، أنا مش مجرد شغالة عند رامي، أنا بنت خالته ومراته.
هتفت بتهكم: مراته!!!، لا اكدبي كدبة غيرها، ما خلاص عرفنا إنه قال كدا علشان الفضيحة، وانتي اعترفتي بلسانك دا لسامي وقولتي لا مش مراته.
جلست على طرف المكتب وهي تهتف بمكر: امممم، قولت كدا فعلاً بس لما روحت رامي بهدلني إني أنكرت، وقالي امشي بكرة في المصنع وقولي بعلو صوتك أنا مرات رامي، لو مش مصدقاني روحي واساليه، ولو مش مصدقاني بردوا ارقعي دماغك الحلوة دي في أتخن حيطة في المصنع، باي يا هايتشي.
خرجت من الغرفة برأس مرفوعة، ثم أكملت سيرها لغرفة رامي، بينما كانت هايدي تستشيط غضباً من شهد، فضغطت على زر الاستعلامات بغضب وهتفت: ابعتيلي شيماء ضروري.
وضعت سماعة الهاتف بقوة وهتفت بنبرة كفحيح الأفاعي: وأقسم بالله لالبسك تهمة معتبرة يا زفتة.
بينما كانت هايدي تضع في رأسها خططاً لإيقاع بشهد، كانت شهد تقف على أعتاب غرفة رامي بتوتر وتهتف لنفسها بتشجيع: مش تخافي يا شهد، ادخلي وقوليله الكلمتين، لازم تنهي بقى المهزلة دي.
طرقت باب الغرفة عدة مرات ودخلت.
رأته يجلس منكباً على الأوراق يتابعها بتركيز.
دلفت وأغلقت الباب خلفها.
رفع بصره وما إن رآها حتى اتسعت ابتسامته وهتف: إيه دا، شهد الحياة بنفسها عندي.
تحركت نحوه وهتفت بهدوء: هو انت مش هاتقولي بقا عرفت الاسم دا منين.
خلع نظارته الطبية وهتف بمكر: عرفته يجي من ٨ سنين يوم ما شوفتك.
رفعت أحد حاجبيها وهتفت بتعجب: هو انت شفتني قبل ما أجيلكوا.
أومأ لها وهتف بخفوت: شفتك واتكلمت معاكي كمان...
فتحت فمها حتى تهتف ولكن قاطعه بوضع أصابعه على فمها ويهتف بهمس: روحت لمامتك أزورها بناءً على رغبة ماما، خبطت فيكي على السلم، وكلمتيني قولتلي ابقى فتح بقى، وسبتيني ومشيتي، طلعت لمامتك وسألتها عليكي وحكتلي عنك وقالتلي إن بابكي الله يرحمه كان دايماً بيقولك شهد الحياة، حقيقي الاسم عجبني أوي وعلق معايا.
شهد: أمال لما شوفتني عملت نفسك كأنك مش عارفني ليه؟
هتف بمرح وبغمزة خفيفة من عينيه: لزوم الشغل، لا أقصد كنت عاوز أعرف انتي فاكراني ولا لأ، بس طلعت ذاكرتك في اللالا لاند.
ضحكت بخفوت وهتفت: آه، أنا عندي الذاكرة عندي بعافية شوية.
رامي: طب كنتي جاية ليه، كنتي جاية علشان كدا.
هزت رأسها بنفي وأردفت: لا مش علشان كدا، بس بص يا رامي أنا عارفة إني غلطانة إني بفتح الكلام دا هنا في المصنع بس حقيقي مش قادرة أسكت وأنا دلوقتي متشجعة.
قطب مابين حاجبيه وهتف: كلام إيه مش فاهم، قولي.
أخذت نفس طويل وهتفت: بص يا رامي أنا عرفت مين هي البنت اللي انت حكتلي عنها امبارح واللي بينك وبينها ألف سد، وعرفت إيه هو السد كمان، وأنا استحالة اسمح لنفسي إني أكون عائق بين اتنين بيحبوا بعض، فالو سمحت طلقني وروح اتجوزها وكدا يبقى السد اتهد.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة مهزوزة ضعيفة، فهتف رامي: هي مين دي اللي هاطلقك علشانها وسد إيه.
هتفت سريعاً وباندفاع: هايدي، أنا عرفت إنك بتحبها وهي بتحبك، والحمد لله نور بصيرتي، وعرفت إن أنا السد اللي بينكوا، ف أنا بقولك طلقني واتجوزها، اتجوز اللي عشت ليالي أتعذب في حبها، متحاولش تنكر علشان خاطري أنا مش زعلانة.
ضحك بكل صوته وهتف: أنا وهايدي، طب إزاي، مين الحمار اللي قالك كدا، أنا عمري ما حبيت هايدي ولا فكرت فيها أصلاً.
هتفت بنبرة منفعلة: كداب، سامي صاحبك قالي كدا.
احتدمت عيناه بغضب: سامي تاني، هو أنا مش قولت مية مرة بلاش سامي يا شهد.
هتفت بعصبية وأعين دامعة: انت بتزعقلي ليه، هو اللي ناداني وكلمني وقالي إن مقفش في طريقكوا وإنك بتحبها.
مد يديه ومسح تلك الدموع المتساقطة من عينها وهتف: طب انتي عاوزة إيه أكتر من إني أقولك إني عمري ما حبتها وسامي كداب، أو يمكن يقصد إن هي بتحبني، مش عارف هو نيته كانت إيه، بس مش هي دي يا شهد اللي قولتلك عليها، اللي قولتلك عليها قريبة مني أوي بس عندها تخلف مبتفهمش.
هتفت بنبرة يتخللها السعادة حاولت إخفائها: يعني هايدي مش حبيبتك، أحسن أصل لسه عاملة مصيبة وخفت منك.
حاوط خصرها بيديه وهتف بهدوء: امممم، عملتي إيه قولي؟
هزت كتفيها باللامبالاة وهتفت: معملتش والله، سامي قالي إنها السبب في اللي حكته شيماء وإنها عملت كدا بدافع الحب، فقمت اتضايقت، مش مبرر تسوء سمعتي علشان بتحبك، اتعصبت وروحتلها وضايقتها وقولتلها إني مراتك.
داعب وجنتيها بأصابعه: طب فين بقى الغلط في كدا، تخافي مني ليه.
شهد: علشان قولتلها إني مراتك يعني وضايقتها، أنا اتخيلت إنك تزعل مني علشان رخمت عليها.
هز رأسه بنفي وهتف بحب: لا أنا أزعل من أي حد يزعلك إنتي.
ابتسمت بسعادة، ولكنها سرعان ما تلاشت ابتسامتها وهتفت: قصدك إيه إنك تزعل من أي حد يزعلني.
ابتعد عنها وهو يعود لعمله ويتصنع اللامبالاة: مش قصدي حاجة، روحي يالا شوفي شغلك يا هانم.
صمتت قليلاً وبقت تراقبه بتركيز حتى زفرت بخفوت من غموضه وتحركت صوب الباب ولكنها توقفت واستدارت تهتف بتساؤل: رامي بما إنك مش راضي تقولي مين حبيبتك، قولي أول حرف من اسمها إيه.
ساد الصمت بالغرفة بعد سؤالها المفاجئ، حتى قطعه رامي بقوله: أول حرف من اسمها ش.
شهد: ش؟
أومأ وهو يمسك سماعة الهاتف ويطلب رقماً: آه ويالا بقى ورايا شغل.
خرجت من الغرفة، وهي تقف بصدمة وتهتف لنفسها: ش، قصده إيه بـ شين دي، معقولة تكون ش شهد مش معقولة ليه، نهار أسود يعني اللي بحس بيه طلع صح، رامي بيحبني، آه قلبي مش قادرة... رامي بيحبني ش شهد، ش شهد...
وضعت يديها على قلبها تهتف بسعادة: آه اهدا اهدا، يالهوي قلبي هاينط من مكانه، قلبي وعقلي، هاتموتني يا رامي.
بينما كانت هي في سعادتها، كان هو يتنفس بسرعة داخل مكتبه لاعترافه البسيط بنطق أول حرف لاسمها.
زادت ضربات قلبه وهتف لنفسه: مش هاتسكتي إلا لما أصرخ بعلو صوتي وأقولك بحبك علشان أخلص من غبائك.
تنهد بنفاذ صبر وأمسك الهاتف مجدداً وضغط على رقم هاتفها بقوة: أيوه يابني ابعتلي البنت اللي اسمها شيماء دي، آه آه هي، بتعمل إيه عند أنسة هايدي، طب أقفل.
أغلق الهاتف وأردف: آه دا كلام شهد صح بقى، ماشي لو صح انتوا الاتنين هاتكونوا برا.
تحرك صوب الخارج وهو ينوي على معاقبة من يمس بها بسوء.
وصل أمام غرفتها أمسك المقبض اكتشف أن باب الغرفة مفتوح قليلاً، ابتسم بمكر لحسن حظه وفي نفس الوقت سوء حظهم.
اقترب أكثر واستمع.
شيماء: مش أنا قولتلك يا مس هايدي هي مراته فعلاً، حرقته وهو بيتكلم، أكدت كدا.
هتفت هايدي بحقد: والله لاوديها في ستين داهية، بقولك إيه خدي السلسلة الصغيرة دي وقولي إنك عملتي جمعية واشتريتها، ووريها للكل، وبعد بكرة حطيها في شنطتها وبعد كدا صوتي وقولي إنها اتسرقت وسيبي الباقي عليا.
قاطعهم دخول رامي المفاجئ وهو يرمقهم بغضب وهو يهتف بحدة: لا الباقي عليا أنا.
تطلعت إليه هايدي بصدمة شديدة وهتفت بتلعثم: رامي.
وقف بثقة وهو يضع كفيه في جيوبه ويرمقها باستنكار: آه رامي اللي كنتي عاوزة تسجني مراته وتتهميها زور.
توترت وتنقلت ببصرها بين رامي وشيماء حتى هتفت بارتباك: رامي أنااا، انت فهمت غلط أنا مكنتش يعني.
أشار إليها أن تصمت موجهاً حديثه لشيماء الواقفة توزع نظرها بين هايدي ورامي بخوف قائلاً بحدة خفيفة: أنا أول مرة اديتك فرصة علشان تاكلي عيش، لكن المرة دي لا مفيش فرص، روحي الحسابات يالا خدي بقية فلوسك ومع السلامة.
أومأت دون التحدث وخرجت تحت أنظار رامي الغاضبة.
وما إن خرجت حول بصره نحو هايدي فشعرت بأن عينه ترسل لها أسهم محملة بشعلة من النار ويرسلها لجسدها بقوة تحرقها، ألمتها نظراته تلك، فبكت مستعطفة إياه: رامي والله غصب عني، أنا آسفة، أنا عملت كدا علشان بحبك وهي هاتخدك مني، عملت كدا علشان ادافع عن حبي ليك.
هتف بعصبية مفرطة: انهي حب دا يا محترمة اللي بتتكلمي عنه، امتى حسيتي بالحب دا، أنا مافيش مرة اتعديت حدودي معاكي، مفتكرش أصلاً مرة هزرت معاكي، وبعدين انهي حب دا اللي يخليكي تأذي حد، دا مش حب دا تملك، وأنا أبعد ما يكون حد يمتلكني، ولمعلوماتك بس شهد فعلاً مراتي، وأنا بحذرك يا هايدي لآخر مرة اياكي ثم اياكي تفكري تيجي جنبها بس، ولو سمحتي لمي متعلقاتك وكل حاجة ليكي وياريت متجيش المصنع ولا حتى تدي دروس لحمزة، مستغني عن خدماتك، أنا هاحترم إنك قريبة صاحبي ومش هاخد ضدك أي إجراءات.
خرج من الغرفة مغلقاً الباب خلفه بقوة، بينما هي جلست تبكي على تحطم آمالها وأحلامها، بقراراته تلك لقد قطع كل الطرق للوصول إليه.
تحرك في مكتبه ذهاباً وإياباً بغضب، اليوم سوف ينهي كل شيء ممكن أن يعوق علاقته بمحبوبته.
دلف سامي للغرفة.
سامي: في إيه يا رامي، هايدي بتعيط وبتقول إنك طردتها من الشغل.
هتف ببرود: غلطت وجت على أقرب حد ليا ومفكراني إني هاعديها، أخدت جزائها ومشيت، في حاجة.
عقد حاجبيه وهتف: في إيه يا رامي، مالك بتكلمني كدا ليه؟
اقترب منه رامي ووقف أمامه بثقة مردفاً بحدة خفيفة: انت عاوز إيه من شهد يا سامي، مالك في إيه بتلعب على الناحيتين ليه، شوية تقولها إني بحب هايدي، وشوية تقولي إنها بتحبك، في إيه مالك يا صاحبي، ليه بتعمل كدا، ليه اتغيرت وبقيت تتصرف تصرفات غريبة، أنا سايبك بمزاجي يا سامي، سايبك تخبط هنا وهناك براحتك، بس أنا حقيقي وصلت لمرحلة مبقتش عارف ولا أديلك عذر، ولو حتى عارف إني أقول معلش استحمل دا صاحبك الوحيد.
عاوز إيه من شهد يا سامي.
رواية شهد الحياه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم زيزي محمد
انتبهوا على صوت كريمة الحاد:
شوفي بقا يا ليلى انا جبتلك مين انهاردا مفاجأة.
نظروا جميعا لتلك المرأة الواقفة بجانب كريمة. نهضت ليلى بخوف وهي تنظر لها وتهتف بارتباك واضح على ملامحها:
ام زكريااااااا..
رمقه كريم بعد فهم واردف بقوة:
ام زكريا!!!، ام زكريا ايه يا ليلى انتي مش قولتلي انها جارتك.
نظرت له ليلى بأعين دامعة، وهتفت بارتباك:
ما..ماهو هي...
التوى فم مديحة بسخرية وهتفت:
براحة عليها يا دكتور اصلها هاطب ساكتة من الخوف.
اندفع كريم نحوها بغضب وقال:
انتي مين سمحلك تدخلي بيتي وتتكلمي فيه يا بتاعة انتي، امشي اطلعي برا.
هتفت بمكر كعادتها واشارت له ان يهدأ:
اهدا على نفسك شوية يا دكتور، طب هي حقها تخاف، انت بقى لامؤاخذة تخاف ليه...، وبعدين انا جاية للراجل الكبرة دا، جايله اعرفه هو عايش مع مين لامؤاخذة وفاكرها ملاك بجناحين.
هتف كريم بنبرة بتوعد:
امشي اطلعي برا بقولك، اصل واقسم بالله اوديكي في ستين داهية.
اخيرا تحدث جمال بنبرة شبه هادئة:
بس يا كريم سيبها تتكلم، قولي اللي انتي عاوزاة...
اتسعت أعين ليلى بخوف حقيقي وتسارعت ضربات قلبها، جلست مكانها لم تعد ساقيها تتحملها اكثر من ذلك، بينما هو وزع نظره بين مديحة ووالده وليلى، شعر بانه في ارض ضائعة وان ذلك السر سوف يُعرف لا محال حتى يستطيع النجاة هو وليلى.
جلست كريمة بجانب جمال تبتسم بمكر، ومديحة وقفت تنظر بسخرية لليلى، فحولت بصرها لجمال وقالت:
يابيه ليلى دي كانت مخطوبة لابني وكنت دايما بشك في سلوكها لامؤاخذة بس ابني طيب اوي، زي ابن حضرتك كدا هي بتقدر تسحرلهم بتغويهم لامؤاخذة، حضرتها ماشية من الحارة بفضيحة كبيرة اوي، راجعة في اخر الليل وواحد غلط معاها ولما ابني عرف وبهدلها ابوها ماات بقهرته على بنته الوحيدة اللي حطت راسه في الوحل ، فمات ياعيني، ضحكت على ابنك الدكتور واتجوزته، ولما جيت اقولها سيبي الدكتور في حاله وبلاش تدمريه زي ما دمرتي ابني، قالتلي هو عارف كل حاجة وكانت عاوزة تدفعلي فلوس علشان اسكت ومنبهكوش بس انا ضميري حي يا بيه.
تعالت شهقاتها وبكت بكاء مرير وهتفت بانكسار:
حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، انتي عارفة كويس ان هو اغتصبني ومكنش برضايا، ليه بتعملي فيا كدا.
فهتفت كريمة بجانب اذن جمال بخبث:
شفت طلعت مش بنت وابنك جايب واحدة مغتصبة وبيضحك عليك...
صُدم جمال مما سمع ونظر لكريم وجده يطأطأ رأسه فهتف:
الكلام دا صحيح يا كريم، رد عليا صحيح ولا لأ.
هز رأسه بضعف وهتف بخفوت:
لا مش صحيح..
شهقت مديحة بصدمة وهتفت:
جرا ايه يا دكتور انت هاتكدب ولا ايه، لا صح وحصلها كدا...
نهض كريم بغضب ونظر لها بشر وهتف بنبرة اشبه بالصراخ:
لا مش كدا مش حصل، ليلى سليمة زي ماهي، ليلى زي ماهي محدش عمل فيها حاجة.
ضحكت مديحة بسخرية:
شوفوا يا ناس الدكتور بيضحك على عقولنا فاكرنا ناس صغيرة.
نهضت ليلى ورمقتها بكره، ثم حولت بصرها لجمال:
اه انا حصلي كدا وكريم بيكدب علشان خايف على مشاعري، بس انا بواجهه ومش عندي حاجة اخاف منها، اه انا في واحد اغتصبني...
قالت جملتها الاخيرة بنبرة ضعيفة ومهزوزة للغاية، فبتر كريم حديثها بعصبية مفرطة:
لا يا ليلى انتي لسه بنت زي مانتي وتقدري تروحي تكشفي عند اي دكتور دلوقتي هايأكد كلامي، مش حصلك حاجة وانا اللي الفت دا كله من دماغي علشان افوز بيكي واتجوزك..
قال حديثه بنفس واحد وبعد ان انهى تنفس بصوت عالي، فنظرت له ليلى بشك فاخفض بصره للاسفل يتفادا النظر بعينها.
فاقتربت منه بخطوات بطيئة وكانها لا تريد تصديق ما قاله لتو، امسكت يداه بيد وباليد الاخرى رفعت بها وجهه وهتفت بنبرة شبه باكية:
مش ضروري تكذب علشاني، انا عرفت وفهمت غلطي واست....
بتر جملتها وهتف بنفي:
لا يا ليلى اللي بقوله هو دا الصح، انتي كنتي جاية يومها فعلا لبسك متقطع وفي علامات في جسمك بدل على اغتصاب واغتصاب وحشي كمان، بداية الامر اتكهنا اللي حصل، فالما جيت اكشف عليكي كان عندك نزيف وكنتي لسه بنت وسليمة ففهمت ووقتها انه جالك نزيف من الخوف، انا مش عارف هو سابك ليه وقتها، يمكن حصل حاجة خوفته، او النزيف نفسه خوفه، او يمكن العناية الالهية حفظتك، بس انتي لسه بنت وسليمة، وقتها فرحت جدا بس في عز فرحتي حاجة قالتلي اقول انك اغتصبتي، بس والله كل الي في بالي وقتها هو خطيبك كنت عاوزك تسبيه باي طريقة واتجوزك، مكنتش عارف ان دا كله هايحصل....
شعرت بالدوار لكم الصدمات، ترنحت قليلا فامسكها بسرعه، ابتعدت عنه وهتفت ببكاء:
انت!، انت يا كريم انت تعمل فيا كدا، انت تعيشني في الوهم دا، انت خليت ابويا يموت بسببي، خلتني افقد اعز ما ليا، انت دمرتني، انت ازاي قدرت تكدب وتعمل كدا، انت أمر من اللي حاول يغتصبني، انت زيك زيه بالظبط، انت حيييييييييييييييوان.
قالت جملتها الاخيرة بصراخ، بقلب مجروح، باعين تفيض من الدمع على صدمة حبيب خائن حبيب اعتبرته ملاك وهو في الاصل شيطان!، هتف سريعا وباندفاع وبنبرة كلها رجاء:
ارجوكي يا ليلى، افهميني انا حبيتك، حبي كان دافع يخليني اعمل كدا، انا مكنتش هاستحمل ابقى اعيش من غيرك، كنت عاوزك ملكي مراتي على اسمي، انا مكنتش مدرك وقتها انه كان هاياذيكي صدقيني كنت هاعترفلك بس الامور مشيت عكسي في كل حاجة ......
اتسعت اعين مديحة من اعتراف كريم، فانسحبت للخلف بعدما رأت كريمة وهي تنحني بجذعها الاعلى نحو جمال وتقوم بتدليك قلبه بخوف، لم تعرف الى الان كيف وصلت الى الباب، فتحته وهربت في ثواني في ظل انشغالهم.....
كريمة بخوف:
مالك يا جمال اهدى يا خويا، اهدى ابوس ايدك...
حاول جمال ابعادها عنه وهتف بتعب:
اه، ابعدي عني، كسرتي قلبهم يا كريمة، انا مش مسامحك...
جثت على ركبتيها، مسكت يداه وطبعت قبلة فوقها وهتفت برجاء:
لا يا جمال انا مقدرش على زعلك مني كله الا انت، بالله عليك ما تزعل مني....
لم يعيطها رد، رفعت بصرها وجدته يميل رأسه ناحية اليمين وفاقد الوعي، حركته بسرعة وهي تهتف بقلق:
جمال مالك يا اخويا، رد عليا، يالهوي الحقني يا كريم...
اسرع كريم اليها وفحص والده وجده نبضه ضعيف للغاية هتف بنبرة قلقة يتخللها خوف:
بابا لا خليك معايا، تليفوني فين، اسعاف ضروري ....
اندفع صوب غرفته، بينما دفنت كريمة وجهها بين راحتيها وتبكي بندم:
فوق يا جمال حقك عليا انت الي باقيلى في الدنيا دي...
وقفت تتابع الموقف بصمت وعيناها تفيض بالدموع تمزق قلبها لرؤيته وذكرها بحالة والدها، ابتسمت بسخرية للقدر كريم وضعها في ذلك الموقف بارداته والان هو يعيش الخوف من فقدان والده، حركت بصرها بين كريمة الباكية وجمال الفاقد للوعي، سمعت صوت كريم يستعجل سيارة الاسعاف، التفت للوراء تتفقد مديحة ووجدت الباب مفتوح على مصرعيه، جذبت هاتفها وخرجت من المنزل بسرعة ولا تعرف الي اين تذهب...ولكن ذلك المجهول ارحم من معلوم قاسي.
بمنزل زكريا ...
يوووة يا سلمى حتى الاكل مش عاوزة تاكلي.
نظرت له بأعين منتفخة من كثرة البكاء وهتفت بصوت مبحوح:
مش عاوزاة آكل، شيلو من قدامي.
مد يده ولمس وجنتيها بحنان وهتف بصوت حاني:
طب واخرتها يا سلمى ...
ابتعدت بوجهها قليلا عنه وهتفت بحزن:
اخرتها هاموت انا واللي في بطني.
زكريا بعتاب:
ليه كدا يا سلمى، ينفع تقولي الكلام دا، استغفري ربنا بقى ..
نظرت له بغضب واردفت:
الموت عندي راحة منك ومن امك، استغفر ربنا ايه من امتى وانت مؤمن كدا يا زكريا انا متهايلي لو فتحوا قلبك انت وامك مش هايلاقوا فيه ذرة طيبة او حنان، ربنا مسحوا من قلبكوا.
رفع حاجبيه بصدمة من حديثها واردف:
انتي مجنونة يا سلمى ايه الكلام دا، انا عاملتك وحش فين، وامي كمان من وقت موت امك وهي بتعاملك حلو وبتعملك اكل حلو وبتهتم بيكي.
ضحكت بتهكم:
الطيبة بتبان في العيون، ان انسان يحبك او يكرهك بتبان من نظرته ليك من همسته من اقل حركة بيعملها، مفيش انسان غبي يا زكريا، وانا مش غبية وفاهمة كويس اوي اللي حواليا، انت بتوهمني بالحب، لكن في الحقيقة انت شايفني جسم وبس وشكل حلو بتباهى بيه قدام الناس علشان تقول ليلى خانتني فانا اخدت اللي احسن منها واللي عندها السكر فقوم اتفرعن عليها، انت بتوهم نفسك بالحب بس انت عمرك ما حبيت ولا قلبك دا دق للحب لان قلبك كله سواد وكره وقلبك دا نسخة مصغرة من قلب امك.
انتفض واقفا بغضب، ثم خرج من الغرفة مغلقا الباب خلفه بقوة ، فحدقت في اثره وغمغمت:
مكرهتش في حياتي قدك انت وامك.
بمنزل رامي.....
وضعت الشاي على المنضدة وجلست بجانبه وهو يتابع قراءة الملفات التي بيده بتركيز، ترددت كثيرا في قولها ولكنها جازفت وتحدثت بتلعثم:
رامي ممكن اتكلم معاك.
رفع بصره لها، انتبهت لنظارته الطبية ابتسمت ببلاهة فتلك العوينات وعلى الرغم من انها طبية الا انها زداته وسامة، وكأن ذلك الزجاج هو نافذتها وتشاهد منه العشب الاخضر الصافي في عينه، استفاقت على تحريكه للقلم على وجنتيها وتلك الابتسامة الماكرة تلوح على ثغره ، تنحنحت بحرج، وهتفت بتوتر:
اا، كنت عاوزة اقولك يعني انا نفسي اكمل تعليمي اوي، هو ينفع ولا لأ.
وضع يديه على عويناته لخلعها ولكن يديها منعته من ذلك، وهتفت بتوتر:
لا سيبها ليه بتخلعها.
وضعها جانبا وهتف بوقاحة غير معهودة منه:
علشان تشوفي عيني احسن من غير النضارة.
انهى حديثه بغمزة من عنيه، سعلت بشدة، وارتبكت فامسكت كوب الشاي وارتشفت رشفة كبيرة منه ولكنها سرعان ما وضعته جانبا ووقفت تقفز كالمجنونة:
اه، سخن، اه، يالهوي لساني اتحرق.
جلس بأريحية وهو يتابعها بتسلية ويقسم بداخله على معاقبتها على افعالها من قبل، نظرت له وجدته يبتسم بتسلية، شعرت بالضيق منه فعادت لطبيعتها فورا وانحنت بجذعها الاعلى وهي تشير بسبابتها في وجهه وتهتف بعبوس:
انت بتضحك عليا يا رامي انتي شايفني مهزقة ولا ايه.
جذبها بسرعة واجلسها على ساقيه، فارتبكت لوضعها ذلك حاولت القيام، ولكنه مانعها وهتف بعبث:
ايه يا شوشو مالك متوترة كدا ليه؟!، الدنيا حلوة يا قلبي.
نظرت له وهتفت بتساؤل:
قلبك؟!
فابتسم بحب وهو يدفن وجهه في عنقها ويهتف بحب:
طبعا قلبي...بس اختي.
دفعته مرة واحدة وهتفت بعصبية مفرطة:
على فكرة بقى انت رخم موت.
ادعى انه ينهض ورسم على وجهه علامات الغضب ببراعة، فركضت بسرعة الي غرفتها، تغلق الباب خلفها وهي تهتف بغضب طفولي:
بردوا معرفتش تمسكني.
اما عند ليلى .
ظلت تسير بين الطرقات بخطوات بطيئة، ووجهٍ باكي، وجسدٍ متعب منهك، لم تعلم اين وجهتها حتى الان، ولكنها تسير ويمر امام عيناها شريط حياتها ببط حادثة الاغتصاب ووفاة والدها، ضرب زكريا لها، حديث مديحة اللاذع، زواجها من كريم، طيبة جمال، كره كريمة لها، لحظاتها البسيطة مع كريم، وقفت فاجأة وهي تضرب قلبها بقوة عندما تذكرت تبا لك يا قلبي، لماذا عشقته!!!، استفاقت على يد سيدة عجوز وهي تهتف بقلق:
مالك يابنتي، اقدر اساعدك بحاجة.
هتفت بنبرة باكية:
لا متقدريش للاسف.
طيب يا بنتي اهلك فين تعالي قوليلي عنوانك وروحيلهم.
هتفت ببكاء مرير على فقدان الاهل و كل شئ:
معنديش ماتوا.
طيب ولا زوج ولا صاحبة ولا جار...
ليلى:
لا معنديش بردو...
بترت جملتها عندما تذكرت شهد، اخرجت هاتفها وضغطت على الهاتف باصابع مترددة، بينما نظرت لها السيدة بتمعن وظلت تراقب حركاتها الفوضوية تلك.
بمنزل زكريا...
أغلقت على نفسها الغرفة جيدا وظلت تدور حول نفسها وهي تهتف بحيرة:
يالهوي يعني ليلى طلعت بنت، والدكتور دا طلع بيحبها وعمل كدا...
ولكنها ابتسمت بشر:
بس بردوا بوظت حياتها، عقبالك بقى يامرات ابني.
بالمشفى ...
للاسف يا دكتور، والدك القلب اتوقف ومقدرناش نسعفه انا اسف البقاء لله.
استمع لتلك الكلمات، وتجاهل حديث الطبيب وهتف بلهفة:
لا اوع كدا انا هادخله وهاقدر اسعفه.
اوقفه الطبيب هاتفا بنبرة حزينة:
اهدأ يا كريم الاعماار بيد الله وهو عمره كدا، دا امر الله ونفذ.
هتف كريم بصراخ:
اوع بقولك ابويا مش هايموت كدا.
ترنحت كريمة بوقفتها وهتفت ببكاء:
اخويا مات، الاخ اللي حيلتي مات، كلهم سابوني وماتوا.
التفت اليها كريم بأعين تبث من شرارت الغضب وهتف بصراخ:
انتي السبب، انتي السبب موتيه وهو زعلان مني، انا طول عمري بكرهك، بس دلوقتي نفسي اقتلك، خسرتيني ابويا ومراتي وكل حياتي، اتبسطتي يا كريمة، اتبسطتي ولا لأ.
ابتعدت عدة خطوات للخلف، وهتفت ببكاء:
والله ما قصدي يابني.
اختصر المسافات بينهم بخطوة واحدة وامسكها وهو يهزها بعنف:
انا مش ابنك، ولا حتى تقربيلي، ابعدي عني انا بكرهك، انتي السبب في موته، مسكتيش الا لما بعدتيني عنهم، ليه عملت فيكي ايه.
ابعده الطبيب عن كريمة واردف:
كريم اهدأ بقى ، مينفعش كدا المستشفى كلها بتتفرج عليك، ادخل لوالدك محتاجك.
ظل صدره يعلو ويهبط بسرعة، وبصره معلق بكريمة وهو ينظر لها بكره عما فعلته، حركه الطبيب نحو غرفة والدة...
منزل رامي..
طرق على الباب للمرة العاشرة وهو يهتف بضيق:
يابنتي افتحي بقى، عاوز البس واخرج.
هتفت من خلف الباب بحنق:
لا مش فاتحة انت عاوز تدخل تنتقم مني.
هتف في سره:
واقسم بالله انا غلطت غلطة عمري ان حبيتها دي هبلة ولا ايه.
طرق مرة اخرى بعصبية:
يا شهد انا خلقي ضيق والله، افتحي احسنلك.
شهد:
طب هاتعملي حاجة؟؟
رامي:
هو انا عيل علشان العب معاكي، افتحي بقى ..
فتحت الباب بحذر وانطلقت صوب السرير ووقفت عليه وهي تمسك الوسادة كحماية لها، دلف للغرفة وجدها على حالتها تلك، ابتسم وهتف بسخرية:
والله هبلة
تجاهلها واتجه صوب الخزانى واخرج ثيابه بينما قطبت مابين حاجبيها بتعجب:
ايه دا، ايه البرود دا.
رن هاتفها التقطته بسرعة وجدت رقم ليلى، دعكت عيناها بسرعة لعدم تصديقها، اغلقتهم وفتحتهم مرة اخرى، اجابت:
الو ..
اتاها صوت ليلى الباكي:
شهد.
شهد بقلق:
ليلى مالك في ايه، بتعيطي ليه؟!..
ليلى بحزن:
محتاجكي اوي يا شهد، اوي.
شهد باندفاع:
قوليلي انتي فين وانا اجيلك.
ليلى:
انا في .....
شهد:
طيب انا هاجيلك اوعي تتحركي.
رفعت بصرها وتحركت نحو رامي وهتفت بسرعة:
رامي، ليلى بتعيط جامد ومحتاجني.
رامي ببرود:
طب واعمل ايه؟!
شهد:
وديني عندها اروح اشوفها مالها.
التفت اليها رامي وهتف بضيق:
مش ليلى دي اللي قست عليكي وظلمتك بمجرد عياطها انتي عاوزاة تروحيلها.
شهد:
رامي دي صاحبة عمري وحصل سوء تفاهم ما بينا، وبيحصل بين الاخوات اللي امر من كدا وبيقفوا جنب بعض، لو مش عاوز تروح معايا انا هاروح لوحدي.
رامي:
خلاص يا شهد انا اصلا مش هاخلص منك يالا خلي حمزة يصحى ولبسيه خلينا نروح لصاحبتك.
اعطتها العجوز زجاجة مياه واجلستها بالكشك الصغير الذي تسترزق منه، هتفت السيدة بتساؤل:
صاحبتك جاية يا بنتي.
اؤمات بضعف، فهتف العجوز بقلق:
طب انتي كويسة يابنتي دلوقتي..
هزت راسها بنفي وهتفت بصوت ضعيف للغاية:
لا مش كويسة والظاهر عمري ما هابقى كويسة انا مش عارفة الدنيا جاية عليا كدا ليه، انا مبقتش قادرة استحمل والله.
ربتت العجوز على يد ليلى بحنو واردفت:
بصي يابنتي الدنيا بتيجي على الضعيف والقوي على الغني والفقير، ميغركيش وشوش الناس اللي ماشية بتضحك دي، ولا الناس اللي سايقة عربيتها وعايشين حياتهم، كل واحد فيهم عنده علة عنده حاجة منغصة عليه حياته، كل واحد شايف الي خناقه هو اصعب حاجة، اللي انتي فيه مش اصعب حاجة ولا نهاية الدنيا، والدنيا مليانة صعوبات كتيرة اوي هاتمري بيها اقوي كدا وخدي الصدمة واقعي واتعلمي ازاي تقومي من تاني علشان تعافري وتكملي.
ليلى:
طب ولو عشتي صدمة كبيرة اوي، وجه حد اخد بايدك و قواكي جامد، وغير حياتك من الحزن والالم للسعادة، وتحبيه وتعشقيه وتشكري ربنا انه بعته ليكي وان دي احلى هدية وتعويض عن اللي حصلك، وفاجأة ومن غير مقدمات تكتشفي انه سبب الصدمة دي وهو السبب في تدمير حياتك، هاتعملي ايه هاتبقي قوية ولا هاتضعفي.
العجوز:
مش قادرة احكم علشان معشتش، انا معرفش هو كان بيحبك ولا بيكرهك ولا انتي خيالك اقنعك انه بيحبك، ومعرفش الصدمة درجتها ايه يابنتي، بس كل اللي بقولهولك انك اضعفي و اقعي، اصل الواحد يابنتي مننا مش مخلوق انسان قوي ومكمل كدا، بالعكس احنا الصدمات بتجيلنا علشان نضعف ونقوم تاني على رجلينا ونكمل، اهدى كدا واحكمي الامور بعقلك صح، واوعي تاخدي قرارات في وقت انهيار علشان متندميش عليها، واوعي تهربي واجههي وربك هايعينك ويقويكي على اللي فيكي.
ليلى:
يارب...
نظرت للطريق مرة اخرى وجدت سيارة تقف امامهم وتهبط منها شهد مهرولة بقلق، اندفعت ليلى نحو شهد وعانقتها بقوة وبكت، فهتفت شهد بقلق:
في ايه مالك، طب قوليلي طمني قلبي.
ليلى:
انا اسفة يا شهد ظلمتك، ولما احتاجتك جتيلي في ثواني، انا اسفة.
شهد:
متقوليش كدا انتي اختي وان شاء الله اللي بينا يروح لحاله، مالك يا ليلى.
ابتعدت ليلي عنها وهتفت ببكاء:
انا اتدمرت لتاني مرة يا شهد، طلع هو السبب في كل حاجة.
شهد:
طب اهدي كدا وتعالي نركب وتحكيلي على كل حاجة.
بالمشفى.
جلس بجانب والده يقرأ القران الكريم بنبرة مهزوزة، سمع طرق الباب، دلف الطبيب واخبره بانه يريده لانهاء اجراءات الدفن، خرج الطبيب واغلق الباب خلفه، فحول كريم بصره لوالده، مد يديه المرتعشة ورفع الملاءة من على وجه جمال، فسرت رجفة في جسد كريم، امتلئت عيناه بالدموع، حاول حبسها بمقلتيه ولكنها رفضت وهبطت كالشلالات هتف ببكاء:
بابا انا اسف، انت دلوقتي كرهتني صح، طب انت مت وانت مش راضي عني، انا قلبي واجعني عليك اوي انت كنت كل حياتي، عوضتني عن موت امي وعوضتني عن حاجات كتير، كنت بالنسبالي السند وكل حاجة، انا كنت بتخيل اليوم اللي هاتموت فيه، كنت بتخنق مكنتش قادر استحمل افكر ازاي ممكن اعيش من غيرك، دلوقتي انت مت وانت مش راضي عني، طب اراضيك ازاي، طب اعمل ايه، انت حاسس بيا حاسس بابنك، بابا انا والله عملت كدا غصب عني انا غلطت بس انا مش عارف ايه حصل ولا انا عقلي كان فين، انت سبتني في اكتر وقت محتاجكك فيه، انا مش هاقدر اعيش من غيرك، لساني مش هايقدر يبطل كلمة بابا، سامحني كان غصب عني والله، اهو انت سبتني وهي سابتني، هاعيشازاي من غيركو.، هاعيش ازاي بس .
بمنزل رامي ..
جلست بغرفة شهد السابقة، ابدلت ملابسها، دلفت شهد وعلى وجهها ابتسامة عريضة وبيدها طبق ملئ بالسندوتشاات، جلست مقابلها وقالت:
يالا بقى كلي الاكل دا كله علشان نعرف نتكلم.
هزت رأسها برفض وهتفت:
لا مش عاوزة ارجوكي يا شهد تعبانة ..
تنهدت شهد واردف:
مالك يا ليلى، احكيلي يا قلبي وريحي بالك شوية، حصل ايه..
عادت للبكاء من جديد واخفضت بصرها:
انا مش قادرة ابص في وشك بعد ظلمي ليكي.
مدت يديها ورفعت وجهها وهتفت بحنو:
لا اتكلمي وبصي وانسي اللي فات، ياما بيحصل بين الاخوات، وبعد كدا النفوس بتتراضا وانتي اكتر من اختي.
ليلى:
كنتي انتي اخر امل ليا بعد ما بقيت في الشارع، ربنا يخليكي ليا، انا بس هاقضي الليل هنا وبكرة انزل وادورلي على مكان.
هتفت شهد بعتاب:
اخص عليكي، ليل ايه اللي تقضيه انت هاتقعدي معايا هنا، دا بيت خالتي واللي شوفتيه معايا دا يبقى ابن خالتي والصغنن الي معانا دا بقى ابنه حمزة.
ليلى:
و مراته فين زمانها مضايقة دلوقتي من وجودي.
هتفت شهد بمزاح:
قدامك اهي ولا زعلانة ولا مضايقة بالعكس فرحانة جدا والدنيا مش سايعها.
قطبت ما بين حاجبيها بعدم فهم ولكنها سرعان ما ادركت، ابتسمت بسعادة:
انتي اتجوزتي يا شهد، بجد ...
اؤمات شهد وهتفت:
اه اتجوزت رامي، ايه رايك شبه بتوع الروايات صح.
ابتسمت ليلى بحزن عندما تذكرت كريم:
وانا كمان اتجوزت يا شهد وقصتي تتعمل افلام ورواياات، بس يارب روايتك تبقى اسعد من روايتي.
شهد:
طب احكيلي وريحي قلبي..
ليلى:
هاحكيلك على كل حاجة...
رواية شهد الحياه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم زيزي محمد
انتهت من سردها، ولكن لم تنتهي من بكائها.
ربتت شهد على يديها وهتفت بأعين دامعة: معلش يا حبيبتي، اهدي واحتسبي دا كله عند ربنا، والله يا ليلى ربنا هايعوضك خير.
ليلى ببكاء: أنا بس زعلانة على قلبي اللي عشق واحد زيه، هاقدر أطلع حبه من قلبي يا شهد؟
شهد: مش عارفة والله يا ليلى، ادعي ربنا يوفقك ويبعد عنك الشر.
ليلى: هو بقى فيه شر أكتر من كدا، رسم كدبة وأنا شربتها وكان السبب في موت أبويا وفضحتي في الحارة وكرهي ليكي، حياتي ادمرت بسببه، ودا كله تحت مسمى الحب، حب إيه ده اللي فيه الأذية دي كلها؟
شهد: معلش يا حبيبتي حاولي تنسي، علشان تقدري تقاومي وبعدين الحمد لله أنتي سليمة والحاجة اللي كانت ممكن تكسرك بين الناس خلصتي منها، الحمد لله يا ليلى.
ليلى بحزن: الحمد لله على كل حال، بس والله يا شهد هو كسرني أمر من كسرتي يوم اغتصابي.
ربتت شهد على يديها وهتفت بصوت حزين: يا قلبي معلش إن شاء الله هاتعدي.
انتبهت شهد على صوت طرق الباب، فقالت: ليلى هقوم أشوف رامي يمكن عاوز حاجة.
ليلى: اعتذريله على الإزعاج اللي عملته.
شهد: لو قولتي كدا تاني هازعل منك، اتفقنا.
أومأت ليلى بضعف.
خرجت شهد من الغرفة وجدت رامي يقف يتكأ على الحائط ووجهه عابس، فهتفت بتساؤل: في إيه يا رامي؟
جذبها من مرفقها، وأدخلها غرفته، واردف بضيق: في إنك من وقت ما صاحبتك جت وأنتي في الأوضة ولا طلعتي ولا عبرتيني ولا أي حاجة.
شهد بحزن: معلش الكلام أخدنا شوية، حقك عليا.
اقترب منها وهتف بصوت حانٍ: مالك يا شهد زعلانة ليه؟ هي قالتلك حاجة زعلتك.
هزت رأسها بنفي وأردفت: لا مزعلتنيش، بس حكتلي اللي حصلها وزعلت عليها هي متستاهلش كدا أبداً.
أجلسها على طرف السرير وجلس هو مقابلها واردف: هو إيه اللي حصلها؟
شهد بدموع: اتجوزت الدكتور اللي كان بيحبها وبيموت فيها عرض عليها الجواز في تاني يوم موت عم أحمد وافقت وراحت معاه، قواها جامد وودها دكتورة نفسية تتعالج، وكان بيعاملها معاملة حلوة أوي، حبته وفتحت قلبها له، وشافته الضهر والسند، وفاجأة ومن غير مقدمات طلع هو كداب وقال حصلها اغتصاب وهي أصلاً سليمة، دمرلها حياتها وأبوها مات بسبب حسرته عليها، واتفضحت وأنا اتفضحت وبعدت عن أمي وأختي ودا كله بسبب الحب.
رامي: مش فاهم هو بيعمل كدا انتقام منها ولا إيه.
شهد: لا بيحبها عاوزها وعاوز يتجوزها، فلما جت في حالة شبه اعتداء عليها كدب الكدبة دي علشان خطيبها يسيبها ويتجوزها هو، يعني هو اللي عمله بيحطه تحت مسمى دافع الحب.
قطب رامي ما بين حاجبيه وهو يهتف بتعجب: هو الأيام دي الحب بقى له دوافع أذية، هو في إيه، الدكتور أذاها بسبب الحب، وهايدي حاولت تأذيكي بدافع الحب.
شعرت بالغيرة فهتفت بضيق: آه ماهي بتحبك فليها حق تأذيني.
ابتسم على غيرتها واردف: لا يا شهد مهما كان بردوا موصلش أن أذي اللي حواليا بسبب حبي لحد، لا دا كدا اسمه أنانية أو امتلاك.
فهتفت هي بشرود: أو يمكن عشق، عشقها مستحملش تبقى ملك حد تاني غيره.
"آن الأوان شهد الحياة أن تعرفي حبي لكي، آن الأوان أن تتذوقي عشقي."
فاقترب أكثر وداعب وجنتيها وهو يهتف بخفوت: لا طبعاً أنا أهو قدامك أكبر دليل، شوفتك من ٨ سنين حبيتك من أول نظرة، من أول نظرة يا شهد وأنتي خطفتي قلبي وطيرتي بيه، مبقاش ملكي، مش عارف فيكي إيه مختلف عن كل البنات اللي شوفتهم، نظرتك ليا لسة قدامي كأنها امبارح، ألوان هدومك، لون شعرك أخدت بالي منه من تحت الطرحة، كل حاجة فيكي لمحتها وحفظتها كأني ببصلك من سنين، كأن ربنا زرع حبك في قلبي وسابه يكبر يكبر يكبر لغاية ما امتلكتيه كله، كنت وقتها متجوز أميرة بس قلبي كان ليكي، كتمت حبي في قلبي سنين وسنين حتى بعد موتها كنت أقدر أجاي وأتجوزك بس بسبب وعد وعدته وقطعته عليا مقدرتش، بس ربنا كان رحيم بيا لما جيتي واتجوزتك وبقيتي قدامي في اللحظة دي يا شهد أنا مبقاش قادر أخبي مشاعري أكتر من كدا.
استمعت لكل كلمة، وقلبها يتراقص فرحاً، تورّدت وجنتيها، حاولت أبعاد عيناها عنه ولكنها فشلت، تعابير وجهه، صوته الخافت الحاني، عيناه الصافية.
اقترب أكثر وهتف بهمس أكثر: حقيقي أنا مش قادر، شهد أنا بحبك أوي، كلمة بحبك دي كلمة بسيطة على اللي بحسه من ناحيتك، لو في كلمة أكبر من العشق يبقى أنا أكيد وصلتلها ومن زمان، أنا مش عارف ولا أتكلم ولا أعبر عن اللي جوايا، بصي تعالي معايا.
أمسكها من يديها وأخذها نحو المكتب فتح الدرج المغلق، مشت معه كما المسحورة، المأخوذة بكم المشاعر التي أغدقها بها، وأخرج رسومات لها كثيرة، وأيضاً أوراق مدون بها اسمها شهد الحياة، امسكتهم بأعين دامعة وتنقلت بينهم، وهي تبتسم بسعادة.
رفعت بصرها، فتلاقت أعينهم في نظرة طويلة، سألته بخفوت ونبرة مترددة: معقول كل المشاعر دي ليا بقلبك يا رامي؟ معقول بتحبني كدا؟
رد رامي وهو يسترق قبلة رقيقة على ثغرها وانفاسه تلفحها: وأكتر والله يا شهدي، أكتر بكتير، أنا فعلاً مش قادر أوصفلك بتعملي بيا إيه.
ووضع يدها على قلبه وأكمل: بيبقى متلخبط وضرباته بتزيد بشكل مجنون وساعات بحسها اختفت تماماً كأنه وقف.
لمعت عيناه بفرحة غامرة وسعادة لا حد لها ورغبة بلا جماح، اضطربت انفاسه أكثر وأكثر وكالمغيب اقترب رويداً وأخذها في قبلة طويلة يبث فيها مدى حبه وعشقه لها، بادلته قبلته على استحياء، تمسك بها أكثر وهو يرفعها بين يديه، فحاوطته بيديها وتساقطت الأوراق والرسومات أرضاً، اتجه نحو السرير وهو ينوي بداخله أن يجعلها زوجته أمام الله.
فسكتت شهرزاد عن الكلام لشهرايار، وأصبحت شهد الحياة، شهد حياته، وأصبح الحلم حقيقة على أرض الواقع.
***
وبمنزل كريم.
جلس في منتصف المنزل ينظر بحزن لأرجائه، ينظر هنا وهناك، هنا كان يتحرك والده ويهتف باسمه، وهناك كانت ليلى مثل الفراشة، طبعت في كل مكان ذكرى لها وهو يراقبها في صمت.
الآن خسر كل شيء والده وحبيبته بسبب خطأ فادح اتخذه في غفلة من الشيطان.
نزلت دموعه بصمت، رفع وجهه للسماء وهتف: يعني أنا كدا بتعاقب على اللي عملته فيها، يعني زي ما أبوها مات وسابها وحيدة، اتعاقبت بنفس الطريقة وأبويا مات وسابني وحيد، بس أنا مكنتش أقصد، حتى هي سابتني وعدتني تفضل جنبي تحت أي ظرف، بس مستحملتش وسابتني، حقها تسيبني، طب هي راحت فين وعند مين، ملهاش حد غيري، يارب اقف جنبها ورجعها لي تاني.
تحرك نحو كرسي جمال وجثى على ركبتيه وتلمسه بطرف أصابعه، وهتف والدموع تتسابق مع الكلام: سامحني يا حبيبي، سامحني، يعز عليا أنك تموت وانت مش راضي عني، أنا اتكسرت من بعدك والله يا أبويا، موتك كسرني.
***
بمنزل رامي.
غفت ليلى بتعب، ولكن هناك زوجين من العشاق لم يغفلوا.
دفنت وجهها في الوسادة فاتكأ هو على ذراعه وهتف بعبث: شهد، ارفعي وشك.
رفعت وجهها المتورد خجلاً منه، وشعرها المبعثر حولها، فداعب وجنتيها وابتسم: إيه بتخبي وشك الحلو دا بعيد عني، دا حتى مينفعش يتخبى بعد كدا.
ضحكت بخفوت وهتفت بجدية مصطنعة: احم أنا هقوم أشوف ليلى وأنام معاها.
هتف سريعا وباندفاع: تنامي معاها فين، أنتي كدا هاتخليني أكره ليلى صاحبتك ومقعدهاش في البيت.
شهد: هو أنت ممكن تمشيها يا رامي بجد.
رامي: لا طبعاً بهزر، دا بيتك يا حبيبتي اتصرفي فيه زي ما تحبي، بس متقوليش تنامي معاها دي، وقتها هايبقى بيتي أنا وهاتصرف تصرف يضايقك.
شهد: ربنا يخليك ليا يا رامي، أنا كل يوم بعرف أن ربنا كفائني وعوضني عن أهلي بيك.
اقترب أكثر وهو يهتف بمزاح: الحمد لله مقولتيش بيكوا، كان هايحصلي حاجة.
شهد: بيكوا دي قدام الناس، أما بيك دي مابينا وبس.
ضل يقترب حتى التصق بها تماماً ولامس شفتيها بشفتيه: طب تعالي أقولك سر بيني وبينك.
وغابا بدنياهم الخاصة التي يختبرناها لأول مرة معاً.
***
بمنزل كريمة.
دلفت غرفتها بخطوات ثقيلة، ألقت بجسدها على الفراش، شردت بأحداث اليوم ونهايته بموت أخيها، وعند هذه النقطة بالتحديد سالت دموعها من جديد وهتفت لنفسها: كنت رايحة أطلقها من كريم، موت أخويا بإيدي، قالي مش مسمحاك يا كريمة، قالي مش مسامحك ومات، اللي باقيلي من أهلي مات، آه يا ناري هاموت من حسرتي عليك يا أخويا.
دفنت وجهها في الوسادة وبكت ندماً على ما فعلته وخططت له.
***
صباحاً.
استيقظت ليلى باكراً وظلت جالسة في الغرفة، حتى دلفت شهد لكي توقظها وجدتها مستيقظة بالفعل.
قابلتها شهد بابتسامتها المعهودة وهتفت: صباح الخير يا ليلى.
حاولت رسم ابتسامة على ثغرها ولكنها فشلت وهتفت بعبوس: صباح النور.
اقتربت شهد منها وطبعت قبلة على إحدى وجنتيها وهتف بهدوء: قومي كدا خدي شاور وروقي وأكون جهزت الفطار لينا ونفطر مع بعض زي زمان.
ثم استطردت: وياستي متقلقيش رامي خرج من بدري الشغل وتقريباً مبيجيش إلا بليل، وحمزة في المدرسة، البيت فاضي هانقعد نحكي بقى واحكيلك عرفت رامي إزاي.
أومأت ليلى بضعف ونهضت من جلستها وسارت مع شهد، وعقلها بمكان آخر.
***
بمنزل زكريا.
"صباح الخير يا سلمى، نمتي كويس."
سلمى: لا يا زكريا منمتش أصلاً.
زكريا: وياترى ليه بقى؟! منا سبتلك الأوضة كلها ونمت برا.
سلمى: زكريا أنا عايزة أتكلم معاك بهدوء لو سمحت، ويا ريت تسمعني للآخر، أنا فضلت طول الليل سهرانة أرتب إزاي أقولك وأفهمك اللي جوايا، فسبني أرجوك أحاول أوصلك اللي عايزاه.
اعتدل في جلسته وهتف باهتمام: قولي أنا سامعك.
ارتبكت قليلاً ولكنها شجعت نفسها وهتفت: زكريا أنا عايزة أطلق، أنا بجد مش عايزة أكمل معاك أنا مش قادرة أمثل أكتر من كدا، أرجوك اتفهمني أنا خسرت أهلي أمي ماتت، وأبويا في السجن، وأختي معرفش ليها طريق، يعني بقيت لوحدي، يعني أظن أمك انتقمت مني كويس، سبوني لحالي بقى، سبوني أعيش اللي فاضلي من عمري في أمان مش في خوف أن أمك بتكون بتخططلي حاجة.
نهض بهدوء من جلسته واتجه صوب المرحاض، فهتفت بضيق: أنت رايح فين وسايبني، كلمني رد عليا.
وقف فجأة واستدار وهتف بخشونة: أنا لو رديت عليكي مش هايكون بلساني زي ما أنتي فاكرة، هايكون بإيدي وأظن أن مفيش فيكي نفس.
تركها ودلف إلى المرحاض مغلقاً الباب خلفه بقوة، فزعت هي في جلستها، فهتفت في سرها: ربنا ياخدك يا شيخ.
***
ذهبت لسامح سايبر وبداخلها سعادة لا توصف، اليوم سوف تنتهي من سلمى نهائياً.
طرقت باب السايبر، فتح لها شاب آخر غير سامح قطبت ما بين حاجبيها وهتفت: لامؤاخذة فين أستاذ سامح.
فتح لها الباب واردف: ادخلي جوا يالا علشان تاخدي الصور.
رفعت حاجبيها وهتفت: ادخل ليه؟!، أستاذ سامح كان بيتفق معايا هنا مش جوا.
زفر الآخر بحنق وهتف: بقولك إيه يا وليه متوجعيش دماغي، تسليم الصور جوا علشان اللبش في الحارة.
زمت شفتيها بضيق وهتفت: طيب يا أخويا وسع من طريقي.
دلفت إلى الداخل وأغلق الباب جيداً، ثم أشار إليها أن تصعد سلم خشبي، صعدت وجدت الغرفة مليئة بالحاسبات الآلية وعليها صور مختلفة، جذبها المنظر فحدقت جيداً بالغرفة وهي تتمتم: يالهوي على المناظر يا جدعان.
تحرك سامح ووضع الصور أمامها، التقطتهم بسرعة، وهي تقلبهم وتنظر فيهم بتعمق: إيه دا أنت حريف والله، أنا لو مكنتش مفبركاهم كنت صدقت أنهم حقيقة.
التوى ثغره بتهكم: عيب أنتي جاية لأكبر واحد بيعمل فوتوشوب في مصر، وعلشان ياستي البقين الحلوين دول خدي صورة ليها أهو وهي في وضع مخل.
اتسعت عيناها بذهول وهتفت: يالهوي لا أحنا مش اتفقنا على كدا، أنا قايلالك صور عادية.
بتر جملتها بحدة: بقولك ياست أديك على المعلوم وانتي ساكتة أنتِ رضيتي تديني الصورة يبقى مالكيش فيه، يالا هاتي الفلوس.
مديحة: طيب يا أخويا براحة شوية.
فتحت حقيبتها وأخرجت المال وما إن أعطتهم لسامح، حتى كسر الباب بقوة ودخلت الشرطة بسرعة، تسمرت مديحة مكانها برعب والصور مازالت في يديها.
"وقعت يا سامح فاكر أننا مش هانجيبك لما غيرت عنوانك، وقعتك سودة أنت وكل اللي معاك، لموهم على البوكس."
***
بمنزل رامي.
شهد: وبس هو دا كل اللي حصل، وامبارح اعترفلي بحبه ليا.
ليلى بابتسامة: مبروك يا شهد أنتِ طيبة وقلبك صافي تستاهلي كل خير.
شهد بسعادة حقيقية: الحمد لله يا ليلى بعد ما اطردت وأمي وسلمى باعوني كدا بالرخيص اتكسرت نفسي أوي، بالك كنت بتخانق معاه وأطول لساني وأضايقه بس كان غصب عني، كنت ببقى عايزة أكرههم علشان لما يمشوني من عندهم مش أتعب وأتقهر زي ما حصلي، بس خالتي دي أطيب من أمي نفسها بتخاف عليا أوي.
ليلى: أنا والله زعلت جداً من اللي حصلك، بس مديحة السبب بقى الله ينتقم منها، بس كل اللي زعلني أكتر هي سلمى إزاي توافق تتجوز زكريا.
نهضت شهد من جلستها وهتفت بصدمة: نعم سلمى مين دي اللي اتجوزت زكريا، دي بتكرهه طول عمرها، ومكنتش عايزة إياكي تتخطبيله.
ليلى: لا مديحة قالتلي أنهم اتجوزوا.
تذكرت شهد صوتها الحزين في الهاتف، فهتفت سريعاً: هو الكلب حسني اللي غصبها أكيد، سلمى أختي لا يمكن توافق إلا إذا هددها، وطبعاً أمي سمعت كلامه كالعادة، والله لأروح وأطربقها فوق دماغهم الكلاب دول.
اندفعت صوب غرفتها وعزمت على تبديل ملابسها، ذهبت ورائها ليلى: يا شهد استني متروحيش لوحدك، هاجي معاكي.
التفت لها شهد وهتفت بإصرار: لا خليكي انتي زمان حمزة جاي من المدرسة، أنا هاروح لوحدي وأكلم رامي في الطريق يلحقني، خلي بالك بس من حمزة يا ليلى.
***
بمنزل زكريا.
خرج من المرحاض يهندم ملابسه رائها تقف وتحكم حجابها، فقطب ما بين حاجبيه مردفاً بخشونة: رايحة فين يا سلمى؟
وضعت يديها على باب المقبض وفتحته وهتفت وهي تهم بالخروج: رايحة لأمي في المشرحة، ملهاش حد يعجل بدفنها.
خرجت خطوتين من الشقة، اندفع هو ورائها، يجذبها من مرفقها بعنف وهو يهتف: أنت اتجننتي ولا إيه، مش في حكم راجل، ادخلي جوا، مفيش مرواح، أمك ماتت خلاص، الحكومة تدفنها بمعرفتها.
أغتاظت من حديثه، أبعدت يديه بقوة بعيداً عنها، وهتفت بغضب: بان على أصلك يا زكريا أقلع وش التمثيل كمان وكمان، علشان كدا بقولك طلقني أنا خلاص فاض بيا ولا يمكن أفضل على ذمتك دقيقة واحدة.
زكريا بصوته الجهوري: يابت اتلمي أصل والله أرنك العلقة التمام، أنا مراعي أنك حامل.
سلمى بغضب: بلا قرف، حمل النيلة والندامة، أوعى من وشي.
اندفعت صوب الدرج تهبط أول خطوة، فجذبها من مرفقها استدرت بسرعة تبعده عنها، رفع يده وهبط بكفيه على وجنتها صافعاً إياها بقوة، اختل توازنها فسقطت من أعلى الدرج بسرعة كبيرة، وصلت عند انتهائه فاقدة للوعي، والدم يملأ جسدها بغزارة، اتسعت عيناه بصدمة، تسمرت قدماه وهو يتابعها وهي تسقط بسرعة كبيرة فهتف بخوف: سلمى.
***
انتهى الفصل السابع والعشرون
رواية شهد الحياه الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم زيزي محمد
استقلت التاكسي وبداخلها مشاعر متضاربة، خوف على سلمى من مديحة وزكريا، وقلق على سميحة وما يفعله بها حسني، وغضب من حسني وما فعله بابنته.
أخرجت هاتفها وقررت محادثة رامي. وضعته على أذنها وأتاها صوته الرجولي: "الو يا حبيبتي."
سرت رجفة في جسدها أثر ذكره كلمة "حبيبتي". صمتت قليلاً تستوعبها أو بمعنى أصح تتذوق مذاقها، فهتف مرة أخرى بقلق: "شهد."
تنحنحت بحرج وهتفت بخفوت: "معاك يا رامي."
رامي: "في حاجة يا حبيبتي."
اخفضت صوتها وهتفت: "أنا نزلت من البيت ورايحة البيت عند أمي..."
قاطعها رامي بسرعة: "نازلة فين يا شهد ومن غير إذني، وإزاي تروحي هناك لوحدك."
شهد: "حسني الكلب جوز سلمى لخطيب ليلى زكريا هو وأمه مش كويسين وزمانهم مبهدلينها، وطبعًا أمي ساكتة. أنا لازم أروحلها وأنقذها يا رامي."
هتف رامي بتحذير: "ماشي يا شهد، اقفي على أول الحارة وإياكي تدخلي وأنا دقايق وهاكون عندك. شهد، لو دخلتي لوحدك مش هاعديهالك بالساهل."
شهد: "حاضر يا رامي، هاستناك ومش هادخل إلا بيك."
***
في قسم الشرطة...
هتفت ببكاء: "يابيه، والله أنا بريئة."
هتف الضابط المسؤول: "اسكتي يا ولية، إنتي ممسوكة متلبسة بتزوري صور لمين؟ انطقي."
هتفت بتلعثم: "مش، مش لحد يابيه، أنا جيت..."
قاطعها بسخرية: "إيه؟ عاوزة تقولي جيتي غلط ولا إيه؟! إنتي هاتضحكي علينا ولا إيه؟"
حول بصره لسامح الواقف بخوف وهتف بصوته الجهوري: "قولي يلا الست دي كانت عندك بتعمل إيه."
هتف سامح بارتباك: "كانت يا بيه جاية تعمل فوتوشوب لواحدة."
الظابط: "وقبضت كام؟"
سامح: "ألف ونص يا بيه، نصهم لما أخدت الصورة ونصهم النهاردة قبل ما إنتوا تدخلوا علينا."
التقط الظابط الصور من على المكتب وحدق بهم وهتف: "مين دي يا ولية؟ انطقي أحسن لك، أصل كدا كدا هانعرف مين دي، بمعرفتنا هانعرف، انطقي."
قال كلمته الأخيرة بصوت هز أرجاء المكان، فزعت مديحة وعادت للخلف خطوتين وهي تهتف بتلعثم: "دي مرات ابني يا بيه."
الظابط: "مراته ولا طليقته."
مديحة بخوف: "مراته يا بيه."
اتسعت عيناه بصدمة واقترب منها وهو يجز على أسنانه بغضب وقال: "مرات ابنك يعني شرفه، تقومي تفبركيلها صور يا عديمة الأخلاق والدين؟ هي حرقاكي أوي كدا؟ إنتي أوسخ حد شوفته لغاية دلوقتي."
هتفت ببكاء مزيف: "يا بيه أنا..."
قاطعها بصفعة على وجهها وهتف بغضب: "اخرسي مسمعش صوتك أبدًا، لغاية ما أخلص مع الكلب التاني."
أومأت بخوف وهي تضع يديها على مكان الصفعة تتحسسها بألم.
***
بمنزل كريم.
فتح عينيه بتثاقل، شعر بألم يغزو رأسه وعنقه نتيجة لنومته على كرسي أبيه طول الليل. نهض بصعوبة، حاول تحريك رأسه يمينًا ويسارًا لعل تلك التمرينات تقلل من الألم قليلًا. نظر في أرجاء المنزل وجده فارغًا بلا روح. هتف بضعف: "بابا."
ثم تابع بضعف أكبر وبنبرة مهزوزة: "طب ليلى، كلكوا سبتوني."
استفاق على طرق الباب، اتجه صوب الباب بخطوات بطيئة، فتح الباب فظهرت كريمة بثيابها السوداء وأعينها المنتفخة. رمقها بغضب وهتف بخشونة: "إيه اللي جابك هنا."
هتفت بهدوء: "إيه يا كريم مش هاتخليني أدخل."
هتف بغضب: "لأ مش هاتدخلي ولا بقيت عاوز أشوف وشك دا، أنا من النهارده مبقاش ليا عمة اسمها كريمة، إنتي موتِ بالنسبالي فاهمة يعني إيه موتِ."
أمسكت يداه تترجاه وتهتف بندم: "والله يابني والله أنا مكنش قصدي كدا، أنا كنت كل اللي في بالي إنك تطلقها بس، مش قصدي أموت أخويا اللي حلتي يا كريم، أنا هاموت من امبارح لما مش سمحتلي أشوفه وأسلم عليه لآخر مرة."
هتف كريم بقوة فبرزت عروقه في عنقه: "علشان إنتي السبب، تشوفيه ليه يا كريمة وإنتي خربتي حياتي، موتِلي أبويا وليلى مشيت. عملت فيكي إيه عشان تطلقيها، تقدري تقوليلي؟"
كريمة ببكاء: "كنت شايفاها مش من مستوانا وكنت عاوزالك بنت وزير ولا رجل أعمال ترفع اسم العيلة لفوق، فكر..."
قاطعها كريم بقوة: "آه، شايفها مش من مستوانا زي أمي، لما بهدلتيها في حياتها كدا طول عمرك تبصي لنفسك من فوق واللي أقل منك دا حقير ميستحقش يعيش. إنتي قلبك مفيهوش مكان للحب للأسف، متعرفيش يعني إيه الواحد يحب ويعشق، أنا بشفق عليكي، جوزك مات وسابك وزهق من تفكيرك، وأخوكي مات بردوا بسبب تفكيرك، بس الفرق إنه مش مسامحك. عارفة يعني إيه ميت مش مسامحك."
طأطأت رأسها وهي تبكي بندم. أغلق كريم الباب في وجهها وهتف بصوته الجهوري: "آخر مرة بقولك اطلعي برا حياتي وأنا بالنسبالك متِ وإنتي بالنسبالي موتِ."
خرجت من البناية وهي تبكي ندمًا على فقدانها لأخيها وابنها أيضًا. أصبحت وحيدة، بلا أهل أيضًا، وكان هذا أكبر عقاب لها.
***
وقفت تنتظر قدومه بفارغ الصبر حتى ظهرت سيارته. تابعته بعينيها وهو يهبط منها. تقدمت منه بعض الخطوات وهتفت بسرعة: "يالا بينا يارامي بسرعة."
جذبها من مرفقها وهتف بضيق: "اهدي كدا بس، إنتي رايحة تعملي إيه عشان أبقى عارف بس."
شهد: "رايحة آخد أختي من الحيوان اللي اسمه زكريا دا."
رامي: "إنتي مش بتقولي إنه اتجوزها؟ ناخدها إزاي؟ هي عيلة يا شهد، دي بنت كبيرة وكمان متجوزة."
هتفت بحنق: "مش عارفة يا رامي هاعمل إيه بس المهم أروح أطمن عليها، يالا بس."
أومأ بضيق. التفت بسرعة حتى تذهب لجهتها وجدت سيارة الإسعاف تخرج من حارتهم وسكان الحي متجمهرين. توقفت تنظر بتركيز فوجدت عبدو أمامها. نظر لها بصدمة وهتف: "شهد، معقولة لسه فاكرة تيجي."
قطبت ما بين حاجبيها وكانت على وشك الرد، ولكن صوت رامي الغليظ مانعها: "إنت تبقى مين."
التفت له وهتفت: "رامي، دا يبقى عبدو جاري."
ثم تابعت موجهة حديثها لعبدو: "في إيه يا عبدو وإيه عربية الإسعاف دي؟ واخدة مين..."
رأها نسوة الحارة تجمعن حولها وهم يرمقنها بحزن. هتف جارة لها: "يا حبيبتي يابنتي، جاية بعد إيه؟ ملحقتش تشوف أمها."
مصمصة الأخرى شفتيها وهتفت بحزن: "كنتي تعالي يا شهد، حاجة أمك واختك يا حبيبتي."
صرخت شهد وقالت: "مالها أمي واختي؟ في إيه؟"
أمسكها رامي من كتفيها وهتف بهدوء: "اهدي يا حبيبي، هانفهم دلوقتي."
ثم هتف بصوته الجهوري: "ممكن نفهم في إيه؟ مالها خالتي وسلمى."
هتف عبدو بحزن حقيقي على حالها: "أمك يا شهد، حسني قتلها وهي دلوقتي في المشرحة، وسلمى زكريا زقها من فوق السلم ووقعت والاسعاف خدها وهو اتقبض عليه."
اتسعت عيناها بصدمة، وزاد اضطراب قلبها، وعلت أنفاسها. تجمعت الدموع في مقلتيها بسرعة، وهتفت بهمس شديد: "أمي ماتت."
داهمها دوار في رأسها، وزاغت أنظارها، وقعت فاقدة للوعي أثر تلقيها صدمة موت والدتها وما حدث لأختها.
التقطها رامي بسرعة كالريشة، وذهب صوب سيارته يتجه بها لأقرب مشفى والخوف يأكل صدره. قاد سيارته بأقصى سرعة، وصل للمشفى حملها وذهب بها للطوارئ.
بعد مرور ساعتين...
فتحت عيناها ببطء وتأملت الغرفة وجدت رامي ينحني بجذعه الأعلى عليها. هتف رامي براحة: "الحمد لله فوقتي يا حبيبتي، أخيرًا طمنتِ قلبي."
اعتدلت في جلستها فساعدها على الجلوس. تذكرت حديث النسوة، وتردد في أذنها حديث عبدو: "أمك حسني قتلها، وسلمى زكريا زقها من السلم."
نظرت لرامي بأعين دامعة وهتفت بصوت مبحوح: "أمي يا رامي، أمي ماتت وأنا معرفش، أمي ماتت وأنا بعيدة عنها، الكلب قتلها."
أمسكها رامي من كتفيها وهو يجلس على طرف السرير ويهتف بحزن: "بالله عليكي اهدي، احتسبيها عند الله يا شهد، ربنا يرحمها ياحبيبتي، مش هاتقدري ترجعي اللي فات، فوقي كدا عشان تبقي جنب سلمى."
تذكرت شهد أمر سلمى فهتفت بقلق: "سلمى، أيوا هي كويسة؟"
أومأ براسه وهتف بهدوء: "أيوا كويسة الحمد لله، بس كانت حامل فقدت الجنين، هما دلوقتي بيحاولوا يظبطوا السكر، فقدت دم كتير، بس الدكاترة بيطمنوني إنها هاتبقى بخير."
نهضت وهي تهتف بقوة: "أيوا لازم أقف جنبها عشان آخد حقها من الكلب زكريا دا، مش هاسيبه يتهنى ولا هو ولا أمه."
جذبها لاحضانه وهتف بحنان: "طول ما أنا جنبك متخافيش من أي حاجة، أنا معاكي واللي إنتي عاوزاه تعمليه أنا هقوم بيه."
دفنت وجهها في صدره وبكت: "ربنا يخليك يارامي."
رامي: "ويخليكي ليا يا شهدي."
***
بمنزل رامي..
سأله الصغير ببراءة: "الساعة بقت ٨ وبابا اتأخر أوي يا طنط ليلى."
تعجبت وسألته: "هو إنت بتعرف في الساعة يا حمزة؟"
أومأ وهتف: "آه بابا علمني أعرف في الساعة."
ثم تابع بضيق طفولي: "هو بابا وشهد هايتأخروا كتير."
ليلى بقلق: "والله ما عارفة يا حمزة، أنا باين غلطت لما قولتلها، بس كنت بحسب إنها عارفة."
حمزة: "طب اتصلي عليهم تاني."
ليلى: "تليفوناتهم مقفولة. هو إنت مش عاوز تقعد معايا ولا إيه؟"
حمزة: "لأ عاوز، بس أنا عاوز بابا وشهد."
ليلى: "إنت بتحب شهد أوي كدا."
حمزة: "آه أوي أوي، شهد دي صاحبتي، أنا بحبها أوي. أنا بنام وبخاف أصحى مش ألاقيها، بس بابا بيقولي عمرها ما تمشي أبدًا، هو وعدني بكدا، ولما بابا بيوعدني مش بيخلف وعده أبدًا."
تذكرت وعدها لكريم بأن لا تتركه مهما حدث، تجمعت الدموع في عينيها بسرعة، حبستهم بقوة وهتفت في سرها: "خلاص مش هاعيط على حد تاني ولا هاضعف تاني، واللي فات مات يا ليلى، متسمحيش لحد إنه يضعفك ولا يهزك، سواء كريم أو غيره."
***
فاقت سلمى بتعب ظاهر على وجهها، وألم يغزو جسدها. فتحت عينيها على شهد وشاب يقف بجانبها. هتفت بضعف: "شهد."
اقتربت منها شهد بسرعة وهتفت: "حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، كويس إنك قومتي بالسلامة ليا."
سلمى بصوت ضعيف للغاية: "أخيرًا جيتي يا شهد، وحشتيني أوي."
طبعت شهد قبلة أعلى جبينها وهتفت بحزن: "والله ما كنت أعرف يا سلمى، ولما عرفت جيت جري. أنا آسفة يا حبيبتي، أنا هاخدلك حقك منه الحيوان دا، خلاص مش هايقدر يعملك حاجة."
سرت رجفة في جسدها أثر ذكر سيره، وضعت يداها تلقائيًا على بطنها، فهتفت شهد بأسف: "معلش يا حبيبتي، البيبي نزل بسبب وقعتك، كانت قوية جدًا."
ابتسمت سلمى بتهكم: "إنتي فاكرة إني هازعل؟ أنا هاحمد ربنا إنه نزل، أنا لا يمكن أعيش معاه، والبيبي دا كان هايتولد محكوم عليه بالضياع، الحمد لله على كل حال."
ابتسمت شهد براحة وهتفت: "الحمد لله ياحبيبتي، الحمد لله إنك رجعتيلي بالسلامة، والله لأنتقم من حسني الكلب وزكريا على اللي عملوه فيكوا."
***
مر يومان على وجود ليلى وسلمى في منزل رامي، ووجود زكريا في قسم الشرطة، وتتوالى التحقيقات مع مديحة وحسني. حبس كريم نفسه في المنزل، ووحدة كريمة وإحساسها بالندم، وخصوصًا مع كوابيسها بجمال.
في منزل رامي..
وقفت شهد وهتفت بتذمر: "يعني إنتوا الاتنين عاوزين تتطلقوا وعاوزني أروح لرامي عشان أقوله."
أومأت سلمى بقوة: "آه طبعًا عاوزة أطلق، أنا لا يمكن أفضل على ذمته دقيقة واحدة بعد اللي حصلي."
بينما التزمت ليلى الصمت، فهتفت شهد بمكر: "طب سلمى وليها عذرها، يا ليلى، إنتي بقى إيه عذرك عشان تطلقي."
رفعت ليلى بصرها وهتفت متصنعة القوة: "وأنا كمان لازم أطلق يا شهد وأنا ليا أسبابي، وأظن إنتي عارفاها كويس."
زمّت شهد شفتيها بضيق: "طب فكري يا ليلى، الطلاق مش حاجة سهلة، وخصوصًا بين اتنين بيحبوا بعض."
ليلى بتهكم: "مين دا اللي بيحبني؟ كريم؟ مفيش حد بيحبني يا شهد، كريم حبه كان خدعة."
شهد: "لأ يا ليلى، مكنش خدعة، هو كدب وغلط ووارد كلنا نغلط، وإنتي نفسك غلطتي في حق نفسك وحقي وسامحتك، يا ليلى فكري كويس قبل ما تندمي."
ليلى بإصرار: "فكرت كويس يا شهد وخلاص، أنا مش هاسمح لحد يهدني بعد كده، أنا لازم أتغير وأبقى حد تاني وأنسى ليلى بتاعت زمان. قولي لرامي يروحله يكلمه ويطلقني."
هتفت شهد بضيق: "حاضر."
خرجت من الغرفة وتوجهت صوب غرفة رامي. أمسكت المقبض وهي تهتف بضيق: "يالهوي، أكلمه إزاي دلوقتي بقى؟ دا لاوي بوزه في وشي، يالا ربنا يستر بقى."
دخلت الغرفة ولاحت على ثغرها ابتسامة عريضة. كان يتابع رسمه. رفع بصره لها، رمقها بضيق واخفض بصره مرة أخرى يتابع رسمه. تقدمت منه وجلست بجانبه وهتفت بهدوء: "أنا عارفة إنك زعلان وليك الحق، بس هما يا رامي كانوا واحشني والله وكنت عاوزة أشبع منهم، وخصوصًا سلمى كانت محتاجة اللي يراعيها بعد اللي حصلها."
هتف رامي بضيق: "طب وأنا فين من كل دا؟ شهد، إنتي تقريبًا نسيتي كلمة بحبك اللي لسه قايلهالك من يومين، إنتي زي ما يكون قولتلك بكرهك فابعدتي عني."
شهد: "إنت قصدك يعني إنها ما أثرتش فيا، ومش حسيتها منك."
رامي: "دا الظاهر قدامي."
تجمعت الدموع في عينيها بسرعة وهتفت: "غصب عني، اللي حصلي مكنش سهل. أمي تموت وأنا مش جنبها، والله أعلم إحساسها كان إيه وقتها، وأختي تتبهدل بالطريقة دي، أكيد يا رامي هأثر نفسيًا، أنا مش جبل عشان أفضل أستحمل وأكتم وأتعامل عادي. أختي كانت وحشاني يا رامي، كنت عاوزة أشم ريحة أمي فيها، وفي نفس الوقت أنا مضايقة من نفسي إني ببعد عنك بس غصب عني."
رامي: "أنا مش عاوز أعرف دا كله، أنا عارفه وحاسه كويس من غير ما تتكلمي. اللي أنا عاوز أعرفه، إنتي حبيتي؟ حسيتي كلمة بحبك مني، أثرت فيكِ ولا لأ."
أخفضت بصرها، وهتفت وهي تزيل دموعها بصوت خافت للغاية: "أثرت."
رفع وجهها بطرف إبهامه وهتف بخفوت أيضًا: "مش دي اللي أنا عاوز أسمعها يا شهد."
أبعدت بصرها بعيدًا عنه وهتفت بتوتر: "مش لازم تسمعها، إنت أكيد بتحسها مني."
هتف بإصرار: "لأ، لازم أسمعها لأن هي دي اللي هاتخليني أغفرلك أي بُعد وهاتصبرني بعد كده. بصي في عيني وقوليها، بردي نار قلبي يا شهد حياتي، أنا عشت سنين بحلم تكوني جنبي ويوم ما تبقي..."
قاطعته وهي تهتف بهمس: "بحبك."
لمعت عيناها بوميض غريب، مع ظهور ابتسامة على ثغره، بينما هي نطقتها أخيرًا بعد معاناة. خفق قلبها بشدة لنظراته لها. اقترب أكثر بوجهه وطبع قبلة بسيطة على شفتيها وهو يهتف بين الحين والآخر: "بحبك، بحبك أوي."
حاوطته بيديها تجذبه لها أكثر تنعم بحبه وعشقه ودفء قلبه، نسيت أمر طلاق سلمى وليلى، وتناسيت معه من هي وتاهت معًا في لحظات يسرقونها من الزمن.
***
بغرفة ليلى.
سلمى: "ليلى، ليلى سرحانة في إيه؟"
استفاقت على هتاف سلمى لها وهتفت بدون وعي: "ياترى بيعمل إيه دلوقتي."
ابتسمت سلمى بحب وهتفت: "لما إنتي بتحبيه يا ليلى، عاوزاه تتطلقي ليه؟"
انتبهت لها وهتفت بدموع: "لأن دا المفروض يحصل يا سلمى، أنا هدوس على قلبي وأبعد وأطلق منه. اللي كريم عمله مش قليل، يمكن إنتي شايفاه بدافع الحب، بس الحب مالوش دوافع أذية. اللي كريم عمله مالوش غير مبرر واحد عندي وهو إنه يمتلكني بأي ثمن."
سلمى: "بس باللي إنتي حكتهولي يا ليلى، هو كان بيحبك أوي وصعب تلاقي حد بيحبك أوي كدا."
هتفت ليلى بتهكم: "وصعب بردوا تلاقي يا سلمى حد بياذي بالشكل دا."
***
في غرفة رامي وشهد.
كانت نائمة على الوسادة، تمسك بالملاءة جيدًا وتغطي جسدها وتخفي نصف وجهها بها. أما هو فاتكأ على مرفقه وتعلق بصره بها فهتف بجدية زائفة: "آه يعني سلمى وليلى طالبين الطلاق وأنا بقى المأذون صح."
أومأت برأسها وهي تكتم ضحكتها بقوة، فهتف بمزاح: "عيونك على فكرة بتضحك."
أنزلت الملاءة قليلًا وهي تردف: "هاتعمل إيه؟ المفروض أبلغهم رأيك."
أطلق تنهيدة قوية وقال: "هو بالنسبة لسلمى، أنا كلمت سامي له صاحبه محامي شاطر أوي، هو اقترح نروحله بكرة نهدده إنه يطلقها ويكتب إقرار بعدم التعرض، ياما السجن. وأنا شايف تخلص منه من غير شوشرة ويروح لحال سبيله. أما ليلى بقا هي كدا مش بتتسرع ولا إيه؟ تهدأ شوية في قرارها وبعدين أنا هاروحله أكلمه بصفتي إيه."
هتفت شهد بضيق: "والله قولتلها يا رامي، اهدي واحكمي الأمور. مُصرة بردوا، وبعدين يعني تروحله بصفتك إيه؟ إنت تروحله بصفتك جوزي، أقصد يعني جوز صاحبتها وهو عارف أنا إيه عند ليلى مش هايستغرب."
اقترب منها وهو ينظر لعيناها ويهتف بخفوت: "سيبك إنتي، دول اللي شدوني من أول ما شفتهم، ولسه بردوا لما بقرب منك بيشدوني وبنسى نفسي."
ضحكت بغنج وهتفت بخجل واضح: "شوف أنا بقول إيه وإنت بتقول إيه، أنا بتكلم في حاجة مهمة."
اقترب منها وهتف أمام شفتيها: "لأ، سيبك من المهم بتاعك، أنا هاقولك الأهم منه. خدي عندك ياستي رقم واحد أنا بحبك."
هتفت هي الأخرى: "وأنا كمان بحبك."
ابتسم رامي بحب وأكمل حديثه: "رقم اتنين أنا بعشقك."
ضغط على حروف الكلمة ببطء شديد، ففعلت هي مثلما فعل وهتفت ببطء: "وأنا كمان."
أشار إلى عيونها وهتف: "رقم تلاتة، دول خطفوني من أول ما شفتهم."
فعلت مثلما فعل ولكنها هتفت بحديث نابع من القلب: "ودول سحروني من أول ما شفتهم، سبحان من صورهم."
مال رأسه ناحيتها وطبع قبلة على إحدى وجنتيها واردف: "رقم أربعة،،، تعالي أقولك في ودانك عشان عيب حد يسمعنا."
رواية شهد الحياه الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم زيزي محمد
دخل الغرفة مكبل اليدين ومطأطأ الرأس، نظرات الحزن تغزو عينيه.
رفع رأسه وجد رامي وسامي.
هتف بتساؤل: نعم حضراتكوا تعرفوني.
نهض رامي يقف قبالته وهتف بهدوء: امممم اعرفك. أنا أبقى رامي ابن خالة سلمى.
زكريا بقلق: سلمى هي عاملة إيه كويسة، طمني عليها.
أومأ رامي برأسه واردف: أه هي كويسة الحمد لله، بس الجنين نزل.
زكريا بحزن: إيه سقطت.
هتف رامي بتهكم: أه لازم تسقط، أمال انت فاكر إيه! واحدة تزقها من على السلم توقعها، عاوزها تقوم زي الحصان؟ ربنا بيحبها إنها قامت منها بالسلامة.
زكريا بضيق: أنا مكنتش أقصد إني أزقها، هي عصبتني.
رامي: تقصد ولا متقصدش، أنا جاي أعرض عليك عرض، ومن مصلحتك إنك توافق.
قطب ما بين حاجبيه واردف: عرض إيه.
هتف رامي موضحًا: تطلق سلمى قصاد إنها تتنازل عن حقها إنك زقيتها، ولا بقى محاكم ولا سجن ولا غرامات ولا دا كله.
زكريا بعصبية: أه هي الهانم استغلت الموقف وجاية تطلب الطلاق وفاكراني هطلق! لا هي مراتي وأنا هأقول إنها اللي وقعت مش أنا اللي زقيتها.
رامي: أنا عاوز أسألك سؤال، انت فين رجولتك! لما واحدة ست تقول مش طايقاه طلقوني منه، مش طايقة أبقى مراته وعلى زمته، فين بقى رجولتك! ماتت في الحرب صح.
قال جملته الأخيرة بسخرية واضحة، فهتف زكريا بعصبية مفرطة: انت مالك انت! إيه دخلك انت، راجل ومراته، أنا مش هاسمحلك تتدخل وتطلقنا، تلاقيك بس عينك عليها وعاوز تتجوزها.
أمسكه رامي من ياقة قميصه وهدر بعنف: انت واحد مش مظبوط، يامحترم أنا متجوز شهد أختها، بقولك طلقها، أصل وأقسم بالله أطربقها فوق دماغك.
أبعده سامي عن زكريا ووجه حديثه لزكريا: بص يا بني نصيحة مني تطلقها من غير شوشرة، أصل كدا كدا هانطلقها منك، إحنا بنعمل بس عليك بلاش سجن ليك وغرامات، انت لو رفضت في ثانية هكلم المحامي ويمشي في الإجراءات وهاتتحبس، نصيحة مني اسمع كلامنا واخرج من السجن.
صمت يفكر في حديثهم جيدا، حتى هتف رامي بعصبية: اخلص قول يا الطلاق يا السجن.
بمنزل رامي...
ليلى: انتي قولتي لرامي على طلاقي من كريم.
أومأت شهد وصمتت، فاردفت ليلى بهدوء: في إيه يا شهد.
شهد بضيق: مفيش، بس مش حاسة إنك بتتسرعي يا ليلى.
ليلى: بتسرع! بتسرع علشان عاوزاه أطلق من واحد خاين وكداب.
شهد: هو خانك فين يا ليلى! تمام، هو كدب كدبة علشان يفوز بحبه، أنا مش ببرر اللي عمله، بس بردوا بلاش تقسي عليه، زي ما الدنيا قست عليكي.
ليلى: بس بس يا شهد، انتي بتضحكي على نفسك ولا على مين، كريم السبب في كل حاجة حصلتلي، وحصلتلك وحصلت لسلمى كمان، دا قراري وأنا متمسكة بيه.
شهد: براحتك يا ليلى، بس نصيحة مني فكري تاني، اللي عمله ليكي وانتي قاعدة معاه يأكدلك إنه اتصرف كدا بسبب حبه ليكي، أوقات يا ليلى الحب بيوصل الواحد لتصرفات مجنونة مش محسوبة.
ليلى: بس مهما كان تصرفاته دي متوصلش إنه يكون السبب في اللي عشته يا ليلى، ولا يكون السبب في موت أبويا أغلى حد عندي، انتي مش عارفة يعني إيه موت أغلى حد عندك، انتي بس علشان أمك مش كانت فارقة معاكي فمش حاسة بموتها، لكن أنا لغاية دلوقتي موت أبويا واجعلي قلبي.
ألمتها كثيرا كلمات ليلى الموجعة، حبست تلك الدموع المهددة بالهبوط وهتفت بصوت جاهدت أن يكون طبيعيًا: هاقوم أخلص بقى الغدا، زمان رامي على وصول.
تركتها وما إن دلفت للمطبخ انفجرت عيناها بسيل من الدموع على فقدانها لوالدتها، تكتم وتخبئ مشاعرها، خبئت تلك المشاعر الحزينة بداخلها حتى تكون مصدر قوة لسلمى وليلي وتكون بجانبهم في أكثر وقت يحتاجونها فيه. أيعقل أن تفهم ليلى سكوتها عن موت والدتها أنه كره لها، ليلى صديقتها الوحيدة، إلى متى سوف تجرحينني بكلامك عزيزتي وأنا أتقبل وأسامح، إلى متى.
خارج قسم الشرطة...
خرجت من القسم تستند على رامي، فهي كانت في فترة علاجها وممنوعة من الحركة، ولكن ما إن أخبرها رامي بضرورة مجيئها القسم، تحاملت على نفسها وذهبت معه حتى تتخلص منه.
زكريا بحزن: ارتحتي يا سلمى لما طلقتك، مش هتلاقي حد يحبك قدي.
سلمى بكره دفين: ملعون أبو الحب اللي شبه حبك يا زكريا، أنا بقى بقولك أهو مش هتلاقي حد يكرهك قدي.
ثم استطردت حديثها: أنا أكتر واحدة مبسوطة في الدنيا دي، أخيرًا خلصت منكم يا زكريا انت وأمك. أخيرًا اطلقت منك.
ثم تابعت بسخرية: الا هي فين من حق مجتش ليه وطلعتك من السجن، والا تلاقيها باعتك ماهي تبيع أبوها. على فكرة بقى أمك الحلوة اللي مفهمماك إنها بتحبك، ست كدابة، طلعت كلام مش كويس على ليلى، وليلى مظلومة، مطلعش في حد اغتصبها ولا حاجة، وهي روحت يومها بليل لإن مفيش حد عملها حاجة وكانت سليمة. اشرب بقى يا زكريا، واه من حق وهي حاليًا متجوزة دكتور نسا كبير أوي، شوفت بقى تدابير ربك بينتقم منك إزاي.
نظر لها شرزًا لتجاوزها في حديثها معه ولأول مرة، قاطعهم دخول عبد الرحمن جارهم المحامي وهو يهتف بلهفة: زكريا انت خرجت.
التفت له واردف بضيق: أه خرجت، مالوش لزوم تتعب نفسك يا عبد الرحمن، كتر خيرك.
هتف باندفاع: أتعب إيه بس يا زكريا، كويس إنك خرجت، أمك مقبوض عليها في نفس اليوم اللي اتقبض عليك فيه.
هتف بقلق: إيه مقبوض عليها في إيه وازاي أنطق.
نظر لسلمى الواقفة وهتف بتلعثم: اتقبض عليها في قضية تزوير وفبركة صور.
اندفع زكريا يمسكه بعنف: انت مجنون! أمي إيه اللي تتمسك في قضية تزوير ولا فبركة الصور! أمي متعرفش الكلام دا.
هتف عبد الرحمن بارتباك: لا على فكرة ممسوكة متلبسة يازكريا، وهي لامؤاخذة بتفبرك صور لسلمى مراتك.
اعتلت الصدمة على وجوههم وخاصة سلمى ورامي وسامي من وقاحة تلك المرأة، فهتفت سلمى بقوة: مبقتش مراته يا أستاذ عبد الرحمن، اطلقت منه، ميشرفنيش أبقى على ذمته ولا في العيلة دي من الأساس، يالا يا رامي وصلني العربية.
اندفع زكريا صوب عبد الرحمن يهتف بسرعة: قولي بسرعة هي في أنهي قسم بسرعة.
بمنزل رامي...
جلس رامي بجسد مجهد وهو يردف: أه اليوم كان متعب جدا.
جلست أمامه ووضعت في يده كوب العصير وهتفت بصوت هادئ حزين: اشرب العصير ونام، ريح جسمك، معلش أكيد حوار سلمى تعبك انهاردا.
رامي: أه زكريا دا شخص زبالة أوي، أرهقني، بس سامي حقيقي وقف جنبي والمحامي اللي جايبه شاطر جدا وخلص كل حاجة بسرعة، والحمد لله طلقها، يهون التعب في سبيل فرحتها بطلاقها، من حق حكتلك على أمه واللي عملته، الست بتخطط لسلمى بالشر، ربنا وقعها في شر أعمالها.
هتفت بصوت حزين: أه حكتلي، حسبي الله ونعم الوكيل فيها.
وضع الكوب بجانبه، واقترب منها قليلا وهتف: مالك يا حبيبي، زعلانة أوي كدا ليه! في حد زعلك.
هزت رأسها بنفي وهتفت بصوت مبحوح: لا أنا كويسة، مفيش حد مزعلني ولا حاجة.
صمتت واخفضت بصرها، فصمت هو الآخر، رفعت بصرها له، وما إن تلاقت عيناها بعينيه اندفعت صوبه تتعلق به وتبكي بحرقة، خبأها بداخله واردف بقلق: مالك يا شهد فيكي إيه يا حبيبتي.
ابتعدت عنه قليلا وهي تردف ببكاء: مخنوقة بعيط، ليلى انهاردا قالتلي كلام صعب ويوّجع أوي، تصور إنها اتهمتني إني مكنتش بحب أمي، علشان كدا موتها مش فارق معايا، طب إزاي مش فارق معايا يا رامي وأنا اتحرمت منها في أكتر وقت كنت محتاجلها فيه، لما اتجوزت حسني واصريت عليه، لما دايما كنت بحس إنه هايفرقنا عن بعض، واحساسي كان صح، رماني في الشارع وهي وافقت، وأنا سكت وقولت بدام هاتبقى كويسة هي وسلمى أنا هابقى كويسة، أعمل إيه يا رامي أكتر من كدا، أنا ضحيت بطموحي وأحلامي ومستقبلي علشان هي ترتاح بس، بعدت عنهم لما طلبت مني أمشي، رغم إن قلبي كان بيتكسر مية حتة لما فرطت فيا، أعمل إيه يا رامي، أكتر من اللي عملته، أنا كنت بضحي علشان بحبها، بعدت علشان أحميها من أذيته، أنا وجعني إنه موتها، أكيد كانت بتتألم وبتتوجع، الله أعلم كانت حاسة بإيه وقتها، طب كانت بتستنجد بالناس.
صمتت وبكت بكاء مرير على شعورها بالحزن اتجاه أمها، فهتف رامي بحزن: حاسس بيكي يا حبيبتي والله، وبكوابيسك بليل، بس بسكت علشان مش أضايقك.
شهد ببكاء: أنا بظهر القوة للناس وأنا من جوايا نفسي إنهار، أنا بحاول أكون قوية بس علشان خاطر سلمى واقف جنبها وأقويها وتخلص من كل اللي حصلها وتعيش حياة أحسن، وعلشان ليلى بردوا قاست كتير، وعلشان حمزة مش ذنبه يعيش في جو حزين ولا كئيب ودا طفل عاوز اللي يلعب معاه ويهزر ويضحك، وعلشانك انت كمان عملت ليا كتير أوي، فضلت ٨ سنين تحبني وتكتم جواك ويوم ما تريح قلبك وتعترف أنكد عليك وأضعف، لا أنا ابقى معاكوا قوية واستحمل كمية الحزن والألم اللي جوايا دي لنفسي.
حاوط وجهها وهو يردف بحزن: لا يبقى انتي مفهمتنيش يا شهدي، أنا لما قولت بحبك، أنا عاوزك زي مانتي كدا بقوتك بضعفك بجنانك بهدوئك بكل حالتك، خليكي قوية معاهم وعلشانهم وتعالي في حضني أنا واضعفي وعيطي وانهاري براحتك، أنا عمري ولا هازعل منك ولا هأمل منك يا حبيبتي تأكدي من كدا.
هتفت بحزن طفولي: قلبي واجعني عليها أوي يا رامي، زعلانة أوي إنها ماتت كدا، عارفة إنه نصيبها ومكتوبلها بس أكيد اتألمت واتوجعت، والله برغم سلبيتها وضعفها من ناحيتي إلا إني بحبها أوي، دي أمي يا رامي مهما عملت هي أمي.
اقترب منها وطبع قبلة على صدرها في موضع قلبها وهتف بحب: يسلملي قلبك الأبيض دا اللي مالقتش ولا هالاقي زيه أبدا، على فكرة أنا كلفت المحامي يعجل بدفنها، هو أصلا حسني الكلب واخد فيها إعدام.
نظرت له تستعطفه: عاوزاه أروح يوم الجلسة يا رامي، عاوزاه أروح وأبرد نار قلبي لما أشوفه بيتحكم عليه بالإعدام.
أومأ برأسه: حاضر يا حبيبتي هاوديكي.
جذبت يديه وطبعت قبلتين في كلا كفيه وهتفت بحب: ربنا يخليك ليا، انت أحلى حاجة حصلتلي في دنيتي، كل يوم بحمد ربنا عليك وعلى حبك وعلى طيبة قلبك.
فعل مثل ما فعلته، ولكن لم يكتفي بذلك وطبع قبلة رقيقة على ثغرها واردف: الحمد لله يا شهد، أنا حاسس إني في حلم، حلمي بيتحقق قدامي وأنتي بين إيديا، أنا كنت أهبل وهاضيعك من إيدي، طب انتي عارفة أنا إيه اللي خلاني أعترفلك بحبي.
هتفت بابتسامة: إيه.
عد على أصابعه مثلما ما يفعل دائما وهتف: أول حاجة إن بحبك أوي أوي أوي، وحبك دا بيزيد في قلبي أضعاف.
تاني حاجة إن الأول لما شوفتك زمان مرة واحدة ومتكلمتش معاكي بس ملكتي قلبي ودي حاجة كانت من علوم ربنا، لكن لما جيتي وقعدتي معايا ولقيتني بتجنن بيكي في كل لحظة وحركة بتعمليها وبكلمة منك قادرة تجنيني وبكلمة تانية قادرة تهديني واعيش في أحلام حلوة مبتنتهيش.
تالت حاجة لما حسيت إنك ممكن تروحي مني أو سامي ياخدك مني كنت مستعد أقتلك ولا إن حد يتجوزك غيري، وقتها قولت لا لازم أعمل وقفة مع نفسي، هأفضل لغاية إمتى عايش في وعد أميرة، هأفضل لغاية إمتى أخبي حبي، مقدرتش بقى وصرحت بحبي ومش ندمان أبدا باني عملت كدا.
قاطعته هي وهتفت بغنج: رابع حاجة وخامسا دي عندي أنا بقى لإن دايما انت بتنساهم. أنا بحبك أوي أوي أوي يا أغلى حد في حياتي، يديمك تاج فوق راسي يا روح القلب.
اقترب منها بعيون تلمع من السعادة والحب وهتف بهمس أمام شفتيها: روح القلب، الله قد إيه الاسم دا حلو أوي، ناديني بيه دايما يا شهد حياتي، عاوزك على طول واحنا مع بعض تناديني بيه.
تعلقت برقبته وهتفت بنفس همسه: هأقولهالك على طول لإنك فعلا روح القلب.
التقط شفتيها في قبلة طويلة يبث فيها مدى حبه وعشقه لها ولاول مرة تتجاوب معه شهد حياته وهي تضمه عليها أكثر. متناسية لو قليلا حزنها وهي بداخله.
صباحا بداخل قسم الشرطة.
جلس ينتظر قدومها وبداخله الكثير من المشاعر المتضاربة. دلفت، ما إن رآها اندفع صوبها: إيه يا ماما انتي كنتي فعلا بتزوري صور لسلمى.
هتفت موبخة بحدة: ينيلك يا واد انت بردوا شايل هم المخفية دي ومش هامك أنا اللي اتسجنت وهايتحكم عليا، ومكلفتش خاطرك تيجي وتطمن عليا الأيام اللي فاتت لسه فاكر.
زكريا بعصبية: أنا كنت مسجون يا ماما علشان زقيت سلمى من فوق السلم ووقع.
قاطعته بفرحة: ووقعت ماتت يا واد.
نظر لها بصدمة: مالك فرحانة كدا ليه! هي لو ماتت وأنا اتسجنت وأخدت فيها إعدام انتي هاتتبسطي.
هتفت بحقد دفين: أه هابسط وأفرح كمان فيها، مش أنا أقعد أخطط أفضحها وتيجي بنت الـ**** متموتش ولا أخلص منها، يعني أنا اتسجن وهي تعيش حياتها، طلقها يا واد وخليها تتبهدل في الشوارع، وقول للناس إنك زقيتها علشان أمي مسكت صور عليها، واه كمان قولهم إني مسافرة يومين لما عرفت إنها خاينة وكدا.
اتسعت عيناه بصدمة منها ابتعد خطوتين للوراء وهو يتفحصها لأول مرة ويرى مدى حقدها فهتف بتلعثم: إيه دا ياما إيه التفكير دا، انتي كنتي بتفبركي ليها صور علشان أموتها، اخص عليكي، عاوزاني أدخل السجن وهي تموت وانتي تتبسطي! أنا مش مصدقك والله، انت عندك استعداد تضحي بيا علشان تنفذي اللي عاوزاه، سلمى ياما وقعت وراحت المستشفى وسقطت، وأنا طلقتها وراحت مع ابن خالتها مشيت، وانتي هاتتسجني وهايتحكم عليكي والحارة كلها عرفت إنك اتقبض عليكي وانتي بتزوري لسلمى صور، عبد الرحمن المحامي فضحك في الحارة كلها، ليه ياما تعملي كدا ليه! ليه.
اندفعت صوبه وهي تهتف باندفاع: يالهوي، طيب يا واد في دولابي في فلوس، خدها وجيبلي محامي كبير يطلعني منها.
هتف بتهكم: يعني تدمري حياتي وتخليني مهزأة للحارة كلها، وتدميرها مرتين مش مرة، مرة مع ليلى، ومرة مع سلمى، وجاية دلوقتي تقولي اطلعك! انتي كان عندك استعداد أزق سلمى وأموتها وأدخل السجن ويتحكم عليا بالإعدام في سبيل إنك تفرحي، فلوسك دي من حق، اتبسط بيها وأعيش بيها اللي انتي حرمتيني منه طول عمري، سلام يا ماما.
اندفعت صوبه تمسكه من ثيابه من الخلف: استنى يا واد، استنى مش هاتسيبني يا زكريا أنا أمك.
دلف العسكري وجذبها واردف: يلا يا ست الزيارة انتهت.
صرخت بأعلى صوتها: اوعى يا أخويا، الواد هاياخد فلوسي ويسيبني هنا، وهما عاشوا حياتهم اوعى.
العسكري بضيق: يا ست يلا، متتعبيناش معاكي، ابنك مشي خلاص.
مديحة بصراخ: اوعى، يا واد يا زكريا، تعال هنا، زكريا.
بمنزل رامي...
شهد: رامي هاتروح لكريم انهاردا.
أومأ برأسه، فهتفت هي: رامي لو حسيت إنه بيحبها بجد وانه مش كداب ولا حب امتلاك زي ما هي بتقول تعال قولها علشان خاطري.
رامي بهدوء: ليه عاوزاني أعمل كدا.
شهد بحزن: حاسة إنه بيحبها يا رامي، وبيحبها أوي كمان من كلامها، رامي هو انت مش ممكن تغلط، وأنا ممكن أغلط في لحظة شيطان، ربنا غفور كريم، وبيسامح وبيغفر، إحنا البشر مش هانسامح، وبعدين ماهي ليلى اتهمتني إن فضحتها وسمعتني كلام يجرح وسامحتها.
رامي: يا حبيبتي انت قلبك طيب بتسامحي بسرعة، أما ناس زي ليلى مبتعرفش تسامح في حد أذاها، وكمان يا شهد دي مش أي أذية، دي أذية تدبح.
شهد: لا ليلى قلبها طيب وبتحبه جدا، أنا حاسة بيها بس هي عاوزاه تعاقبه، صدقني أنا عارفها كويس.
رامي: هي حرة يا شهد في أي قرار تاخده.
ثم استطرد مكملا حديثه: أه من حق المحامي كلمني الصبح وجلسة النطق بالحكم بعد بكرة، مُصرة تروحي بردوا.
أومأت وعيناها تلمعان بدموع الحزن على والدتها.
بمنزل كريم...
امتنع عن عمله بالمشفى، والعيادة، امتنع عن الشارع أيضا، امتنع عن الناس بأكملهم، نبتت لحيته، خسر نصف وزنه في أيام قليلة، أطفأ الأضواء، عاش في ظلام، ملتزم سريره مع ذكرياته مع ليلى ووالده، وتأنيب في نفسه على خطأ اقترفه في لحظة من الشيطان.
دق جرس الباب، تجاهله للمرة الأولى، ولكن مع استمرار رنينه، ذهب صوب الباب بخطوات ثقيلة، فتح الباب، فهتف: خير مين حضرتك.
مد رامي يده مع ابتسامة بسيطة وهو يصافحه: احم أنا أبقى رامي جوز شهد وابن خالتها، صاحبة ل.
قاطعه بسرعة وهو يمسكه من كتفيه: ليلى؟ صح قصدك ليلى، هي كويسة صح؟ طمني أبوس إيدك.
تفحصه رامي جيدا، فتيقن من النظرة الأولى أنه لا يحبها بل يعشقها وبقوة، الخوف في عينيه نابع من حب سنين، هتف رامي يهدئه: هي كويسة جدا الحمد لله مش تقلق وفي بيتي كمان يعني في أمان.
جذبه كريم بسرعة: طيب يالا بسرعة أروحلها، بسرعة.
أوقفه رامي وهو يردف: اهدا بس في حاجة الأول لازم تعرفها.
قطب كريم حاجبيه وهتف: حاجة إيه.
رامي: نتكلم هنا على الباب، تعال ندخل جوا طيب.
أفسح له المجال لكي يدخل، استغرب رامي من منظر المنزل الغير مرتب والاضواء الخافتة، فاشعل كريم الاضواء وهتف باحراج: احم أنا أسف البيت مش متنضف كويس.
رامي بابتسامة: ولا يهمك عادي.
جلسوا، ونظر له كريم بقلق فاردف رامي يطمئنه: اهدا على فكرة هي كويسة جدا والله.
كريم بقلق: أمال في إيه.
رامي بارتباك قليلا: هي عاوزاني أو بمعنى اصح هي طالبة الطلاق منك.
كريم بخفوت: طالبة الطلاق! خلفت كل وعودها معايا وسابتني في أول محنة مابينا، شفت الحب بيعمل إيه، شفت كسرة القلب، وأنا كنت عايش على أمل إنها تيجي، شفت الحب بيعمل إيه.
رامي: على فكرة الحب جميل، بس متزعلش مني مش كل الناس بتحب زيك يا دكتور، مش كل الناس عندها مبدأ الأذية في الحب.
نهض وهتف بصراخ: أذيتها وكان لحظة شيطان، في لحظة حبيبتك أهي بين إيديك، أكذب كدبة صغيرة وتبقى معاك، غصب عني هو حبي مش يغفرلي عندها. انت عمرك ما تحس بيا لإن أنا حبيت وعشقت سنين في صمت.
هتف رامي بتهكم: أنا مش أحس بيك إزاي، وأنا حبيت شهد ٨ سنين ومن أول نظرة وهي ملكت قلبي، وعلى فكرة كنت متجوز جديد بناء على رغبة والدتي، حبيتها بردوا في صمت، هو أنا مكنتش أقدر أروح وأتجوزها وهي بنت خالتي، وأطلق مراتي بس أنا مرضتش علشان ما أذي حد ولا أكسر قلب مراتي، عارف أنا مراتي ماتت بعد سنة بالظبط من جوازنا، مكنتش أقدر أروح أجري أتجوز حب عمري، مقدرتش عارف ليه. علشان هي خلتني أوعد وعد إن ما أتزوجش بعدها، ٨ سنين والوعد دا حبل على رقبتي ومش قادر أتنفس ولا أتحرك بسببه، ولما جت عندي فضل الوعد دا بيخنق فيا.
جلس مكانه بحزن: طب أعمل إيه! أقنعها إزاي إنه غصب عني.
رامي: خلي في بالك انت مغلطتش غلطة وبس، انت دمرت حياتها، أبوها مات واتفضح واطردت من بيتها عينها مكسورة، وشهد كمان اطردت بعدت عن أمها واختها، جوز أمها جوز بنته لزكريا وعذبوها وضربوها، دمرت حياة تلاتة مش بس ليلى.
كريم بحزن: واديني اهو اتعاقبت زي زيهم، حياتي دمرت، وبعد عني أكتر اتنين بحبهم، ليلى سابتني، وأبويا مات بردوا بسببي وفي نفس اليوم اللي ليلى هربت فيه.
قال جملته الأخيرة بنبرة مهزوزة ضعيفة، فاردف رامي بأسف: أنا أسف مكنتش أعرف، البقاء لله.
كريم: البقاء لله وحده.
اقترب منه رامي وهتف: بص يا كريم نصيحتي ليك متيأسش وحاول معاها مرة واتنين وتلاتة، أنا هاديلك عنوان بيتي وفي انتظارك.
بمنزل رامي...
ليلى: هو رامي جه يا شهد.
شهد: أيوا.
ليلى: وقالك إيه! قابله وقاله.
شهد باقتضاب: أه راح ولقاه حالته حالة ومدمر نفسيا، باباه اتوفى، رامي مرضيش يتكلم معاه في حكاية الطلاق حاسسها مش هتبقى ظريفة.
ليلى بحزن: إيه مات! عمو جمال مات، يا وجع قلبي، طب وهو حالته إيه.
سلمى بمكر: ماهو قال قدامي مدمر نفسيا.
ليلى بدموع: كانت روحه فيه، الله يرحمه.
شهد بتهكم: طب كويس إن في بيحب أبوه، مش انتي الوحيدة اللي بتحبي أبوكي الله يرحمه.
ليلى بأسف: انتي لسه زعلانة مني يا شهد، أنا آسفة والله معلش سامحيني.
شهد: طب ابقي زي ما بتطلبي من الناس تسامحك، سامحي انتي بس.
ثم وجهت حديثها لسلمى: سلمى بكرة جلسة النطق بالحكم في قضية ماما.
قاطعتها سلمى بهدوء: هاروح معاكي يا شهد، أنا نفسي أبرد ناري زي زيك.
صباحا.
في المحكمة.
الجميع يجلسون في توتر ويسمعون الحكم بانصات شديد مع خوف.
حسني: حكمت المحكمة حضوريا وباجماع الآراء على إحالة أوراق المتهم حسني عبد الرحيم على حميدة إلى فضيلة مفتي الجمهورية، لقتله المجني عليها سميحة كارم متولي مع سبق الإصرار والترصد، رفعت الجلسة.
ظهرت الابتسامة على وجوههم، بينما هتف حسني بصراخ: لا يا بيه أنا مظلوم، دي حرامية يابيه سرقتني يابيه.
اقتربت منه شهد وابتسامة عريضة على وجهها: موتها يا حسني الكلب وانت هاتموت وحبل المشنقة هيلتف حوالين رقبتك، هاتمشي كدا وانت عارف إنك رايح تموت، موتها غدر، بس قبل ما تموتها بالسكينة التلمة بتاعتك، انت كنت بتموتها تلاتين ألف مرة في اليوم، أنا كل يوم هاتحاسبن عليك، حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا كلب.
نظر لها شرزًا: امشي يابت يابنت الـ**** من هنا، تلاقيكي متفقة معاها، علشان تسرقوني.
نظرت له بسخرية، بينما وقفت سلمى بعيد تنظر له بكره شديد على ما فعله بها وبوالدتها وبشهد وهذا كان جزاءه، لم يشعرها يوما أنه والدها ويحبها بل كان يعايرها دوما بمرضها، ويشعرها بأنها عبء عليه.
في المقابر.
دَلفت سلمى الأول إلى الداخل، فانتظر رامي دخولها وجذب شهد من يديها وطبع قبلة سريعة في إحدى وجنتيها، هاتفا بهمس: متوجعيش قلبك، ومتعيطيش كتير، طمنيها عليكي وعلى اختك، علشان ترتاح في موتها.
أومأت له بصمت ودلفت خلف سلمى، وقفت بجانبها وجذبتها لأحضانها وهتفت ببكاء وهي تنظر للقبر: ماما، انهاردا جه حقك انهاردا، وحسني الكلب هايموت مشنوق، ماما أنا عاوزاكي تطمنيني عليا، ربنا رزقني برامي الحمد لله، وكمان اطمني على سلمى هي في عيني متخافيش عليها، ارتاحي في نومتك يا حبيبتي، أنا مسامحاكي وبحبك أوي وهافضل أحبك.
ثم استطردت وهي توجهه حديثها لسلمى: قوليلها يا قلبي إنك كمان بتحبيها هي بتسمعنا دلوقتي.
سلمى ببكاء: أنا بحبك أوي يا أمي، ربنا يرحمك ويغفرلك ويجعل مثواكي الجنة.
شهد: آمين يارب.