تحميل رواية «شهد الحياه» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، بمنزل مكون من عدة طوابق، توجد شقة. تقف بطلتنا أمام المرآة تتحدث مع نفسها. تدخل والدتها، السيدة سميحة، وتردف بعتاب: _ ليه كدا يا شهد، تردي على أبوكي بالطريقة دي، أنا ربيتك على كدا. تنظر شهد إلى صورة والدتها المنعكسة في المرآة وتتحدث بعصبية: _ دا مش أبويا، دا جوز أمي، في فرق الله يكرمك يا ماما. تزفر والدتها بقلة صبر وتردف: _ ارحميني يا بنتي، مش موال كل يوم، هو مش رباكي من صغرك وعلمك وكمان... تقاطعها شهد بحدة: _ ماما مين دا اللي رباني، مين دا اللي علمني. الشقة دي شق...
رواية شهد الحياه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زيزي محمد
وقفت تنتظر قدومها تبحث بعينيها بين المارة. مرت ساعة، ثم اثنتين، ولكنها لم تأتي. شعرت بيد رامي على كتفها. التفت بعيون دامعة وهتفت بصوت حزين:
"شفت مجتش بردو، قلبي واجعني يا رامي، رغم كل الرسايل إلي بعتهالها هى وسلمى."
ازال دموعها بطرف إبهامه:
"خلاص يا شهد كفاية، انتي استنيتها كتير اوي خلينا ندخل، الشهود والمأذون زهقوا."
أومأت له دون التحدث. سارت معه وبداخلها حزن يكفي العالم بأكمله. تمت مراسم الزواج، وأصبحت هي زوجته شرعا وقانونا. تمناها هو في ليلة وكانت أقصى أمانيه أن يراها مرة أخرى يشبع نظراته ونفسه بها وبملامحها التي تشعل بداخله شعور لم يعهده من قبل مع أميرة أو غيرها. وها هي الآن زوجته ولكن لوقت محدد. هل سيخلف وعده مع أميرة؟ هل سيسيطر على مشاعره اتجاهها؟ من الآن وهو يريد أن يعانقها، يقبل شفتاها، يردها ملكه. متى ستصبح شهد الحياة حياته؟ ولكن يجب عليه أن يكبح ذلك الشعور ويسيطر على مشاعره التي تزيد الضعف اتجاهها يوما بعد يوم.
هي من هي؟! هي التي تركتها أمها وحيدة وسط هذة الغابة. هي التي ضحت بنفسها وآمالها من اجل اسعاد أمها واختها ومع اول عقبة باعوها. تتعامل مع الناس بصخب، بقوة، ومن داخلها ضعيفة، هشة، تريد البكاء في كل لحظة. غريبة هذه الدنيا لم ترى منها سوى الآلام القهر والظلم. يتردد على ذهنها دائما جملة (الدنيا زي مابتدي زي ما بتاخد)! ولكن معها هي (الدنيا بتاخد بس). رفعت بصرها للسماء تناجي ربها، وحده يعلم ما بها وما مخاوفها وبما تشعر بيه. أعطها القوة والصبر يا الله.
***
بمنزل حسني.
فتحت سميحة الغرفة باندفاع قائلة بغضب:
"خلاص يا حسني البت زمانها اتجوزت اديني التليفون اكلمها واقولها اي حجة."
رمى هو لفافة التبغ من يديه ودهس بقدمه عليها قائلا بسخرية:
"مالوش لزمة ياختي انا قومت بالواجب."
قطبت بين حاجبيها وهتفت بعدم فهم:
"قصدك ايه انك قومت بالواجب."
ابتسم بمكر مردفا:
"هقولك عملت ايه، نزلت للواد عادل بتاع سايبر خليته يكتب رسالة للحلوة بنتك ويقولها معلش يابنتي اصل انا مش هقدر اجاي اصل حسني محرج عليا ومش موافق، وبس اكيد شافتها وفهمت."
ضربت بكفيها على صدرها مردفة بصراخ:
"ليه ياحسني، عملت كدا ليه، ليه يا راجل عاوزها تكرهني مش كفاية طردتها مش كفاية مشافتش يوم حلو منك، دا علامات الحرق لسه في جسمها لغاية دلوقتي، لييه؟؟، حرام عليك ياخي ارحمها بقى، البت بعيدة وبعدت عنك وعن شرك وغلك وبردو مش عاوز تسيبها في حالها."
اندفع هو صوبها ثم غرس أظافره في جلدها قائلا بغل:
"عارفة ليه، علشان هي بنته من صلبه، بنت مصطفى اللي حبسني زمان، مصطفى إلي راح وشهد ضدي في القسم واتحبست سنة واتبهدلت في السجن."
نفضت يديها بعيدا عنه بعنف مردفة بعصبية:
"مش انت اللي سرقت انت ومتولي الحج مسعد وبعدين احمد ربنا انك خدت سنة وخففوا الحكم."
ضحك هو بسخرية:
"ولما انا سرقت اتجوزتيني ليه؟"
انهارت في هذه اللحظة وجلست مكانها على الأرض وبكت بكاء مرير:
"كنت غبية مغفلة، بنت الحج مسعد قالتلي ان انت ومتولي مش سرقتو وان مصطفى ظلمكو وهو مكنش بيحب يحكي عنك ولا يجيب سيرتك، بعد ما مات انت ومتولي خرجتو، هي اتجوزت متولي قولت مفيش واحدة تتجوز سارق ابوها، وقولت بس اكيد مصطفى ظلمكو، جتلي وقعدت تلف وتدور عليا علشان جوازي منك صدقتها وصدقتك ووافقت."
ثم رفعت بصرها ونظرت له نظرات توحي بالغل والكره:
"بس بعد كدا وبعد مامرت السنين وجبت سلمى، جت منال مرات متولي قبل موتها تعيطلي من قسوة متولي وانه متجوز عليها اتنين غيرها وانها كانت عارفة انكو السارقين بس من كتر حبها في متولي وافقت على كلامه ونشرت انك برئ ومصطفى ظلمك انت ومتولي."
انحنى هو بجذعه الأعلى نحوها وهتف بحقد دفين:
"وانا انسى لما اتحايلت عليه يشهد ان مسرقتش وهو قالي الساكت عن الحق شيطان اخرس وانت سرقت يا حسني ولازم تتعاقب، اهو مات وانا بكمل انتقامي في بنته."
ازالت دموعها بقوة مردفة بغضب:
"انا بكرهك يا حسني، بكرهك وبكره اليوم اللي شوفتك فيه واتجوزتك، بضرب نفسي بالجزمة اني وافقت عليك."
أثارت تلك الكلمات الغضب في نفسه. استقام في وقفته واتجه صوب الخزانة اخرج الحزام الجلدي منها وقام بلفه حول يديه عدة مرات واندفع اتجاها يذيقها العذاب. نزل بذلك الحزام الجلدي على جسدها الضئيل ارتفع صوت صراخها، وكلماتها وهي تطلب منه الرحمة، ولكن الرحمة قد تجردت من قلب ذلك الرجل. سمعت سلمى صراخ أمها. انتفضت من جلستها، وباتت تطرق الباب بعنف هاتفة بقوة:
"بابا، حرام سيبها، ابوس ايدك، سيبها."
ارتفع صوته من الداخل وهتف بغلظة:
"لمي نفسك يابت وروحي اتنيلي على اوضتك، اصل والله اجاي وانزله على جسمك انتي."
ارتعدت هي بعض خطوات للخلف، انكمشت على نفسها، شعرت بالضعف والخوف. صمتت ولكن بداخلها قلبا يصرخ وينزف. صمتت ولكن عينيها رفضت الصمت وتمردت وسالت دموعها بغزارة.
***
وقفت تنظر للمبنى الشاهق بخوف ورهبة، حتى شعرت بيد كريم الممسكة بيديها يجرها خلفه بهدوء. سارت معه بخطوات بطيئة. استقلوا المصعد وبداخلها شعور بالخوف اتجاه ما تقدم عليه. وقف المصعد في الطابق المنشود. تحركت هي خلفه وبداخلها مشاعر متضاربة. تحدثت ببعض الكلمات لسكرتيرة، ثم أخذها وجلس. نظرت حولها في أوجه الموجودين، زادت وتيرة القلق في نفسها. شعر بها حاوطها بيده هامسا في أذنيها:
"متخافيش هي مش هتاكلك، انا مسمحش لحد ياكلك اصلا انا إلي هاكلك بعد كدا."
اصطبغت وجنتاها باللون الأحمر القاني عقب كلماته تلك. اخفضت بصرها أرضا ثم قالت بهمس:
"عيب يا كريم كدا."
ضغط بيديه أكثر على جسدها وهو يبتسم بمكر. وما هي إلا دقائق معدودة حتى أتت السكرتيرة وأبلغتهم أن الطبيبة في انتظارهم. جذبها من يديها باتجاه غرفة الطبيبة في هذه اللحظة تريد الهرب مما تقدم عليه.
***
في منزل حسني.
جلست بجانب والدتها تضع لها (المرهم المخصص للكدمات). بدأت سميحة تأوه تحت لمسات يديها. هتفت سلمى بحزن:
"معلش يا ماما، استحملي ان شاء الله المرهم هيريحك."
هتفت سميحة ببكاء:
"اه ياني، بنتي زمانها بتكرهني، اتصرفي يا سلمى لازم تعرف، مش كفاية كرهها ليا."
أغلقت سلمى عينيها بضيق ثم هتفت بنفاذ صبر:
"اعمل ايه يا ماما، مانتي شوفتي قدامك كسر تليفوناتنا، وكمان حلف علينا ما احنا طالعين من باب البيت الا على معاد فرحي."
ازداد بكاء سميحة ثم هتفت بحقد دفين:
"ربنا يخدك يا حسني الكلب، ربنا يزلك، زمانها يا حبة عين امها مقطعة نفسها من العياط."
***
ظلت تنظر إلى غرفة الطبيبة وتتفحصها جيدا. لم تنصت لحرف واحد ينطقه كريم مع الطبيبة حتى انتبهت لصوت الطبيبة الجاد:
"طيب يا دكتور كريم، ممكن تسيبنا شوية نتكلم."
أومأ كريم دون التحدث. أمال على ليلى وطبع قبلة رقيقة على مقدمة رأسها ثم خرج من الغرفة. كانت هي تتبعه بنظراتها حتى خرج ثم حولت بصرها للطبيبة. كانت امرأة في الأربعينيات هادئة ملامحها بسيطة صوتها دافئ. من ينظر إليها يشعر بالراحة. ابتسمت الطبيبة قائلة بلطف:
"بصي يا ليلى مبدئيا انا اسمي الدكتورة هدى، ثانيا انا عاوزاكي تتأكدي ان اي كلمة هاتقوليها عمرها ما تطلع برا الأوضة دي، انا عاوزاكي تحكي عن كل حاجة جواكي، ان شاء الله باللخبطة مش عاوزة ترتيب، قولي اللي انتي حاساه دلوقتي او قبل كدا، قولي شعورك سواء كان خوف او قلق او أي حاجة، انا معاكي وهسمعك، كل جلسة هانقعد ساعتين مع بعض، هانحكي فيهم كل حاجة."
عم الصمت بالغرفة عقب حديث الطبيبة. اخفضت ليلى بصرها أرضا ثم تساقطت بعض الدموع من عينيها مردفة بنبرة يتخللها البكاء:
"بابا مات بسببي......"
***
في منزل رامي المالكي.
جالسة على السرير تبكي وتشهق بصوت عالي، وحولها أكوام من المناديل، يجلس بجانبها حمزة ممسكا بعلبة المناديل كلما رأها تنتهي من منديلًا يخرج آخر بسرعة معطيا إياه، وأمامها رامي يزم شفتيه بضيق، وبجانبه صفاء تنظر لها بحزن. نظر حمزة لوالده وهتف باسمه بهمس شديد. حول رامي بصره نحو حمزة مضيقا عينيه بتركيز، حتى هتف حمزة بتحريك شفتيه دون إصدار صوت:
"شهد خلصت المناديل."
ابتسم رامي بشدة على براءة ابنه. رأته شهد على تلك الحالة، اندفعت واقفة على الفراش مردفة بانفعال:
"جرى ايه يا رامي مفيش إحساس، انت بتضحك وانا بعيط."
وضعت صفاء يديها على رأسها ثم قالت لنفسها:
"يالهوي هانبدأ المشاكل."
رفع رامي بصره نحوها مردفا بهدوء:
"انزلي ياشهد كملي عياط، الفقرة لسه مخلصتش."
اتسعت عيناها بصدمة ثم هتفت بغيظ:
"انت بتتريق عليا يارامي، بتتريق على مشاعري."
حمحمت صفاء بصوت عالٍ:
"احم، انا رايحة اخد دوا الضغط والسكر يالا بينا يا حمزة ساعديني."
هتف حمزة بنبرة طفولية:
"اقعدي يا تيتة خلينا نتفرج."
قطب رامي بين حاجبيه مردفا بصرامة شديدة:
"تتفرج على ايه يا ولد، انت اتجننت."
هتفت شهد بصوت عالٍ:
"انت بتزعقله ليه انت هاتجيب غيظك مني فيه."
أشارت صفاء بيديها لحمزة بخفة ثم تسلل حمزة هو وصفاء خارج الغرفة، بينما وقف رامي بطوله الفارع واردف باستفزاز:
"عاوزة إيه يا شهد، هي أمك كبستك ومجتش هاتجيبي ضيقك عليا انا ولا إيه."
انسابت الدموع مرة ثانية من عينيها عقب جملته الحادة المستفزة وتعالت شهقاتها. لم يعلم أنه بهذا الحديث أنه قام بالضغط على جرح عميق بقلبها. رآها هو على تلك الحالة استغفر ربه بصوت عالٍ، ثم اقترب منها وجذبها من يديها وأجلسها على السرير مرة أخرى وجلس بجانبها. أعطاها بعض المناديل، ثم هتف بضيق:
"انتي اللي بتخليني اتعصب واقول كلام يزعلك ويضايقني من نفسي."
هتفت هي بكلمات متقطعة إثر بكائها الحاد:
"محدش حاسس بيا، مش عارفين انا حاسة بوجع قد إيه، والله كلمة قلبي مكسور دي قليلة اوي على اللي حاساه."
ألمته تلك الجملة كثيرا (قلبي مكسور دي قليلة). جذبتها لاحضانها معانقا إياها بقوة، دفن وجه في عنقها مستنشقا رائحة الورد التي دائما تفوح منها كلما اقترب منها أو جلس بجوارها، ثم هتف بنبرة حنونة:
"سلامة قلبك من الكسرة يا شهد، اوعي تنطقيها تاني ابدا فاهمة."
ابتعدت قليلا عنه وأصبح وجهها مقابل لوجه ثم هتفت بنبرة حزينة:
"ازاي قلبي مش يوجعني يا رامي، ازاي قلبي مش يتكسر واقرب الناس ليا خذلوني، امي يا رامي عارف يعني إيه امي، يعني المفروض كل حاجة في حياتي، انا مش عارفة هي بتعمل معايا كدا ليه، ليه تبيع بنتها علشان خاطر جوزها، دا بيهينها وبيضربها، انا كنت بطلع من اوضتي اخد مكانها الضرب، كانت بتشوفه بيحرقني وتبقى ساكتة مش قادرة تتكلم، انا طلبت منها إيه، طلبت حاجة بسيطة عاوزها تيجي تحضر معايا جوازي."
وضع يده على إحدى وجنتيها قائلا بغضب:
"كان بيضربك وبيحرقك."
هتفت هي بنبرة طفولية:
"اممممممم."
عانقها مرة أخرى بقوة، شعرت هي بقوة عناقه، طبع قبلة رقيقة على عنقها من فوق وشاحها مردفا بصرامة:
"إياكي اسمعك تجيبي سيرةتهم تاني، انسيهم خالص يا شهد دول مش موجودين في حياتك، انا بس انا وامي وحمزة احنا من انهاردة حياتك الجديدة، فاهمة ولا لأ."
بادلته هي عناقه فهي في أشد الحاجة لذلك الحنان والدفء، ثم هتفت بهمس:
"حاضر، هانساهم وانتو من انهاردة حياتي الجديدة."
***
في العيادة النفسية.
مرت الساعتان وكأنهم دهر على ليلى كانت تجيب بكلمات بسيطة. ابتسمت الطبيبة ثم هتفت:
"خلاص يا ليلى كدا كفاية باذن الله هاستناكي الأسبوع اللي جاي في نفس المعاد."
أومأت ليلى لها دون التحدث، فحديثها مع الطبيبة أرجعها لأحداث تحاول جاهدة نسيانها أو عدم التفكير فيها. دقت الطبيبة الجرس ثم دلف كريم مع السكرتيرة، هتفت الطبيبة بجدية:
"خدي مدام ليلى خليها تملأ شوية بيانات بس وعرفيها المواعيد كويس وشوفي الأول مناسبها ولا لأ."
خرجت ليلى مع السكرتيرة تائهة شاردة. فور خروجها، اندفع كريم بالحديث:
"هي مالها وشها باهت ليه كدا ومبتتكلمش."
ابتسمت الطبيبة واردفت بحكمة:
"عادي يا دكتور دا طبيعي إنه يحصل في أول جلسة، على فكرة هي اتجاوبت معايا بس يعني بنسبة ٤٠٪."
هتف كريم بتعجب:
"٤٠٪ نسبة حلوة."
أومأت الطبيبة مؤكدة ثم هتفت بتوضيح:
"طبعا يا دكتور، متنساش هي اتعرضت لأزمة نفسية صعبة ومش سهل تعدي منها، صحيح هي اتكلمت معايا على موت والدها ومجبتش سيرة اغتصاب خالص، بس دي خطوة كويسة، بس في حاجة في وسط الكلام قالت جملة انت مصر على إنك تسرع في علاقتكم، وده شيء غلط لازم ليلى تاخد وقتها ومتتسرعش أبدا. ليلى لازم تتخطى مرحلة اغتصابها، هي عمرها ما تنسى أبدا بس الأثر النفسي بيقل مع الوقت لو قدرت تثق في حد وتفتح قلبها له، بس ده مبيحصلش بين يوم وليلة، أهم حاجة يا دكتور إنك تتحلى بالصبر."
قام كريم من جلسته ثم مد يديه لكي يصافح الطبيبة قائلا برسمية:
"شكرا أوي يا دكتورة هدى وان شاء الله هاجبها لك الأسبوع الجاي في نفس المعاد."
***
مر الأسبوع سريعًا على أبطالنا، وجاء اليوم المحدد لزفاف سلمى وزكريا. جلست أمام المرآة في صالون التجميل المسمى بـ (الكوافير) تضع لها الفتاة اللمسات الأخيرة، كانت في غاية الجمال والبساطة بفستانها الرقيق. تعالت الزغاريط وأبواق السيارات معلنة عن وصول زكريا. زادت دقات قلبها، تسرب الخوف رويدًا لقلبها. انتهت الفتاة من وضع الطرحة ثم أطلقت زغروطة عالية مردفة بعدها بحماس:
"يالا يا بنات افتحوا الباب للعريس خليه يدخل يشوف عروسته القمر."
وبالفعل دلف زكريا يبحث في وجوه الفتيات عن سلمى حتى وجدها بفستانها البسيط وملامحها الرقيقة ولاول مرة يدق قلبه بشعور غريب لم يشعر به من قبل مع ليلى. اتسعت ابتسامته تدريجيا ثم اقترب منها قائلا بصوت منخفض للغاية:
"بسم الله ما شاء الله، قمر بدر منور يا سلمى."
نظرت له نظرات خالية من التعبير، حتى احتلت نظراتها مع ظهور مديحة من الخلف. اقتربت منها مديحة بابتسامة مصطنعة مردفة:
"الله أكبر إيه الحلاوة دي يا مرات ابني."
ثم تابعت قائلة:
"يالا علشان الفرح هايبدأ والناس بتستعجلنا."
ذهبت معهم وكأنها دمية يحركوها كما يشاؤون. تفاجأت هي بكم الأضواء والناس الحاضرين. تعالت الأغاني وبدأ الرقص. نظرت لأمها الجالسة وحدها حزينة، وجهها متورم ونظرات الشفقة من نساء الحي وهمسات مديحة للنسوة. طأطأت رأسها لأسفل، تمنت أن الأرض تنشق وتبتلعها، تمنت أن تختفي من الوجود. مرت الساعتان ببطء حتى أمرت مديحة بإنهاء حفل الزواج. صعدت هي الدرج مع زكريا تبكي حتى وصلت أعتاب شقة زكريا. وقفت ثم استدارت لعناق والدتها تحت أنظار السخط من مديحة وحسني. جذبتها مديحة عنوة من أحضان سميحة مردفة بسخرية:
"ما خلاص ياختي، هو حوار ولا إيه نكدتو على الواد في ليلة دخلته."
ثم تابعت بصرامة:
"خد عروستك يا زكريا، يالا وانا وأمها وأبوها قاعدين هنا نستنى الخبر الحلو."
اتسعت عينا سميحة بصدمة:
"قصدك إيه بالخبر الحلو يا مديحة، انتي بتتكلمي جد لا يمكن يحصل أبدا، انتي مش شايفة البت خايفة إزاي."
رفعت مديحة حاجبيها باعتراض:
"قصدي عاوزين نعرف هي بنت ولا لأ، آه لتطلع مغشوشة ياختي، يبقى أبوها ياخدها يقتلها هو حر."
ترنحت هي عقب حديث مديحة. رآها زكريا مد يديه يحاوطها بخوف حقيقي، ثم هتف:
"انتي بتقولي إيه يا ماما، مينفعش اللي انتي بتقوليه دا."
جلست مديحة ثم هتفت بمكر:
"اتكلم انت يابو سلمى، أنا مش هاتكلم."
جلس هو الآخر على الكرسي مردفا بخشونة:
"بقولك إيه يا جوز بنتي، انت تنفذ اللي أمك قالتلك عليه، احنا هانستنى هنا وناخد البشارة."
صرخت سميحة:
"حرام عليك يا راجل دي حتى بنتك، اتقي الله بقى."
قاطعها حسني بصفعة على وجهها مردفا بغلظة:
"لو مش سكتي هاموتك انتي فاهمة."
خرج صوت سلمى بضعف:
"خلاص يابابا حاضر هانفذ كل حاجة."
ابتسمت مديحة بسخرية:
"شاطرة يا مرات ابني بتسمعي الكلام."
ثم استطردت:
"وبقولك إيه يا زكريا، أنا عاوزاك تدخل عليها يا حبيبي علشان آخدها بكرة عند دكتورة أطمن عليها، بلاش ضحك على الدقون، أنا مستنية اهو."
رواية شهد الحياه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زيزي محمد
وقفت تنتظر قدومها تبحث بعينيها بين المارة. مرت ساعة، ثم اثنتين، ولكنها لم تأتي. شعرت بيد رامي على كتفها.
التفت بعيون دامعة وهتفت بصوت حزين:
"شفت مجتش بردو، قلبي واجعني يا رامي، رغم كل الرسايل إلي بعتهالها هي وسلمى."
أزال دموعها بطرف إبهامه:
"خلاص يا شهد كفاية، انتي استنيتها كتير أوي خلينا ندخل، الشهود والمأذون زهقوا."
أومأت له دون التحدث، سارت معه وبداخلها حزن يكفي العالم بأكمله. تمت مراسم الزواج، وأصبحت هي زوجته شرعًا وقانونًا. تمناها هو في ليلة، وكانت أقصى أمانيه أن يراها مرة أخرى، يشبع نظراته ونفسه بها وبملامحها التي تشعل بداخله شعورًا لم يعهده من قبل مع أميرة أو غيرها. وها هي الآن زوجته، ولكن لوقت محدد. هل سيخلف وعده مع أميرة؟ هل سيسيطر على مشاعره تجاهها؟ من الآن وهو يريد أن يعانقها، يقبل شفتيها، يردها ملكه. متى ستصبح شهد الحياة حياته؟ ولكن يجب عليه أن يكبح ذلك الشعور ويسيطر على مشاعره التي تزيد الضعف تجاهها يومًا بعد يوم.
هي من هي؟ هي التي تركتها أمها وحيدة وسط هذه الغابة. هي التي ضحت بنفسها وآمالها من أجل إسعاد أمها وأختها، ومع أول عقبة باعوها. تتعامل مع الناس بصخب، بقوة، ومن داخلها ضعيفة هشة تريد البكاء في كل لحظة. غريبة هذه الدنيا، لم ترى منها سوى الآلام، القهر، والظلم. يتردد على ذهنها دائمًا جملة: "الدنيا زي ما بتدي زي ما بتاخد". ولكن معها هي، "الدنيا بتاخد بس". رفعت بصرها للسماء تناجي ربها، وحده يعلم ما بها، وما مخاوفها، وبما تشعر به. أعطها القوة والصبر يا الله.
***
بمنزل حسني.
فتحت سميحة الغرفة باندفاع قائلة بغضب:
"خلاص يا حسني، البت زمانها اتجوزت. اديني التليفون أكلمها وأقولها أي حجة."
رمى هو لفافة التبغ من يديه ودهس بقدمه عليها قائلاً بسخرية:
"مالوش لازمة يا أختي، أنا قمت بالواجب."
قطبت بين حاجبيها وهتفت بعدم فهم:
"قصدك إيه إنك قمت بالواجب؟"
ابتسم بمكر مردفًا:
"هقولك عملت إيه. نزلت للواد عادل بتاع السايبر، خليته يكتب رسالة للحلوة بنتك ويقولها: معلش يابنتي أصل أنا مش هقدر أجي، أصل حسني محرج عليا ومش موافق. وبس، أكيد شفتها وفهمت."
ضربت بكفيها على صدرها مردفة بصراخ:
"ليه يا حسني؟ عملت كدا ليه؟ ليه يا راجل؟ عاوزها تكرهني؟ مش كفاية طردتها؟ مش كفاية مشافتش يوم حلو منك؟ ده علامات الحرق لسه في جسمها لغاية دلوقتي. لييه؟؟ حرام عليك يا أخي، ارحمها بقى. البت بعيدة وبعدت عنك وعن شرك وغلك، وبردو مش عاوز تسيبها في حالها."
اندفع هو صوبها ثم غرس أظافره في جلدها قائلاً بغل:
"عارفة ليه؟ علشان هي بنته من صلبه. بنت مصطفى اللي حبسني زمان. مصطفى اللي راح وشهد ضدي في القسم واتحبست سنة واتبهدلت في السجن."
نفضت يديها بعيدًا عنه بعنف مردفة بعصبية:
"مش أنت اللي سرقت أنت ومتولي الحاج مسعد؟ وبعدين احمد ربنا إنك خدت سنة وخففوا الحكم."
ضحك هو بسخرية:
"ولما أنا سرقت، اتجوزتيني ليه؟"
انهارت في هذه اللحظة وجلست مكانها على الأرض وبكت بكاءً مريرًا:
"كنت غبية مغفلة. بنت الحاج مسعد قالتلي إن انت ومتولي مش سرقتوا، وإن مصطفى ظلمكم، وهو مكنش بيحب يحكي عنك ولا يجيب سيرتك. بعد ما مات، أنت ومتولي خرجتوا. هي اتجوزت متولي، قولت مفيش واحدة تتجوز سارق أبوها، وقولت بس أكيد مصطفى ظلمكم. جتلي وقعدت تلف وتدور عليا علشان جوازي منك، صدقتها وصدقتك ووافقت."
ثم رفعت بصرها ونظرت له نظرات توحي بالغل والكره:
"بس بعد كدا، وبعد ما مرت السنين وجبت سلمى، جت منال مرات متولي قبل موتها تعيطلي من قسوة متولي وإنه متجوز عليها اتنين غيرها، وإنها كانت عارفة إنكم السارقين، بس من كتر حبها في متولي وافقت على كلامه ونشرت إنك بريء ومصطفى ظلمك أنت ومتولي."
انحنى هو بجذعه الأعلى نحوها وهتف بحقد دفين:
"وأنا أنسى؟ لما اتحايلت عليه يشهد إن مسرقتش وهو قالي: الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأنت سرقت يا حسني ولازم تتعاقب. أهو مات، وأنا بكمل انتقامي في بنته."
أزالت دموعها بقوة مردفة بغضب:
"أنا بكرهك يا حسني، بكرهك وبكره اليوم اللي شوفتك فيه واتجوزتك. بضرب نفسي بالجزمة إني وافقت عليك."
أثارت تلك الكلمات الغضب في نفسه. استقام في وقفته واتجه صوب الخزانة، أخرج الحزام الجلدي منها وقام بلفه حول يديه عدة مرات واندفع اتجاهها يذيقها العذاب. نزل بذلك الحزام الجلدي على جسدها الضئيل، ارتفع صوت صراخها، وكلماتها وهي تطلب منه الرحمة. ولكن الرحمة قد تجردت من قلب ذلك الرجل.
سمعت سلمى صراخ أمها. انتفضت من جلستها، وباتت تطرق الباب بعنف هاتفة بقوة:
"بابا، حرام سيبها، أبوس إيدك، سيبها."
ارتفع صوته من الداخل وهتف بغلظة:
"لمي نفسك يابت وروحي اتنيلي على أوضتك، أصل والله جاي وآنزله على جسمك أنتِ."
ارتعدت هي، بعض خطوات للخلف، انكمشت على نفسها، شعرت بالضعف والخوف. صمتت، ولكن بداخلها قلبًا يصرخ وينزف. صمتت، ولكن عينيها رفضت الصمت وتمردت وسالت دموعها بغزارة.
***
وقفت تنظر للمبنى الشاهق بخوف ورهبة، حتى شعرت بيد كريم الممسكة بيديها يجرها خلفه بهدوء. سارت معه بخطوات بطيئة. استقلوا المصعد وبداخلها شعور بالخوف تجاه ما تقدم عليه. وقف المصعد في الطابق المنشود. تحركت هي خلفه وبداخلها مشاعر متضاربة. تحدثت ببعض الكلمات لسكرتيرة، ثم أخذها وجلس. نظرت حولها في وجوه الموجودين، زادت وتيرة القلق في نفسها. شعر بها، حاوطها بيده هامسًا في أذنيها:
"متخافيش، هي مش هتاكلك. أنا مسمحش لحد ياكلك أصلًا، أنا اللي هاكلك بعد كدا."
اصطبغت وجنتاها باللون الأحمر القاني عقب كلماته تلك. أخفضت بصرها أرضًا ثم قالت بهمس:
"عيب يا كريم كدا."
ضغط بيديه أكثر على جسدها وهو يبتسم بمكر. وما هي إلا دقائق معدودة حتى أتت السكرتيرة وأبلغتهم أن الطبيبة في انتظارهم. جذبها من يديها باتجاه غرفة الطبيبة. في هذه اللحظة تريد الهرب مما تقدم عليه.
***
في منزل حسني.
جلست بجانب والدتها تضع لها ( المرهم المخصص للكدمات). بدأت سميحة تأوه تحت لمسات يديها. هتفت سلمى بحزن:
"معلش يا ماما، استحملي، إن شاء الله المرهم هيريحك."
هتفت سميحة ببكاء:
"آه ياني، بنتي زمانها بتكرهني. اتصرفي يا سلمى، لازم تعرف، مش كفاية كرهها ليا."
أغلقت سلمى عينيها بضيق ثم هتفت بنفاذ صبر:
"أعمل إيه يا ماما؟ ما أنتي شوفتي قدامك كسر تليفوناتنا. وكمان حلف علينا ما إحنا طالعين من باب البيت إلا على معاد فرحي."
ازداد بكاء سميحة ثم هتفت بحقد دفين:
"ربنا ياخدك يا حسني الكلب، ربنا يذلك. زمانها يا حبة عين أمها مقطعة نفسها من العياط."
***
ظلت تنظر إلى غرفة الطبيبة وتتفحصها جيدًا. لم تنصت لحرف واحد ينطقه كريم مع الطبيبة حتى انتبهت لصوت الطبيبة الجاد:
"طيب يا دكتور كريم، ممكن تسيبنا شوية نتكلم."
أومأ كريم دون التحدث. أمال على ليلى وطبع قبلة رقيقة على مقدمة رأسها ثم خرج من الغرفة. كانت هي تتبعه بنظراتها حتى خرج، ثم حولت بصرها للطبيبة. كانت امرأة في الأربعينيات، هادئة، ملامحها بسيطة، صوتها دافئ. من ينظر إليها يشعر بالراحة. ابتسمت الطبيبة قائلة بلطف:
"بصي يا ليلى، مبدئيًا أنا اسمي الدكتورة هدى. ثانيًا، أنا عاوزاكي تتأكدي إن أي كلمة هتقوليها عمرها ما تطلع برا الأوضة دي. أنا عاوزاكي تحكي عن كل حاجة جواكي، إن شاء الله باللخبطة، مش عاوزة ترتيب. قولي اللي أنتِ حاساه دلوقتي أو قبل كدا، قولي شعورك سواء كان خوف أو قلق أو أي حاجة. أنا معاكي وهسمعك. كل جلسة هانقعد ساعتين مع بعض، هانحكي فيهم كل حاجة."
عم الصمت بالغرفة عقب حديث الطبيبة. أخفضت ليلى بصرها أرضًا ثم تساقطت بعض الدموع من عينيها مردفة بنبرة يتخللها البكاء:
"بابا مات بسببي......"
***
في منزل رامي المالكي.
جالسة على السرير تبكي وتشهق بصوت عالٍ، وحولها أكوام من المناديل. يجلس بجانبها حمزة ممسكًا بعلبة المناديل، كلما رآها تنتهي من منديلًا يخرج آخر بسرعة معطيًا إياه. وأمامها رامي يزم شفتيه بضيق. وبجانبه صفاء تنظر لها بحزن. نظر حمزة لوالده وهتف باسمه بهمس شديد. حول رامي بصره نحو حمزة مضيقًا عينيه بتركيز، حتى هتف حمزة بتحريك شفتيه دون إصدار صوت:
"شهد خلصت المناديل."
ابتسم رامي بشدة على براءة ابنه. رأته شهد على تلك الحالة، اندفعت واقفة على الفراش مردفة بانفعال:
"جرى إيه يا رامي؟ مفيش إحساس؟ أنت بتضحك وأنا بعيط."
وضعت صفاء يديها على رأسها ثم قالت لنفسها:
"يالهوي، هانبدأ المشاكل."
رفع رامي بصره نحوها مردفًا بهدوء:
"انزلي يا شهد كملي عياط، الفقرة لسه مخلصتش."
اتسعت عيناها بصدمة ثم هتفت بغيظ:
"أنت بتتريق عليا يارامي؟ بتتريق على مشاعري."
حمحمت صفاء بصوت عالٍ:
"احم، أنا رايحة آخد دوا الضغط والسكر، يالا بينا يا حمزة ساعديني."
هتف حمزة بنبرة طفولية:
"اقعدي يا تيتة، خلينا نتفرج."
قطب رامي بين حاجبيه مردفًا بصرامة شديدة:
"تتفرج على إيه يا ولد؟ أنت اتجننت."
هتفت شهد بصوت عالٍ:
"أنت بتزعقله ليه؟ أنت هاتجيب غيظك مني فيه."
أشارت صفاء بيديها لحمزة بخفة ثم تسلل حمزة هو وصفاء خارج الغرفة. بينما وقف رامي بطوله الفارع وأردف باستفزاز:
"عاوزة إيه يا شهد؟ هي أمك كبستك ومجتش؟ هاتجيبي ضيقك عليا أنا ولا إيه؟"
انسابت الدموع مرة ثانية من عينيها عقب جملته الحادة المستفزة وتعالت شهقاتها. لم يعلم أنه بهذا الحديث قام بالضغط على جرح عميق بقلبها. رآها هو على تلك الحالة، استغفر ربه بصوت عالٍ، ثم اقترب منها وجذبها من يديها وأجلسها على السرير مرة أخرى وجلس بجانبها. أعطاها بعض المناديل، ثم هتف بضيق:
"أنتِ اللي بتخليني أتعصب وأقول كلام يزعلك ويضايقني من نفسي."
هتفت هي بكلمات متقطعة إثر بكائها الحاد:
"محدش حاسس بيا، مش عارفين أنا حاسة بوجع قد إيه، والله كلمة قلبي مكسور دي قليلة أوي على اللي حاساه."
ألمته تلك الجملة كثيرًا (قلبي مكسور دي قليلة). جذبتها لاحتضانها، معانقًا إياها بقوة، دفن وجهه في عنقها مستنشقًا رائحة الورد التي دائمًا تفوح منها كلما اقترب منها أو جلس بجوارها. ثم هتف بنبرة حنونة:
"سلامة قلبك من الكسرة يا شهد، أوعي تنطقيها تاني أبدًا، فاهمة؟"
ابتعدت قليلاً عنه وأصبح وجهها مقابلًا لوجهه، ثم هتفت بنبرة حزينة:
"إزاي قلبي مش يوجعني يا رامي؟ إزاي قلبي مش يتكسر وأقرب الناس ليا خذلوني؟ أمي يا رامي، عارف يعني إيه أمي؟ يعني المفروض كل حاجة في حياتي. أنا مش عارفة هي بتعمل معايا كدا ليه؟ ليه تبيع بنتها علشان خاطر جوزها؟ ده بيهينها وبيضربها. أنا كنت بطلع من أوضتي آخد مكانها الضرب، كانت بتشوفه بيحرقني وتبقى ساكتة مش قادرة تتكلم. أنا طلبت منها إيه؟ طلبت حاجة بسيطة، عاوزاها تيجي تحضر معايا جوازي."
وضع يده على إحدى وجنتيها قائلًا بغضب:
"كان بيضربك وبيحرقك."
هتفت هي بنبرة طفولية:
"اممممممم."
عانقها مرة أخرى بقوة. شعرت هي بقوة عناقه. طبع قبلة رقيقة على عنقها من فوق وشاحها مردفًا بصرامة:
"إياكي أسمعك تجيبي سيرةتهم تاني، انسيهم خالص يا شهد، دول مش موجودين في حياتك. أنا بس، أنا وأمي وحمزة، إحنا من النهاردة حياتك الجديدة، فاهمة ولا لأ."
بادلته هي عناقه، فهي في أشد الحاجة لذلك الحنان والدفء. ثم هتفت بهمس:
"حاضر، هأنسهم وانتو من النهاردة حياتي الجديدة."
***
في العيادة النفسية.
مرت الساعتان وكأنهم دهر على ليلى. كانت تجيب بكلمات بسيطة. ابتسمت الطبيبة ثم هتفت:
"خلاص يا ليلى كدا كفاية، باذن الله هاستناكي الأسبوع اللي جاي في نفس المعاد."
أومأت ليلى لها دون التحدث. فحديثها مع الطبيبة أرجعها لأحداث تحاول جاهدة نسيانها أو عدم التفكير فيها. دقت الطبيبة الجرس ثم دلف كريم مع السكرتيرة. هتفت الطبيبة بجدية:
"خدي مدام ليلى، خليها تملى شوية بيانات بس، وعرفيها المواعيد كويس وشوفي الأول مناسبها ولا لأ."
خرجت ليلى مع السكرتيرة تائهة شاردة. فور خروجها، اندفع كريم بالحديث:
"هي مالها وشها باهت ليه كدا ومبتتكلمش؟"
ابتسمت الطبيبة واردفت بحكمة:
"عادي يا دكتور، دا طبيعي إنه يحصل في أول جلسة. على فكرة، هي اتجاوبت معايا بس يعني بنسبة ٤٠٪."
هتف كريم بتعجب:
"٤٠٪ نسبة حلوة."
أومأت الطبيبة مؤكدة ثم هتفت بتوضيح:
"طبعًا يا دكتور، متنساش هي اتعرضت لأزمة نفسية صعبة ومش سهل تعدي منها. صحيح هي اتكلمت معايا على موت والدها ومجبتش سيرة اغتصاب خالص، بس دي خطوة كويسة. بس في حاجة في وسط الكلام قالت جملة: أنت مصر على إنك تسرع في علاقتكم، وده شيء غلط. لازم ليلى تاخد وقتها ومتتسرعش أبدًا. ليلى لازم تتخطى مرحلة اغتصابها. هي عمرها ما تنسى أبدًا، بس الأثر النفسي بيقل مع الوقت لو قدرت تثق في حد وتفتح قلبها له. بس ده مبيحصلش بين يوم وليلة. أهم حاجة يا دكتور إنك تتحلى بالصبر."
قام كريم من جلسته ثم مد يديه لكي يصافح الطبيبة قائلًا برسمية:
"شكرًا أوي يا دكتورة هدى، وإن شاء الله هاجبهالك الأسبوع الجاي في نفس المعاد."
***
مر الأسبوع سريعًا على أبطالنا، وجاء اليوم المحدد لزفاف سلمى وزكريا. جلست أمام المرآة في صالون التجميل المسمى بـ (الكوافير) تضع لها الفتاة اللمسات الأخيرة. كانت في غاية الجمال والبساطة بفستانها الرقيق. تعالت الزغاريط وأبواق السيارات معلنة عن وصول زكريا. زادت دقات قلبها. تسرب الخوف رويدًا لقلبها. انتهت الفتاة من وضع الطرحة ثم أطلقت زغرودة عالية مردفة بعدها بحماس:
"يالا يا بنات افتحوا الباب للعريس خليه يدخل يشوف عروسته القمر."
وبالفعل دلف زكريا يبحث في وجوه الفتيات عن سلمى حتى وجدها بفستانها البسيط وملامحها الرقيقة، ولأول مرة يدق قلبه بشعور غريب لم يشعر به من قبل مع ليلى. اتسعت ابتسامته تدريجيًا ثم اقترب منها قائلًا بصوت منخفض للغاية:
"بسم الله ما شاء الله، قمر بدر منور يا سلمى."
نظرت له نظرات خالية من التعبير، حتى احتدمت نظراتها مع ظهور مديحة من الخلف. اقتربت منها مديحة بابتسامة مصطنعة مردفة:
"الله أكبر، إيه الحلاوة دي يا مرات ابني."
ثم تابعت قائلة:
"يالا علشان الفرح هايبدأ والناس بتستعجلنا."
ذهبت معهم وكأنها دمية يحركوها كما يشاءون. تفاجأت هي بكم الأضواء والناس الحاضرين. تعالت الأغاني وبدأ الرقص. نظرت لأمها الجالسة وحدها حزينة، وجهها متورم ونظرات الشفقة من نساء الحي وهمسات مديحة للنسوة. طأطأت رأسها لأسفل، تمنت أن الأرض تنشق وتبتلعها، تمنت أن تختفي من الوجود. مرت الساعتان ببطء حتى أمرت مديحة بإنهاء حفل الزواج. صعدت هي الدرج مع زكريا تبكي حتى وصلت أعتاب شقة زكريا. وقفت ثم استدارت لعناق والدتها تحت أنظار السخط من مديحة وحسني. جذبتها مديحة عنوة من أحضان سميحة مردفة بسخرية:
"ما خلاص يا أختي، هو حوار ولا إيه؟ نكدتو على الواد في ليلة دخلته."
ثم تابعت بصرامة:
"خد عروستك يا زكريا، يالا وأنا وأمها وأبوها قاعدين هنا نستنى الخبر الحلو."
اتسعت عينا سميحة بصدمة:
"قصدك إيه بالخبر الحلو يا مديحة؟ أنتِ بتتكلمي جد؟ لا يمكن يحصل أبدًا! أنتِ مش شايفة البت خايفة إزاي."
رفعت مديحة حاجبيها باعتراض:
"قصدي عاوزين نعرف هي بنت ولا لأ، آه لتطلع مغشوشة يا أختي، يبقى أبوها ياخدها يقتلها هو حر."
ترنحت هي عقب حديث مديحة. رآها زكريا، مد يديه يحاوطها بخوف حقيقي، ثم هتف:
"أنتِ بتقولي إيه يا ماما؟ مينفعش اللي أنتِ بتقوليه دا."
جلست مديحة ثم هتفت بمكر:
"اتكلم أنت يا أبو سلمى، أنا مش هاتكلم."
جلس هو الآخر على الكرسي مردفًا بخشونة:
"بقولك إيه يا جوز بنتي، أنت تنفذ اللي أمك قالتهولك عليه. إحنا هانستنى هنا وناخد البشارة."
صرخت سميحة:
"حرام عليك يا راجل، دي حتى بنتك، اتقي الله بقى."
قاطعها حسني بصفعة على وجهها مردفًا بغلظة:
"لو مش سكتي هاموتك أنتِ، فاهمة."
خرج صوت سلمى بضعف:
"خلاص يا بابا، حاضر، هأنفذ كل حاجة."
ابتسمت مديحة بسخرية:
"شاطرة يا مرات ابني، بتسمعي الكلام."
ثم استطردت:
"وبقولك إيه يا زكريا، أنا عاوزاك تدخل عليها يا حبيبي علشان آخدها بكرة عند دكتورة أطمن عليها، بلاش ضحك على الدقون. أنا مستنية أهو."
رواية شهد الحياه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم زيزي محمد
شهد تشاهد التلفاز بملل، حتى قاطع مشاهدتها صوت رنين الهاتف المنزلي.
توجهت نحوه ممسكة بسماعة الهاتف مردفة بهدوء:
_ الو.
أتاها صوت امرأة تتحدث بجدية:
_ السلام عليكم.
ردت شهد تحيتها:
_ وعليكم السلام، مين حضرتك؟!
تحدثت المرأة بضيق:
_ حضرتك أنا الأخصائية الاجتماعية في مدرسة حمزة، إحنا عاوزين ولي أمره ضروري، اتصلنا على أستاذ رامي تليفونه مقفول.
هتفت شهد بقلق:
_ في إيه حمزة بخير.
تحدثت المرأة:
_ مينفعش كلام في التليفون، يا ريت تحاولي توصلي لوالده ويجي المدرسة ضروري.
أغلقت المرأة الهاتف دون سماع رد شهد. بلغ القلق أقصى مراحله، ذهبت سريعا لصفاء، طرقت الباب عدة مرات ثم دلفت بسرعة مردفة:
_ خالتي معلش قطعت تلاوتك.
نظرت لها صفاء ثم هتفت بتساؤل:
_ في إيه يا شهد.
تحدثت شهد بنبرة يتخللها القلق والخوف:
_ حمزة المدرسة بتاعته اتصلت وعاوزين رامي ضروري وتقريبًا تليفونه مقفول.
وقفت صفاء مردفة بقلق:
_ يالهوي في إيه.
هتفت شهد بسرعة:
_ مش وقته يا خالتي، اديني عنوان المدرسة أروح أشوف في إيه.
قالت صفاء:
_ طيب هتروحي لوحدك.
أومأت شهد مردفة:
_ آه هاروح طبعًا، لازم ألحق أشوف في إيه.
التفت صفاء حولها بتوتر حتى رأت تلك الأجندة، ذهبت نحوها ثم مسكت القلم وكتبت عنوان المدرسة. أخذت شهد تلك الورقة بسرعة متوجهة لغرفتها حتى ترتدي ملابسها على عجالة وبذهنها مئة سيناريو.
***
بمنزل زكريا.
هتفت الممرضة وهي تمضغ تلك العلكة بفمها:
_ أهو يا مدام زكريا نضفت الجرح وظبطته.
هتفت مديحة بسخرية:
_ أمال الهانم أغمى عليها ليه يا مروة.
أغمضت عينيها بضيق والتزمت الصمت، بينما هتفت الممرضة:
_ تلاقيها من الخضة بس يا خالتي.
نظرت مديحة لسلمى النائمة ببكاء ثم قالت:
_ تعالي معايا يا مروة برا عاوزاكي بكلمتين، وأهو نسيب السنيورة ترتاح.
خرجت مديحة ومروة، ما إن رآهم زكريا حتى هتف بقلق:
_ سلمى أخبارها إيه يا ماما.
لوت شفتيها بتهكم مردفة:
_ زي القردة يا أخويا، طب اطمن على أمك الأول.
هتف سريعا وهو متجه نحو الغرفة، قلبه يأكله من شدة قلقه عليها:
_ إنتي زي الفل يا ماما، عن إذنكوا.
ثم أغلق الباب في وجوههم. اتسعت عيني مديحة مردفة:
_ شوفتي الواد يا بت يا مروة، قفل الباب في وشي إزاي.
هتفت مروة بجدية:
_ سيبك يا مدام زكريا، أنا عاوزة أقولك إن الإغماءة دي إغماءة سكر.
زمّت مديحة شفتيها بضيق:
_ آه عارفين، سيبك منها إن شاء الله تموت، المهم أنا عاوزاكي في حوار كدا.
قالت مروة:
_ أمري يا خالتي تحت أمرك.
هتفت مديحة بخفوت:
_ أنا عاوزة دكتور نسا يكشف على البت اللي جوا دي ويكون سعره حنين، أصل الدكتورة اللي على أول الشارع مفترية ياختي سعرها ٧٧ جنيه تقولشي بتخترع الذرة.
مروة بفضول:
_ ليه يا خالتي، عاوزة دكتور نسا ليه.
هتفت مديحة بمكر:
_ أصل عاوزة أطمن هي بنت بنوت ولا لأ.
اتسعت عيني مروة بصدمة:
_ هو زكريا معملش حاجة امبارح.
لوت شفتيها بتهكم:
_ رفضت ياختي وقعدت تعيط.
وتقول لامروة بخبث:
_ آه انتوا لامؤاخذة شاكين فيها.
ابتسمت بمكر ثم أردفت باختلاق كذبة:
_ آه سمعت طراطيش كلام إنها كانت على علاقة بواحد، بس إيه عندك دكتور ولا لأ.
هتفت مروة مؤكدة:
_ آه عندي، في دكتور نسا كبير أوي ومشهور فاتح عيادة في ....، ومخلي تلات أيام للغلابة يكشف فيهم ببلاش وحظك إنهاردة هيكشف ببلاش، هاتصل ببت صاحبتي ليها علاقة بالممرضة اللي هناك وتحجزلكوا.
اتسعت ابتسامتها:
_ ببلاش آه حلوة دي، ماشي معاكي رقمي أهو لو حجزتي بلغيني آخد المحروسة ونروح.
مروة وهي تخرج الهاتف من صدرها مردفة:
_ ماشي يا خالتي، هاتصل بيها أهو.
***
في عيادة النسا.
وقفت ليلى على أعتاب غرفة كريم حتى خرجت المرأة من الغرفة مبتسمة ويديها تتشابك مع زوجها يشكلان لوحة جميلة تعبر عن السعادة. ابتسمت لسعادتهم ثم دلفت بعدهم مغلقة الباب خلفها.
رفع كريم بصره ما إن رآها ابتسم بشدة. كان على وشك التحدث حتى هي قاطعته بفضول:
_ هما فرحانين أوي ليه كدا.
هتف كريم بهدوء:
_ بقالهم سبع سنين مخلفوش والحمد لله ربنا كرمهم، حامل في توأم ولد وبنت.
هتفت بحزن:
_ يااااه سبع سنين.
ثم استطردت:
_ بس الحمد لله ربنا كرمهم، ربنا يتمملها على خير.
ابتسم كريم ثم قال بتسرع:
_ عقبالك إن شاء الله يا روحي.
أغمضت عيناها بقوة، ظهر الحزن على ملامحها رويدًا. شعر هو بها اقترب منها مردفًا بأسف:
_ أنا آسف يا ليلى مقصدش.
فتحت عيناها ثم أردفت بتلعثم:
_ كريم هو انت يعني.
حثها هو على التحدث:
_ كملي يا ليلى أنا إيه.
زادت وتيرة التوتر بداخلها ولكنها تريد الاطمئنان مردفة:
_ انت عملت تنضيف كويس ليا، أنا مش هستحمل أبقى ح.
قاطعها بحدة:
_ انسي بقا يا ليلى، اطمني مفيش حاجة هاتحصل.
حزنت هي لنبرته تلك، خرجت من الغرفة دون رد. وقف كريم يتابعها بعينه ثم ضغط على الجرس، وما هي إلا ثواني قليلة حتى أتت السكرتيرة تهتف برسمية:
_ نعم يا دكتور.
هتف بصرامة:
_ اهتمي بمدام ليلى كويس وابعتيلها عصير فريش ودخلي الكشف اللي بعده، هو فاضل كام كشف.
_ فاضل ٨ كشوفات، بس في حالة عاوزين يدخلوا ضروري بيقولوا مسألة حياة أو موت.
تنهد كريم بنفاذ صبر مردفًا:
_ طيب ابقي دخليهم آخر ناس، وزي ما قولتلك مدام ليلى وديلها عصير ومتزعجوهاش فاهمة ولا لأ.
_ فاهمة يا فندم متقلقش.
***
في المدرسة.
هتفت شهد بغضب:
_ أنا مش فاهمة بردو انتي على أي أساس بتعاقبيه، الواد دا غلط فيه ووقعله كيكته في الأرض واللي هي المفروض نشاطه وقطع رسمته.
عقدت الأخصائية حاجبيها بضيق:
_ آه والمفروض إن حضرتك إنه يقوم يضربه ويزقه تاني على الأرض يعني متعلمش الأدب من أول مرة، أول مرة ضربه عشان شد شعر زميلته والولد اتعور ومستر رامي جه وحذرنا حمزة من انفعاله الهجومي ده، وبرضه كأننا مبنتكلمش.
هنا حضرت الروح الصاخبة بداخلها، انتفضت شهد بعصبية:
_ جرى إيه يا أبلة ما تهدّي كدا، أصل أنا بدأت أتخنق منك، الواد مغلطش زي ما تعاقبي دا تعاقبي دا ولا هو كوسة بقى.
رفعت الأخصائية حاجبيها مردفة:
_ أنا مش هأرد عليكي، بس والله لأبلغ إدارة المدرسة ولازم يتعاقب وياخد فصل أسبوع من المدرسة ولو اتكررت هأطلب تحويله من المدرسة لسوء سلوكه.
ارتفع صوتها قليلاً:
_ ياختي بلا قرف، والمفروض إنك بتحلّي مشاكل، انتي بتحلّي على مزاجك لامؤاخذة.
جذبت شهد حمزة في يديها ثم خرجت من الغرفة بل من المدرسة بأكملها. وقفت في الطريق عندما سمعت صوت بكائه، انحنت لمستواه:
_ مالك يا حمزة مضايق وبتعيط ليه.
أردف حمزة بتلعثم طفولي:
_ بابا هايزعقلي يا شهد عشان قالي قبل كدا إن أبعد عن محمد زميلي ولو عمل حاجة أروح اشتكي للمس.
ثم تابع بلهفة:
_ بس والله يا شهد روحت للمس وقالتلي ما يوقعها عادي غصب عنه وهو كان قاصد عشان كدا اتضايقت وضربته.
ربّتت على شعره بحنان:
_ متخافش يا حبيبي بابا مش هايعملك حاجة.
رفع بصره للسماء واردف ببكاء طفولي:
_ يارب بابا مش يزعل مني.
عانقته هي بقوة ثم ابتعدت عنه هاتفة بحماس:
_ إيه رأيك نروح الجنينة اللي هناك دي نلعب فيها شوية وناكل آيس كريم.
مسح دموعه بسرعة:
_ ماشي، يلا.
***
بمنزل حسني.
ألقى الحزام الجلدي بعنف على الأرضية ثم هتف بغلظة:
_ اتعلمتي الأدب ولا لأ يا ولية، أيّاكِ تفكري تكلمي الست مديحة كدا، دي ستك وتاج راسك.
تعالت صوت شهاقاتها بالبكاء، بينما هتف بغيظ:
_ ما تردي يا ولية.
رفعت بصرها بتعب ثم هتفت بصوت متقطع:
_ حسبي الله ونعم الوكيل، أنا بكرهك يا حسني.
اتجه نحو الحزام مرة أخرى ثم رفعه عاليًا مردفًا:
_ لأ انتي متربتيش بقى يبقى تتربي من جديد.
أنزله على جسدها بقوة، ظلت تكتم آهاتها مع كل ضربة ولكن انفجرت وظلت تصرخ بألم.
***
بمنزل رامي المالكي.
جلست التوتر يأكلها كلما نظرت لابنها، بينما هو بداخله غضب العالم بأكمله. نظر في ساعته بضيق مردفًا:
_ الساعة ٥ والهانم لسه مجتش وتليفونها مقفول.
بلعت ريقها بصعوبة مردفة بتوتر:
_ إن شاء الله خير، جيب العواقب سليمة يارب.
مر ساعة أخرى ولم تأتِ شهد. انتفض رامي واقفًا هاتفا بغضب:
_ لأ أنا هاروح أبلغ أنا مش هاقعد كتير حاطط إيدي على خدي.
اتجه صوب الباب وما إن فتحه حتى ظهرت أمامه شهد المبتسمة وحمزة وجهه الملطخ بالألوان. ارتد حمزة لبضع خطوات للوراء بخوف بينما هتفت شهد بمرح عكس ما بداخلها من توتر:
_ انت فتحت سبحان الله كنت لسه برن الجرس.
تنحى جانبًا ثم أشار لحمزة إلى الداخل مردفًا بصرامة مخيفة:
_ على أوضتك في ثانية تغير وتستناني لغاية ما أجلك، بسرررعة.
قال كلمته الأخيرة بصوته الجهوري، انتفض الصغير ركضًا نحو الغرفة. ابتلعت شهد ريقها بخوف وأيقنت أنها سوف تدخل حربًا مع رامي بالتأكيد، هي سوف تكون الخاسرة. حولت بصرها نحو صفاء رأتها تنظر لها بعتاب ممزوج بضيق. شعرت بيده الصلبة تجذبها خلفه بقوة مردفًا بصرامة:
_ مش عاوز حد يدخل علينا يا ماما، لو سمحتي.
أدخلها للغرفة عنوة بينما وقفت صفاء في الخارج والتزمت الصمت، فله الحق بما يفعله. رأته يغلق الباب بقوة، أطلقت تنهيدة حارة ثم ذهبت لغرفتها.
بينما الوضع بالداخل مشحون، رجعت للوراء بخطوات هادئة مردفة بتوتر:
_ بص يا رامي، أنا عارفة إننا اتأخرنا بس انت مش عارف حصل إيه.
قاطعها بحدة:
_ عارف وصلّي كل حاجة، ده حتى عرفت إن ابني أخد فصل أسبوع من المدرسة، ووصلّي إني أب فاشل معرفتش أربي ابني، ولا حتى أختار زوجة محترمة تعرف تحل الموضوع كويس، لأ إزاي أخلاقها ال**** طلعت وسيطرت وردحت وشرشحت في المدرسة والواد بسببها اتكتب في ملفه إنه بعد الفصل هايقعد مع الأخصائيات يعيدوا تكوينه، لأ أنا عرفت كل حاجة يا شهد، بس اللي مش عرفته بقى كنتي فين انتي وهو من الساعة ٣ لغاية ٦.
ألمها كثيرًا حديثه عنها وعن سلوكها. تجاهلت سؤاله وذهبت صوب الباب بكبرياء. وقف أمامها بغضب وهتف بصوته الجهوري:
_ انطقي، كنتي فين ده كله يا محترمة.
في هذه اللحظة انفجرت غاضبة، يكفي كلامه الحاد والمسئ:
_ في إيه انت بتكلمني كدا ليه، أنا عملت إيه لده كله، على فكرة بقى الأخصائية دي قليلة الأدب ومضطهدة ابنك وأنا أخدتله حقه منها عشان كدا هي اتحرقت مني واتضايقت ورزعته فصل من المدرسة.
هتف بصوت أعلى من قبل:
_ وطّي صوتك طول ما انتي بتكلميني، انتي مش بتكلمي عيل في الشارع، انتي بتكلمي راجل وراجل البيت ده اللي بتاكلي وتشربي من خيره يبقى لما تتكلمي توطي صوتك وعينك في الأرض، مش تبجحي وتعلي صوتك، لأ ده أنا أكسرك وأكسر دماغك دي وأعيد تربيتك من جديد انتي فاهمة ولا لأ.
اقتربت بوجهها أحمر للغاية مردفة بتحدي:
_ لأ مش فاهمة، واطردني من جنتك دي ومش عاوزة خيرك يا رامي الله الغني عنه ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يكسرني.
جذب مرفقها بعنف قائلاً بغضب:
_ انتي إيه متخلفة مبتفهميش، انتي المفروض تعتذري على اللي هببتيه إنهاردة.
حاولت جذب يديها بقوة مردفة:
_ ابعد عني، اللي بيعتذر يبقى عارف من جواه إنه غلطان وأنا بقى مش شايفة إنّي غلطانة.
لوى رامي يديها بعنف ثم هتف بغضب مكتوم:
_ عارفة ليه عشان انتي واحدة جاهلة مش فارق معاكي التعليم أصلًا، هاستنى إيه بقى من واحدة جاهلة زيك.
نفضت يدها بغضب عارم ثم استدارت وهتفت في وجهه بصراخ:
_ اسكت بقى مش كل شوية تذلّيني بكدا حرام عليك بتعاقبني على حاجة ماليش ذنب فيها ليه يا رامي بتعاقبني على حاجة أنا بتمناها لغاية دلوقتي، بتعاقبني على حاجة أنا حاسة إني ناقصة بسببها وقليلة في عين الكل بسببها، ارحمني بقااااا.
زمجر رامي بحدة:
_ وأنا ذنبي إيه لما ابني يتحول للفصل ويبقى مشاغب، ويقعدوني زي العيل الصغير أتهزق من الإدارة وإن اخترت زوجة اب مش مناسبة خالص، انتي إزاي تقولي لهم إنك مراتي.
في تلك اللحظة رفضت دموعها للخضوع وابت وسالت بكثرة فهتفت بهدوء:
_ أنا مكنتش أعرف إنك بتستعر مني، بس أنا قلت لهم كدا عشان يرضوا يدخلوني، بس على العموم أنا غلطانة يا رامي أنا فعلاً ماليش حق إني أدخل في حياتك ولا حياة ابنك ولا أعملك مشاكل زي دي، عن إذنك.
خرجت من الغرفة مطأطأة الرأس، تشهق بخفة من إهانته لها، دخلت غرفتها تبكي ثم هتفت بخفوت:
_ تستاهلي يا شهد انتي كدا دايماً بتسامحي في إهانتك واللي قدامك بيزيد، يولع هو وابنه، لأ حمزة لأ، يولع هو بس.
وما إن عم الصمت في الغرفة حتى سمعت بالخارج صوته الحاد:
_ اللي قولته يتنفذ، شهد ملهاش دعوة بابني ولا ليها دعوة بيا هي ضيفة معززة مكرمة لغاية ما تيجي من السفر، ليها أكلها لوحدها وتفضل في أوضتها.
اتسعت عيناها بصدمة من حديثه، هذا جزاؤها بعد كل ذلك، التزمت الصمت وبداخلها قررت الرحيل والليلة، لن تسمح بإهانة مرة ثانية هاتفة لنفسها:
_ كل الكرامة يا شهد، أنا هامشي أحسن والليلة.
***
بالعيادة النسائية.
نظر كريم للملف أكثر من مرة مردفًا بجدية:
_ خير يا أفندم، أنا من البيانات اللي قدامي إن المدام سلمى حسني متزوجة امبارح في مشكلة.
هتف مديحة بأسلوب مهذب:
_ كل خير يا دكتور.
ثم أشارت لسلمى قائلة بحدة خفيفة:
_ روحي على أوضة الكشف لغاية ما أقول للدكتور كلمتين.
عقد رامي حاجبيه بتعجب، تابع الفتاة بنظراته المتعجبة وما إن رأها اختفت تحدث بهدوء:
_ في إيه حضرتك أنا هنا الدكتور وأنا لازم أسمع حالة المريضة الأول وبعدها أقرر تروح على سرير الكشف ولا لأ.
لوت شفتيها بتهكم مردفة:
_ اهدى بس يا دكتور، ده سرير كشف هو إحنا خدنا دوا ببلاش.
قاطعها بحدة:
_ أنا مش عاوز كلام كتير انتي قلتي للبنت اللي برا إن المسألة حياة أو موت إيه هي بقى المسألة.
هتفت موضحة:
_ هاقولك يا دكتور أنا عاوزاك تشوفلي البت دي ينفع تحمل ولا لأ، وكمان عاوزاك لامؤاخذة تقولي إذا كانت بقت مدام امبارح ولا من زمان، أقصد غشائها اتفض امبارح ولا من زمان، انتوا أكيد بتعرفوا.
اتسعت عيناه من وقاحتها، هب واقفًا مردفًا بحزم:
_ قومي اطلعي برا.
هتفت بتعجب:
_ في إيه يا دكتور أنا قولت إيه غلط.
قال بغضب مكتوم:
_ انتي واحدة تافهة وأنا معنديش استعداد أفضل أتكلم معاكي، حمل إيه يا ست انتي والبنت لسه متزوجة امبارح، الحمل ده يوم ما تفكروا فيه مش قبل سنة العلم بيقول كدا ابدأ اعمل فحوصات بعد سنة عشان أشوف سبب تأخير الحمل إيه مش من يوم، أما الموضوع التاني أنا مش هأرد عليكي فيه لأن هانزل من مستوايا لو رديت وجوزها لو راجل كان جه معاها مش بعتك انتي، خدي البنت اللي جوا واطلعي برا، الوقت اللي انتي هدرتيه ده كان غيرك أولى منك بيه، براااا.
لم يعطها فرصة للرد، ضغط على ذلك الجرس بغضب وبسرعة حتى أتت السكرتيرة مهرولة هاتفة:
_ نعم يا دكتور.
هتف بصوت عالٍ نسبيًا:
_ خلي الست دي تطلع برا.
شهقت هي بسخرية:
_ ما براحة على نفسك يا خويا، في إيه وصفوك مش لاقوك والله تلاقيك دكتور نص كم وما عارف ولا فاهم حاجة.
بغرفة مجاورة.
كانت ليلى ممسكة بالهاتف تبكي هاتفة بصوت مبحوح:
_ أنا عاوزة أجيلك يا دكتورة هدى محتاجة أتكلم.
هتفت الدكتورة مرحبة:
_ تيجي براحتك، لو حسيتي في أي وقت إنك محتاجة تتكلمي متستنيش معاد الجلسة تعالي على طول.
سمعت ليلى أصوات ضوضاء بالخارج وأصوات متداخلة وصوت كريم العالي الغاضب، عقدت حاجبيها ثم هتفت بسرعة:
_ طيب يا دكتورة هاكلم كريم وأجيلك بكرة.
هتفت الدكتورة بلطف:
_ أوك مستنياكي، في رعاية الله.
أغلقت ليلى الهاتف ثم أسرعت للخروج من الغرفة، وجدت العيادة في حالة هرج ومرج، اقتربت من السكرتيرة مردفة بقلق:
_ في إيه.
استدارت السكرتيرة هاتفة بضيق:
_ مفيش دي حالة ضايقت دكتور كريم فزعق وهي طولت لسانها.
نظرت ليلى لغرفته ثم هتفت بتساؤل:
_ هو جوا.
أومأت السكرتيرة. تركتها ليلى وتوجهت لغرفته، طرقت الباب بخفوت ثم دخلت، رأته يقف ينظر من النافذة وصدره يعلو ويهبط بسرعة وكأنه كان يركض لمسافات طويلة. تقدمت منه وتركت مسافة قليلة بينهم ثم هتفت بتوتر:
_ مالك يا كريم، إيه عصّبك كدا.
نظر إليها ثم قطع تلك المسافة بخطوة واحدة وعانقها بشدة، هو في هذه الحالة في أمس الحاجة إليها. تعجبت هي من فعلته ولكنها تركته ولم تقاومه أو تمنعه. ساد الصمت دقائق حتى هتفت هي بلطف:
_ في إيه يا كريم مالك.
ابتعد عنها مردفًا بضيق:
_ ست متخلفة جايبة الظاهر مرات ابنها اللي متجوزة امبارح عشان الحمل وكمان عاوزة تشوف هي بقت مدام امبارح ولا من زمان، أصل أنا دكتور على الناصية.
ربّتت على كتفيها ثم هتفت بحنان:
_ طيب اهدى معلش، في ناس كدا كتير.
زفر بضيق:
_ أكتر حاجة مضايقني إن البنت غلبانة ووشها حزين وزي ما يكون مغصوب على أمرها والولية القذرة دي متحكمة فيها، أنا لو كنت وافقت وكشفت عليها كنت كسرتها، ست متخلفة حرقت دمي والله.
ابتسمت مردفة بهدوء:
_ أحلى حاجة فيك إنك لا يمكن تخالف ضميرك.
تجمدت أنفاسه بعد حديثها، ابتلع ريقه بصعوبة بالغة، هرب بعينيه بعيدًا عنها، ثم شرد في ذكرى يجاهد في نسيانها.
***
بمنزل زكريا.
كان يدور في المنزل بعصبية حتى سمع صوت المفاتيح في الباب، استدار بغضب، رأى مديحة تدخل وملامح الغضب على وجهها وسلمى وراءها تدخل بتعب. لم تنطق سلمى بكلمة واحدة ثم ذهبت لغرفتها مغلقة الباب خلفها.
هتفت مديحة بتعجب:
_ مالك يا واد واقف في نص البيت كدا ليه.
زكريا بضيق:
_ انتي كنتي فين يا ماما، أنا نزلت ادي للواد سالم الجمعية وقعدت معاه شوية رجعت مش لاقيتكو.
ألقت حجابها على المنضدة بغضب:
_ كنا عند الدكتور يكشف على السنيورة.
عقد حاجبيه مردفًا بتساؤل:
_ ليه ماهي الممرضة قالت إنه.
قطع كلامه ثم تذكر أمرًا ما فهتف بعصبية:
_ انتي برضه وديتيها لدكتور عشان يكشف عليها نفذتي اللي في دماغك ولا همك القماشة اللي ورتهالك امبارح، انتي إيه يا ماما مش ملاحظة إنك بتشككي في رجولتي.
زفرت بضيق ثم اقتربت منه مردفة بخفوت:
_ الحق عليا إني عاوزة أطمن يمكن تكون ضحكت عليك يا واد وعملت عملية، يا واد بنات اليومين دول الله أكبر تفكيرهم بقى شيطاني وانت بتسمع وأنا بسمع، وبعدين انت المفروض تكون اتعلمت من خطوبتك السابقة مش لازم تثق كدا عارف صوابع إيديك دي شكك فيهم، وبعدين أنا سمعت إن البت سلمى دي وهي في الصنايع كانت ماشية مع واحد وبتخرج معاه برا كتير إحنا إيه عرفنا يا واد إنها كانت صاغ سليم.
جاءت أمام عينيه ذكرى ليلى، اشتعل الغضب بداخله ثم زمجر بحدة:
_ سلممممى، انتي يابنت الـ.
***
بمنزل رامي المالكي.
وضعت أذنها على الباب، تنصت لأي حركة لم تسمع شيئًا، تأكدت أنه لا يوجد أحد بالخارج. فتحت باب الغرفة بهدوء، ثم خرجت على أطراف أصابعها تسير بهدوء شديد حتى وصلت لباب المنزل. التفت تنظر نظرة أخيرة بحزن، سالت دمعة ساخنة من عينيها، مسحتها على الفور، استدارت وفتحت الباب ثم خرجت مغلقة الباب خلفها تاركة وراءها كل شيء وقلوب تشتعل بعد معرفة غيابها.
رواية شهد الحياه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زيزي محمد
وقف الصغير على أعتاب باب والدته يطرق بهدوء. انتظر ثواني حتى فتح رامي الباب. رفع بصره ببراءة لوالده مردفاً:
"بابا أنا سمعت باب الشقة بيتقفل، كنت بحسبك أنت روحت لشهد. لقتها مش موجودة في اوضتها."
اتسعت عيناه بصدمة قائلاً: "يعني إيه مش موجودة في أوضتها؟ اوعى كدا."
توجه بسرعة نحو غرفتها. فتحها لم يجدها. نادى بصوته العالي:
"شهد انتِ فين؟"
خرجت صفاء من غرفتها مردفة:
"في إيه يا رامي؟ شهد مالها؟"
هتف حمزة:
"شكلها مشيت يا تيته مش موجودة."
وقف هو في منتصف البيت يستوعب فكرة ذهابها. لا، لن يسمح لها بذلك. زادت أنفاسه المضطربة. لم يستمع لحديث والدته المؤنب. ذهب بأقصى سرعته ليبحث عنها. استقل المصعد وبداخله يقسم أن يكسر رأسها إلى نصفين.
خرج من البناية ولكن صوت حارسها أوقفه. التفت فهتف الآخر بجدية:
"إزيك يا أستاذ رامي؟ خير نازل بسرعة كدا ليه؟"
اقترب رامي منه بلهفة مردفاً بقلق:
"مش وقته. عارف قريبتي شهد؟ انت شوفتها ركبت تاكسي ولا مشيت إزاي؟"
هتف الآخر بسرعة:
"آه شوفتها نازلة ومشيت في الشارع دا. بس مركبتش تاكسي. انت ممكن تلحقها، دا مفيش عشر دقايق نازلة من البيت."
استدار رامي بسرعة ذاهباً بذلك الطريق ركضاً. لم يأخذ نفسه، لم يهدأ حتى رأى طيفها في آخر الطريق. هتف بصوته الجهوري:
"شهدددد!"
سمعت هي اسمه. التفتت بسرعة. رأت رامي يأتي راكضاً من آخر الطريق. تملكها الغضب لرؤيته. التفتت بسرعة كبيرة ثم ركضت هي الأخرى. وقف هو بصدمة عندما رآها تركض بعيداً عنه هاتفا بذهول:
"يابت المجنونة، ماشي أنا يانتي."
تابع ركضه ورائها وهي تركض بأقصى سرعتها حتى رأت مجموعة من الكلاب الضالة تقف في منتصف الشارع. وقفت بصدمة تهتف لنفسها:
"يالهوي عليا كلاب."
رجعت للخلف بخطوات مبعثرة ثم التفتت وركضت باتجاه رامي وهي تصرخ:
"يالهووي الكلاب هتاكلني، الحقني يا رامي."
ركضت والكلاب خلفها. وقف رامي يشاهد ذلك المشهد ثم سيطرت عليه نوبة ضحك. ما إن اقتربت منه هبط بجذعه الأعلى والتقط حجارة صغيرة ثم حذفها باتجاههم. خافت الكلاب وركضت بعيداً عنهم. وقفت تلهث بقوة ثم استدارت خلفها. رأتهم يركضون بعيداً. هتفت بتعجب:
"طوبة تخوفهم؟ ما كنت أرميها من زمان، دا أنا نفسي اتقطع."
خبطها بخفة على رأسها هاتفا بحدة مصطنعة:
"انتي إزاي يا هانم تنزلي في الوقت دا وتسيبي البيت وتمشي؟"
استدارت ترمقه بغيظ قائلة:
"متكلمنيش لو سمحت. أنا مبكلمكش. وبعدين أنا لا يمكن أرجع معاك تاني أبداً."
زفر بقوة ثم أردف بنفاذ صبر:
"ليه يا هانم مش هاترجعي معايا تاني؟"
هتفت غاضبة:
"إيه اللي ليه؟ إيه السؤال دا؟ انت هنتني يا رامي وانت قاصد كل كلمة بتقولها في حقي. انت بتلومني عشان حاولت أقف جنب ابنك اللي أنا شايفه إنه مش غلطان. أنا ليه أعاقبه وأكسر نفسه وهو مش غلطان؟ انت عايرتني على عدم تعليمي مع إنه مش بإيدي وبتسألني ليه ماشية؟ انت بتعايرني إنه كتر خيرك بأكل وبشرب في خيرك والمفروض أني أسكت على إهانتك ليا؟ لأ، كله إلا كرامتي. أنا حقيقي استحملتك كتير بس اكتشفت إن اللي بيسكت وبيعمل بأصله اللي قدامه مش بيقدره. لأ، بالعكس بيزيد فيها. ودي حاجة مقبلهاش على نفسي ولا على كرامتي. لغاية هنا وبس، كفاية."
تقلصت ملامحه بغضب قائلاً:
"كان كلام في وقت ضيق وانتي عارفة كويس إن مخنوق ومضايق. وبعدين لو كل واحدة جوزها قالها كلمتين في وقت ضيق سابت بيتها ومشيت. الدنيا هاتخرب. اعقلي وارجعي البيت."
ابتسمت بتهكم مردفة:
"الكلام دا ليا أنا ولا لمين بالظبط؟ مش أنا بردوا من شوية كنت بتلومني إن اتكلمت وقولت إن مراتك وازاي أعمل كدا؟ ابقى قول كلام بس وابقا قدة."
هتف سريعاً بارتباك:
"أنا أقصد في البيت مش في المدرسة."
عقدت حاجبيها بضيق:
"والبيت إيه والمدرسة إيه؟ انت على فكرة... اسمها إيه؟ ... قول معايا اسمها إيه؟ أنا فاكرة كويس."
ضحك بخفة:
"اسمها متناقض."
هتفت بسرعة مؤكدة:
"أيوا اسمها متناقض، ما شاء الله عليك. انت يا رامي متناقض."
زم شفتيه بضيق ثم قال:
"طيب ممكن نروح بيتنا ونتكلم؟ مينفعش نقف كدا في الشارع."
هزت رأسها برفض:
"لا استحالة. أنا لا يمكن أروح معاك. لا يمكن."
***
بمنزل زكريا..
ترنحت سلمى بسبب صفعاته المتتالية. اختل توازنها ثم وقعت أرضاً تنزف الدماء من جبهتها. نظر لها بغضب عارم بينما هتفت مديحة بمكر:
"خلاص يا حبيب أمك، انت ربيتها وعلمتها الأدب."
زمجر بحدة مردفاً:
"لأ، لسه متعلمتش. أنا يابنت ال**** تعملي عليا شريفة وكنتي مصاحبة واحد قبل الجواز؟ وأنا اللي كنت فاكرك محترمة. لكن أقول إيه، كلكوا صنف واحد."
رفعت بصرها له ترمقه بكره ثم هتفت بتعب:
"حرام عليك. أنا طول عمري محترمة. أنا عمري ما هاسامحك."
رفعت مديحة حاجبيها باعتراض:
"ما تسامحيه يا حبيبتي. ما تولعي بجاز يابت. مش كفاية سكتنا على بلاويكي ورضينا بيكي."
صرخت سلمى بأعلى صوتها مردفة:
"بلاوي إيه؟ كفاية بقى تطلعي عليا كلام. أنا عمري ما حبيت ولاد ولا كلمت حد. ارحميني."
التفت زكريا لمديحة هاتفا بغضب:
"جيبلها ياما البت اللي قالتلك عليها الكلام دا عشان تشوف بعينها كدبها."
أومأت مديحة ثم هتفت بصوت كالفحيح الأفاعي:
"حاضر يا عين أمك. اسمع بس الأول جيب الحبل من تحت سريري ويالا عشان نربطها في رجل السرير ونعلمها الأدب." ثم تابعت بهمس: "لازم تدبح لها القطة وتخاف منك وتعلمك ألف حساب عشان متبقاش ليلى التانية."
بلع ريقه مردفاً بنظرات زائغة ضائعة. ذكرى ليلى تأتي أمامه بتفاصيلها:
"صح ياما، لازم تعرف إن راجل وتتعلم الأدب. سلمى لا يمكن تكون ليلى التانية."
***
بمنزل كريم...
أنهى صلاته ثم رفع بصره لأعلى مناجياً ربه:
"يارب، أنا عارف إني غلطت وخالفت مهنتي وأخلاقي وديني. بس غصب عني سامحني. أنا تعبت من تعذيب الضمير ومن الكوابيس اللي بشوفها."
أطلق تنهيدة حارة ثم نهض من صلاته متوجهاً حيث ليلى ووالده. وقف على أعتاب غرفة والده وسمع حديث جمال المؤنب:
"دا بيتك يا ليلى. لو كل مرة كريمة أختي هتيجي تهربي منها يبقى تنتقلي أحسن من البيت انتي وكريم وأنا هنا معايا الممرضات."
هتفت ليلى بحزن:
"ليه كدا بس يا عمي؟ أنا مقدرش أسيبك والله، بس غصب عني. معلش أنا مش عارفة هافضل لغاية إمتى أضغط على نفسي ومردش. خايفة في مرة لساني يفلت ومقدرش أتحكم في نفسي."
دلف كريم مردفاً بهدوء:
"نروح فين يا بابا؟ قول بقا إنك زعلان إن ليلى سابتك وجات معايا انهاردا."
ابتسم جمال:
"آه زعلان أوي، بس عشان دا بيتها تقعد فيه براحتها. ولو كريمة زعلتها ترد بأدب واحترام وتحرجها بالذوق. وبعدين يابنتي دا أنا قولت إن ربنا عوضني غياب كريم بيكي وهاتفضلي معايا. تقومي تهربي كدا."
جذبت ليلى يد جمال ثم طبعت قبلة رقيقة على يده ثم رفعت بصرها مردفة بابتسامة:
"حاضر، المهم متزعلش مني بس."
ربت جمال بحنان على يديها قائلاً:
"مقدرش والله أزعل منك. يعلم ربنا إن اليوم اللي دخلتي البيت دا وانتي بنتي ومعزتك من معزة كريم بالظبط."
زفر كريم بضيق مصطنع:
"وبعدين بقا في المشهد الرومانسي دا؟ احم، لاحظوا وجودي."
ضحك جمال بصوت عالي مردفاً:
"قوم يادكتور اعملنا سحلب من إيدك الحلوة دي."
حولت بصرها لكريم مردفة بتساؤل:
"انت بتعمل سحلب؟"
أومأ كريم ثم هتف بمزاح:
"أنا عليا سحلب ولا أحسن قهوجي فيكي يا مصر. دلوقتي هادوقي طعمه."
***
بمنزل رامي المالكي...
وقفت بغضب تهتف بعتاب:
"مش عيب على طولك تكدب؟"
أشار إلى نفسه مردفاً بتمثيل:
"أنا كدبت فين دا؟"
هتفت بحنق قائلة:
"ما خالتي كويسة أهو. أمال قولتلي إنها تعبانة واغمى عليها وحرام عليكي هايحصلها حاجة والحقيها، وقلبك فين يا شهد؟ ضميرك فين يا شهد؟ وشهد الهبلة صدقت وجت معاك."
نظر لوالدته قائلاً بمكر مصاحباً بغمزة خفيفة من عينيه:
"مش انتي كنتي تعبانة ياماما، وبتقولي هاتلي شهد هايجرالي حاجة؟"
انكمشت ملامح صفاء محاولة فهمه ثم حاولت مجاراته في الحديث:
"آه آه يا شهد، انتي إزاي جالك قلب تسيبني يابت، اخص عليكي."
اتسعت عيناها بصدمة:
"عيب يا خالتي انتي كمان تكدبي."
زمت صفاء شفتيها بضيق موجهة حديثها لرامي:
"رامي لو سمحت قوم ادخل لابنك كلمة عشان منمش لغاية دلوقتي."
نهض رامي من جلسته ثم نظر لها بطرف عينيه نظرة سريعة. لاحظته هي ثم التفتت برأسها لاتجاه آخر متجاهلة نظراته لها. بينما هتفت صفاء بهدوء:
"كذا يا شهد قلبك طاوعك تمشي وتسيبني."
ترقرقت الدموع في عينيها مردفة:
"بالله عليكي يا خالتي ما تكلميني كدا. أصل أنا هاموت وأعيط وعلى تكة أصلاً."
اقتربت منها صفاء مردفة بحزن:
"أنا عارفة إنك زعلانة وشايلة في قلبك من كلامه. بس انتي بردوا غلطتي يا شهد ومش هانتكلم غلطتي في إيه ولا هانزيد في الكلام. بس شوفتي أنا طلع عندي حق."
عقدت حاجبيها بضيق قائلة وهي تمسح عينيها:
"مش فاهمة قصدك يا خالتي. طلع عندك حق في إيه؟"
هتفت صفاء بعتاب:
"كان عندي أحق لما أصر أجوزك لرامي. أنا كنت عارفة إن لو سبتكم كدا مش متجوزين هاتسيبني وتمشي مع أول خناقة مع رامي."
قاطعتها شهد ببكاء:
"يا خالتي أعمل إيه؟ عاوزني أقعد بعد ما عايرني بأكلي وشربي ونومتي؟ لأ، لمؤاخذة، كدا ميبقاش ليا كرامة."
جذبتها صفاء وعانقتها مردفة بحنان:
"لو ليا غلاوة عندك اوعي تعمليها تاني. أنا قلبي اتخلع بجد لما مشيتي. يابنتي مش هاستحمل بعدك عني. يعلم ربنا لما شوفتك في أول لحظة دخلتي قلبي واتربعتي كدا. لو بتحبي خالتك اقعدي أوعي تمشي. وأنا رامي هاعرفه غلطه. هو مينفعش يتكلم معاكي كدا. انتي صاحبة بيت يابت."
شددت شهد على عانقها مردفة:
"ربنا يخليكي ليا يا خالتي يا حبيبتي. أنا من غيرك ماسواش حاجة والله."
ابتعدت صفاء قليلاً ثم هتفت بجدية:
"اوعديني إن عمرك ما تسيبني."
أطلقت شهد تنهيدة قوية ثم هتفت بخفوت:
"حاضر يا خالتي. أنا عمري ما هاسيبك أبداً. بس ابعدي رامي عني."
ابتسمت صفاء بمكر ثم قالت:
"لأ، رامي بقا تعالي أقولك في ودنك تضايقه إزاي على اللي عمله معاكِ وتاخدي حقك تالت ومتلت."
***
ثاني يوم بمنزل حسني...
وقفت في منتصف الغرفة تنظر في أرجائها بحيرة ثم هتفت لنفسها:
"هايكون عاينهم فين؟ أنا مسبتش مكان إلا ودورت فيه كويس. يارب يكون عاينهم هنا."
هبطت بجسدها تنظر تحت السرير. حركت تلك الأشياء جنباً. لم تجد شيئاً. اعتدلت بجلستها ولكن سرعان ما هبطت مرة أخرى عندما وجدت تلك البلاطة الموضوعة بإهمال. عقدت حاجبيها بتركيز ثم وقفت وحاولت تحريك السرير حتى نجحت أخيراً في تحريكه. جلست على الأرض وقامت بإزالة تلك البلاطة وبدأت بمحاولة إزالة البلاط الموضوع بجانبها بسرعة حتى أزالت خمس بلاطات. هتفت باستغراب:
"إيه البلاط دا؟ أول مرة أعرف إن تحت السرير في بلاط مكسور."
أكملت عملها ثم أزالت الرمال الصفراء حتى وصلت لغطاء سرير ملفوف بشكل غريب. قامت بفكه حتى هتفت بصدمة:
"يالهوي! كل دي فلوس يا حسني؟ ومخبيهم هنا؟ أما انت راجل حويط. وأنا اللي كنت بدور على وصلات الأمان. وقعت على اللي أمر منها."
***
بالعيادة النفسية...
هتفت الطبيبة بهدوء:
"خير بقا يا ليلى؟ اتصلتي امبارح وقولتي عايزة أجاي وأتكلم، وبقالك خمس دقايق قاعدة ساكتة."
رفعت ليلى بصرها ثم هتفت بصوت مهزوز:
"أنا عمري ما أذيت حد. كنت بخاف أزعل حد مني. كنت بأخذ في نفسي وأسكت. معرفش ليه كدا حصلي؟ طيب بتعاقب على إيه؟"
هتفت الطبيبة بحذر:
"وإيه اللي حصلك يا ليلى؟"
بلعت ريقها بصعوبة بالغة ثم هتفت بتوتر:
"في يوم كنت المفروض أكون نبطشية في المستشفى مكان واحدة زميلتي. لما خلصت شغلي وارتحت لقتها دخلت عليا. كانت الساعة ٢ بليل. أنا فاكرة الساعة كويس لأن في الوقت دا أنا أخذت أكتر قرار غلط في حياتي. قررت أروح بعد ما زميلتي بلغتني إن أروح وهي هاتكمل. خرجت من باب المستشفى وأنا جوايا حرب. حاجة بتقولي روحي يا ليلى، وحاجة بتقولي افضلي لغاية الصبح. مشيت وأنا قلبي بيتقبض مش عارفة ليه. شوفت تاكسي جاي عليا، قولت بس هو دا اللي هاينقذني ويروحني وخصوصاً بعد ما ما شو..."
بكت ليلى. بكت بصوت عالي. عندما تذكرت ملامح وجهه. ظلت تشهق وتبكي. سارت في جسدها رجفة وزادت وتيرة الخوف لديها. نهضت الطبيبة ممسكة بعلبة المناديل متوجهة نحو ليلى ثم هتفت بهدوء:
"كملي يا ليلى. خصوصاً إيه؟"
هتفت ليلى بخوف:
"بعد ما شوفته، لقيته راجل في الأربعين أو الخمسين. يعني في مقام والدي. ركبت ومش بيا شوية ولقيته بيدخل من شوارع غريبة. حسيت بالخوف. قولتله اقف هنا أنا عايزة أنزل. موقفش. رفض. صرخت بعدها. وقف وقفل العربية وبعدها..."
ربتت الطبيبة على كتفيها مردفة بتشجيع:
"كملي يا ليلى."
هزت رأسها برفض مردفة بصوت متقطع من كثرة البكاء:
"لأ مش قادرة. مش قادرة. أنا عايزة أمشي."
أعطتها الطبيبة كوباً من الماء البارد. أخذته ليلى بيد مرتعشة. ارتشفت رشفة صغيرة ثم وضعته أمامها. شهقاتها لم تهدأ أبداً. ابتلعت ريقها بصعوبة ثم أردفت بنبرة شبه ضائعة:
"اترجيته كتير أوي. لو كنت طولت أبوس رجله كنت بوستها. بس ميعملش كدا. قاومت كتير أوي بس خبطني في دماغي. بعدها قمت لقيتني في المستشفى بيقولولي إن إن إن ياعني..."
قاطعتها الطبيبة بلطف:
"خلاص يا ليلى، كفاية كدا انهاردا." ثم تابعت بابتسامة بسيطة: "في هنا تواليت، ادخلي اغسلي وشك وخدي نفسك كدا. مينفعش تطلعي بوشك الأحمر لدكتور كريم هايتخض وهايقولي عملتي فيها إيه. واحتمال كمان يقفلي العيادة."
كان حديث الطبيبة على سبيل المزاح حتى تخرجها من تلك الحالة التي انتباتها. أومات ليلى ثم نهضت وسارت بخطوات ثقيلة وذلك المشهد يتجسد أمامها...
***
بمنزل حسني...
وقفت تعد الطعام. شردت بذهنها لهذا المبلغ الضخم الذي يخبئه حسني. تركت تلك الملعقة ثم هتفت بغيظ:
"يالهوي يا حسني شايل المبلغ دا وعينه تحت البلاط وأنا زي الهبلة معرفش. أنا أحسن حاجة أسيب كل حاجة وأشوف بعد كدا هاعمل إيه."
***
بمنزل زكريا...
فتحت باب الغرفة بعنف ثم اقتربت من تلك الراكضة أرضاً ووجهها شاحب. هزتها بقدمها بعنف حتى استيقظت سلمى بتعب. لوت مديحة فمها بتهكم:
"قومي يا برنسيسة."
رفعت سلمى بصرها ثم أردفت بخفوت:
"هاقوم إزاي وأنا مربوطة زي الكلاب كدا."
ضحكت مديحة بصوت عالي مردفة بسخرية:
"كويس إنكِ عارفة مقامك. زي الكلاب؟ طب والله يا مرات ابني انتِ بتقولي كلام حُكم."
ترقرقت الدموع بعينها ثم هتفت بنبرة شبه باكية:
"انتِ بتعملي معايا كدا ليه؟ ارحميني بقا. أنا عمري ما عملت فيكِ حاجة وحشة."
هبطت بجذعها الأعلى ممسكة بشعرها في يديها بعنف مردفة بغل:
"لأ، عملتي. اتكلمتي في حقي كلام وحش وأنا عمري ما أنسى كلامك أبداً يا سلمي. أنا انتقمت من أختك وليلى الكلبه وطردوا من الحارة. وانتِ أهو مرمية في بيتي. أعمل فيكي ما بدالي."
اتسعت عيناها بصدمة ثم أردفت:
"أنا كدا عارفة إنك السبب في اللي حصلهم. حرام عليكي يا شيخة والله ربنا مبيرضاش بالظلم أبداً. وحقهم وحقي هايتاخد منك."
شهقت بتمثيل ثم أردفت بسخرية:
"لما نشوف هايتاخد مني إزاي." ثم تابعت بقسوة: "يالا يا بت قومي عشان تمسحي الأرضية وتروقي المطبخ."
***
بعد مرور أسبوعين في المطار...
جذبت شهد يد صفاء مرة أخرى مردفة ببكاء:
"لأ يا خالتي مش هاتسبيني."
هتفت صفاء بحزن:
"ما خلاص بقا يا شهد. أصلي والله قلبي بيتقطع."
هتف حمزة ببراءة:
"خلاص يا شهد، هاخلي بابا يجبلك شوكولاتة بس اسكتي."
زفر رامي بضيق ثم أردف بحنق:
"سيبيها بقا يا شهد عشان تلحق تخلص الإجراءات. كدة هاتفوتيها معاد الطيارة."
رمقته بغضب ثم حولت بصرها لخالتها مردفة برجاء:
"ادعيلي يا خالتي وانتِ في الأرض الطاهرة. وجيبيلي ميه زمزم. وسلميلي على ميمي كتير لغاية ما ابقا أشوفها."
ربتت صفاء على كتفيها بحنان مردفة:
"حاضر يا عيون خالتك. المهم اللي قولته يتنفذ. وانت يا رامي بالله عليك خلي بالك منها ومن حمزة يابني."
اقترب رامي عانقها بقوة مردفاً بهمس بالقرب من أذنيها:
"بتوصيني على مين؟ على أغلى اتنين؟ متخافيش، الاتنين هايبقوا في عنيا."
ودعتهم صفاء أخيراً ثم ذهبت بداخل المطار وبداخلها تتمنى من ربها أن يصلح حالهم. بينما وقفت شهد بتذمر مردفة بتحدي:
"لأ مش هاركب إلا وراة. أنا مزاجي كدا."
تمتم بالاستغفار ثم قال بهدوء مصطنع:
"يالا يا شهد اركبي قدام. أنا مش السواق الخصوصي بتاعك."
رفعت إصبع السبابة في وجهه ثم قالت بغضب مكتوم:
"أنا كام مرة أنبه عليك متكلمنيش. البعيد معندوش دم ولا إيه."
جز على أسنانه هاتفا بصرامة شديدة:
"وأقسم بالله لو ما ركبتي العربية دلوقتي..."
قاطعته هي بقوة مصطنعة:
"خلاص خلاص هاركب."
نظر لها بذهول من تصرفاتها. فهي ممتنعة عن الحديث معه وعن الطعام أيضاً. لم يراها خلال الأسبوعين إلا مرتين فقط بالصدفة وفي خلالهم ترمقه بغضب وتمتنع عن الرد.
جلس خلف عجلة القيادة يتنهد بضيق وينظر لها بطرف عينيه حتى هتف بهدوء:
"شهد ماما مشيت واحنا هانقعد مع بعض خلاص. بقا قلبك أبيض. خلينا كويسين."
رفعت رأسها بكبرياء مردفة باللامبالاة المصطنعة:
"ما إحنا كويسين."
زفر بحنق من ذلك الأسلوب التي تتبعه في عقابه:
"شهد بطلي تستعبطي خلاص بقا. انسي الكلام اللي قولته وأنا كمان هانس..."
التفت له بسرعة متناسية هدوئها المصطنع ثم هتفت بعصبية:
"مش بالسهولة دي أنسى يا رامي."
ابتسم بمكر وهو يتابع الطريق جعلها تفقد هدوئها المستفز في ثواني. بينما هتف حمزة ببراءة:
"جبلها يابابا شوكولاتة وهي هاتسكت وتبقا حلوة."
قطبت ما بين حاجبيها ثم هتفت:
"لأ، أنا مش مادية. أنا صاحبة مبادئ."
كتم ضحكته بصعوبة مردفاً بخشونة:
"طب انتي عايزة إيه؟ علشان ترضي عليا."
صمتت ثواني ثم هتفت بمكر:
"عايزني أسامحك على كلامك في حقي. من بكرة انزل الشغل في المصنع معاك ومفيش اعتراض. وحجتك خالتي أهي مشيت. موافق ولا لأ."
صمت دقائق انتابه شعور بالضيق والغيرة. مؤخراً أصر سامي أن يساعده في عمله من كثرة ضغط العمل بالمصنع. ومع نزول شهد العمل سوف تجتمع به سامي. وبالرغم من صداقتهم القوية هو ورامي إلا أن رامي يكره فيه بعض الصفات. فاسامي أكبر شخص لعوب يتغزل بالنساء دون حرج ومن السهل أن يقع بشباكه امرأة. (شهد وسامي) ما هذا؟ لا يمكن أن يحدث أبداً. فهذه شهدة هو حياته. هو وُلدت حتى تكون له. عاش سنين على ذكرى ملامحها فقط. ولما صارت زوجته أصبح خائفاً من فكرة وجودها مع سامي. نعم، لقد اعترف لنفسه أنه يعشقها. يحبها. يشعر بالغيرة كلما حاول سامي التحدث عنها. الغيرة تأكل صدره طوال حياته. يستمع لمقولة (نار الغيرة) لم يشعر بها أبداً حتى طوال فترة زواجه بأميرة. ولكن ظهرت شهدة بين يوم وليلة. شعر بمشاعر كثيرة وعرف أخيراً نار الغيرة. نار الغيرة التي تأكل صدره. انتبه هو من شروده على صوتها وهتفت هي بحماس:
"خلاص علامة السكوت رضا. من بكرة هانزل معاك الشغل."
رواية شهد الحياه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زيزي محمد
مشط شعره ثم ارتدى ساعته. سمع طرق الباب.
أردف بصوت عالي نسبيًا:
"ادخل."
دخلت تلك الجميلة المبتسمة، مرتدية بلوزة من اللون الكاشمير وجيبة طويلة من اللون الأسود وحجاب أسود. رأى هو انعكاسها في المرآة. التفت إليها ثم تفصحها بتركيز حتى قطب حاجبيه، مردفًا بصرامة:
"إيه دي اللي انتي لابساها يا شهد؟"
نظرت لنفسها بتعجب ثم رفعت بصرها بتساؤل:
"مالي؟ في إيه؟ مش فاهمة؟"
زفر بضيق ثم هتف:
"الجيبة ضيقة أوي ومجسمة جسمك، مش عاجباني. غيريها."
شعرت بالاحراج قليلاً لعدم امتلاكها جيبة أخرى غيرها، ولكنها هتفت بالامبالاة:
"هي نظامها كدا ضيقة عادي."
رفع أحد حاجبيه باعتراض قائلاً:
"لا مش عادي طبعًا، انتي محجبة تلبسي واسع. بصي اقعدي، مفيش شغل مدام مش عاوزة تغيريها."
هتفت سريعا بارتباك:
"لا، احم ماشي. هبقى أنزل بعد الشغل أجيب واحدة واسعة، لأن كل الموجودين ضيقين."
نظر لها وأدرك أنها لا تملك غيرها. ابتسم بلطف مردفًا:
"طيب يالا ننزل، الباص جه. أخد حمزة."
أومأت برأسها ثم هتفت بحماس:
"آه جه، أخده وهايجيبه على عنوان المصنع. ادتهم العنوان ويالا بقا علشان أنا متحمسة جدًا."
ابتسم بخفة على حماسها:
"يالا."
***
بمنزل كريم.
استيقظت وبداخلها راحة نفسية لم تعهدها منذ فترة. أعدت الفطور ثم جلست مع كريم ووالده يتناولون فطورهم ويسود الجو الألفة والحب. حتى أعلن هاتفها عن وصول رسالة. نظرت فيها وجدت رسالة من رقم غير مسجل ومحتواها:
"فاكرة إنك هاتفضلي تخبي كتير مصيبتك، أنا لا يمكن أسيبك تضحكي على الناس وتكدبي وتمثلي دور الشريفة. في أقرب وقت هابعت لحماكِ وأقوله على اللي انتِ عملتيه وإنك شمال."
قرأت محتواها بأعين متسعة، تسارعت انفاسها. سعلت بخفة ثم قامت بتوتر واضح مردفة بتلعثم:
"أنا هاقوم أغير هدومي."
رمقها كريم بتعجب ثم هتف مغيراً مجرى الحديث:
"طيب خديني معاكي علشان أجيب شنطتي وأنزل الشغل."
ثم تابع حديثه موجهًا كلامه لوالده:
"بابا كمل فطارك يا حبيبي."
أومأ جمال برأسه دون رد وتابع إكمال فطوره.
في الداخل.
دلف كريم بعدها مغلقًا الباب بهدوء ثم اقترب منها مردفًا بقلق:
"في إيه يا ليلى، ارتبكتي قدامنا ليه كدا لما بصيتي في التليفون؟"
زدادت وتيرة التوتر لديها مردفة بوجه يشوبه الاحمرار:
"إيه! كان باين عليا، يا عني عمي زمانه أخد باله."
شعر هو بمدى توترها وخوفها. اقترب منها ممسكًا بكتفيها محاولاً منها لتهدئتها ثم قال:
"اهدي يا ليلى، بابا ماخدش باله أصلًا. لو أخد باله كان زمانه سأل."
ابتلعت ريقها بصعوبة مع ظهور دموع بسيطة في عينيها:
"بص في التليفون بتاعي جتلي رسالة عليه، أنا هاموت من الخوف."
أخذ الهاتف متفحصًا تلك الرسالة، سرعان ما رفع بصره بتساؤل:
"إيه الكلام الأهبل دا، مصيبة إيه وفضيحة إيه؟"
مسحت تلك الدموع المتساقطة رغماً عنها مردفة بخفوت:
"والله ما عارفة، بس أكيد قصده يعني عن الاغتصاب وكدا."
قطب بين حاجبيه ثم هتف:
"وهو إيه اللي عرفه إن أنا وانتِ خبينا عن بابا الموضوع دا؟"
أومأت بسرعة كبيرة مردفة باندفاع:
"صح صح، إيه اللي عرفه! أنا خايفة ومتوترة، أنا عاوزة أروح لدكتورة هدي."
ربت على كتفيها بحنان مردفًا بهدوء:
"اهدي يا ليلى، ليه الخوف والتوتر دا؟ ما يعرف بابا إيه اللي هايحصل. وبعدين انتي ياماما المجني عليها مش الجاني. خوفك وتوترك غير مبرر خالص. اهدي كدا واتحكمي في انفعالاتك. ثم إن المفروض مش كل مشكلة تقعي فيها تجري على دكتور هدى لأ، انتي عقلك فين ومدى تصرفك بالأمور."
هتفت بصوت مرتجف:
"لا الناس كلها شايفاني جاني مش مجني عليها، وأكيد والدك هايشوفني كدا بردوا ويقول طلقها وسيبها."
ابتسم هو بتهكم ثم قال:
"دا لو افترضنا إن كلامك صح، فهل دا معناه إن أوافق وأطلقك؟"
ثم تابع بنبرة كلها حب وحنين:
"يا ليلى، أنا عافرت بس علشان تكوني في حكمي ومراتي ولسه بعافر علشان تحبيني. أنا لو الدنيا اتهددت مش هاطلقك، مش هابعدك عن قلبي أبدًا."
رفعت بصرها، رمقته بنظرات غريبة: خوف، ارتباك، حب!! تريد حضنه الآن، تريد أن تنعم به لتزيل همومها ومخاوفها. كريم أصبح الأمان لها، وما الحب إلا الأمان. بادلها بنظرات حب عشق. اقتربت بسرعة وفي لحظة كانت تحشر نفسها داخل أحضانه. عانقته بقوة. تسمر هو للحظات إثر حركتها المفاجئة، ولكن سرعان ما استوعب أن حبه وعشقه بين يديه وبإرادتها هي. بادلها العناق، يدفن رأسه في خصلات شعرها مستنشقًا رائحتها بقوة. حتى فاجئته للمرة الثانية بحديثها غير المتوقع:
"خبيني جوا حضنك يا كريم، متبعدش عني. اوعدني تخليك جنبي. انت بقيت بالنسبالي الأمان والحنان. وجودك، صوتك، ريحتك، كل حاجة بتحسسني بالأمان. اوعى تبعد للحظة بعيد عني، لو بعدت هاقع، هاموت. أنا بتعالج علشانك، أنا عايشة علشانك وبكمل علشانك انت."
تسارعت دقات قلبه عقب حديثها. أبعد وجهها يتأكد من عينيها صدق حديثها. هتفت هي بتذمر واضح على ملامحها:
"ليه بعدتني عن حضنك؟ سيبني ش..."
قاطعها بقبلته. قبلته التي بث فيها مشاعر الحب، السعادة، العشق. كانت قبلته بسيطة حنونة. ابتعد عنها بسرعة حتى لا يؤذيها أكثر من ذلك، فهي في أهم فترات علاجها. ولكنه لم يستطع التحكم بنفسه عقب حديثها. معشوقته تعترف وتعلن وهي بكامل قواها العقلية أنها تفعل ما تفعل لأجله فقط وتطلب أحضانه لتنعم بدفئه. عانقها مرة ثانية ويعلو على ثغره ابتسامة تنم عن السعادة. ظل يمسد بيديه على ظهرها. أما هي فكانت بعالم آخر لا تريد الاستيقاظ منه.
***
بمنزل زكريا.
أمسكت سلمى الهاتف بيد مرتعشة وهتفت بنبرة يتخللها الخوف:
"مبهدلني ياماما، ضرب وإهانة. أنا خلاص بفكر أموت نفسي وأخلص من القرف اللي أنا فيه."
هتفت الأخرى بغيظ:
"ربنا ياخدك يا مديحة انتي وابنك الكلب."
مسحت دموعها بسرعة مردفة بحزن:
"تتصوري يا ماما، طلعت عليا كلام إن كنت بحب واحد وهو طبعًا صدقها. وكل يوم يربطوني في السرير، أنام في الأرض، يصحوني الصبح أروق وأمسح. أنا تعبت والله."
زفرت سميحة بحنق مردفة بغل:
"طب والله أجيهالها وأموتها الولية دي، هي مش ناوية تتلم ولا إيه."
هتفت سريعا:
"لا لا ياماما، أوعي! بلاش لبابا يضربك، وانتي خلاص مبقتيش تستحملي."
ثم تابعت:
"المهم انتِ خلي بالك من نفسك وادعيلي. أنا هاقفل قبل ما تيجي بقى."
تنهدت بصعوبة ثم هتفت بحزن:
"حاضر يابنتي. هادعيلك. وبدعي لشهد ربنا يوفقها في حياتها وتسامحني. زمانها ياحبة عين أمها كرهاني أوي. يالا يابنتي سل..."
ولكن قطعت كلامها بسرعة مردفة:
"بت ياسلمى، أنا سبحان الله جالي فكرة كدا."
عقدت هي حاجبيها ثم هتفت بهدوء:
"فكرة إيه؟"
أردفت بمكر:
"بصي لو عاوزة تخلصي من القرف اللي انتِ فيه، خدي زكريا على حجرك. الواد دا كان مايلك في أول الفرح. اسمعي كلامي، اعصري على نفسك لمونتين وعامليه حلو وكلمتين حلوين ومش هايسمع كلام امه."
ابتسمت بسخرية:
"ياماما انتِ مش عارفة زكريا ابن امه أوي. لو قالتله روح موت نفسك يا زكريا هايقولها حاضر ياما."
هتفت سميحة بإصرار:
"لا والله اسمعي كلامي. أنا بردوا بعرف أقرا الناس والواد دا أنا قريته. انتي مليتي عينه وحبك. لو شاطرة استحملي قرفه واضحكي عليه بكلمتين وهو هايقف لامه عشانك."
شعرت هي بالضياع، أطلقت تنهيدة حارة ثم هتفت:
"مش عارفة ياماما، مش عارفة إذا كنت هاقدر أعمل كدا ولا لأ. أنا مبطقيهوش ولا بطيق أشوفه قدامي."
فهتفت سميحة بتأكيد:
"والله العظيم اسمعي كلامي وبكرة تقولي كلامك صح ياماما."
***
بمحل جزارة حسني.
وقفت مديحة على أعتاب المحل تبتسم بمكر مردفة بغنج:
"اديني ٢ كيلو لحمة ياسيد الناس."
عبث الآخر بشاربه مردفًا بخشونة:
"دا انتِ اللي ست الناس كلهم. ادخلي جوا المحل لغاية ما الواد يقطعلك اللحمة."
شهقت بخفة مردفة بمكر:
"أدخل محل إيه؟ انت عاوز الناس تقول علينا إيه؟ لا طبعًا مينفعش."
زفر بضيق مردفًا:
"إمتى الحلو بقى يحن علينا ونتجوز؟ أصلي أنا بقيت على آخري."
أطلقت ضحكة رنانة:
"اهدأ يامعلم، الصبر تاخد حاجة حلوة. أنا عاوزة أظبط كل حاجة قبل جوازنا، وانت كمان تكون خلصت من المحروقة سميحة."
أمال هو بجسده ناحيتها مردفًا بخفوت:
"أول ما تديني الإشارة هاتلاقيني خلصت منها وللأبد."
ثم تابع بنبرة خبيثة:
"وحياتك عندي لأمحو اسمها من الحارة كلها."
اتسعت ابتسامتها مردفة:
"طب عجل الواد باللحمة، عاوزة ألحق أطبخ."
غمز لها بطرف عينيه ثم صاح بصوته الجهوري:
"يالا ياض اوزن اللحمة."
***
بالمصنع.
ظل يتفصح الأقمشة بإمعان وتركيز ثم هتف:
"أظن إنها هاتبقى حلوة أوي يا مدام سهير مع الموديل دا."
هتفت الأخرى بعملية:
"جدًا. أنا لما شوفتها أعجبت بيها أوي وانت حقيقي يا مستر رامي ذوقك حلو أوي في اختيار القماش."
رفع بصره ثم هتف بابتسامة بسيطة:
"شكرًا يا مدام سهير. أنا عاوزك تشدي البنات شوية في التطريز وكمان مشرفين الجودة. أنا عاوز كل حاجة بالسنتي. السوق سمعة وأنا عاوز كله يعرف عن مصنع المالكي إن سمعته كويسة وشغله تمام."
أومأت هي بتفهم ثم اردفت بجدية:
"خلاص، ادي الأوردر لكله إنه يبدأ شغل."
خلع نظارته الطبية قائلاً:
"آه."
تحركت خارج الغرفة ولكن صوت رامي أوقفها قائلاً:
"انتي شغلتي شهد مشرفة جودة صح؟"
استدارت هي ثم هتفت بتأكيد:
"أيوه، زي ما انت أمرت."
حمحم هو ثم قال بارتباك:
"طب متعطيهاش شغل كتير ومتخليش حد يزعلها ولا يضايقها، ويا ريت لو تبعتهالي."
ضيقت عينيها بتركيز محاولة فهم ما علاقة رامي وشهد وسر اهتمامه بها. ولكنها سرعان ما ردت:
"أوك يا مستر رامي."
***
بمنزل كريم.
كانت تضع رأسها فوق صدره، ويديها حول عنقه. أما هو فكان يحرك يده بخفة على ظهرها وبين كل ثانية وأخرى يطبع قبلة رقيقة فوق جبينها. حتى فتحت عينها بهدوء:
"كريم، هو انت مش هاتروح المستشفى؟"
أرجع بعض خصلاتها للخلف مردفًا بابتسامة حب:
"لا، هاخد إجازة وأقعد معاكي. أنا مش عاوز أسيبك."
رفعت نصف جسدها للأعلى ثم هتفت:
"لا، انت لازم تروح وتشوف شغلك. متقلقش، أنا بقيت كويسة."
قطب بين حاجبيه مردفًا بضيق:
"ليه عاوزة تحرميني من حضنك؟ أنا أخاف أروح أرجع ألاقيكم اتحولتي."
ابتسمت رغماً عنها ثم هتفت:
"لا مش هاتحول متخافش، بس إحنا بقالنا كتير هنا يا كريم وعمي سبناه لوحده. وأنا اتعودت أقعد معاه وأتكلم ونرغي في أي حاجة. مش عاوزة يقول إن نسيته."
هز رأسه متفهماً وجهة نظرها ثم نهض مردفًا بضيق مصطنع:
"ماشي ياست ليلى بعيني علشان خاطر بابا. يالا اطلعيله وأنا هاغير هدومي وهااروح العيادة، بلاها مستشفى انهاردا."
***
بالمصنع.
دَلفت شهد تتصفح مكتب رامي بهدوء ثم هتفت:
"إيه يارامي الحلاوة دي، أنا كنت متخيلة مصنع دور أو دورين بس مش كذا دور. ماشاء الله وكمية ناس بتشتغل ماشاء الله."
ابتسم هو لحديثها العفوي:
"طب كويس إنه عجبك ياست شهد."
تحرك نحو أريكة صغيرة ثم أشار إليها أن تأتي. تحركت نحوه ثم جلست عليها مردفة بتساؤل:
"خير بقى؟ عاوز إيه؟ ناديتني ليه؟"
وضع حقيبة بلاستيكية على الطاولة الصغيرة التي تتناسب مع حجم الأريكة:
"ناديتك علشان تفطري، انتي مفطرتيش الصبح. وممكن يحصلك حاجة ويغمى عليكي وأمي تقولي قصرت في شهد يارامي."
مد لها ساندوتش. أخذته بابتسامة مردفة:
"إن شاء الله يخليك للغلابة. بس بعد كدا مش هينفع أجاي وأفطر هنا، هابقى آخد فطاري تحت مع البنات."
قطب ما بين حاجبيه ثم هتف بتساؤل:
"ليه؟"
قطمت قطعة خبز ثم مضغتها بهدوء مردفة:
"علشان البنات ميقولوش حاجة عليا، أنا بنت وليا سمعة."
اتسعت عيناه بصدمة مردفًا بذهول:
"نعم!! انتي إيه؟!! انتي بنت دا على أساس إيه بقى إن شاء الله؟ انتي مراتي ياهانم وأي حد يتكلم هاقطعله لسانه."
ضحكت بخفة مردفة بفم مكتنز من الطعام:
"يالهوي عليك يا رامي، قفوش أوي. مبتعرفش تبقى هادي كدا."
أرجع ظهره للخلف مردفًا بحنق:
"مانتي بتقولي كلام يفورني ويعصبني."
قهقهت بشدة مردفة بمزاح:
"يفورك! انت سفن أب ولا فيروز علشان تفور."
التزم الصمت ووجهه خالٍ من التعبير، بينما هي سعلت من الاحراج مردفة بخفوت:
"وحشة صح؟"
هتف سريعا بضيق:
"وحشة جدًا، أوعي تألشي تاني."
رمقته بضيق ثم هتفت:
"بص بقى ياسيدي، هالله على الجد والجده الله عليه. مينفعش تقول إن أنا مراتك والكلام دا، الموضوع دا سر ما بيني وبينك. ليه بقى؟ قولي ليه؟"
حاول التحكم بأعصابه وعدم انفلاتها، فرد في هدوء مصطنع:
"ليه يا شهد؟"
هتفت هي بجدية:
"أولاً، علشان أنا مش هانسا لك لما بهدلتني علشان قولت مراتك في المدرسة. وكمان علشان أنا وانت عارفين إننا أخوات واحنا كتبنا كتابنا في ظروف معينة وإن شاء الله لما خالتي تيجي هانطلق. افرض بقا قولت وفضحت الدنيا إن إني مراتك وفي واحد مثلاً معجب بيا وبيحبني وعاوز يتجوزني، يرضيك توقف حالي..."
لم يعطها جواب، بل اقترب منها بنفس وجهه الخالي من التعبيرات. أخذ ذلك الساندوتش ثم وضعه على الطاولة بهدوء، بينما هي رمقته بتعجب من ردة فعله. التفت إليها ثم هتف بحدة مخيفة:
"عاوزة تطلقي علشان تتجوزي حد تاني صح؟"
هتفت هي بتلعثم من نبرته الحادة المخيفة:
"كان مجرد رأي."
وبحركة واحدة كانت شفتيه تعتصر شفتيها يقبلها يعني عقاباً على كلماتها. تأوهت بخفوت نتيجة لغرس أسنانه بشفتها السفلى. حاولت إبعاده، نجحت ولكنه عاد مرة أخرى يقبلها بقسوة لا يدري بنفسه ماذا يفعل بها؟! كأنه جسد يتحرك وعقلًا غائب. وهذه المسكينة مصدومة مقهورة، مشاعرها مبعثرة، تشعر بالخوف نتيجة لهذا الهجوم الشرس. نجحت أخيرًا في الابتعاد عنه، تنهض مسرعة للهروب من أمامه لتسقط أرضاً إثر نهوضها بسرعة وخطواتها المبعثرة وجيبتها الضيقة.
رواية شهد الحياه الفصل السادس عشر 16 - بقلم زيزي محمد
نهض سريعا مد يديه ليساعدها في النهوض ولكن رفضت بقوة وازاحت يده بعنف قائلة بغضب:
ابعد عني.
هتف سريعا بارتباك:
شهد انا والله.
قاطعته بعصبية:
انت ايه يا رامي، ايه الي انت هببته دا، ازاي قدرت تعمل كدا.
احتدت عيناه بغضب:
وايه اللي انا عملته انتِ مش مراتي ولا ايه.
هتفت بصراخ:
على الورق وبس.
زمجر رامي بحدة:
لا انتي مراتي ومش ورق وبس، ويكون في علمك لو مبطلتيش سيرة الطلاق وان حد تاني يتجوزك واقسم بالله هاحبسك في اوضتك مش اخرجك منها انا راجل يا شهد مينفعش تكلميني بالاسلوب دا ابدا.
رمقته بضيق ثم هتفت بسخرية:
راجل على نفسك مش عليا، فاهم ولا لأ.
انهت حديثها ثم خرجت من الغرفة مغلقة الباب خلفها بقوة، حدق هو في اثرها ثم غمغم:
متخلفة ولسانها اطول منها وعاوز قصه.
ثم وضع يده على شفتيه وقبلها واكمل:
بس طعمة طعامة،، اه منك ياشهد لخبطتيني.
دلفت الى مرحاض النساء، فتحت الصنبور وغسلت وجهها عدة مرات لعلها تهدأ نفسها وتطفئ سخونة وجهها.
نظرت لنفسها في المرآه وجدت شفتيها متورمتين نتيجة لاعصاره بهم وقوة قبلته، وضعت يديها على شفتيها تلقائيا سرت رجفة قوية في جسدها عندما تذكرت قبلته، اتسعت عيناها بصدمة:
رامي باسني، يالهوي عليا، باسني بوسة زي الافلام بالظبط، يادي الكسوف هابص في وشه ازاي بعد كدا.
عقدت حاجبيها مردفة بتساؤل:
بس ياتري ليه باسني، علشان قولتله هاطلق واتجوز حد تاني، اه تلاقي رجولته نقحت عليه.
ثم هتفت لنفسها مؤنبة:
انتي غلطانة بردو يا شهد يعني هو جابلك سندوتشات علشان تفطري وانتي تدبي كلامك الاهبل دا، مهما كان دا جوزك لازم اراعي حتة زي دي ومتكلمش على رجالة تانية.
ثم عادت تهتف لنفسها مرة اخرى:
اه هو جوزي بس زي اخويا.
زفرت بضيق ثم هتفت لنفسها مرة اخرى:
يوووه عليا بكلم نفسي تاني، بس انا لازم اخد منه موقف علشان ميكررهاش تاني، اه انا مش فاتحاها سبيل.
هندمت نفسها مرة اخرى ثم اخذت نفس طويل واخرجته ببطئ خرجت من المرحاض وسارت في طرقة طويلة حتى سمعت صوت يناديها التفت بسرعة رأت شاب طويل وسيم مبتسم لها وكأنه يعرفها من قبل دققت النظر حتى استعادت ذاكرتها انه صديق رامي ولكنها نست اسمه هتفت لنفسها بسرعة:
يالهوي اسمه ايه، نسيت.
رأته يتقدم منها ولم تختفي ابتسامته وما ان اقترب حتى مد يده لكي يصافحها، تنحنحت هي بإحراج ثم صافحته بابتسامة بسيطة، هتف هو برزانة:
ازيك ياشهد عاملة ايه.
حمحمت هي بإحراج لعدم تذكرها اسمه مردفة بابتسامتها ذاتها:
الله يسلمك يا استاذ.، انا اسفة نسيت الاسم عندي مشكلة في الاسماء بنساها بسرعة.
رمقها بحزن مصطنع مردفا:
اخص عليكِ ياشهد نسيتي اسمي وانا اللي كنت فاكر انك عمري ما تنسيني زي مانا منستكيش ابداً، من اللحظة اللي شوفتك فيها وانتِ على طول على بالي عمرك ماغبتي ابداً واسمك اتحفر جوايا.
اصطبغ وجهها باللون الاحمر ثم هتفت بارتباك:
اه، احم شكراً.
ضحك بخفة على ارتباكها ثم هتف:
يا ستي انا سامي صاحب رامي.
ثم استطرد بتساؤل:
الا قوليلي انتِ بتعملي ايه هنا.
اشتغلت هنا، قصدي يعني اشتغلت في الدور اللي تحت مشرفة جودة.
اجابها مزاحاً:
وياترى بقى عارفة يعني مشرفة جودة.
هزت رأسها بتأكيد:
اه مدام سهير فهمتني شوية في الشغل ولسه هافهم ان شاء الله.
وقفت هايدي في اخر الطرقة تتابعهم من بعيد وبرأسها مئة خطة شيطانية للايقاع بتلك الدخيلة "شهد" من وجهة نظرها، عزمت على تنفيذ اول خطة، رفعت هاتفها بهدوء ثم التقطت لهم بعض الصور، ابتسمت بمكر ثم هتفت لنفسها:
وقعتي تحت ايدي وكويس أوي انك جيتي تشتغلي هنا، كدا اللعب هايبقى حلو أوي.
بمنزل زكريا.
وضعت له الطعام على الطاولة وظلت منتظرة حتى يأمرها بشئ اخر، وضع ملعقة طعام في فمه مردفا بخشونة:
امي فين.
ردت هي بوجه شاحب وصوت مجهد:
نزلت قالت وراها مشاوير.
رفع بصره اليها يرمقها بتصفح من بداية وجهها الشاحب حتى ثيابها المبتلة رق قلبه وتأثر لمنظرها ثم هتف بضيق:
مغيرتيش هدومك ليه.
هتفت بتهكم:
مقدرش الا لما امك تأمر ان اغيرها.
ترك الملعقة بعنف ثم هتف بصرامة شديدة:
لمي نفسك يا سلمى انا عمال اضغط على نفسي علشان مش اقوم واضربك قلمين يظبطوكي.
صمتت وخفضت بصرها ارضاً، عاد هو لاكمال طعامه بينما هي شردت في حديث والدتها، ماذا لو نفذته وعاملته معاملة حسنة وزودت جرعة حنانها، هل حقا سوف تكسبه في صفها. ام تأثير والدته اقوى ومهما فعلت سوف تظل في ذلك الجحيم. ماذا لو كان بالفعل تأثيرها هي اقوى من مديحة واخذته في صفها. هي في وضع يستحق التجربة، رفعت بصرها ترمقه وجدته يأكل بوجه عابس، بلعت ريقها بصعوبة ثم جلست على مقربة منه، حول بصره عن الطعام ناظراً لها بقوة حتى هتفت هي بصوت دافئ حنون:
زكريا ممكن اسالك سؤال.
ضيق عينيه بتركيز مردفا:
اسالي.
ارتبكت قليلا ولكنها شجعت نفسها على الحديث:
هو انت عمرك سمعت عني كلمة وحشة قبل كدا، يعني بتاعت ولاد والكلام دا.
ابعد بصره عنها ولم يعطيها رد وتظاهر باكمال طعامه، ولكنها تجرأت ومدت يديها تلمس يديه بخفة، سرت رعشة بجسده ثم التفت اليها بسرعة متحفزاً يهتف بخشونة:
في ايه ياسلمى، عاوزة ايه مني.
هتفت هي بأعين مليئة بالدموع وبصوت مبحوح:
والله ما عاوزة حاجه كل اللي انا عاوزاه انك تحكم عقلك انا يا زكريا عمري ما كان ليا في الشمال وطول عمري براعي ربنا في كل حاجة، انا كان ممكن اهرب ومش اتجوزك بس كملت واتجوزتك هل انا هاعمل كدا لو انا بحب واحد، انت اخدت حقوقك كاملة وشوفت انا محافظة على نفسي وشرفي ازاي، مامتك بتكرهني ومبتحبنيش وانت عارف كدا ومتأكد بلاش تقسي قلبك زيها علشان خاطري، احنا خلاص اتكتب علينا نكمل مع بعض، انا تعبت من الشتيمة والتهزيق والضرب وقلة القيمة دي، انا عمري ما حد عاملني كدا، انا مش قد كدا يا زكريا، انا تعبت والله ونفسي ربنا يرحمني بقى من العذاب اللي انا فيه واموت واخلص.
كان حديثها صادقاً عفوياً نابع من اعماق قلبها، لم تستطيع التحكم في دموعها وهبطت كالشلالات بكت بكاء مرير على حالها، حاولت التحكم في شهاقتها فشلت، رق قلبه لها جذبها لاحضانه مربتا على ظهرها بحنان ثم هتف:
اهدي ياسلمى متعيطيش.
رفعت نفسها ثم هتفت بأعين باكية:
ارجوك ارحموني بقى من العذاب دا، انا اضعف من اني اكمل حياتي كدا.
مسح دموعها مردفا بهدوء:
خلاص ياسلمى مش هاعملك حاجة ولا هاخلي امك تعملك حاجة، انا يمكن اتعصبت وصدقتها في كلامها، اصل يعني هي امي هاتكدب ليه وتسوء سمعتك وانتي مراتي.
دفنت وجهها في راحتيها مردفة بصوت مبحوح من كثرة البكاء:
والله ماعملت حاجة كل كلامها كدب والله انزل اسال عليا في الحارة.
وقع في حيرة ما بين صدق حديثها الذي لمس قلبه بقوة، وحديث امه تنهد بقلة حيلة قلبه يريدها وعقله يرفضها حسم امره مردفا بخشونة:
طب قومي يالا تعالي غيري هدومك المبلولة دي وبعدين نبقا نتكلم كدا هتاخدي برد.
نظرت له تتمعن في معنى حديثه اهو صدقها فعلا، سوف يرحمها من ذلك الجحيم. بدأت بودار حديث والدتها تظهر، الحياه احياناً تحتاج الى مكر ايتها الصغيرة يجب ان تواكبي حياتك و تجعليها تسير كما تردين لا تجعلي نفسك للدنيا تحرككي كما تشاء، يجب من الان ان تعلني الحرب على مديحة مستخدمة كل اسلحتك حتى تفتكي بها.
نهضت معه تسير بخطوات هادئة نحو غرفتها، دلفت وبداخلها خوف كبير ولكنها يجب ان تهزمه الان، خرج صوتها مهزوزا قليلا:
زكريا لو سمحت ممكن تقفل الباب بالمفتاح علشان انا بتكسف لما امك تدخل فاجأة علينا.
ابتسم بسعادة ثم هتف سريعا وهو يتلفت حوله باحثا عن مفتاح الغرفة:
اه. اه هاقفل الاوضة هو فين انا عاينه فين.
بالمصنع.
مر هو بين العمال والعاملات يتابع عملهم رأها تقف بعيداً تتابع عملها بتركيز، لاحظت هايدي نظراته المسلطة على شهد عزمت بداخلها على تنفيذ اول خطة، انتظرت حتى انتهى من مروره اليومي والقاء الملاحظات وسارت معه باتجاه مكتبه جلس على كرسيه براحة بعدما رأها تعمل واطمئن قلبه عليها يعلم في قرارة نفسه انها تتجاهله وبالرغم من ذلك لمحها وهي تنظر له بطرف عينيها ابتسم عفويا على فعلتها الطفولية ثم انتبه من شروده على صوت هايدي الحاد:
رامي لو سمحت ركز معايا شوية.
حمحم هو في حرج مردفا بتساؤل:
خير يا هايدي معلش شردت في الشغل شوية.
كنت بقولك عاوزة اقولك على حاجتين مهمين.
ق لي مستنية ايه.
جلست امامه ثم تكلمت بجدية:
أول حاجة انا شوفت بنات هايلين لتصوير الموديلات، واتفقت معاهم على اسعار كويسة مٌرضية ليهم ولينا في نفس الوقت.
كويس اوي يا هايدي.
ثم تابع حديثه بتحذير:
بس خلي بالك الصور تكون محترمة مش عاوز حركات ملهاش لزمة، تتصور وتعرض الموديل كويس وكمان قبل ما يروحوا الطباعة اشوفهم الاول، دي الحاجة الاولى ايه بقى الحاجة التانية.
عبست قليلا مردفة بضيق مصطنع:
انا يهمني الشغل وانه يطلع كويس ومبحبش العاملات يتكلموا مع بعضهم ولا الاختلاط كمان، انا عتبي على شهد انهاردة شوفتها واقفه بتتكلم مع سامي وهزار وضحك والعمال بيبصوا عليهم افرض لجنة جت فاجأة من جهاز ادارة المشروعات يقولوا ايه، ولما جيت اكلمها وافهمها انه غلط كدا زعقت وقالتلي مالكيش دعوة.
صمت والصمت كان علامة استفهام لدى هايدي، قطبت بين حاجبيها مردفة بتساؤل:
ساكت ليه يا رامي.
كان وجه خالي من التعبيرات لم تفهم ماذا يدور بداخله حاولت ان تستشف فشلت، ثم هتف ببرود:
لو خلصتي كلامك روحي خلصي شغلك مبقاش كتير على معاد الانصراف.
تملكها الغيظ من بروده:
في ايه يا رامي دا رد ترده عليا، انا بكلمك في ايه وانت بتكلمني في ايه.
امسك القلم الموضوع امامه ثم طرق بيه عدة طرقات هادئة على سطح مكتبه:
أولا انا اسمي مستر رامي، ثانيا انتي قولتي اللي عندك وانا خلاص سمعت، ثالثا بقى والاهم ياريت ياهايدي تركزي في مجال شغلك وبس.
تقلصت ملامحها بغضب وسيطرت عليها نيران الغيرة مردفة بفظاظة:
هو انا ليه كل ما احاول اقرب منك تبعدني وخصوصا من وقت ما ظهرت الست شهد.
اجابها ببرود متناهي:
كلمة تانية هانسى انك قريبة سامي، وانا هانسى العشرة لو سمحتي تحافظي على الحدود اللي ما بينا وتقومي تشوفي شغلك حالا.
رمقته بغضب ثم خرجت من الغرفة مغلقة الباب خلفها بقوة.
بينما هو زفر بضيق محاولا تهدئة نفسه حتى لايزيد الطين بلة.
بمنزل زكريا.
دخلت مديحة الشقه نظرت بارجائها الاجواء هادئة، الطعام موضوع على الطاولة، رفعت احد حاجبيها مردفة لنفسها:
ماشي ياهانم سايبلي الاكل على الترابيزة من غير ما تشليه.
اتجهت صوب باب غرفة زكريا، ثم طرقت بعنف حتى اتاها صوته الغاضب:
ايه ياما بتخبطي على ميتين مابراحة.
حاولت فتح الباب ولكنه كان مغلق هتفت بعصبية:
انت قافل الباب ليه يا زكريا.
في الداخل همست له سلمى:
قولها واحد ومراته نايمين عاوزاة ليه الباب يتفتح.
هتف زكريا بصوت عالي:
واحد ومراته نايمين لازم نقفل الباب.
شهقت بسخرية:
مراتك. امال مش مراتك يا حيلتها.
ثم تابعت بمكر:
مش مراتك دي اللي كنت بتضربها امبارح علشان كانت ماشية مع واحد.
شعر بالغضب من حديثها واراد ان ينهض ليواجها ولكن يد سلمى منعته مردفة بنفس همسها:
بلاش تبوظ اليوم يا زكريا.
ابتسم لها ثم اخذها في احضانه مردفا ببرود:
اسمها كنت شاكك ياما، والحمد لله اتاكدت من شرفها، مراتي اشرف واحدة واهو ادينا اتصالحنا والحمد لله.
مديحة وقد تملكها الغيظ:
ماشي يا زكريا بكرة لما تاخد على دماغك مترجعش تعيط.
تركتهم ودخلت غرفتها، ظلت تدور حول نفسها بعصبية:
ماشي يابنت سميحة اخدتي الواد مني، فاكرة اني هاسكتلك لاوالله ما يحصل، انا بقى هاعرفك اللعب على أصوله ازاي وهاظبطك.
جلست شهد بجانبه في السيارة وبدأت تتظاهر بالتجاهل، بينما هو صدره يحترق من نيران الغيرة، قبض بعصبية على عجلة القيادة حتى ابيضت يداه، فهتف الصغير ببراءة:
بابا انا عاوز آكل في ماك انهاردا.
التفت شهد له ثم هتفت:
لا يا حمزة هانروح البيت ونعمل اكل جميل.
نظر رامي للصغير في المرآة الصغيرة التي امامه مردفا:
حاضر يا حبيبي هانروح المول ونتفسح شويه ونتغدا.
كانت على وشك الرد ولكنها امتعنت فاجأة عندما تذكرت عقابها له.
بمنزل كريم.
صدع صوت رنين هاتفها بقوة، خرجت من المطبخ تبحث عنه حتى رأته موضوعا على تلك المنضدة الصغيرة، رأت اسم كريم ينير الشاشة ابتسمت ابتسامة واسعة ثم هتفت:
ألو.
هتف الاخر بهيام:
يأحلى ألو في الدنيا.
ضحكت ضحكة صغيرة ثم هتفت بجدية مصطنعة:
عاوز ايه يا دكتور بتتصل ليه.
تنهد كريم بقوة ثم قال:
الدكتور مخنوق من الشغل ففكر انه ياخد مراته حبيبته ويخرجها ويغديها او يعيشها مش فارقة، ويقضوا يوم لطيف مع بعض.
شعرت بالسعادة لذلك الاقتراح ولكنها هتفت بحيرة:
طيب وعمي هانسيبه لوحده.
هتف بنفي:
لا هابعت الممرضة تكوني انتي لبستي وغيرتي، اتفقنا.
قالت بحماس:
اوك اتفقنا.
اغلقت المكالمة وتوجهت لغرفتها وقفت امام ملابسها بحيرة، شعرت بالعجز وقلة الحيلة ف كريم انيق ومهندم ووسيم وهي بجانبه صفر على الشماال ملابسها قديمة، لفت انتباها تلك البلوزة وتذكرت هو كم يحبها نظرت لها بحب ثم هتفت:
لازم اغير من نفسي ومش معقول جاي يفسحني البس اسود، انا هالبس البلوزة دي واهو اسمي افرحه بحاجة.
في المول.
وقفت بتذمر:
الله احنا مش قولنا هناكل، جايبنا عند محلات اللبس ليه.
استغفر ربه في سره فهذه القصيرة الغبية تثير اعصابه في ثواني:
المطعم زحمة وبعدين حمزة محتاج لبس وانا كمان محتاح كذا حاجة بالمرة انهاردا الخميس نشتري ونقضي اليوم.
نظرت حولها وجدت محلات اطفال في الاتجاه الثاني اشارت له ان يأتي خلفها مردفة بضيق:
طيب يالا خلينا ننجز في يومنا دا.
رفع احد حاجبيه بذهول ثم هتف لنفسه:
هي بتعاملني كدا ليه كأني شغال عندها.
رفع بصره لاعلى ثم قال:
يارب اطول بالي عليها علشان مخنقهاش واخلص منها.
ذهب ورائها دلفوا لذلك المحل المخصص لملابس الاطفال كان مكتظ بالناس شعر رامي بالضيق، بدأت في اختيار الملابس وتنسيقهم واعجب رامي بذوقها وتركها تختار ما تشاء ولم يتدخل في اي قطعة، فرحت هي باختيارها ملابس لحمزة وفرحت اكثر ان رامي تركها تفعل ما تريد ولم يتدخل ولكنها تعجبت من وقوفه ورائها في كل مكان، التفت بنصف جسدها ثم هتفت بهمس:
انت واقف ورايا كدا ليه يا رامي، روح اقف عند الكاشير هاخلص واجيلك.
قطب ما بين حاجبيه مردفا بخفوت:
لا طبعا مش هاسيبك لوحدك، انتي مش شايفة المحل زحمة ازاي.
هتفت بتعجب:
زحمة هايخطفوني يعني ولا ايه.
نظر حوله بضيق ثم هتف بخشونة:
لا في رجالة في المحل وممكن حد يقف جنبك ولا وراكي ويلمسك وانتي مش واخدة في بالك.
ابتسمت ابتسامة بلهاء:
انت بتغير عليا يا رامي.
هز رأسه بتأكيد ثم هتف بخفوت شديد:
طبعا انتي مش مرا.
قاطعه صوت امراءة تقف بجانبهم تنظر لهم بغيظ:
مش وقته حضرتك جو الرومانسي دا، المكان زحمة وخنقة وانا بقالي ساعة عاوزة اوصل للبنطلون اللي وراك.
تنحنح رامي في حرج قائلا:
اسف، اتفضلي يافندم.
حرك شهد قليلا لامام هاتفاا:
اخلصي بقا خلينا نخلص من ام المحل دا.
في مكان أخر بالمول.
وقفت بحزن امامه:
هو انت واخدني تشتيرلي هدوم علشان هدومي مش عاجبك.
داعب وجنيتها باصابعه مردفا بحنان:
اخص عليكي ليه بتقولي كدا بالعكس والله انا في قمة سعادتي لما لبستي اكتر بلوزة بحبها وهافضل طول عمري اقولك البسيها دي ليها ذكريات حلوة اوي معايا، انا كنت بسهر في المستشفى احب فيكي وانتي لابساها وطبعا انتي مكنتيش في بالك.
اصطبغت وجنيتها باللون الاحمر القاني ثم ابعتدت قليلا قائلة:
احم امال انت عاوز تشتريلي لبس ليه.
ابتسم لخجلها قائلا:
انا مش هاشتريلك هدوم وبس، هاشتريلك كل حاجة وكمان اهم حاجة هاشتريلك دبلتي الي هاتتحط في ايدك وتزينها، انا عاوز احس انك مراتي وانا مسؤول عنك.
لمعت عينيها بسعادة مردفة:
بجد هاتشتريلي دبلة.
هز رأسه مؤكدا:
اه يالا بقا علشان الحاجات اللي هانشتريها كتير واليوم يكيفينا اصل بكرة في مفاجأة حلوة ليكي.
عقدت حاجبيها بتساؤل:
مفاجأة ايه.
اتسعت ابتسامته على فضولها ثم غمز لها قائلا:
ودي تبقى مفاجأة يالا يا مدام ليلى نلحق نخلص.
على الجانب الاخر.
وقفت تنظر له بتحدي قائلة:
لا يا رامي هادخل معاك، تسيبني واقفة هنا ليه.
زفر بحنق قائلا:
يابنتي الله يهديكِ انا بقولك دا محل رجالي يعني مينفعش تدخلي معايا.
هتفت باندفاع:
انا مراتك ادخل انقيلك.
اقترب منها هامساً:
دلوقتي بقيتي مراتي، مش كنتي في مقام اختي.
هتفت بعصبية:
يوووه انا مراتك بس اختك عادي فيها ايه.
جذبها من يديها ثم اجلسها على مقاعد مخصصة للجلوس هاتفاً بصرامة:
فيها انك تقعدي انتي وحمزة هنا ساكتة فاهمة ولا لأ لغاية ما اخلص واجيلك.
جلست بضيق بينما انتظر حمزة ذهاب والده ثم التفت لشهد قائلا:
شهد انتي وبابا ليه بتتخانقوا على طول.
اطلقت تنهيدة قوية قائلة بعدها:
مش عارفة.
ولكنها استطردت:
بحس براحة لما بناقروا واضايقه مش عارفة ليه.
هتف الصغير ببراءة:
مش فاهم.
نظرت له قائلة بمزاح طفولي:
احسن سيبك انت ابقى فكرني بعد ما نخلص نجيب ايس كريم وناكله.
هز الصغير رأسه بحماس مردفا بصياح:
هيييييه ماشي هافكرك.
دلف رامي للمتجر ثم وقف بحيرة حتى اقترب منه البائع قائلا بابتسامة صغيرة:
خير يا افندم بتدور على حاجة معينة.
نظر رامي بحيرة للملابس:
اه اه عاوز اي حاجة.
عقد البائع ما بين حاجبيه مستغربا:
عاوز اي حاجة ازاي يا افندم.
اتجه رامي صوب قميصا من اللون الابيض ثم اخذه وقال:
هاتلي بنطلون جينز لايق عليه.
اوك يا افندم ثواني.
التفت رامي ثم نظر من خلف الزجاج عليها هي وحمزة هامسا لنفسه:
انا عارف انها هبلة ومش هاترضا تخلني اشترلها اي حاجة علشان كدا اشتريت ليا ولحمزة.
بمنزل زكريا.
نظرت سلمى لزكريا وجدته يغط في نومٍ عميق وانتظمت انفاسه، سالت الدموع من عينيها كلما تذكرت لمساته لها وانها سلمت نفسها بارادتها بكت بصمت على نفسها في كل لمسة كانت تحترق من داخلها كانت تتظاهر معه بالتجاوب وبداخلها تريد الصراخ ونفضه بعيداً عنها، ولكن ما باليد حيلة ويجب ان تستمر في هذه التمثيلية حتى تنجو من ذلك الجحيم.
بالمول.
وقفت شهد بتذمر قائلة بتحدي:
لا ويمين الله ما انت شاريلي حاجة مش هادخل.
جز على اسنانه هاتفا بغضب مكتوم:
يالا يا شهد ادخلي نشتريلك زي ما اشترينا لنفسنا.
هتفت بسخرية:
شكرا علشان تعايرني بعد كدا ابدا الله الغني.
رفع حاجبيه باعتراض ثم هتف بصرامة شديدة:
طب بصي يا شهد واقسم بالله لندخل ونشتري جيبات واسعة ولبس واسع علشان لبسك مش عاجبني ضيق ومجسم جسمك.
ابتسمت بمكر قائلة:
انت غيران عليا اعترف ان انت غيران علشان ادخل معاك جوا.
هتف الصغير بسرعة:
قولها يابابا انت غيران خلينا نخلص بقا انا جوعت والله.
نظر بصدمة لحمزة ثم هتف بضيق:
اه غيران عليكي يا ست شهد مش مراتي لازم اغير اخلصي بقى.
رفعت رأسها بكبرياء مردفة بتحذير:
ماشي انا مراتك بس اختك يالا بينا.
نظر لها بذهول على تفكيرها ثم هتف:
مراتي بس اختي ازاي من انهي اتجاه.
اشارت له ان يأتي ورائها بالامبالاة:
يالا بس تعاال وبعد كدا هابقى افهمك.
ذهب ورائها يحاول التحكم في اعصابه قدر المستطاع، ولكنه سمعها وهي تقول:
لو سمحتي انا عاوزة بنطلون واس.
لم يتركها تكمل حديثها حيث قاطعها بصرامة شديدة:
لا عاوز جيبات واسعة وكمان بلوزات واسعة لو سمحتي اهم حاجة واسعة.
ابتسمت بمكر مردفة بهمس:
بتغير عليا اوي.
نظر لها بضيق مردفا بخفوت:
يا شيخة اتنيلي.
واكمل بسره:
جاتك نيلة بحلاوتك دي اللي مالهاش حل، اه منك يا شهد.
انتهوا من شراء الملابس ولم يتخلى الشراء من المضايقاات والمشاجرات بينهم، اخذهم رامي الي احد المطاعم الشهيرة الموجودة بالمول، انتهوا من طعامهم حتى هتف رامي بتعب:
يالا بقا نروح علشان حمزة اتأخر في نومه.
هزت شهد رأسها بنفي قائلة:
لا هناكل ايس كريم الاول.
طب يالا هناكله في الطريق.
لا هانبهدل الدنيا ناكله هنا احسن.
زفر بضيق لاعطائه اوامر ثم هتف:
طيب يا شهد هاروح اجيب متتحركوش من مكانكوا.
نهض حمزة مسرعاً قائلا:
لا انا عاوز اروح معاك وانقي براحتي وكمان تلعبني اللعبة اللي هناك دي.
هتف رامي بصرامة:
لا يا حمزة علشان مينفعش نسيب شهد لوحدها.
ضحكت بخفة مردفة بمزاح:
متخافش مش هاهرب ولا اروح في حتة، خليه يروح معاك.
خفق قلبه بشدة اثر ذكرها لهروبها قائلا بضيق:
طيب متتحركيش ماشي.
أومأت دون الكلام ذهب رامي ومايين الثانية والاخرى يتلفت ورائه يتفقدها، بينما ظلت تنظر حولها بملل ولكن سرعان ما تغيرت ملامحها للصدمة فور رؤيتها ل.
بعد مرور بعض الوقت.
ابتسم رامي لحمزة مردفا:
خلاص بقى يا حمزة كفاية كدا خلينا نرجع لشهد ونجيب الايس كريم.
ابتعد الصغير عن اللعبة قائلا:
ماشي حاضر.
اخذه رامي واشترى المثلجات وذهب لشهد، اقترب من الترابيزة يتلفت حوله لم يجدها، الحقائب موجودة ولكنها ليست موجودة في المطعم، تجمدت انفاسه وسرعان ما خفق قلبه بشدة ثم تردد في ذهنه جملتها:
متخافش مش هاهرب ولا اروح في حتة، متخافش مش هاهرب، ماتخافش مش هاهرب.
انتبه على هزة حمزة له:
بابا شهد فين.
هتف بصوت مضطرب للغاية:
مش عارف انا قولتلها متتحركيش.
نظر حوله وجد مجموعة من البنات يتحدثون اقترب منهم بلهفة قائلا:
لو سمحتوا انا اللي كنت قاعد على الترابيزة اللي جنبكوا كان معايا واحدة لابسة جيبة لونها اسوو.
قاطعته فتاة مردفة بتذكر:
اه انا شوفتها خارجة من المطعم رايحة ناحية الباب الرئيسي.
بلع رامي ريقه بصعوبة بالغة مردفا بصوت مهزوز:
شكرا، يالا يا حمزة.
اخذ رامي حمزة والحقائب خارجا بسرعة رهيبة من المول، التفت حوله عدة مرات لم يراها، هتف الصغير بصوت يغلبه النوم:
بابا فين شهد عاوز انام.
هز راسه بحيرة مردفا بقلق:
مش عارف راحت فين وسابتني.
رواية شهد الحياه الفصل السابع عشر 17 - بقلم زيزي محمد
"رامي" هذا صوتها الباكي الضعيف. التفت بسرعة، رآها تقف ودموعها تنهمر بغزارة. بعد أن كانت ملامحه غاضبة، تحولت بسرعة كبيرة إلى القلق فور رؤيته لدموعها. هتف بقلق:
"مالك يا شهد، بتعيطي ليه؟ كنتي فين؟"
قاطعته هي عندما اندفعت نحوه تعانقه بقوة وتحاول تخبئة نفسها بداخله. نظر لها بتعجب، ثم نظر حوله. رأى الابتسامات والتهكمات في وجوه من حوله، ولكنه انتبه إلى شهاقتها الخافتة المستمرة. حاوطها بيديه هاتفا بخفوت:
"أهدي يا شهد، في إيه؟ حصل إيه لكل ده؟"
فهتفت هي بين شهاقتها المستمرة:
"روحني، عاوزة أروح."
زادت وتيرة القلق لديه:
"حاضر، يالا."
************************
كان يجلس خلف عجلة القيادة يزفر بخفوت، هاتفا للمرة الثامنة تقريبًا:
"معلش يا ليلى، أهدي يا قلبي."
رمقته بغضب:
"أهدى إيه؟ هي ليها عين البجاحة تنادي عليا وتكلمني؟ ربنا يسامحها."
هتف بهدوء:
"اديكي أهو قولتي ربنا يسامحها، إيه بقا معصبك؟"
ثم استطرد قائلًا بحكمة:
"وبعدين انتِ المفروض تتحكمي في أعصابك شوية وتسمعيها، مش يمكن انتِ ظالمها؟"
التفتت له ثم هتفت بصراخ:
"ظالمها!!! ولما هي فضحتني في الحارة كلها وحكت اللي حصل معايا دا كان إيه؟ ولما زكريا ضربني واتهمني في شرفي بسببها؟ ولما أبويا مات بسببها؟ ولما مشيت من الحارة مزلولة مكسورة عيني في الأرض بسببها؟ ولما رضيت اتجوزك بسبب..."
انفلت هدوء أعصابه هاتفا بقوة:
"خلاص بقا يا ليلى، اسكتي لو سمحتي."
نظرت له بضيق، ثم حولت بصرها للناحية الأخرى، حابسة تلك الدموع في عينيها.
******************************
بمنزل رامي...
اطمئن على حمزة، دثره جيدًا، أحكم الغطاء عليه، ثم خرج من الغرفة باحثًا بعينيه عنها. لم يراها. اقترب من غرفتها. سمع صوت بكائها الحاد. رغم معرفته بها لعدة أشهر، أدرك أنها لا تبكي بسهولة. ماذا حدث لكل هذا؟ أسئلة كثيرة بداخله يريد معرفة إجابتها. قلبه ينبض بعنف لبكائها. منذ أن وصلوا للمنزل وهي معتزلة بغرفتها. نظر حوله، رأى حقائب الملابس خاصتها. أخذهم، ثم طرق الباب بهدوء. لم ينتظر إذنها للدخول، بل فتح الباب ودلف بنصف ابتسامة. بحث بعينيه، لم يجدها، ولكنه سمع صوت بكائها. اقترب من صوتها. وجدها تجلس على الأرضية بين السرير والنافذة تبكي. انخلع قلبه لرؤيتها هكذا. اندفع نحوها هاتفا بقلق:
"مالك يا شهد، فيكي إيه بس؟"
رفعت وجهها الحزين وعيونها الحمراء من كثرة البكاء، مردفة بصوت متقطع من كثرة البكاء:
"أنا قلبي واجعني أوي يا رامي، كل الناس جاية عليا... كلهم، حتى أقرب الناس ليا."
مسح دموعها برقة، مردفًا بحنان:
"سلامة قلبك من الوجع، ليه بتقولي كدا؟"
زدات شهاقتها، مردفة بصوت مبحوح:
"بقول كدا من الظلم، الظلم وحش أوي يا رامي وميحسش بيه إلا اللي اتظلم، وأنا اتظلمت كتير أوي."
مسح على شعرها بحنان:
"شهد، قوليلي في إيه حصلك، احكيلي يمكن ترتاحي وتريحي قلبك وعيونك اللي مش مبطلة عياط دي."
أومأت برأسها، مردفة ببكاء:
"هاحكيلك يمكن أرتاح."
بلعت ريقها، ثم تابعت بشرود:
"كنت قاعدة مستنياك انت وحمزة لما كنت بتجيب الآيس كريم، وأنا قاعدة كدا لمحت ضهر ليلى صاحبتي ماشية مع واحد. أنا عرفتها على طول، فرحت إني لقيتها. جريت وراها لغاية ما وصلت للباب الرئيسي. خرجت وأنا خرجت وناديتها بسرعة."
(فلاش باك)
شهد بانفاس لاهثة:
"ليلى..."
التفتت ليلى بسرعة، ثم احتدت عيناها فور رؤيتها لشهد:
"انتي."
اندفعت شهد نحوها تجذبها لاحضانها وتعانقها بقوة:
"وحشتيني أوي يا ليلى، كل يوم بدعي ربنا الاقيكي وترجعيلي تاني."
دفعتها ليلى بعيدًا عنها، ثم نهرتها بقوة:
"بطلي كذب بقى وتمثيل، خلاص كذبك وتمثيلك اتكشف."
وقف كريم يتابع الموقف بصمت دون التدخل، بينما هتفت شهد بحزن:
"انتِ لسى مصدقة إني السبب يا ليلى؟ والله ما ليا ذنب، أنا مظلومة."
جزت ليلى على أسنانها، هاتفة بغضب مكتوم:
"قولتلك بطلي كذب بقى، انتِ الوحيدة اللي كنتي عارفة. أنا اتحايلت عليكي متقوليش لحد، ليه فضحتيني؟ هان عليكي العشرة؟ طب هان عليكي أبويا اللي كان مشغلك عنده وبيأويكي من جوز أمك؟ أبويا اللي مات بسببك."
انهمرت دموعها بشدة لسماعها حديث ليلى اللاذع. حمحم كريم بإحراج، مردفًا بهدوء:
"ليلى، لو سمحتي اهدي واسمعيها. انتي اتظلمتي، بلاش تظلمي."
هزت شهد رأسها بسرعة، مؤكدة على حديث كريم:
"آه والله يا ليلى، أنا مظلومة. أنا اطر..."
قاطعتها ليلى بحدة:
"بس، اخرسي! لو عندك ذرة دم، امشي من قدامي حالا. مش طايلة أشوف وشك قدامي. كل ما أشوفك أفتكر وهو بيقع قدامي ميت. امشي من قدامي، أنا بكرهك. حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ."
نظرت لها شهد بذهول، بينما هي جذبت كريم بقوة، تاركة خلفها قلبًا ينزف من الظلم.
(باك)
صمتت بعد إنهاء حديثها واستمر بكائها. زم شفتيه بضيق:
"أهدي يا شهد، هي متستاهلش عياطك دا."
نظرت له بحزن:
"هي ليه مش مصدقاني يا رامي؟ طب أنا هاجيب الفضيحة لنفسي؟ منا اطردت زيها، منا اتبهدلت زيها، اهو أنا هافضحها ليه؟ طب ليه مستنتش تسمعني وتعرف إن أنا مظلومة؟ ليه حكمت ونفذت حكمها من غير ما تسمع؟ دا أنا صاحبة عمريها، عمرها ما شافت مني غير كل خير، عمري ما زعلتها ولا هي ولا عم أحمد. جاية دلوقتي بتعايرني إن أبوها مشغلني؟ طب والله جالي شغل في أماكن حلوة أوي وبمرتبات كبيرة موت، بس رفضت. عارف ليه؟ عشان بحب عم أحمد، كان طيب وغلبان وبيحبني وبيحسسني بحضن أبويا اللي نفسي فيه. كانت القعدة معاه أحسن من مية شغلانة وأحسن من مية مرتب كبير. هي فاكراني مش زعلانة على موت أبوها؟ لا، أنا زعلانة أوي ولسه متأثرة بموته وحاسة كأن حاجة ناقصاني. ياااه، ليلى مفتكرتش ولا حاجة حلوة ليا؟ ولا موقف حلو؟ دا كله اتمسح باستيكة وصدقت إني فضحتها وعلقت كل حاجة على شماعتي."
جذب يديها، ثم وضع قبلة رقيقة في راحتيها، هاتفا:
"اهو اديكي قولتي علقت كل حاجة على شماعتك. بصي يا شهد، في نوعين من الناس. في ناس لما بتتظلم بتخاف تظلم أوي، وفي ناس لما بتتظلم بتظلم وبتحب تدوّق اللي قدامها من نفس الكاس، ودي ليلى صاحبتك. محدش في الدنيا دي يستاهل دموعك الغالية دي. وبعدين انتي خلاص حاولت مرة واتنين تبيني إنك مظلومة، وهي رفضت ومُصرة على حكمها، يبقى خلاص سيبها لوقتها، وتأكدي إن ربنا هايردلك حقك في يوم من الأيام، وهي هاتعرف إنك اتظلمتي."
هتفت بصوت مهزوز:
"امتى يا رامي؟ هي مشيت وأنا مشيت من الحارة، هاتعرف إزاي إنّي اتظلمت."
هتف بحدة:
"مش مهم تعرف يا شهد، إن شاء عنها ما عرفت، هي تفرق معاكي في إيه."
هتفت ببكاء:
"تفرق، إنها صاحبة عمري، وأنا مش سهل عليا أخون العشرة يارامي."
جذبها بقوة، ثم عانقها، هاتفا:
"اللي يشوفك من برا يقول عليكي مبيفرقش معاكي حد، لكن انتي من جواكي هشة وضعيفة."
دفنت وجهها في عنقه، قائلة بصوت مكتوم:
"الدنيا دي جاية عليا بزيادة أوي، كلهم سابوني واتخلوا عني، مبقاش ليا إلا انت وخالتي، لو سبتوني هاضيع."
زاد من احتضانه لها، ثم طبع قبلة رقيقة على إحدى وجنتيها، هاتفا بهمس:
"انتي لو سبتيني، هاضيع. أنا مش هاسمحلك تطلعي برا البيت دا أبدًا، دا بيتك قبل ما يكون بيتي."
"أنا تعبانة يا رامي، عاوزة أنام، محتاجة النوم دلوقتي."
كان صوتها مجهد، متعب، حزين، يسيطر عليه بحة غريبة من كثرة البكاء.
نهض رامي بخفة، ثم جذبها من مرفقها، أوقفها واتجه بها صوب السرير. أجلسها، ثم جلس بجانبها ووضع الغطاء عليهم. نظرت إليه بعيونها الحمراء بتعجب:
"انت هتنام هنا ولا إيه؟!"
هز رأسه مؤكدًا، قائلًا بخبث:
"آه هنام جنبك عشان خايف عليكي."
قطبت ما بين حاجبيها، مردفة:
"خايف عليا من إيه؟"
لاحت على ثغره ابتسامة ماكرة:
"هو انتِ متعرفيش إن لما الواحد بيعيط كتير لو نام لوحده قرينه بيظهرله."
سرت رجفة خفيفة في جسدها، ثم هتفت بخفوت:
"يالهوي، بسم الله الرحمن الرحيم، احفظنا يارب، بلاش السيرة دي، جتتي بتتلبش."
أبعد الغطاء عنه وحاول النهوض بتمثيل:
"لا، عندك حق، نامي لوحدك، أنا هاروح أنام."
جذبت يديه بسرعة، هاتفة بخوف:
"نام يا رامي جنبي، أنا كدا هاخاف وأنا نفسي أنام، أنا تعبانة أوي."
كتم ضحكته بصعوبة، ثم جذبها لصدره، معانقًا لها بقوة، هاتفا بحنان:
"نامي يا شهدي، متخافيش من أي حاجة في الدنيا دي طول ما أنا جنبك وفي ضهرك."
أراحت رأسها على صدره، مغلقة عينيها. شعرت بالراحة، بالأمان، والاطمئنان. تمنت بداخلها أن تبقى هكذا طوال العمر، دعت ربها في سرها أن تنعم هكذا بذلك الحضن الدافئ الحنون، ولا يفرقهما غدر الزمان. سرعان ما انتظمت أنفاسها وغطت في نوم عميق. بينما الحال مختلف بداخل رامي. شعر بمشاعر مختلفة متناقضة جعلت الحرب تدق داخل صدره. شعوره بالسعادة لنومها بحضنه، شعوره بالحزن لكمية الآلام التي تتحملها صغيرته. هذه الليلة من أجمل ليالي عمره. هذه الليلة نامت بإحضانة. شهد، شهد حياته التي تمنى رؤيتها فقط. ها هي الآن نائمة بسلام وبارداتها بالقرب من قلبه. وضع قبلة رقيقة أعلى جبينها، ثم أغمض عينيه ليستسلم لنومه هنيئًا.
******************************
بمنزل كريم...
دلف غرفته، وجدها تقف تنظر من خلف زجاج النافذة بشرود. تنهد بقوة، ثم وقف ورائها، مردفًا بهدوء:
"وبعدين يا ليلى، إيه آخرة اللي انتِ فيه؟"
هتفت بصوت حزين:
"مش عارفة."
عقد ما بين حاجبيه، مردفًا بعتاب:
"انتِ ليه مبتسمعيش إلا نفسك؟"
التفتت له، ثم قالت:
"ولما أسمعك هاتقولي إيه غير إنك يا ليلى غلطتي، المفروض تسمعيها، وكلام من الذي منه. استفدت إيه بقى؟"
"استفدتي إنك تعيدي تفكيرك، وبلاش تظلميها. لو هافترض إنها بتمثل، طيب هاتقدر تمثل بكمية الدموع دي؟ انتي عشان الغضب متحكم فيكي مشوفتيش رياكشنات وشها اللي كانت بتتبدل من الحزن والدفاع عن نفسها، لصدمة من كلامك القاسي. تقدري تقوليلي هي هتستفاد إيه لما تفضحك؟ بتكرهك ليه؟ حصل بينكوا حاجة قبل كدا؟"
فأنتِ قولتي آه، دي طول عمرها بتكرهني. يبقى كلام زكريا صح. وزكريا دا أصلًا مش راجل ولا فيه صنف الرجولة. انتي عارفة الغريب فيكِ إيه؟"
حولّت بصرها نحو النافذة، قائلة:
"إيه؟"
هتف باندفاع بنبرة حادة قوية:
"إنك مش جايبة اللوم على زكريا ولا على أمه ولا عليكي حتى. انتِ جايبة اللوم على شهد لما مجرد كلام اتقالك من خطيبك السابق زكريا اللي انتِ لغاية دلوقتي حزينة عليه."
استدارت مرة واحدة، ترمقه بغضب:
"أنا حزينة على زكريا؟ بعد دا كله تقولي الكلمة دي؟ انت إزاي أصلًا قادر تنطقها؟ أنا مبجبش سيرته عشان حاجة واحدة بس، هو مش لازمني ولا يهمني، وميستاهلش دمعة واحدة من عيوني عليه يا كريم. ميستاهلش لساني يجيب سيرته. لكن هي صاحبة عمري، والضربة والوجع كان أقوى بكتير من زكريا ومليون واحد زيه."
ثم استطردت بضيق:
"انت على فكرة واقف معاها ضدي."
أشار على نفسه بتعجب:
"أنا واقف معاها ضدك!!! طب بصي يا ليلى، إيه رأيك تروحي لدكتورة هدى؟ بقالك كتير مش روحتيلها، وتتكلمي معاها بخصوص موضوع شهد، واهي حد بعيد عننا، ويقدر يحكم كويس."
أومأت برأسها:
"فعلاً، أنا عاوزة أروحلها، محتاجة أتكلم معاها."
استدار، ثم اتجه إلى السرير بصمت. ذهبت خلفه، تهتف بخفوت:
"كريم، أنا آسفة، بوظت اليوم عليك انهارده."
ابتسم بتهكم:
"لا، عادي، واخد على كدا."
جذبته من مرفقه، تهتف بنعومة:
"متزعلش بجد، ولا اتبسطت عشان تخلع من المفاجأة بتاعت بكرة."
نظر لها بذهول مصطنع:
"إيه دا؟ انتي فاكرة المفاجأة؟ وأنا اللي قولت إن يومك انضرب، ونسيتي."
تنهدت بتعب، ثم هتفت:
"معلش بقى، متزعلش مني، متبقاش كدا بقمصة."
قهقه بصوت عالي:
"أنا بقمصة؟ اخدتي عليا أوي يا ليلى."
شعرت بالإحراج لزلة لسانها، فهتفت بخفوت:
"آسفة، مقصدتش والله."
جذبها من مرفقها، أجلسها بجانبه، ثم حاوطها بيده، قائلًا بحنان:
"قولي كل اللي انتِ عاوزاه يا ليلى، انتِ مراتي يا قلبي، وأنا جوزك، والست بتقول لجوزها كل اللي هي عاوزاه."
أخفضت بصرها، قائلة بهمس:
"ربنا يخليك ليا يارب."
طبع قبلة رقيقة على إحدى وجنتيها، هاتفا بهمس شديد بجانب أذنها:
"ويخليكي ليا يا قلبي، بكرة هاتتبسطي أوي."
**********************************
صباح يوم جديد...
حاولت فتح عينيها، ولكنها فشلت. حاولت مجددًا حتى استطاعت فتحهما بصعوبة. شعرت بصلب تحت رأسها. تحركت بعينيها لأعلى، وجدت رامي يغط في نوم عميق. اصطبغت وجنتيها باللون الأحمر، شعرت بالإحراج لوضعهما. نهضت بهدوء، ثم خرجت من الغرفة. وجدت حمزة يتابع الكارتون باهتمام. هتفت بابتسامة وصوت ناعس:
"صباح الخير يا زيزو."
التفت إليها الصغير:
"صباح الخير يا شهد."
ذهبت نحوه، ثم جلست بجانبه:
"انت صاحي من بدري."
أومأ حمزة وهو يتابع المشاهدة على التلفاز باهتمام:
"آه، صحيت، دورت على بابا لقيته نايم جنبك، طلعت وفتحت التلفزيون وبتفرج على كونان."
ربتت على شعره بحنان:
"طب وما أكلتش."
هز رأسه بنفي:
"فتحت التلاجة وشربت عصير."
طبعت قبلة أعلى جبينه، ثم هتف بحماس:
"هاقوم أعملك أحلى ساندوتش في الدنيا."
التفت إليها بابتسامة:
"ماشي."
ولكن سرعان ما هتف بتساؤل طفولي:
"انت بقيتي تقعدي بشعرك قدام بابا."
قطبت ما بين حاجبيها، ثم وضعت يديها تلقائيًا على رأسها تتحسسها بقوة. اتسعت عيناها بصدمة، مردفة:
"يالهوي، أنا قاعدة قدام رامي بشعري."
فاجأها هو عندما طبع قبلة في عنقها، هاتفا بخفوت:
"طب وبالنسبة لحضني اللي نايمة فيه طول الليل، أخباره إيه؟ والقميص التحفة القصير اللي انتي لابسااه دا، نظامه إيه؟"
أجابتها كانت اندفاعة منها للأمام للابتعاد عنه، ثم التفت له بتوتر:
"انت صحيت."
جلس على طرف الأريكة، غامزًا لها بشقاوة:
"آه، قلقت وانتِ بتقومي من جنبي."
أخفضت بصرها، اصطدمت بساقيها العاريتين. حاولت جذب قميصها القطني لأسفل. بينما هتف رامي لحمزة:
"حمزة، قوم جيبلي إزازة مية من التلاجة."
نهض الصغير بخفة. وما إن اختفى حتى اقترب رامي منها بسرعة، جاذبًا يديها برفق، قائلًا بحنان:
"بتغطي إيه؟ انتِ مراتي وربنا، وبعدين أنا مبسوط أوي إنك قعدتي بشعرك قدامي."
حاولت الابتعاد، ولكنه كان أسرع عندما حاوط خصرها بيديه. رفعت بصرها، ترمقه بضيق:
"رامي، ابعد، مينفعش."
زاد من قبضته عليها، مردفًا بحدة:
"هو إيه اللي مينفعش يا شهد."
وضعت يديها على صدره تدفعه بعيدًا عنها:
"رامي، حمزة بين لحظة والتانية هايطلع يشوفنا، كدا عيب والله."
بحركة سريعة منه، جذب يديها ثم لواها خلف ظهرها، مقربًا إياها بقوة:
"لا، ماهو هايقف يحتار يجيب أنهي إزازة أسقع."
هتفت بغضب مكتوم:
"طب والله ما في أسقع منك."
ارتفع حاجبه بدهشة. شعرت هي بزلة لسانها، متحدثة بلهفة:
"مني، أقصد مني."
هز رأسه برفض:
"لا، انتي قولتي منك. والله يا شهد، إن ما صالحتيني، لاعاقبك ودلوقتي."
زمت شفتيها بضيق:
"أصالحك إزاي؟ أطبطب عليك؟ معلش يا رامي."
ابتسم بسخرية، ثم هتف:
"لا طبعًا يا ظريفة، اديني بوسة."
توسعت عيناها بصدمة لجرأة حديثه، مردفة:
"انت بتشرب إيه يارامي؟ انت أوقات بتبقى دماغك لامؤاخذة ضاربة."
ضحك بخفة، ثم هتف بمزاح:
"طب والله انتي اللي ضاربة، قومي قفلتيني."
ابتعدت على الفور، تسحب منامتها لأسفل، متجهة نحو غرفتها. ولكن صوته الحازم أوقفها:
"شهد، متغيريش البتاعة دي، خليكي لابساها. ودا بقى يا ستي عقابك على كلمتك ليا."
قال آخر حديثه بابتسامة سمجة. تجاهلت حديثه وكملت سيرها، فهتف بصرامة:
"شهد، مبهزرش على فكرة. لو تحبي أثبتلك وأقوم أكمل عقابي، أقوم عادي."
توقفت مرة واحدة، ثم استدارت بغضب. قابلت وجهه البارد، زفرت بحنق، متجهة نحو المطبخ.
**********************************
بسيارة كريم...
هتفت بفضول:
"لو تقولي بس احنا رايحين فين؟ هرتاح."
هز رأسه بنفي، قائلًا بإصرار:
"لا طبعًا أقولك إيه، دي خليها مفاجأة. نامي بس واسترخي كدا."
"أنام إيه يا كريم؟ أنا لسه صاحية من شوية، مانشوف آخرتها إيه."
************************
بمنزل زكريا...
طرقت الباب بعنف. انتفضت سلمى من نومتها، بينما زكريا يغط في نوم عميق. سمعت صياح مديحة من الخارج:
"قومي يا حيلتهاااا، انتي هاتفضلي نايملي اليوم كله."
لكزته في كتفه، تهتف بخفوت:
"زكريا، قوم، أمك بتخبط على الباب، انت مش سامع؟"
هتف بصوت ناعس:
"لا سامع، بس طنشيها."
زاد طرق الباب بعنف. نهض بغضب، ثم فتح الباب، هاتفا بقوة:
"إيه في إيه ياما؟ نايمين؟ بتخبطي كدا ليه؟"
دفعته للخلف، دخلت الغرفة، تضع يديها في منتصف خصرها، وتقول بسخرية:
"جرى إيه يا نن عين أمك، هو حد قالك إن فاتحها لكوندا تنامي براحتك وتصحي براحتك؟ قومي يابت انجري شوفي وراكي إيه."
انصاعت لأوامر مديحة، ولكن حديث زكريا الزاعق أوقفها:
"خليكي مكانك. إيه ياما؟ هو أنا مش راجل؟ مراتي تنام وتصحى وقت ما أنا أنام وأصحى، ويوم الجمعة تقعد معايا اليوم كله، وهنا في الأوضة دي. أنا متجوز ليه إن شاء الله؟ وكمان من أول ما رجلي دخلت وعتبت باب البيت تفضل جنبي، خلصت طلباتك مخلصتش، مش مشكلتي. دا آخر كلام عندي."
هتفت بتوعد:
"ماشي يا زكريا، ماشي يابن بطني، مانشوف أنا ولا انت."
خرجت من الغرفة بغضب. دلفت غرفتها. حاولت التحكم في أعصابها، لعلها تهدأ وتفكر في تدبير مكيدة لسلمى، ويعود زكريا لأحضانها. رن هاتفها، التقطته مجيبة:
"آلو."
"أيوى يا مديحة، انتِ فين؟"
هتفت بضيق:
"عاوز إيه يا حسني على الصبح."
"في ست حلوة أوي وشكلها غنية موت، عاوزك يا مديحة، هي قاعدة في المحل مستنياكي."
هتفت بتعجب:
"عاوزاني أنا!!! ثم تابعت: لتكون عاوزة الولية مديحة الخياطة."
هتف حسني بنفي موضحًا:
"لا، عاوزك انتي. قالت مديحة أم زكريا، وبتستعجلك بسرعة."
"طيب، طيب جاية، مانشوف الست دي عاوزة إيه."
بداخل غرفة زكريا...
تجلس على السرير، وزكريا يجلس مقابلها، يهتف بابتسامة عريضة:
"شوفتي يا ست سلمى، أنا زعلت أمي عشان خاطرك."
رفعت بصرها، تهتف بصوت مجهد:
"لو عاوزني أطلع أروق وأمسح، ماشي، موافقة."
هتف سريعا:
"لا، لا، مش عاوزك طبعًا تعملي كدا، أنا عاوزك جنبي. دا أنا مش مصدق نفسي إنك راضية عني."
سلمى:
"أنا هافضل راضية عنك، بس تبعد أمك عني يا زكريا، عشان خاطري."
زكريا بابتسامة عريضة:
"من عنيا يا حبيبتي."
******************
جلست بتأفف في ذلك المكان المتسخ، تنتظر قدوم مديحة. مرت ما يقارب عشر دقائق، وجاءت مديحة وعلى وجهها مئات الأسئلة. تفحصتها مديحة جيدًا، بينما ابتسمت كريمة بسخرية، قائلة:
"انتي مديحة أم زكريا."
نظرت مديحة لحسني بتوتر، ثم هتفت:
"آه يا ست هانم."
نظرت كريمة لحسني، قائلة بتعالٍ وتكبر:
"انت بقولك اطلع واقفل الباب دا علينا."
أومأ حسني، قائلا:
"حاضر يا ست هانم."
خرج حسني، وبقي مديحة وكريمة معًا. تنظر كل منهما للأخرى بنظرات مختلفة، إلى أن قطعت كريمة الصمت، قائلة بمكر:
"انتي خطيبة ابنك السابقة اسمها ليلى أحمد."
أومأت مديحة برأسها، فهتفت كريمة مستطردة:
"اممم، ومتتهيألي اطردت من هنا صح."
أومأت مديحة بقلق. تأففت كريمة، قائلة:
"هو انتي هاتفضلي تهزي في راسك كتير ولا إيه."
هتفت مديحة بارتباك:
"أصل يا ست هانم، لامؤاخذة، دخلتك علينا تخض، وعمالة تسأليني عن المخفية ليلى، وأنا مش فاهمة حاجة."
ابتسمت كريمة بخبث، مردفة:
"هاقولك، ليلى دي أنا بعزها أوي، وعرفت إنكِ كنتِ بتعزيها زي، ويمكن أكتر، فكنت محتاجكِ معايا."
اعتدلت في جلستها، وهي تقول باهتمام:
"لا يا هانم، بالله عليكِ، فهميني صح، انتي عاوزاني معاكي في إيه بالظبط."
أشارت لها بمكر، وهي تقول:
"تعالي هنا، قربي بالكرسي دا، وافتحيلي مخك دا، وافهمي كويس اللي هاقوله. لو نفذتيه زي ما أنا عاوزاه، هتاكلي الشهد."
"معاكي يا ست هانم، دا أنا بفهمها وهي طايرة، ولما جبتي سيرة المخفية، فهمت على طول إنك بتعزيها أوي."
تعالت ضحكات الاثنتين بشر.
رواية شهد الحياه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم زيزي محمد
قضت اليوم بأكمله في إعداد الطعام وترتيب المنزل.
أخذت حمامًا باردًا، ارتدت ملابس مريحة، ثم جلست أخيرًا بارتياح تحتسي ذلك المشروب الساخن وتستمع ببعض الهدوء بعيدًا عن صخب رامي وحمزة.
طرق باب الغرفة بهدوء، ثم دلف رامي وعلى وجهه ابتسامة عريضة.
: بتعملي إيه؟
جذبت الغطاء بسرعة على ساقيها مردفة بغضب:
: على فكرة أنت أخدت عليا أوي، داخل طالع أوضتي، مش عارفة أقعد براحتي.
أغلق الباب بهدوء، ثم جلس مقابلها على طرف الفراش مردفًا بهدوء:
: استنيت لما حمزة نام وقولت أجي أتكلم معاكي شوية.
ثم تابع بصرامة:
: على فكرة يا شهد، مش هاستحمل كتير لسانك أو نرفزتك عليا، أنا بحاول أراعيكي على قد ما أقدر وبحاول متعصبش ولا أزعلك مني، فانت كمان حاولي تتحكمي في نفسك أكتر من كدا.
نظرت للأسفل لشعورها بالإحراج من حديثه، بينما هتف هو بنبرة هادئة:
: أنا بحاول آخد عليكي، وانتِ على طول بتقفليها في وشي ليه؟
هتفت برقة وكان ذلك عكس طباعها:
: أنا طبعي كدا، يعني بص، متزعلش مني.
اقترب منها ومد يديه ليمسك بكفيها طابعًا قبلة رقيقة عليهما:
: مش زعلان، قسيتي الهدوم.
اصطبغت وجنتاها باللون الأحمر مردفة بارتباك:
: لا مقستش، وبعدين هما مظبوطين وألوانهم حلوة، تسلم يارامي، مكنش له لزوم لكل دا.
ارتفعت يداه يداعب بها وجنتيها:
: انتي مراتي ومسؤولة مني، وانتي لبسك ضيق ومش عاجبني، أنا كنت امبارح قاعد في المصنع مخنوق أوي من الجيبة الضيقة بتاعتك.
شهد:
: هي مش ضيقة لدرجادي يا رامي.
هتف بإصرار:
: لا ضيقة جدا، أنا اللي كنت شايف، وبعدين نهايته، أنا كنت عاوز أتكلم معاكي في حاجة.
هتفت باهتمام:
: حاجة إيه؟
تحدث رامي بجدية:
: في حد بلغني إنك كنتي واقفة مع سامي بتضحكي وبتهزري امبارح، صح؟
هتفت بتعجب:
: بضحك وبهزر!! إزاي مش فاهمة.
ثم تابعت:
: محصلش بالطريقة اللي انت بتقول بيها دي، كل الحكاية هو كان واقف ونادى عليا، وجه سلم، وأنا كنت ناسيه اسمه، فكرني بيه، وسألني على شغلي وفاهمة فيه حاجة ولا لأ، وأنا رديت عادي، وبعدها مشيت وبس.
ابتسم مردفًا:
: ماشي، أنا واثق فيكِ طبعًا، بس ممنوع الكلام بين الموظفين والموظفات في المصنع منعا للقيل والقال، الكلام بيبقى في أضيق الحدود، لكن انتي يا شهد، الكلام ممنوع مع أي راجل، أنا بقولك أهو، أي راجل يكلمك مترديش عليه، حتى سامي ذات نفسه، لو سمحتي.
شهد بضيق:
: في إيه يا رامي؟ مكلمش رجالة، وملبسش ضيق، تشتريلي لبس واسع، امبارح واقف ورايا في المول علشان محدش يجي جمبي، أنا ليه شامة ريحة مش لطيفة، إحنا إخوات يا رامي، وجوزانا مؤقت.
رمقها بغضب ثم خرج من الغرفة بسرعة البرق.
تعجبت هي من ردة فعله، ولكنها أظهرت اللامبالاة هاتفة لنفسها:
: انتي صح يا شهد، لازم يعرف إن في حدود، انت وهو متنفعوش لبعض، وأنا منساش لما قال إن أنا منفعهوش وعاوزة واحد شبهي وهو مش شبهي.
***
بالإسكندرية وتحديدًا على البحر.
وقفت بسعادة تلعب في الميه بمرح طفلة صغيرة، بينما اكتفى كريم بالاستمتاع بمشاهدتها.
حتى هتفت له بسعادة:
: مش قادرة أسيب المية، أنا فرحانة أوي.
ضحك بخفة على مرحها:
: انتي من وقت ما جيتي وانتي في البحر، والليل جه، وحضرتك واقفة في المية، طب تعالي اقعدي جنبي، دا حتى الجو شاعري.
اقتربت منه ثم جلست بجانبه مردفة بعيون تلمع من الفرح والسعادة:
: كان نفسي كتير أجي إسكندرية وأتفسح فيها، انهارده كان حلو أوي يا كريم، شكرًا ليك بجد، غيرتلي مودي.
هز رأسه بغمزة بسيطة:
: إحنا في الخدمة، اللي نفسك فيه قوليه ويتنفذ على طول.
ليلى بمرح طفولي:
: عاوزة نخرج دلوقتي نتمشى في الشوارع من غير عربية ونلف ونتفرج على الناس، ونأكل آيس كريم ودرة مشوي.
ثم تابعت بتذكر:
: آه، ونجيب هدية لعمو نعوضه عن اليوم اللي سيبناه فيه.
أومأ بابتسامة صافية تعبر عن مدى سعادته بهذا اليوم وسعادتها بتلك المفاجأة.
***
بمنزل زكريا.
هتفت بصوت منخفض للغاية في الهاتف:
: عملت اللي انتي قولتيلي عليه يا ماما، وفعلاً زكريا اتغير أوي انهارده، مخلنيش أطلع من الأوضة وزعق لأمه.
تحدثت سميحة بنبرة تنم عن فرحتها:
: شوفتي كلام أمك طلع صح إزاي، دي ولية سوء أنا عارفاها وفاهمها على إيه، انتي بس اسمعي كلام أمك وقوي شخصيتك دي، ومتحسسيهاش إنك خايفة من حاجة أبدًا.
هتفت سلمى بحيرة:
: يعني أعمل إيه؟؛ فهميني كدا.
سميحة بمكر:
: بصي يا ستي، يعني مثلا تبقي عارفة إنها برا في الصالة، وتضحكيلها ضحكة عالية وتقولي اسم زكريا بدلع منها، تخلي زكريا زي الخاتم في صباعك، ومنها تكيدي مديحة، وكمان حطي مكياج، غيري من نفسك، ادلعي على الآخر يا سلمى، زكريا هايجي بكدا صدقيني.
هتفت سلمى بضيق:
: يا ماما أنا مش هعمل كدا، أنا بعلقه بيا وأنا عاوزة أخلص منه ومن أمه، أنا مش طايقاهم، أنا هرجع زي ما كنت، ولما ميلاقوش مني نفعة هايرموني ويطلقني، أنا متأكدة من كدا.
هتفت سميحة سريعًا:
: لا أوعي يابت، انتي كدا تبقي خايبة وغبية، مديحة عاوزة تكسرك ومش هاتسيبك إلا وانتي ميتة، واحتمال تجوزه وتبقي انتي خدامتهم، اسمعي كلامي، مديحة لما تشوفك أخدتي زكريا في صفك، هاتخاف وهاتخليه يطلقك، هاتعمله أي حجة وتصر إنه يطلقك.
هتفت سلمى:
: طب ولما يطلقني، بابا هايستقبلني، دا احتمال ياخدني ويرجعني ليهم تاني.
تنهدت سميحة:
: لا متخافيش، في كام فكرة في دماغي، لغاية ما تنفذي اللي قولتلك عليه وتتطلقي، هاخدك ونروح ناخد شهد من خالتك ورامي وترجعوا لحضني من تاني.
هتفت سلمى بفضول:
: فكرة إيه يا ماما، في إيه؟
قالت سميحة بإصرار:
: اسمعي كلامي يا سلمى، مش وقته كلامك دا، متخافيش، أمك مخططة لكل حاجة.
هتفت سلمى سريعًا:
: بصي يا ماما، علشان زكريا قرب يطلع من الحمام، أنا هانفذ كلامك وعلى أمل إننا نطلع من القرف دا، بس لو دا هايعرضك للخطر متعمليش حاجة، متتصليش على تليفون زكريا إلا لو أنا اتصلت، اقفلي عشان أمسح رقمك بقى بسرعة.
سميحة:
: طيب يابنتي، ربنا يعينك ويقويكي على اللي انتي فيه.
أغلقت المكالمة سريعًا وقامت بمسح الرقم، وضعت الهاتف مكانه ثم جلست بتوتر.
خرج زكريا من المرحاض يدندن بخفوت، رفع بصره وجدها تجلس على الفراش مبتسمة، رد ابتسامتها بابتسامة صغيرة:
: انتي كنتي بتعملي إيه؟
هتفت بتوتر:
: كنت قاعدة عادي، مبعملش حاجة.
اقترب منها ثم جلس مقابلها، ثم داعب وجنتيها بيديه قائلًا بنبرة حب صادقة:
: والله يا سلمى، أنا أسعد واحد في الدنيا دي، انت ممكن تستغربيني يعني علشان حبيتك بسرعة، بس اللي اكتشفته بقى إنّي طلعت مكنتش بحب ليلى، بس لما شوفتك وبصتلك على إنك مراتي، حبيتك جدًا، انتي صافية أوي من جواكي وطيبة، أنا لو طايل أجيبلك نجمة من السما وتكوني راضية عني، هاعملها.
رفعت بصرها ترمقه بأعين دامعة:
: طب ليه كنت بتعاملني كدا، ليه كنت بتضربني وتهيني وتسيبني نايمة على الأرض، وأنا أصلًا مريضة سكر، يعني ليا معاملة خاصة، ليه يا زكريا؟ اللي أعرفه إن اللي بيحب عمره ما بيقدر يأذي، وانت أذيتيني كتير أوي.
هتف بحزن:
: غصب عني والله يا سلمى، أمي لعبت في دماغي، وبعدين متنسيش إني اتخدعت في ليلى.
هتفت سلمى بتعجب:
: اتخدعت فيها!!!، دا اللي هو إزاي، ليلى مظلومة يا زكريا، بلاش تظلم علشان الظلم وحش أوي.
زم شفتيه بضيق:
: طب قفلي على أم السيرة دي علشان بتعصب لما بسمعها، المهم عندي انتي، انتي مبسوطة معايا.
هتفت بتردد مرتبك للغاية:
: ااا... آه، مبسوطة، ربنا يخليك ليا.
***
بغرفة مديحة.
جلست تتذكر حديث كريمة وابتسامة عريضة تعتلي وجهها.
(فلاش باك)
هتفت مديحة بتوجس:
: وأنا إيه يخليني أسمع كلامك، لامؤاخذة، مش يمكن مزقوقة عليا.
تأففت كريمة مردفة:
: أنا مين هايزقني عليكي، انتي مش شايفة فرق المستوى.
ابتلعت ريقها بصعوبة مردفة بتردد:
: طب معلش يا هانم، جاوبيني علشان أرتاح، انتي وصلتيلي إزاي.
زفرت كريمة بضيق:
: واحدة ممرضة زميلة زفتة ليلى في المستشفى تعرفها وساكنة قريب من الحارة دي، اللي حكتلي عن ليلى واللي حصلها، هي اللي وصلتني بالبنت دي، ولما سألتها على خطيب ليلى السابق، قالتلي اسمه وبيشتغل إيه وساكن فين، وإنتي كمان اسمك إيه.
ثم تابعت بنفاذ صبر:
: بصي، أنا مش عاوزة أسئلة كتير، انتي تنفذي اللي هاقولك عليه بالحرف، وانتي هتاكلي شهد من ورايا وورا ليلى كمان، ركزي معايا كويس في أول حاجة هاتعمليها، علشان لو عملتيها صح، الباقي هايبقى سهل أوي، وأهم حاجة مفيش بشر يعرف باتفاقنا، حتى الراجل دا، ابقي قوليله إني كنت عاوزة ابنك في مصلحة في شغله.
أومأت برأسها وهي تستمع باهتمام لأول خطط كريمة لإيقاع بـ(ليلى).
(باااااك)
عادت من شرودها وهي تهتف بمكر:
: والله ووقعتي تحت إيدي تاني يا ليلى، الفرصة جتلي وأنا لازم أستغلها.
***
بمنزل رامي.
جلس بغرفته يمارس هوايته المفضلة وهي الرسم ويستمع لأغنية عمرو دياب (إنت مغرور) وبقى يدندن معها بصوت منخفض:
: ليك نفس تضحك وتسلم، ليك نفس عادي بتتعامل، والله عيب، دا أنا عشت جنبك بتألم، وبقول مفيش إنسان كامل، بس انت غريب، إنت مغرور، إنت معدوم الشعور، إنت زي الزينة ديكور، واللي عاشرك معذور، مغرور، أيوا مغرور، أيوا معدوم الشعور، أيوا زي زينة ديكور، واللي عاشرك معذور، مغرور، أيوا مغرور.
فتحت الباب بسرعة، تفاجأ رامي من فعلتها، قام بخفض صوت الأغنية ورمقها بتساؤل:
: في إيه يا شهد.
اقتربت منه بسعادة وهي تهتف:
: عمرو دياب! الله! انت بتسمعه، علي الصوت خليني أستمتع، أنا بحب الأغنية دي أوي.
هتف بعند:
: لا مش هاتسمعيه، واطلعي روحي أوضتك يالا، أنا عاوز أقعد لوحدي.
جلست بجانبه على السرير تهتف بإصرار:
: لا أبدًا، شغله دا، أنا كنت بقعد في المكتبة على الكمبيوتر أجيب ألبوماته وأسمعها، شغل يا رامي بقا، متبقاش رخيم.
أشار لها على باب الغرفة:
: طب اقفلي الباب وتعالي اقعدي، ومسمعش صوتك علشان أرسم بهدوء.
أومأت بسعادة وذهبت مسرعة تغلق الباب.
أعاد رامي تشغيل الأغنية، وما أن استمعت للكلمات حتى وقفت في منتصف الغرفة تتمايل بجسدها على لحن الأغنية وتدندن بكلماتها بصوت عالٍ عذب.
تابعها بنظراته الشغوفة، تابع كل حركة تقوم بها بجسدها الصغير ومنامتها القصيرة وشعرها المتطاير خلفها تدور هنا وهناك وكأنها لوحدها ولا يشاركها رامي بالغرفة.
اقتربت منه بابتسامة مرحة وهي تغني بمقطعها المفضل من الأغنية:
: مش زيك أنا مش بتلون، لا هحن ولا هعمل خاطر، دا أنا باب مقفول، البعد أوقات بيهون، وتعبت من القرب يا ساتر، كدا مش معقول، إنت مغرور، إنت معدوم الشعور، إنت زي الزينة ديكور، واللي عاشرك معذور، مغرور، أيوا مغرور.
انتهت الأغنية، مد يديه ليمسكها من ذراعها هاتفا بخشونة:
: اقعدي بقى، مش هاعرف أركز كدا.
أومأت بضحكة صغيرة وهي تتخذ بجانبه مكانًا لها تستمع للأغاني وتركز باهتمام في رسمه.
حاول رامي التركيز ولكن وجودها بجانبه يشتت تركيزه، شعر بأن قلبه سيكسر قفصه الصدري من قوة نبضه، تمالك أعصابه وحاول عدم انفلاتها.
أراحت رأسها على كتفه، نظر لها وجدها تحاول جاهدة فتح عينيها ولكنها فشلت وأغلقتهم وغطت في نوم عميق.
عدل من وضعية ذراعه حتى يريحها أثناء نومتها وبداخله سعادة لا توصف.
***
مرت الأيام بسلام على أبطالنا.
الوضع مستقر بين شهد ورامي، أيام تمر بسلام وأيام بها شد وجذب، رامي محتفظ بعشقه في قلبه، وشهد متمسكة بفكر (جوزي بس أخويا).
كريم وليلى يعيشون أجمل أيام حياتهم، ليلى أصبحت متفهمة لوضع كريم وباتت تتلهف لسماع غزله بها وجمل الحب التي تنقلها لحياة أخرى، حياة سعيدة حالمة، حياة بها شهد الحب.
أما كريم لا ينكر سعادته بمدى تطور علاقته بـ ليلى، ولكن توجد غصة في حلقه تجعله يدرك دائمًا أن هذه السعادة لن تدوم.
أما زكريا وسلمى.
ما زال زكريا يغرقها بالحب وسلمى تمثل أمامه أنها متيمة فيه، أصبحت تنفذ خطط والدتها بحرفية وتشعل النار بداخل مديحة.
شعرت مديحة بأن الوضع أصبح خطر بوجود سلمى، مستخدمة مثل شعبي أصيل: (اللي تحسبه موسى يطلع فرعون).
جاء الصباح الباكر محملًا بالأحداث، منها ما يسعد أبطالنا ومنها ما يحزنهم.
بمنزل زكريا.
هتفت مديحة بسخرية وهي تعد كوبًا من الشاي:
: صباح الخير يا سبع البورمبة.
التوت فمه بضيق مردفًا:
: إيه ياما، إحنا الصبح.
التفت له تتحدث بعصبية:
: قلبي وربي غضبانين عليك ياواد.
هتف بسخرية:
: أصل انتي متوضية وضامنة الجنة، إيه ياما، ربنا مبييرضاش بالظلم.
شهقت بتهكم:
: وأنا ظلمتها في إيه يا عنيا؟
قاطعها بحدة:
: في كلام الافترا اللي طلعتيه عليها، وأنا كنت زي الأاهبل هاصدقك، سلمى مفيش أنضف منها ومفيش أحسن منها، وبتحاول ترضيني، وأنا عندي فرحتها بالدنيا كلها.
رفعت أحد حاجبيها باعتراض مردفة:
: ماشي يا زكريا، أنا بقى هاثبتلك إني صح وهي غلط، لو ثبت كدا هتطلقها.
هز رأسه بنفي قائلًا:
: لا، انتي لو ثبتي كدا أنا هاموتها وقدامك.
ثم تابع بصرامة:
: بس من هنا لغاية ما تثبتي كدا، ياريت تبعدي عننا وتسيبنا في حالنا، أصل أخدها وأروح أجر أي مكان برا، وكمان اعملي في حسابك مش هاتشتغل تاني ولا هاتعمل حاجة، وإياكي بقى أسمع إنها عيطت أو حصلها حاجة.
هتفت مديحة بتوعد:
: ماشي يا زكريا، ماشي.
خرج زكريا متأففًا من إصرار أمه على خيانة سلمى له، تنهد بقوة خارجًا من الشقة بأكملها.
بينما وقفت هي تنظر بغضب لغرفة سلمى حتى رن هاتفها وكانت المتصلة كريمة.
: الو يا هانم.
كريمة بهدوء:
: نفذي انهارده، البسي وروحي يلا، وإياكي تنسي حرف، ولما تخلصي كلميني.
أجابت بطاعة:
: حاضر يا هانم.
***
بمنزل رامي.
وقفت تنهد نفسها وتضع ذلك ملمع الشفاه.
دلف رامي فجأة، رمقها بغضب:
: إيه اللي انتي بتهببيه دا.
تجاهلته مكلمة وضع الملمع بهدوء:
: بعمل إيه؟
اقترب منها ومد يديه ينتزع ذلك الشيء من يديها بعصبية مفرطة:
: انتي اتجننتي يا شهد، بتحطي زفت روج.
استغفرت ربها بخفوت ثم تابعت بهدوء مصطنع:
: دا ملمع شفايف، يعني مش روج.
نظر حوله بسرعة لمح المناديل، جذب منديلًا معطيًا إياها قائلاً بصرامة:
: امسحي يالا، وأوعي تفكري إنك ممكن تطلعي كدا.
أبعدت يديه بعنف مردفة:
: انت مالكش حكم عليا يا رامي.
هتف بنبرة أشبه بالصراخ:
: لا ليا، أنا جوزك، امسحي النيلة دي.
هتفت بتحدي:
: لا يا رامي، ووريني بقى هاتعمل فيا إيه.
اقتصر المسافة بينهم بخطوة واحدة، مد يديه ممسكًا رأسها بقوة ثم مال على شفتيها يقبلها بقوة عقابًا لها على ما تفوهت به، عازمًا على محو أي أثر لملمع أو روج على شفتيها، فتلك الشفاه كانت تناديه في كل لحظة وها هو يلبي النداء.
الصدمة ألجمتها في بادئ الأمر، ولكنها استعادت وعيها وحاولت دفعه بقوة بعيدًا عنها.
ابتعد عنها يلهث بقوة من فرط المشاعر التي يحاول كبحها وانفلتت بلحظة، وها هو يهدأ ضربات قلبه المجنونة بها.
نظرت له بأعين مشتعلة من الغضب وصدرها يعلو ويهبط.
وما هي إلا ثوانٍ ورفعت يديها تهبط بها على وجنتيه، ولكنه أمسكها بقوة.
بقت يداها مرفوعتين في الهواء ويده تتمسك بها بقوة.
نظر لها بغضب مما كانت سوف تقدم عليه.
بحركتها تلك أفاقته من النشوة التي كان يشعر بها.
رجعت بعض خطوات للوراء خوفًا من ردة فعله.
***
بمنزل كريم.
فتح باب المنزل وجد امرأة في وجهه، قطب ما بين حاجبيه مردفًا:
: انتي كنتي هترني الجرس ولا إيه؟
بلعت ريقها بصعوبة وهتفت بتردد مرتبك:
: آه، مش دا بيت ليلى.
تفحصها جيدًا هاتفا بتساؤل:
: آه، بس هو أنا شفتك قبل كدا.
هتفت بتلعثم:
: مش مش عارفة، يمكن شوفتني في الحارة، أصل أنا جارة ليلى وعاوزاها في موضوع.
أومأ برأسه ثم صاح مناديًا:
: كيتي.
جاءت الخادمة على استحياء:
: أمر دكتور.
أشار عليها:
: دخليها لمدام ليلى.
ثم وجه كلامه لها:
: اتفضلي، كيتي هاتدخلك ليها.
أومات بقلق ثم دخلت وسارت تبع إرشادات الخادمة، جلست على كرسي من كراسي الصالون تنظر للمنزل بانبهار واضح من تصميمه، هامسة لنفسها:
: والله لعبت معاكي يابت يا ليلى، وقعتي واقفة.
ثم تابعت بمكر:
: يعني دكتور إياه يبقى جوزها، طب كويس إنه مفتكرنيش.
طرقت الخادمة غرفة ليلى بهدوء، أذنت لها ليلى بالدخول، دخلت وهتفت بلهجة بها كسرة:
: مدام ليلى، في واحدة بنت عاوزاك (عاوزاك) برة.
هتفت ليلى بتعجب:
: واحدة عاوزاني أنا!!، متأكدة؟
أومأت الخادمة:
: مش أعرف حاجة، هي قالت كدا.
قامت ليلى من جلستها ثم خرجت وتفاجأت بوجود مديحة، ما إن رأتها مديحة حتى هتفت بمكر:
: ليلى حبيبتي، وحشتيني أوي يا غالية.
سرت رجفة صغيرة في جسدها، وعادت الذكريات السيئة تداهمها بقوة، جف حلقها واحتل الخوف قلبها.
***
انتهى الفصل الثامن عشر.
رواية شهد الحياه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زيزي محمد
تفت مديحة بخبث: مالك يا ليلى ما تهدي انتي ليه مش على بعضك كدا.
تلتفت ليلى ورائها ثم يمينا ويسارا مردفة بقلق: انتي ايه اللي جابك هنا عاوزة مني ايه، انتي اصلا عرفتي مكاني ازاي.
ابتسمت بمكر: عرفت مكانك ازاي دا ميخصكيش عاوزة منك ايه، دا هاقولك عليه دلوقتي.
***
بمنزل رامي.
جلست بالمنزل تبكي وتتذكر كلماته.
(فلاش باك)
رمقها بغضب، هاتفا بصوت مخيف: انتي كنتي هاتهببي ايه؟
هتفت بصوت مهزوز: دا المفروض يبقا رد فعلي على اللي انت عملته واعمل في حسابك انه هايبقى كل مرة دا رد فعلي لو عملت كدا.
هدر بصوت جهوري وبغضب: تبقي اتجننتي دا انا اكسر عضمك اياكي تفكري تمدي ايدك عليا واسكتلك واقسم بالله هاتشوفي اللي عمرك ماشوفتيه.
صاحت بغضب هي الاخرى: انت عاوز تعمل كدا واسكتلك دا مش من حقك علشان تعمل كدا.
امسكها من ذراعها يهزها بعنف: امال من حق مين، انتي كلك على بعضك من حقي، انتي مراتي غصب عنك وعن اي حد.
اشارت له على باب الغرفة مردفة بتحدي: امشي اطلع برا مالكش دعوة بيا لغاية ما خالتي تيجي.
بقا صامتا عقب جملتها ينظر لها باعين حمراء من الغضب حتى هتف بتوعد: ماشي يا شهد انتي اللي حكمتي على نفسك خروج من البيت مفيش روحة المصنع مفيش تعاملك مع حمزة بردوا مفيش تفضلي هنا في اوضتك تاكلي وتشربي لوحدك وانا هاعرف اخليكي ازاي تتحكمي في نفسك وتعرفي انك بتتعاملي مع راجل مش عيل ولسانك دا انا هاقصهولك.
خرج من الغرفة بسرعة بل من البيت باكمله مغلقا عليها بالمفاتيح، وقفت بجنون في منتصف الصالة تستمع لصوت المفاتيح في الباب وهو يقوم بغلقه حتى صاحت باعلى صوتها: بكرهك يا رامي ومكرهتش حد في حياتي قدك.
استمع لجملتها زفر بقوة هامسا لنفسه: بحب متخلفة، انا ايه اللي عملته في نفسي دا.
***
بمنزل كريم.
انتفضت وهي تنظر لها بصدمة هاتفة بتلعثم: انت اتجننتي انا هاجبلك المبلغ دا منين؟
اجابتها وهي تهز كتفها بالامبالاة: وانا مالي ياختي اللي ليا قولته.
ثم تابعت بحقد دفين: انا لايمكن اسيبك تتهني بالعز دا كله لوحدك، واقسم بالله يا ليلى لو مجبتيش الفلوس في ظرف يومين بالكتير لجاية وعملالك فضيحة وقايلة للراجل الكبرة اللي جوة دا على مصيبتك وعلى كلمتين حلوين من عندي يشعللوا الدنيا ويرموكي زي الكلبة في الشارع.
هتفت برجاء واعين تمتلئ بالدموع: حرام عليكي بجد يعني انتي اللي طلعتي كنتي بتبعتيلي رسايل وبتهدديني، طب انا هاجبلك عشر الاف منين المبلغ كبير اوي عليا مش هاقدر.
نظرت حولها بمكر وهي تتحدث: بقا العز دا كله ومش تقدري تاخدي عشر الاف جنيه ياختي اسرقي اي تحفه من دول وبعيها وهاتجيبي ضعف المبلغ وبعدين يا حلوة دا مبلغ قليل تمن سكوتي على مصيبتك هو انتي عاوزني اعرف انك متجوزة دكتور قد الدنيا وغني واسكت واسيبك لا طبعا انا عاوزة فلوس علشان اسكت ومقولش لحماكي على مصيبتك.
وبعدين الواد زكريا عاوز يتجوز وممعيش فلوس.
اقتربت منها ليلى بسرعة تجذبها من مرفقها بعصبية وهي تهتف: امشي اطلعي برا انا مش هاجبلك المبلغ دا، امشي.
ابتسمت بسخرية: اهدي على نفسك ياختي شوية، انا هامشي فعلا بس والله العظيم يا ليلى لو ما جبتي الفلوس لمسودة حياتك وانتي عارفني على ايه وبعدين ياحلوة لو فاكرة انك تجري تقولي لجوزك وهو هايفكر بس يعمل حاجة انا مفهمة كذا واحد الحوار وهايجي ويفضحك هنا وكمان عرفت ان ليكي عمة الدكتور صعبة اوي لو عرفت بمصيبتك شوفي بقا هاتعمل فيكي ايه.
قاطعتها ليلى بحدة: وانتي ايه عرفك دا كله؟
قهقهت مديحة بشر: وانتي فاكرة ان هاسيبك تطلعي من الحارة كدا لا بقا دا انا رقبتك وعرفت انتي اتجوزتي مين وبقالكوا قد ايه متجوزين وعرفت كل تفصيلة وصغيرة والصراحة انا لايمكن اسيبك تتمعتي بالعز دا لوحدك دا انا حتى ابقا غبية ومبفهمش.
ثم استطردت تحت نظرات ليلى المصدومة: انا هامشي الرقم اللي كنت بعتلك الرسالة منه هو دا اللي تكلميني منه، هتتاخري يوم عن اليومين اللي قولتلك عليهم هاتشوفي وش مديحة التاني سلام ياحبيبتي.
ذهبت مديحة وبقت ليلى تحت الصدمة.
***
بالمصنع.
سامي: بتعمل ايه هنا يا سامي.
التفت سامي بسرعة، وجد هايدي تنظر له وعلى وجهها ابتسامة خبيثة، فهتف متصنعا الامبالاة: عادي بشوف بيشتغلوا ولا لأ.
هايدي بخبث: طب ودا تخصصك والا شغلك، قول بقا انك جاي علشان الست شهد.
سامي ببرود: وانتي مالك جايلها ولا لأ، مراقباني ليه خليكي في اللي يخصك.
اقتربت منه وقالت بهدوء: بص هاجبهالك صريحة انا وانت مصلحتنا واحدة انت عاوز شهد ودا فهمته من نظراتك وانا عاوزة رامي يبقا نساعد بعض وكل واحد ياخد اللي بيحبه.
سامي: طب رامي وعندك ما تخديه ايه اللي يمنعك عنه، اما شهد طلعيها من دماغك يا هايدي اعوزها معوزهاش ميخصكيش.
هتفت بتهكم: طب والله باين عليك متعرفش حاجة وعايش في الاحلام رامي صاحبك عينه من شهد وانا شوفتهم بعيني دول في المطبخ في بيت رامي مقربين من بعض وبيهمسوا ويتكلموا، انا عاوزة مصلحتك يا سامي انا بنت عمك ومصلحتك من مصلحتي.
هتف سامي ببرود: لو احتاجتك هاقولك اكيد يا يابنت عمي.
تركها سامي ثم ذهب لمكتب رامي دلف الغرفة، وجد رامي نائما على كرسي المكتب مغمضا عينيه.
رامي: عاوز ايه ياسامي.
هتف سامي بمزاح: ايه دا انت ملبوس ياعم، ايه عرفك ان انا.
فتح رامي عينيه ثم هتف بضيق: علشان انت الوحيد الي بتدخل من غير ما تستأذن.
قطب ما بين حاجبيه مردفا: مالك يا رامي مبوز ليه كدة وقاعد نايم مبتشغلش.
رد بوجهه مقتضب: مفيش.
ابتسم سامي بسخرية: انا بسال مين مالك مش هاتقول طبعا، انت عارف يا رامي بتفكرني بمين بالست النكدية اللي جوزها بيفضل يقولها مالك متردش عليه ومترضاش تقول.
زمجر رامي بحدة: وانا مش هاستحمل كتير طولة لسانك وانت عارف ان مبحبش حد يتعدا حدوده معايا في الكلام وبردوا عارف ان مبقولش مالي ولا فيا ايه، يبقا ايه تقوم تشوف شغلك دا لو انت بتشتغل اصلا ومتكونش جاي لهدف في دماغك.
نهض سامي بعصبية: انا مش عارف مستحملك على ايه.
بعد خروجه ارجع رامي راسه للوراء مرة اخرى مغلقا عيناه بقوة يحاول التحكم في اعصابه: اطلعي بقا من دماغي، مش عارف اركز ولا اشتغل ولا اعمل حاجة، اوووف لا انا مش قادر استحمل انا هاقوم واروحلها، انا قسيت عليها جامد ممكن يحصلها حاجه.
***
بمنزل زكريا.
عادت للمنزل وجدت الهدوء يعم المنزل التوى فمها بسخرية: اه تلاقيها نايمة الهانم.
رن هاتفها اجابت بخفوت وهي تدلف لغرفتها: ايوا ياهانم.
كريمة: انتي مروحتيش ولا ايه؟
مديحة: لا روحت وجيت.
كريمة بعصبية: انا مش منبه عليكي اول ما تخرجي من هناك تكلميني وتقوليلي عملتي ايه.
قالت مديحة بتبرير: اصل يعني هاحكي في الشارع قولت اروح البيت واحكيلك.
زفرت كريمة بنفاذ صبر: اخلصي انتي هاتصاحبيني احكي عملتي ايه.
هتفت مديحة بحنق: ما بالراحة عليا يا هانم اصل كلنا ولاد تسعة وبعدين انتي محتاجاني.
ثم تابعت حديثها: انا روحت وجوزها قابلني وانا قولتله اني جارة ليلى وهو مهتمش انه يعرف تفاصيل دخلني وقبلتها وقولتلها ان انا اللي كنت ببعتلها رسايل التهديد وهي خافت طبعا وهددتها بكل حاجة اتفقنا عليها وقولتلها مستنية اتصال خلال يومين ومشيت.
كريمة: برافو عليكي الفلوس بقا اللي تجيبها دي حلال عليكي كلها واول ما تجبها بلغيني علشان اقولك هاتعملي ايه بعد كدا.
مديحة بسعادة: ماشي ياهانم.
انهت المكالمة بسعادة ولكنها سرعان ما تذكرت شئ: الحمد لله انه مفتكرنيش ولا افتكر اني الست الي بهدلها في عيادته، وكويس بردوا ان مقولتش لست كريمة لكانت تخاف وتسحب مني الحوار ويضيع عليا الفلوس انا كدا صح، بس افرض افتكرني ايه بقا اللي هايحصل.
***
بمنزل رامي.
دارت في ارجاء المنزل بعصبية وهي تهتف: اه ياناري بقا تحبسني يا رامي على اخر الزمن انا تعمل معايا كدا، طب والله لاوريك اسود ايام حياتك اه انا ميتعملش معايا كدا.
جلست بزهق على الاريكة انتبهت لصوت البطلة المستغيث في التلفاز وهي تستغيث بالبطل عبر الهاتف ضيقت عينها بتركيز تتابع باهتمام حتى جاءت لها فكرة شيطانية لاح على ثغرها ابتسامة خبيثة، التقطت الهاتف ثم قامت بالاتصال حتى جاءها صوته القوي.
رامي: ايوا يا شهد.
تصنعت البكاء وهي تهتف بخفوت: الحقني يارامي.
توقف رامي عن القيادة وهو يهتف بقلق: مالك في ايه.
هتفت بتلعثم: مش...مش عارفة فيه حد في الشقة معايا انا سامعة صوته معايا بيتحرك هاموت من الخوف.
هتف بتوتر: ازاي دخل الشقة وانا قافل بالمفتاح.
خبطت بيديها على جبينها وهي تسب نفسها ثم هتفت بارتباك: سمعت صوت تكسير شباك المطبخ، هايموتني يارامي.
جف حلقه من شدة قلقه وخوفه: اوعي تخافي انا هاجيلك اهو متخافيش، خليكي معايا.
هتفت بتسرع: لا طبعا اقفل علشان الرصيد.
هتف بتعجب: نعم!!!!
قالت بارتباك خافت: اااا...اقصد اقفل علشان ميحسش بيا.
انهت المكالمة وهي تزفر بقوة اعتلت على وجهها ابتسامة عريضة وهي تهتف: احسن تستاهل.
***
قام بتشغيل السيارة مرات عديدة ولكن تلك المحاولات فشلت ضرب المقود بيديه وهتف بعصبية: هو في ايه مالها مبتشغلش ليه، هو دا وقته.
خرج منها بحث عن تاكسي لم يجد فالسااعة الثانية ظهرا والشوارع مزدحمة، ركض باقصى سرعته ركض والعديد من التخيلات بذهنه، جف حلقه زدات وتيرة الخوف والقلق بداخله، لم يعرف حتى الان كيف وصل لمنزله اخرج مفاتيحه بتوتر وخوف فتح الباب ودخل بهدوء وحذر وعينيه تبحث عنها في ارجاء المنزل حتى توقف عندما سمع صوتها البارد: لا طلعت بتخاف عليا يا رامي.
التفت بسرعة وجدها تتكأ بنصف جسدها على العمود الرخامي، تفحصها بسرعة بعينيه وفي لحظة كان يعانقها بقوة ويديه تتحرك بسرعة على جسدها بخوف، شعرت بدقات قلبه وقوة بنبضاته وبانفاسه اللاهثة، ابتعد عنها قليلا يهتف بقلق: انتي كويسة صح، مفيش حد عملك حاجة.
صمتت شعرت بمدى قلقه وخوفه عليها، امتلئت عينيها بسرعة بالدموع واردفت بنبرة شبه باكية: انا اسفة مكنتش اقصد اخوفك عليا والله، انا بس كنت مخنوقة منك ومضايقة ومتعصبة قفلت عليا الباب وحبستني قومت اخترعت الكذبة دي علشان تيجيلي، متزعلش مني يا رامي انا غلطت.
نظر حوله بصدمة: يعني مفيش حرامي.
هزت رأسها بنفي، اخفضت بصرها ارضا بخزي، ثم هتفت بخفوت: معلش انا اسفة.
عانقها مرة اخرى وهو يدفن وجهه في عنقها بقوة ويهتف بخفوت: انتي عاوزة تعملي فيا ايه، عاوزة تتعبي قلبي معاكي ليه، اخدتي ايه غير ان جريت الطريق كله وقلبي كان هايقف من الخوف عليكي، طب تعرفي اني اصلا كنت سايب الشغل وجايلك.
هتفت بخجل: انت كنت سايب الشغل وجاي ليه؟
ابتعد قليلا عنها، رفع بصره وركزه على عينيها ويديه تداعب وجنتيها بلطف ثم هتف بنبرة حنونة: علشان زعلتك مني قبل ماانزل وقفلت عليك، رغم انك غلطانة في اللي عملتيه بس مهنتيش عليا.
اعتلت ابتسامة خبيثه على ثغرها: عكتها اوي انا انهاردة صح؟
اقترب اكثر منها وهو يركز بصره على شفتيها بشغف: اه.
ارتشعت شفتيها من نظراته لها فهتفت بارتباك: اااان...انا.
قبل ارنبة انفها برقة وداعبها بانفه وهو يهتف بهمس: انتي ايه.
زادت دقات قلبها بجنون من قوة فرط مشاعرها، الان تختبر مشاعر جديدة لم تعهدها من قبل، اغلقت عينيها تستمتع بانفاسه الساخنه على وجهها، شعرت بشفتيه تجول على بشرتها الناعمة، شعرت بشفتيه تقترب من شفاهها خفق قلبها بقوة، تمسكت بقميصه، طبع قبلة رقيقة بالقرب من شفتيها، ثم ابتعد وهو يتفحصها ويرى تأثير ما فعله بها، فتحت عيناها بخجل تسربت الدماء لوجهها، ابتسم بخفة على براءتها ثم هتف بخشونة: هاتصل على الباص يجيب حمزة على هنا، جهزي حاجة خفيفة لغاية ماخاد شاور.
تركها ثم دلف الى غرفته مغلقا الباب خلفه، وضعت يديها على قلبها تحاول تهدئة دقاته السريعة والقوية: اهدي هاموت الله يخربيتك يا رامي، انت عاوز تعمل فيا ايه.
***
بمنزل كريم.
جلس بانهاك واضح على الاريكة يهتف بتعب: اليوم كان متعب اوي متتخيليش كم العمليات والولادة.
هتفت ليلى بشرود وعينها مثبتة على نقطة ما: الله يكون في عونك.
عقد حاجبيه يسال بإهتمام: مالك يا ليلى من وقت ما دخلت البيت وانتي تايهة كدا.
ابتسمت ابتسامة مصطنعة: مفيش.
اقترب منها وجلس مقابلها: لا فيه في ايه.
من حق الست بتاعت الصبح جارتك كانت عاوزكي ليه؟
هتفت بتوتر: مكنتش عاوزة هي.
قاطعها مستفهما: هي عرفت مكانك منين؟
زاد التوتر لديها من اسئلة كريم فهتفت: انا كنت كلمتها وقولتلها في حاجة؟
هز رأسه بنفي: لا مفيش بس حاسس ان شوفتها قبل كدا اوكشفت عندي هاموت وافتكر ودماغي مش قادرة تجيبها.
ليلى: متهايلك انت مشوفتهاش قبل كدا انا متاكدة.
قطب مابين حاجبيه: وانتي ايه اللي يخلكي متاكدة ان مشفتهاش قبل كدا.
هتفت موضحة: اصلها جارتي انت هاتشوفها ازاي الا معايا وهي اول مرا تيجيلي هنا.
هز رأسه متفهما: امممم ممكن بردوا، المهم كانت عاوزكي في ايه؟
رفعت بصرها بتوتر وعزمت على قول ما فكرت فيه وما توصلت اليه بعد معاناه: هي عارفة انك غني، وهي على قد حالها وابنها عاوز يتجوز وكانت مزنوقة في مبلغ كدا.
كريم: فجت تطلبهم منك يعني.
هزت راسها وهي تخفض بصرها للاسفل وتحاول جاهدة كبح خوفها وتوترها حتى هتف بهدوء: طب وماله ياقلبي ساعديها براحتك.
رفعت بصرها بسرعة تهتف بتردد مرتبك: مم..انا ممعيش فلو.
قاطعها بابتسامة بسيطة: فلوس ايه يا ليلى انا ليل نهار بسبلك فلوس في درج الكمدينو اظاهر انك مبتاخديش بالك منها اديلها اللي هي عاوزاه ولو عازت اكتر عادي قوليلي اكيد مش هتاخر على مساعدة حد.
ليلى: لا انا بشوفهم بس دول بردوا فلوسك قبل ما اخد منهم حاجة لازم تعرف وبعدين انت لازم تعرف هي طالبة قد ايه.
مد يديه ممسكا بوجهها ثم طبع قبلة فوق جبينها وهتف: قولتلك فلوسي فلوسك، وبعدين اديها اللي انتي عاوزاه ولو عوزتي فلوس في اي وقت خدي من الخزانة اللي جواها رقمها بنفس يوم جوازنا، ومش عاوز اعرف هما قد ايه، واه اعملي في حسابك ان بكرة حجزتلك عند الدكتور هدى معاد الجلسة.
***
بالحارة.
عبده: اؤمري يام زكريا عنيا.
مديحة بمكر: بقولك يا واد فاكر لما جيت وقولتلي على ليلى لما حصلها الحادثة اياها انت والواد علي.
هز عبده رأسه وقاال: اه فاكر طبعا وانتي حتى يومها قولتلنا نفضحها هي والبت شهد.
مديحة: اه وفاكر قولتيلي ايه كمان.
حك مؤخرة راسه وحاول التذكر ثم هتف: لا مش فاكر معلش فكريني.
هتفت مديحة بصوت كفيفح الافاعي: مش انت قولتيلي يا واد ان لو عاوزة اكد الكلام دا عليها اجبلك كام صورة ليها وانت تعملها ششوتو حاجة يعني تفبرك ليها صور.
قطب ما بين حاجبيه مستفهما: هو انتي لامؤاخذة لسه فاكرة تعمليلها ما هي غارت من الحارة مالوش لزمة.
زفرت مديحة بنفاذ صبر: ياخويا انت رغاي ليه وبتسال كتير ليه،، الموضوع مش يخص ليلى الموضوع يخص واحدة تانيه واحدة صاحبتي عندها مشكلة وعاوزة تفبرك صور دلني بس على الواد دا وانا اقولها.
شعر بكذبها ولكنه قام بمجاراتها واخبارها بالعنوان المنشود، شكرته ثم انصرفت حدق هو في اثرها: ناوية على ايه يا مديحة، مش عارف حاسس بحاجة غريبة انا هاعرف بطريقتي هي ناوية على ايه.