هناك حدود فاصلة بين الحقيقة والخيال، وبينها تفاصيل صغيرة. تحذيرات متوارية تطرق عقلك باستمرار. الباحثون خلف الحقيقة، أكثر وقوعًا في الأخطاء. هناك أبواب ليس عليك فتحها لأنك غير مستعد، لأنك بالأحرى لا تعرف ما ينتظرك في الجهة الأخرى. لكن الفضول لعنة. بقاء الغرفة مغلقة كان لعنة تلاحق عقل أحمد في حركاته داخل الشقة، عندما يذهب للحمام، عندما يكون في المطبخ، وعندما يجلس وحيدًا في الصالة. كان هناك شيء يناديه،
شيء يقول: "اقترب، إنها مجرد غرفة". وقبل كل شيء، قبل البداية، كان هناك تحذيرات: "لا تفتح الغرفة، لقد تم اختيارك بعناية". كان بقاء الغرفة مغلقة أمرًا يؤرق عقل أحمد. إنها مجرد غرفة في النهاية، باب خشبي ومجموعة من الأحجار ونقوش غريبة قد توجد على أي باب. لم يكن أحمد، رغم كل شيء، شخصًا متهورًا. لذا، عندما ذهب إلى العمل، قرر أن يفاتح علي السعدي عن الغرفة المغلقة. ولأول مرة منذ شهور، لا يجد علي السعدي في مكانه.
كأن هناك من يقول له: "لا تفعل". دخل أحمد غرفة علي السعدي ووجد قطته هناك. جلس على طرف السرير. "أين سيدك؟ "لما لا أراه اليوم بالذات؟ ولم يجد من القطة إلا كل ود ووداعة. لم تهرب، لم تقفز لبعيد، ولم تقترب. عندما عاد أحمد من العمل، قصد غرفة علي السعدي على الفور. ولما لم يجده، عاد إلى شقته مهمومًا. عندما سألته سماح، همس: "لم ألق علي السعدي في مكانه".
سماح، التي لا تعرف عن أي شيء يتحدث زوجها، ولا ما المشكلة إن كان الغفير في مشوار أو عنده ظرف طارئ، هونت الأمر. "عادي يا أحمد، فين المشكلة؟ دار أحمد داخل الشقة. "المشكلة أن مفيش مشكلة". ثم قصد غرفته بعد أن حمل الكتاب معه. رقد على السرير يقرأ، وبعد ساعة، فتح نافذة الشقة وألقى نظرة على غرفة علي السعدي. ثم تحرك وهو يهز رأسه. ارتدى تي شيرت وبنطال وحذاء منزلي.
عندما فتح الباب قاصدًا الشارع، وجد الهرة أمام الباب. قطة علي السعدي التي دخلت فورًا إلى الشقة وقفزت على الأريكة. مرت القطة بخفة إلى داخل الشقة، كأنها تعرف المكان أكثر من ساكنيه. ثم جلست في وضع هادئ، تنظر إلى أحمد بعينين واسعتين… فيها إدراك أعمق من مجرد نظرة حيوان أليف.
أغلق أحمد الباب خلفها ببطء، وكل شيء فيه كان متوترًا. شيء ما في دخول القطة كسر توازن اللحظة. وقف في منتصف الصالة، ينظر إلى الأريكة… ثم إلى الباب المغلق. قال لنفسه، بصوت مسموع: "كل حاجة بتشدني للباب ده… حتى القطط." سماح خرجت من المطبخ، تنشف يديها في فوطة: "في إيه تاني يا أحمد؟ مش ناوي تهدى بقى؟ بصّ لها، صوته هادئ لكن عقله مشغول: "القطة… جات لحد الباب، دخلت كأنها راجعة بيتها." "يعني؟
عادي. الحيوانات بتتبع الريحة، أو يمكن كانت جعانة." "ما شردتش، ولا خافت، كأنها متعودة على المكان… كأنها كانت مستنية تدخل." سماح زفرت، قربت منه وقالت: "بص، أنا هقولك حاجة، ومش عايزاك تزعل… أنت بقيت بتفسّر كل تفصيلة حواليك كأنها لغز. القطة دخلت؟ عادي. علي السعدي مش موجود؟ عادي. الدنيا مش دايمًا غريبة، أوقات إحنا اللي بنغوص زيادة." ما ردش. راح لغرفته، رجع الكتاب مكانه، ولما خرج لقى القطة واقفة قدام الباب المغلق.
لم يقترب… لكنه لاحظ شيئًا. لمعة خفيفة. بريق لحظي في أحد النقوش على خشب الباب. كأن الضوء اتجمع في نقطة، وانعكس، وراح. اقترب ببطء، وقلبه بدأ يدق أسرع. مرر أصابعه على المكان، كان سطح الخشب دافيء… مش طبيعي. الكتابة الغائرة في الباب، اللي عمره ما قدر يقرأها كاملة، بدت وكأنها تغيرت. كان في خط خفيف، بالكاد يُرى، وكأنه حُفر للتو: "المُرسِل وصل. المُتلقي يفتح." تراجع أحمد خطوة.
تنهيدة خرجت منه، أقرب للاختناق، كأن الغرفة نفسها بترقبه. نظر للباب، ثم التفت للقطة… التي كانت لا تزال تنظر له، بهدوء غريب، كأنها تنتظر اختياره. ثم ساد الصمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!