منذ أحضر الكتاب إلى الشقة تغيرت طباع الهره. أصبحت أكثر عصبية وتحفز. على السعدي لم يعد يظهر لا صباحًا ولا مساءً. الصورة المعلقة على الجدار توقفت عن المزاح، ولم تتغير أنماطها، بل بدت ثابتة وعادية. نقوش الباب المغلق بدت أكثر بريقًا ولمعانًا. سماح أكثر توترًا، وأحمد غارق في الصمت والتردد. لم يمضِ سوى أسبوع وبدأت تنمحي صفحات كاملة من الكتاب الأول.
أصبحت أوراقًا بيضاء كأن كلماتها رحلت، بينما الكتاب الآخر بدت كلماته أكثر لمعانًا وقوة. تلك العلاقة التبادلية لم تمر على سماح مرور الكرام، فقد لاحظت كل ذلك وطلبت من أحمد أن يبحث عن البخاري هذا، لأنها تشعر أن هناك شيء تغير داخل الشقة. أحمد الذي لم يصدقها كان مأخوذًا بالكتاب الجديد، يقرأ فيه ليلًا ونهارًا. الغريب أنه يقرأ والكلمات لا تنتهي، يقرأ والكلمات تجدد نفسها.
الجمل يعاد صياغتها بطريقة مختلفة في كل مرة يقرأ فيها الكتاب. حتى جاءت الليلة التي قرأ فيها أحمد رموزًا غريبة داخل الكتاب. وفي نفس الليلة، عندما استيقظت سماح لشرب الماء، صدفت وجدت الكتاب مفتوحًا على صفحات معينة. الكلمات لامعة ورموز الباب لها بريق مختلف، تشعر كأنها تدافع. تصد هجومًا غير مرئي. كان هناك تواصل مريب بين الكتاب والباب. وعندما ظهرت سماح، أغلق الكتاب نفسه وخبت رموز الباب. لم تتمالك سماح نفسها من الرعب وصرخت.
أحمد الذي ركض مثل المجنون نحو سماح المصدومة التي تشير تجاه الباب والكتاب. "فيه حاجة مرعبة في الكتاب ده يا أحمد." "والغرفة إلى هناك والشقة كلها، صدقني إحنا لازم نعزل ونشوف شقة تانية." ولما أحمد سألها: "حصل إيه؟ قالت: "الكتاب بيفتح نفسه ويقفل نفسه. فيه حاجة عايشة جوه الكتاب نفسه." "والباب إلى هناك مش مجرد باب، دا حاجز أو درع بيقاوم حاجة مش قادرة أفهمها ولا أعرفها."
أحمد أخذها في حضنه ووعدها بكرة الصبح يروح يقابل البخاري ويدور على شقة جديدة. شعرت هالة بالغرابة والدهشة. أحمد توقف عن قول: "لازم نفتح الغرفة" بل بدأ متفهمًا لمخاوف سماح، كأن فضوله اختفى فجأة. في رحلته للبحث عن البخاري، لم يجد أحمد البخاري. لكنه وجد الرجل الآخر الذي أرسل له تحيات وسلامات البخاري ووعده أن يوصل مطالبه للبخاري. لأن البخاري في سفر طويل وقد لا يعود إلا بعد مدة. وأكد الرجل على
جملة كررها أكثر من مرة: "إنه لا يعلم مكان البخاري ولا موعد عودته، وأن البخاري رغم كل المبررات قد يظهر في أي لحظة." قال الرجل: "كي أكون صادقًا معك، لا أحد يعرف موعد عودة البخاري، وقد تجده أمامك في أي لحظة." "أقول لك ذلك حتى لا تتهمني بالكذب، لأن رجلًا مثلي لا يمكنه الكذب." ثم وعد أحمد أن يبحث له عن شقة أخرى مكان تلك الشقة التي يدعي أحمد أنها مسكونة بالأشباح.
"الأشباح والأرواح والعفاريت قصص خيالية يا أستاذ أحمد. مش ناقص غير تشتكي لي من كتاب مسحور بيتحرك من تلقاء نفسه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!