الفصل 7 | من 20 فصل

رواية شقة البخاري الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
20
كلمة
1,312
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

كل يوم الصبح وأنا رايح الشغل بلاقي على السعدي، غفير العمارة، قاعد على دكة جنب المدخل قدام غرفته، ماسك سبحة وبيذكر الله. وعلى ما اتذكر، عند عودتي من العمل بيكون مكانه فاضي، وفي غرفته المفتوحة، الهرة البيضاء ذات الشعر الناعم. "صباح الخير يا عم علي... "صباح الخير يا أستاذ أحمد." في صوت علي السعدي نبرة تذكرك بأيام الأجداد، وعلى وجهه ابتسامة خاطفة مسروقة من جنازة ميت.

وأنا في الشغل فكرت أقابل البخاري، مش عارف ليه جه على بالي وشغل جزء من تفكيري. وأنا كده كده رايح مشوار قرب سور الأزبكية، وبالمرة أسلم عليه. لأني عارف مكانه، مشيت على طول وسط الباعة ورائحة الكتب ومحبي القراءة، ناس مش من شبهي حتى لو كان لي أربعين نسخة. البخاري مكنش موجود، وعلى النصابة بتاعته مكنش فيه طفل صغير ولا حاجة. كان راجل مسن بلحية جميلة بيقرأ كتاب. قربت منه، "لو سمحت ممكن أسأل حضرتك سؤال؟ "اتفضل يا ابني...

"أنا مرة اشتريت كتاب من شخص اسمه البخاري كان قاعد على كومة الكتب دي." "مفيش شخص أعرفه اسمه البخاري من اللي بيبيعوا الكتب، لكن لو كان فيه حاجة أقدر أساعدك فيها مش هتأخر." قلت: "الصراحة كنت استعرت منه كتاب وعايز أرجعه." خلقت أول كذبة جت في بالي عشان مظهرش مريب. "مفيش إنسان قارئ حقيقي ممكن يعير كتابه لشخص تاني. الكتاب زي الزوجة يا أستاذ، مستحيل تفرط فيه لشخص تاني. لو كان اداك الكتاب يبقى مش عايزه."

"طيب سؤال تاني معلش، استحملني شوية. هو أنت عندك طفل بيقف على فرصتك بعد ما تروح؟ "لا يا أستاذ، أنا بس اللي بقف على فرصتي. معنديش أولاد ذكور، ربنا كرمني بتلت بنات زي الفل، كلهم في الجامعة." قدمت شكري للرجل على صبره وتفهمه وأنا راحل. همس: "لو مش عايز الكتاب، ابقى هاته يا أستاذ، أنا بحب الكتب." قلت: "إن شاء الله حاضر." وأخدت بعضي ومشيت.

في المقهى مكنش حد يعرف البخاري. على سور الأزبكية محدش يعرفه ولا شافه. كملت سور الأزبكية كله. فكرت يمكن البخاري غير مكانه، أصله مش معقول شخص يختفي من مكان عمله فجأة كده. ملقتش البخاري. ركبت المترو ورجعت على البيت. مرّيت على غرفة علي السعدي الفاضية. ومعرفش ليه دخلت الغرفة المفتوحة وأنا بهمس: "هو الراجل ده مش بيخاف حاجة تسرق من غرفته؟

القطة كانت قاعدة على السرير بتبص عليا وأنا داخل. عاينت الغرفة بسرعة. ولأني مش من محبي القطط، اكتفيت بلمسة على ضهر القطة. القطة اللي معجبهاش تحرشي بيها قفزت بعيد عني وسابت جوايا رعشة. ملمس القطة كان بارد وغريب. ونظرتها تشي بتحفز غير معلن. فتحت باب الشقة ومن غير ما أبص على الصور، مشيت على صوت سماح اللي كانت بتغني. ومن فتح باب يسيده. "غريبة الأغنية دي يا سماح، أنا معرفهاش."

"دي أغنية كانت موجودة في الكتاب يا أحمد، ودايماً كلماتها بتدور داخل عقلي." الأغنية بتقول إن اللي يفتح باب لازم يكون عنده القدرة يغلقه. وإن كل باب بيفتح حكاية داخلها تفاصيل كتيرة. وإن فيه حكايات من المستحب إننا منسمعهاش. رغم إنه كلام عادي، إلا إني حسيت بقلق. ليه كل حاجة داخل الشقة وجوه الكتاب بتتكلم عن غرفة وأبواب؟

حتى الصور اللي أنا مش عارف حكايتها إيه بتشير تجاه باب الغرفة المغلق. ولأول مرة يراودني فضول ملح، ليه الغرفة دي مغلقة وممنوع حد يقرب منها؟ مستحيل يكون داخلها فلوس أو آثار أو دهب. ومن رابع المستحيلات العقلية إن يكون داخلها تحف أو أثاث ومقتنيات بتحمل ذكرى لدى صاحب الشقة. محتمل يكون داخلها جثة متعفنة؟ جريمة قتل في الحي الهادئ؟ "شارد ليه يا أحمد؟ " همست سماح لما طال سكوتي وسهادي.

بعفوية سألت سماح: "أنتي فتحتي الغرفة دي يا سماح؟ "لا، مفتحتهاش يا أحمد، رغم إن فكرة وجودها مغلقة مريبة داخل عقلي. في كل مرة بقرب منها بأتذكر إنك اديت الراجل وعد، واحنا مش ممكن نكسر وعدنا." "رغم إني أول امبارح في طريقي تجاه الحمام كأني لمحت ظل بيتحرك تحت الباب." "ظل إيه بس يا سماح؟ كيف شخص يعيش دون أكل أو طعام أو حمام الفترة دي كلها؟ "ما أنا عارفة يا أحمد وفاهمة، هو بس العقل بيحب يخلق مبررات للحاجات العصية على الفهم."

"طيب إيه رأيك نفتحها ولا مين شاف ولا مين دري؟ "في الأول كانت عندي رغبة أفتحها، لكن بعد ما قرأت الكتاب الرغبة دي اختفت يا أحمد. أنا عارفة إن الممنوع مرغوب، لكن لازم نحارب رغبتنا في الاقتراب من حاجة متخصناش." "سامح، إنتي كلامك غريب ومخيف ليه كده؟ دي مجرد غرفة." وقربت من الباب. "مش مخيف ولا حاجة، لكن دي حاجة إحنا وافقنا عليها وكانت من شروط تأجير الشقة ولازم نلتزم بيها."

"أحمد، إياك تفتح الغرفة." بعد إذنك، بنبرة آمرة أردفت سماح وقلق بادٍ في عيونها. حطيت إيدي على مقبض الباب ومش في نيتي أفتحه. "سماح، مش شايفة إنها غريبة شوية إن غرفة مهمة عند صاحب الشقة وشرط إن محدش يفتحها ولا يدخلها، مش عليها قفل معدني؟ مجرد مقبض باهت عفى عليه الزمن؟ "بعدين إيه النقوش الغريبة دي؟ دي نقوش تركمانية وجرمانية أنا اتأكدت منها... استدرت في مواجهة سماح. "يعني إنتي لاحظتيها قبل كده؟

"أنا محبوسة بين أربع جدران ومش بخرج من الشقة. عايزاني أعيش مع حاجة مش فاهماها إزاي؟ "لكن النقوش والرسومات دي مريبة وغريبة جداً." "صناع الأبواب القديمة وأصحاب الحرف بيكون عندهم مهارة بيعبروا عنها في رسم الأخشاب، حاجة عادية يعني." "سيبك بقى من الغرفة والباب وتعالى ساعدني في الغدا." شباك الشقة انفتح، دخل منه ريح جامد خلت أوراق الكتاب تتقلب. وفجأة ثبت.

قفلّت الشباك بسرعة. وأنا راجع بصيت بطرف عيني على صفحة الكتاب. كان رقمها ٩٩.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...