الفصل 6 | من 20 فصل

رواية شقة البخاري الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
20
كلمة
968
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

لما رجعت الشقة عملت نفسي شيرلوك هولمز. جبت كرسي ووقفت قدامه أبص على تفاصيل الصورة، عشان أبهر سماح بثقافتي. سماح كانت بتضحك، مستنية تعليقاتي السخيفة وغير الموضوعية. لكن الحقيقة إني اتسمرت قدام اللوحة. عندي ذاكرة حديدية، وكل الكلام اللي قالته سماح امبارح، أو معظمه، مكنش موجود. الصورة دي أدت نمط جديد وكشفت عن اختلافات. "مالك ساكت ليه يا دافنشي؟ " خاطبتني سماح بسخرية. قلت: "هو انتي شوفتي الصورة دي النهاردة؟

سماح قالت: "لا." قلت: "تمام، ماشي." بصيت على خط البصر اللي كان مصوب ناحية الغرفة المقفولة. نزلت من الكرسي في سكات. سماح قالت: "ها، مش هتبهرني؟ قلت: "لا، انتي عارفة إني مش من هواة الرسم واللوحات." بس كان فيه حاجة في عقلي مش مطمنة، ويا ريتني اتحركت ساعتها. كل يوم الصبح كنت بطلع الصورة، وكنت بلاحظ الاختلافات اللي فيها قبل ما أروح الشغل. عقلي كان بيسجل كل حاجة.

لحد ما جه اليوم اللي لقيت الفواصل بين شخصيات اللوحة بتشكل صورة إنسان كامل. "ده انت بقيت بتبص على الصور أكتر مني يا أحمد، هو انت اتحولت ولا إيه؟ قلت: "لا، مفيش حاجة، أنا رايح الشغل." وأنا في الطريق، عاتبت نفسي على انشغال عقلي بحاجات كنت بصنفها في الماضي بالتافهة. وعاهدت نفسي مبصش تاني ولا أشغل بالي بالصور. لكني كذبت. ما إن رجعت من الشغل، والشمس نازلة على استحياء، لقيت نفسي واقف تاني قدام الصورة.

كأن فيها مغناطيس بيشدني. مش من عينيّ، لأ. من حاجة أعمق. من جوا دماغي. اللي مش ممكن يسيب حاجة مفتوحة. كنت فاكر إن الاختلافات خلاص خلصت، أو إن عقلي بدأ يتعب ويهلوس. بس الصورة، اللي المفروض إنها فوتوغرافيا عادية لوالد سماح، كانت بتشتغل في الخلفية. كانت بتتغير، بس بهدوء، بذكاء، ببطء يخليك تشك في سلامتك العقلية. ربطة العنق. في أول مرة شفت الصورة، والد سماح كان لابس كرافتة زرقاء سادة. لكن دلوقتي؟

فيها نقوش صغيرة جدًا، كأنها طلاسم، أو خيوط بتتتشابك في شكل ما. قربت بالموبايل وعملت زوم. حسيت إني باشوف خريطة. خريطة بمسارات متقاطعة. ولما دماغي فكرت تربط بينها وبين تخطيط الشقة. قلبي وقع. نفس التوزيع. الممر الطويل. الغرف الجانبية. الحمام في آخر الممر. لكن كان فيه غرفة زيادة في الخريطة. غرفة مش موجودة في الواقع. رجعت للصورة تاني، حاولت أقول لنفسي إنها مجرد صدفة. لكن وش الراجل، والد سماح، كان بيبصلي.

يعني مش بيبص للكاميرا، زي أي صورة تانية. لأ. بيبص للمكان اللي أنا واقف فيه. وشه هادي، لكنه ساخر ومستفز ومنتقم. والفواصل اللي كانت بين الأشخاص في صورة رمبرانت وعملت نمط شخص وشاحي بقت أكتر وضوح. "أحمد، فيه إيه؟ أنا بدأت أقلق بجد؟ " سألت سماح بنبرة كلها قلق. قلت بلا مبالاة: "مفيش حاجة." "إزاي مفيش حاجة، وانت من ساعة ما وصلت وانت متسمر قدام الصورة كأنها كتاب بتقراها."

استدرت، "سماح، هو انتي ملاحظتيش حاجة غريبة في الصور دي؟ "يعني انتي فنانة، تعرفي التفاصيل أكتر مني." "الصراحة يا أحمد، أنا مش بفضي من شغل البيت. وبعدين دي مجرد صورة، ممكن تكون منسوخة ومش أصلية. عادي يعني تلاقي اختلافات فيها لأنها مضروبة." ابتسمت بلا اقتناع. وخدت حمام، واتغديت، وخرجت بره. روحت مشوار، ورجعت بالليل متأخر. سماح، وهي نايمة في الأوضة، كانت بتكلم في نومها. بتقول: "بابا… لا… متقفليش الباب ده… متقفليش…"

وفجأة، من غير ما أشعر، تذكرت كلمات والدي سماح قبل موته. لأنه كان بيهذي كتير. لكن جملة "خلي الباب مفتوح" كانت بتتكرر كتير على لسانه. "سماح،؟ سماح فوقي، انتي بتهذي وانتي نايمة." سماح اتقلبت وكملت نوم. ولعت سيجارة، وقلت بعدها: "هنام." وأنا قاعد في الصالة، تحت مراقبة نظرة والد سماح في اللوحة. حسيت إن الشخص ده بيراقبني. إن الصورة حية، بتتنفس. قربت من الصورة وقتها. شميت ريحة غريبة.

ريحة تراب قديم، وترمس متحمص، وسجاير مشتعلة من سنين. ريحة مش ممكن تيجي من صورة. قدامي كان كتاب البخاري مرمي على الطاولة. سماح قربت تخلصه. فتحت الكتاب، اتفحصته. كلمات غريبة، وسرد غامض. الفكرة الرئيسية بيحكي عن غرفة افتراضية في بعد موازي، بتلعن كل اللي يحاول يقرب منها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...