الفصل 16 | من 20 فصل

رواية شقة البخاري الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
20
كلمة
1,393
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

استنى يا أحمد. صرخت سماح بأندفاعيه مقلقه، إذا كنت مصر على فتح الغرفة، خلينا نعزل ونسيب الشقة أفضل. صرخ أحمد: _أسيب الشقة عشان حتة غرفة؟ انتي اتجننتي يا سماح؟ متجننتش يا أحمد لكن مفيش اختيار. صدفة ولا تالت لو انت مش متعايش مع فكرة وجود غرفة مغلقة يمنع الاقتراب منها، نسيب الشقة أفضل على الأقل نكون وفينا بوعدنا. اها. ضرب أحمد الطاولة بيده: هو انتو ليه فاكرينى من الكفار؟

كل ما اكلم واحد فيكم يقولي الوعد والعهد، البخاري، على السعدي وانتي كمان. _لأن إنسان بلا عهد إنسان بلا شرف يا أحمد. عاين أحمد زوجته سماح من فوق لتحت. لقد تغير موقفها كلياً منذ قرأت الكتاب الأول. لقد نادت بفتح الغرفة في الماضي لكنه رفض، والآن تدافع بأستماتة لعدم فتح الغرفة. حاول أحمد يتمالك أعصابه. قعد على الطاولة وبص لسماح. سماح؟ انتي مقدرة إننا بنتجادل عشان غرفة؟

غرفة مغلقة حياتنا كلها بتدور حواليها، انتي مستوعبة الصدمة اللي أنا فيها؟ هي كبرت في دماغي يا سماح وأنا هفتح الغرفة. هفتحه لو أصريت إنك تفتح الغرفة يا أحمد، أنا هسيب البيت قبل ما دا يحصل. بصدمة أكبر همس أحمد: انتي بتهدديني يا سماح؟ مش بهددك يا أحمد، أنا بوضح موقفي مش أكتر. وأنا هفتح الغرفة يا سماح مهما حصل. يعني في الأخير فضلت الغرفة عليا يا أحمد. مليش خاطر عندك خالص؟

بصي أنا عارف إن فيه سر ورا الغرفة دي ومش هرتاح غير لما أكتشفها. افتكر إنك أنت اللي اخترت يا أحمد. وافتكر إني حذرتك. وبعد دقائق كانت سماح تجر حقيبتها القديمة. أنا هروح أقعد عند أخويا يا أحمد. وفي الطريق قابلت الهرة التي كانت تركض بكل سرعتها نحو الشقة فقالت: أنا آسفة، حاولت بكل قوتي لكن مقدرش أعمل أكتر من كده.

بعد مغادرة سماح، عمّ صمتٌ غريب في الشقة. ليس هدوء ما بعد الشجار، بل ذلك النوع من الصمت الذي يُراقِب. القطة لم تدخل الشقة مع سماح، لكنها كانت هناك. كانت تعرف. أحمد جلس وحده. أنفاسه متقطعة، كأنه عبر بوابة، لا شجارًا. على الطاولة أمامه، النسختان من الكتاب، إحداهما سقطت أرضًا، والأخرى انفتحت من تلقاء نفسها، على صفحة لا يعرفها. لم تكن مكتوبة. كانت منحوتة.

في منتصف الصفحة: خريطة، صغيرة، مشوهة المعالم، مرسومة على شكل دائرة بها علامات دقيقة. كلما حاول أحمد تتبع الخطوط، انزلق بصره. ثم لاحظ شيئًا... في منتصف الدائرة، النقطة السوداء. تحتها كلمة واحدة: المرقد. همس أحمد لنفسه، "يعني إيه؟ إيه المرقد؟ فجأة، تغير الضوء في الشقة. لم تنطفئ الأنوار، لكن الظلال على الجدران تحركت كأن شيئًا بطيئًا وضخمًا مرّ قربها. ثم جاء الصوت. صوت مفاتيح.

صوت مفاتيح تُقلب ببطء في يد لا تُرى، يتردد في الهواء، مصدره… الغرفة المغلقة. نهض أحمد بخطوات مترددة. قلبه ينبض بقوة، لكنه لم يكن خائفًا. ليس تمامًا. كان مسحورًا. اقترب من باب الغرفة. هذه المرة، لم يكن الباب ساكنًا كما في السابق. كان ينبض. كلحاء شجرة يتهيأ للانقسام. كأن الخشب نفسه لم يعد خشبًا. وضع أحمد يده على المقبض. بارد، لكن تحت البرودة شيء حي. كأنه يُجسّ النبض. فجأة، سمع صدى صوت خافت، من داخل رأسه، لا في أذنه.

"ليس كل باب يُفتح… يغلق. ليس كل سرّ يُقال… يُنسى." صرخة القطة قطعت السكون، قادمة من خلفه، صوتها أشبه بنداء تحذير هذه المرة، لا مجرد مواء. تراجع أحمد خطوة، وبلحظة، سمع شيئًا يتنفس داخل الغرفة. ثم… شيء يشهق. لم يفتح الباب. ليس الآن. لكنه عرف أن ما خلفه… لم يكن جدارًا، ولا غرفة. كان شيء ينتظر. شيء مستيقظ. منذ زمن بعيد. وسر الغرفة ليس في أنها مغلقة. بل في أنها كانت، آخر ما تمكّن أحد من إغلاقه.

كان الليل هادئًا على نحو مخادع، بينما جلس أحمد وحده في الشقة، يتأمل الغرفة التي تنبض كأنها كائن حي. لم يكن قادراً على فتح الباب بعد، لكن الكتاب فتح له بابًا آخر… بابًا نحو الماضي. في الصفحة التالية، لم تكن هناك كتابة، بل رسم دقيق لوجهٍ مألوف. بشعر أبيض، وابتسامة نصف ميتة… البخاري. لكن الرسم لم يكن عاديًا. كانت ملامحه تتغير كلما أمعن أحمد النظر: أحيانًا شاب، أحيانًا كهل، أحيانًا بلا عينين. تحت الرسم،

ظهرت عبارة بخط مهتز: "هذا ليس اسمه. هذا ما تبقّى منه." منذ أكثر من خمسين عامًا، لم يكن اسمه البخاري. كان شابًا باحثًا في علوم الماورائيات اسمه صادق بهجت. اعتزل الناس بعد أن فقد أخاه في حادث غريب: سقط في غرفة مغلقة لم تُفتح أبدًا، ولم يُعثر له على جثة. تلك الغرفة، كانت في نفس المبنى… في نفس الشقة… نفس الغرفة التي يخشاها الجميع الآن.

تغيّر صادق بعد تلك الحادثة. لم يكن يتحدث كثيرًا، لكنه بدأ يجمع الكتب القديمة من أسواق الخردة، ويجري مقابلات مع مشعوذين ومنسيين من التاريخ. ذات مرة، أحضر مخطوطة بلغة غير مفهومة، يقال إنها كُتبت قبل أن تُخلق الأبجدية، وتحدث عن شيء يُسمّى: المرقد. المرقد، كما فسّره في دفاتر لاحقة، ليس مكانًا. بل موقعاً طرديًا داخل الزمان. نقطة مظلمة طويت فيها الذكريات، الأرواح، والعهود التي لم تُحترم.

قال البخاري ذات مرة لجاره العجوز قبل أن يُجن: "كل بيت له باب… إلا بيتنا، له مرقد." واختفى بعدها لثلاثة أشهر، ثم عاد، مختلفًا. بلا ظلال. يهمس دون أن يحرك فمه. ويقف أحيانًا لساعات أمام باب الغرفة المغلقة، يهمس بكلمة واحدة: "ما رجعوش." في نفس الليلة، وبينما كان أحمد يتصفح ما تبقى من الكتاب، لاحظ نقشًا على الغلاف الداخلي، لم يكن مرئيًا سابقًا. بقايا دم جاف، كُتب بها: "إن فتحت الباب، لا تتحدث معه. إن نظر إليك، لا تتنفس.

إن سألك من أنت… لا تُجب." ثم خط آخر، مضاف بخط أحدث، كأن أحدهم كتبه بعد قراءة التحذير: "لكن إن كان هو أخي… سأفتحه." وهنا، أدرك أحمد شيئًا مرعبًا. ربما الغرفة لم تكن لتُفتح من الخارج… بل كانت تنتظر من الداخل. منذ خمسين عامًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...