كانت شكب تجري هي وابنتها حتى تعبتا ونفسهما يتصاعد وينزل. تحدثت: "تعبت يا ماما ومش قادرة أجري تاني، هو إحنا بقينا فين؟ أنا عايزة أرجع عند عمو عمار، أكيد هو اتصرف مع الوحش." وقفت شكب وانتبهت فعلاً أنه لا نهاية، ولم تكن تعرف إلى أين ستجري. أدركت أنها ابتعدت عن مزرعة الفواكه، وأصبحت هناك مزرعة للأسماك على يمينها وشمالها. رأت جامعاً ومجموعة من الناس مجتمعين أمامه. فرحت جداً
وقالت في نفسها: "أكيد الناس دي كانت بتشتغل، وصلت وروحت من شغلها، فأنا أدخل ما بينهم وأحاول أخرج من هنا. لازم أهرب بعيد عن عمار وشمس، أكيد عمار هيحتاج يصفي حسبته مع شمس، وأنا وبنتي هنكون الضحية." فاتجهت نحو الجامع ودخلت هي وابنتها. قالت: "تعالي نصلي ونرتاح ونفكر هنعمل إيه." وهي تدخل سمعت ناساً يتحدثون عن مطلوب عمال في مصنع الملح. بالفعل دخلا، وعلمت ابنتها الوضوء والصلاة، وأمسكت مصحفاً. انتبه شيخ الجامع إليهما واقترب.
قال: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا الشيخ مؤذن الجامع، وأول مرة أشوفك هنا يا بنتي." أول ما رأته شكب انصدمت. قالت في نفسها: "ده عمي أحمد أبو حور، إزاي جه هنا وإمتى؟ بس الحمد لله ربنا بعته ليا. أنا فاكرة حور كانت قالت إن ليهم قريب في بورسعيد، عشان كده موجود هنا." وبدأت تتحدث معه.
قالت: "أنا اسمي نسمة، وهربنا من زوجي أنا وبنتي عشان عنيف معايا وشفت معاه كل أنواع العذاب. وللأسف عرف مكاني ولحقني، وأنا يتيمة ماليش سند ولا ظهر. وسمعت إن مطلوب عمال في مصنع الملح، لكن مش عارفة أعمل إيه أو أفكر إزاي يا أبوي." شخص الشيخ عليه ورد.
قال: "متخافيش يا بنتي، ربنا ألهمك الثواب. وربنا منع عنف المرأة، لكن للأسف يا بنتي جهل الناس افتكروا إن القوام بالعنف. أنا عندي بنت زيك، بس هي اتجوزت وسافرت مع زوجها، ربنا يصلح حالها. وانتقلت أنا وأمها هنا مع رجل طيب وطلب مني أرتاح من الشقى والتعب، وإنه محتاج إمام مسجد، وبفضل الله بنيت المسجد وبيتي جنبه، وبقيت كل عملي أأذن للناس بالصلاة وأقوم بصلاتهم. تعالي معايا على بيتي، وبكرة ندبرها."
كانت شكب مترددة، لكن هذا أسلم حل. تكون عند عمها أحمد وتعرف متى جاء هنا ومن ساعده. وبالفعل خرجت معه، ومشت خطوتين ووداها على بيته وهو مبتسم. قال: "كنتي زعلانة يا ستي على بنتك حور ومشتاقة ليها، أهو ربنا بعتلك بنت مظلومة وقعت من السماء تطلب النجاة والحماية." ابتسمت زوجته. قالت: "أجمل هدية ربنا بعتها. اتفضلي يا بنتي نورتي البيت، ولو مش شايلتكيش الأرض أشيلك في عيوني."
حست شكب بالراحة وحمدت ربنا أن العمل الخير زمان تشوفه قدامها دلوقتي. وبالفعل دخلت عندهم، وطلعوا لها هدوم من هدوم بنتهم وحفيدتهم، ورحبوا بها، وحطوا الأكل. ومرت اليوم معهم. وفي نفس الوقت، عمار يتجنن. راحت فين؟ وبيدور عليها في المزرعة كلها، وهو ندمان أنه سابها تضيع من إيديه تاني. كانت الدنيا ليل، والمغرب أذن. كان وصل عند الجامع ودخل عشان يصلي وهو مهموم. شافه الشيخ أحمد ورحب به. قال: "منور يا غالي، إيه النور ده."
ابتسم عمار مجاملة للشيخ أحمد، وأقيمت الصلاة، وبدأ قدوم الناس لبيوتهم في المزرعة. والكل بدأ الصلاة. وبعد الانتهاء، طلب أحمد منه خدمة. قال: "ممكن يا ابني أطلب طلب منك للخير." طلع عمار محفظته. قال: "يا عم الشيخ عايز كام؟ ابتسم الشيخ. قال: "خيرك مغرقني، الطلب مش فلوس. في واحدة اتعشمت ليا أتوسط عندكم تشتغل في مصنع الملح، وعايزة تكون في حمايتي، ممكن؟ استغرب عمار. قال: "أكيد، اتصل بعماد يقابلها بكرة وتشتغل معه."
طلب الشيخ: "تكون في قسم خفيف معها بنتها، وهي عايزة تكون معها في المصنع لو أمكن." تنهد عمار. قال: "مفيش مشكلة، أنت عارف إننا عاملين حضانة للأطفال جنب المصنع عشان الستات ربات البيوت يجيبوا أولادهم، مفيش أي مشكلة." رجع عمار على بيته وهو قاطع الأمل، ويتوقع أنها خرجت من المزرعة. طلب من مروان يتابع وسائل المواصلات وعيونه على شمس. ودخل غرفتها وجلس. قال: "أنتِ ليه دايماً بتهربي مني؟ وليه قلبي اتعلق بيكي الدرجة دي؟
من يوم أول لحظة شفتك فيها، وقلبي اتعلق بيكي، ومش فارق معايا شكلك اتغير أو لا، مش فارق معايا نسيتي ولا لأ، مش فارق معايا غير إنك ترجعي. إحساس بيقول إنك بعيدة عن تحليلي أو غيره." نام عمار على الأريكة وافتكر حاجة. عند شمس، كان يشيط ويكسر في كل حاجة. قال: "نفذتي تهديدك وروحتِ عند عمار؟ والله العظيم ما هعيش يوم تاني بعد النهارده، وهترجعي ليا مذلولة، وأعاقبك بكل الطرق اللي متخطرش على بالك يا شكب." وعمل اتصل بشخص.
قال: "عايز أعرف كل حاجة عن عمار، إمتى اتنقل بورسعيد، وإزاي بقى يمتلك كل فدان الأرض ده، ومن شريكه في المزرعة، كل حاجة مفهوم؟ رد اللي معاه. قال: "حاضر يا فندم، كل حاجة هتكون عندك." تاني يوم على شروق الشمس، استيقظت شكب وهي فرحانة. أول مرة تحس بالأمان. قامت من على السرير وسمعت صوت ابنتها وهي تتكلم مع أم حور. قالت: "يعني أقولك يا تيتا؟ بس هي معناها إيه؟ ضحكت أم حور. قالت: "تيتا يعني جدتي يا قلبي. أمك." بنفس الاستفسار،
نوفال قالت: "يعني إيه جدتي؟ أنا بجد مش عارفة." استغربت أم حور. قالت: "هو انتِ مليكيش جدة أو جدي أبو ماما؟ ردت نوفال. قالت: "لأ، ماما ملهاش حد، أنا وبس في حياتها." استعجبت حور وخافت. قالت: "لأ، حفيدتها كمان تكون مش عارفة إن ليها جدة وجدي؟ وردت بحزن.
قالت: "إزاي ماما مجابتش سيرة أهلها ليكي، واتكلمت معاكي، حتى لو ماتوا كانت توريكي صورة على الأقل. تنفذ كلام ربنا، ربي ارحمهم كما ربوني صغيراً، ولا إحنا مكتوب علينا نربي ونشقى، وفي الآخر أولادنا تتغرب، وأحفادنا ميعرفونيش." خرجت شكب على كلمتها، وبدأت تفضفض وتطلع اللي جواها. أول مرة تتكلم بعد ٧ سنين وجع.
قالت: "عندك حق يا أمي، بس الموضوع عندي مختلف. أنا اتمحيت هوايتي وشكلي وكل حاجة تخصني. انخطفت من وسط جدتي وجدي، وأبويا مات وأنا عمري ١٨ سنة. ويوم ما اتخطفت كنت لا أملك إلا صورة ليهم، إلا اللي خطفوني نجح إنه يحرمني من حقي في كل حاجة." وانهرت في البكاء وارتمت في حضن أم حور.
قالت: "أمي اترمت في جهنم وأنا عمري ٢٠ سنة مع رجل مريض نفسي يمتلك السلطة والمال، اتجوزني غصب، وكل حاجة في حياتي غصب، اتسجنت في غرفتي لأيام وسنين، مكنتش بشوف نور ربنا اللي من خلف الزجاج." نزلت دموع أم حور، وأيضاً تأثر أحمد. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وسكتِ على حقك ليه يا بنتي؟ لازم تبلغي الشرطة عنه وعن كل اللي حصل لكِ." رفعت شكب رأسها.
قالت: "وقتها هو اللي يكسب، وهطلع مريضة نفسياً وعندي تهويسات يا أبوي الشيخ، محدش يصدق أنا مين، ومعنديش أي إثبات عن هويتي." رد الشيخ. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إزاي يا بنتي معندكيش إثبات دلوقتي؟ العلم اتطور، وأي تحليل يثبت إنك مني." ما زالت تبكي. قالت: "ده إنسان وحش، ده طلع شهادة موت ليا وشهادة ميلاد جديد باسم جديد. ولو فكرت أثبت أنا مين هتتسجن." قطع حديثها صوت شخص كان يستمع كلامها وهو مش مصدق نفسه.
قال: "إنها أخرين شافها، وآخرين نطقت. وقالت: "تتسجن ليه إن شاء الله؟ هي الدنيا سايبة؟ انتِ تقدري تبلغي وترفعي قضية عليه وتثبتي كل حقوقك، مش هتفضلي طول عمرك تهربي منه، لازم هو اللي يهرب." رفعت شكب وشها تشوف مين. قالت: "حضرتك عايز إيه مني؟ ليه ملاحقني في كل مكان؟ ما ترحمني. انت السبب إنه يعرف مكاني." ابتسم مروان. قال: "أنا اللي أنقذتك منه من غير ما أعرفك، إزاي أكون السبب إنه يعرف مكانك؟ صرخت شكب بعد ما خرجت من حضنها.
قالت: "أخوك هدّدني إنه يقوله مكاني، وبالفعل نفذ تهديده. أنا كنت في المستشفى في أمان، وعارف إنك السبب إني أجي هنا وأشوفه. ليها عايز تقلب الدفاتر القديمة؟ تنهد مروان.
قال: "أنا عارف إن شمس زرع الخوف جواكي ومحى كل حاجة عنك. لكن اللي أعرفه واللي سمعته عن البنت الشجاعة اللي كانت بتطلع لايف وتحكي عن كل حاجة قدام الناس من غير خوف، اللي كانت تتكلم عن الشروق والغروب، عن المشاعر اللي كان كبير وصغير يبعتلها ويسألها يحل مشكلته إزاي، استحالة تكون ضعيفة وجبانة. انتِ اتحررتي منه، وده كانت أول خطوة، الخطوة الثانية تثبيت هويتك، والحمد لله أثبتنها." وخرج ظرف من جيبه، ومد يده.
قال: "خدي واقريه وشوفي إن أول خطوة أخويا بدأ فيها. اديه الفرصة إنه يكمل معاكي ويحميكي، لو مكنش عشان خاطره أو حبه، على الأقل عشان وصيته لأبوكي قبل ما يموت." تمسكت شكب الورقة وهي بترتعش. وسألته: "هي إيه دي؟ وانت إزاي عرفت إن هنا؟ يبقى كده شمس يعرف مكاني؟ ابتسم مروان.
قال: "أنتِ مش واخدة بالك إني ظابط، وهقولك عشان ترتاحي. عم أحمد اتصل بعمار عشان يتوسط لكِ تشتغلي في مصنع الملح، لكن أخويا نسي الموضوع بسبب طول اليوم بيدور عليكِ، وصبح اتصل تاني عم أحمد بيه، كان تليفونه غير متاح، فتصل بي أنا، وطبعاً كلنا بنعز عم أحمد ومنقدرش نتأخر في حاجة، ولما جيت سمعت كلامك." قطعت كلامه وسألته: "هو انتوا قريب عم أحمد اللي هنا؟ وإزاي اتنقلتوا بورسعيد؟ هز رأسه مروان.
قال: "هقولك يا ستي. عمار اتعرف على عم أحمد وهو بيدور على شكب." نزلت دموع عم أحمد.
قال: "الله يرحمها، الغالية بنت الغاليين، كانت بنتي التانية. وقبل ما تموت، جه عمار على الشقة. لما وصل لعنوانها، كنت وقتها شغال في تشطيب الشقة، ووقتها قرار يشتري الشقة ورفض يغير فيها أي حاجة عشان لما ترجعي تلاقي كل حاجة زي ما هي. ومن وقتها كان دايماً على تواصل معايا، لحد ما سمعت خبر تعب خال بنتي، فجينا بورسعيد، وهو اللي وصلنا ووقف معانا، ومن وقتها هو وأخو الحاجة أصبحوا شركاء مع بعض." في نفس الوقت، كان الشخص يحكي لشمس.
قال: "اشتروا الأرض ده ومع بعض قدروا يخلقوا من أرض استصلاح زراعة لمزرعة فواكه كبيرة. وبعد كده وسعوا على نفسهم واشتروا أرض للمصنع. وبعد كده مزارع بنت عم أحمد اتجوزت ابن خالها وسافروا بعثة لأمريكا، بعد موت أبوه، ووكل عمار يكون مسؤول عن كل حاجة ماله وأهل مراته وأهله، ومن هنا أصبح عمار الكل في الكل." قال شمس: "طيب اسمه إيه ابن خال حور؟ ومتعرفش مكانه في أمريكا؟ تنهد الشخص. قال: "حضرتك مش طلبت مني." صرخ شمس فيه. قال: "غبي!
أنا قلت كل كبيرة وصغيرة، عايز كل حاجة عن ابن خال حور، عنوانه في أمريكا، قرايبه هنا، أعداء، وفيه ورثة عنده، استعد يبيع كل ده، نقطة ضعفه، قوته، كل حاجة." رد الشخص. قال: "ابتسم شمس. هتروح مني فين؟ أنا مش هسيبك، لن نموت سوى لنعيش سوا." عند شكب، بدأت تفتح الورقة واكتشفت أنها تحليل. فسألت: "إمتى ده؟ رد مروان: "عادي، خلصت شعر منك مع بنت عمك. أنا معرفش النتيجة، لكن واثق من النتيجة. شوفيها واحكمي."
كانت يدها ترتعش ومش مصدقة نفسها. أول خطوة في طريق الحقيقة في إيديها، وكانت مصدومة، لكن جوها شيء قاطع الأمل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!