كانت تشعر بغصة بصدرها، بخذلان، بحرج، تشعر بأنها حقاً مغفلة. عندما ظنت بأن عمران يحبها. ما الذي حدث الآن؟ هل حقاً والدتها فعلت بها هكذا؟ لم تستطع تحمل ما سمعته، حتى أنها لم تستمع لكلمات عمران ووالدتها، فقط عيناها تذرفان الدموع لتهرب إلى غرفتها وتغلق الباب بالمفتاح.
تضم ساقيها إلى صدرها وتبكي بحرقة. كل شيء شعرت به من قبل كان وهماً، حب عمران، اهتمامه. حتى مع محاولات عمران الكثيرة للتحدث معها، لم تستجب له. فقط تنظر إلى طفلتها وتفكر بفعل شيء ما. وبعد فترة من محاولات عمران التحدث معها دون جدوى، طلبت والدة هند من عمران أن يغادر ليدعها تتحدث مع ابنتها، لعلها تهون عليها وتهدأ قليلاً عندما يغادر. وبالفعل غادر عمران وترك قلبه معها، يفكر ما الذي سيحدث بعد ذلك. ***
والد بهية: أهلاً يا بني، اتفضل. حازم: معلش يا عمي، أنا مش جاي أقعد، جاي آخد مرات وامشي. لياتيه صوت أخ بهية: مرات مين يا حازم، مش طلقتها خلاص؟ حازم نفخ بضيق ليقول بتجاهل وهو ينظر لوالدها: أنا جاي عشان آخدها معايا يا عمي، وياريت تبلغوها تجهز روحها عشان نروح. أخ بهية: تروح فين يا عم، هو انت مش شايفني بكلمك؟ حازم: عايز إيه؟ أنا مش فاهم، راجل وعايز يرجع مراته وأم ابنه، فيها إيه دي؟
أخ بهية: هو مش لعب عيال يا حازم، بهية خلاص مبقتش مراتك. حازم: متنساش إنها لسه بالعدة، يعني أقدر أرجعها بالوقت اللي أنا عايزه، وأنا دلوقتي عايز أرجعها. أخ بهية: وإحنا خلاص مش موافقين. حازم بانفعال: مهو مش بمزاجك. أخ بهية: ولا بمزاجك انت يا حازم. ليقاطعهم والد بهية بانفعال: كفاية انتوا الاتنين، مش شايفين حدا كبير قصادكم. حازم... أخ بهية: يا بوي. والد بهية: بلا أبوي بلا زفت، اسكت وخلينا أتكلم.
نفخ الآخر بتذمر من والده وجلس بضيق. والد بهية: قوم بلغ اختك تجهز عشان ترجع مع جوزها. أخ بهية: أيه الكلام ده يا بوي. والد بهية بحده: اعمل زي ما بقولك، يلااا. ليذهب بتذمر. نظر والد بهية إلى حازم وقال: تعالى يا بني. قرب عشان عايز أقولك كلمتين. تقدم نحوه حازم، وجلس بجانبه. والد بهية: بص يا حازم يا ابني. أنا راجل رجلي والقبر. حازم: بعد الشر عنك يا عمي.
والد بهية: كلنا على الطريق ده يا ابني، سيبني أكمل. ربنا يهديك. أنا ظلمت بنتي وجيت عليها قوي، حتى لما خواتها الشباب كانوا بيجوا عليها مكنتش أقف بوشهم وأحميها. بس دلوقتي أنا ندمان، ندمان عشان مدتهاش حقها بالحنية ومخدتش بالي منها. بس أنا عارف إنك راجل يا حازم وعوضتها عن كل حاجة. بس طلاقك ليها كسرها وأنا شفت ده بعيني. أصعب حاجة عالست لما جوزها يطلقها، وبالأخص لما بتحبه زي بهية ما بتحبك. حازم بحرج: يا عمي أنا...
والد بهية: سيبني أكمل. حازم... والد بهية: النهاردة هسيبها ترجع معاك عشان عارف بنتي. مش هتقدر على بعدك وبعد ابنها. بس عايزك توعدني يا حازم متعملش كده تاني، متكسرهاش يا حازم. أنا جوزتهالك وكنت عارف إنك راجل وهتقدر تحميها وتعوضها عن كل حاجة. حازم
بحرج من كلماته ذلك العجوز: أوعدك يا عمي، بهية مش رخيصة عندي، دي مراتي وأم ابني وست الستات، وأنا عملت كده عشان بس أديها درس، بس والله يا عمي أنا مش ممكن أتخلى عنها أبداً، ولا هسيبها ولا هضيعها من يدي. والد بهية: ربنا يطمنك يا ابني ويخليكوا لبعض. حازم بامتنان: يارب، ويخليك لينا يا عمي.
ليقاطعهم دخول بهية، عيناها تلمعان بسعادة، تنظر إلى حازم بحب وشوق كبيران، ودت لو ترمي بين أحضانه وتبكي وتضحك بنفس الوقت. اتسعت ابتسامتها عند النظر إليها وابتسم. ليقول بهدوء: يلا يا أم محمد خلينا نمشي. لتسرع خلفه وتتنهد براحة. ها هي ستعود لأحضان حبيبها وزوجها حازم، وكم افتقدته بالأيام القليلة الماضية، شعرت بأنها أعوام. ***
عاد عزت مع بزوغ الفجر وهو منهك من التفكير، ليجد غزلان نائمة بثيابها وقد جفت دموعها على وجنتيها. راقبها بحب وابتسم على مظهرها الطفولي، وبداخله غصة، فهي إلى الآن ترفضه. استلقى بجانبها وأخذ يتأملها مطولاً. اقترب منها وهمس لها بحبك، ليقبل جبينها ويحتضنها وينام بعمق، يستنشق عبيرها. لأول مرة تكون بين أحضانه هكذا دون أن يشعر بالذنب، فهي الآن زوجته. أما هي فقد شعرت به لكنها لم تبدي أي ردة فعل، لتغرق الأخرى بالنوم بهدوء، فقد شعرت بالأمان والراحة في أحضانه.
*** جسد وهن وينزف، غارقاً بدمائه، أنفاس متقطعة، يأخذها بصعوبة. كان هذا حال خالد النجوى. وعاصي يجلس على كرسيه يأخذ أنفاسه بسرعة بعد أن أفرغ جام غضبه على المقيد أمامه، يحاول إخراج كل ذلك الغضب عليه. صمت خيم عليهما للحظات، لا يسمع سوى صوت الأنفاس. ليقطع هذا الصمت صوت عاصي الغاضب. عاصي: تميم هات الورق. دخل تميم بهدوء، فهو معتاد على رؤية أعداء عاصي هكذا، ممن يتعرضون له أو لأحد من عائلته. ومعه الأوراق المطلوبة.
عاصي: خليهم يفكوه يا تميم وهاتوه هنا. وبالفعل أمر تميم رجاله بفك قيود خالد، ليقوموا برميه أمام أقدام عاصي وهو يهدده ويتوعد له. أما عاصي فقد كست ملامحه البرود ليقول: قلتلك مليون مرة يا خالد، بلاش تقرب لي أو لحد من عيلتي. قلتلك جناني صعب قوي ومش هتتحمله. خالد بتعب: صدقني هندمك يا عاصي. عاصي بسخرية: وما له، لحد ما يجي اليوم اللي تقدر تندمني فيه. هتتنازل عن كل حاجة خدتها من عمي أحمد بالنصب والاحتيال بتاعك.
خالد: مش هيحصل يا عاصي. شمر عن ذراعيه عاصي وقد داس على يد خالد المرمية عند أقدامه ليتألم الآخر، ليقول عاصي: وماله يا خالد، منا فاضيلك النهارده وهعيد اللي عملته من شوية، وبرضه هتتنازل. عشان كده بلاش تتعبني وتتعب روحك. تميم، ده حق عمي وانت اللي نصبت عليه، رجع لنا حقه، وكل حي يروح لحاله. أخذ خالد الأوراق ووقعها بخوف وهو يتوعد لعاصي بالانتقام. ***
مساءً. اتصلت شمس بعمران بقلق بعد أن أخبرتها والدة هند بما حدث. ليجيبها عمران بتعب. شمس: عمران، ازيك عامل إيه؟ عمران: تعبان يا شمس، صاحبتك تعبانة قوي. شمس: يا حبيبي، مهو انت كمان غلطت. عمران: أنا، أنا عملت إيه يا شمس؟ منا عملت كل حاجة عشان أرضيها، هي اللي عندية وراكبة دماغها. وكلمت الحكاية مرات عمك لما قالت اللي قالته. شمس: طب يا عمران، أنا هرجع وأشوف هعمل إيه. عمران: ياريت يا شمس، عشان خلاص أنا مش عارف أتصرف معاها.
شمس: خلاص يا حبيبي، أنا هخلي رؤوف يحجزلي، وإن شاء الله من بكرة هكون عندكم. بس مش عايزة حد يعرف عشان عاصي وميعملش مشاكل. عمران: إن شاء الله. *** أمام منزل عاصي. تميم ببرود: عايزة إيه يا سهى؟ سهى بضيق: للدرجادي مش طايقني يا تميم؟ تميم بانفعال: أنا مش طايقك؟ والا انتي بعمايلك بتبعديني عنك. سهى باختناق: غصب عني والله يا تميم. تميم: عايزة إيه يا سهى؟ سهى: عايزك ترجع زي الأول.
تميم: مش لازم انتي ترجعي زي الأول يا سهى. بصي لروحك بالمراية. لابسة أسود بأسود، وشك بهتان وكأن عندك مية سنة. مش طايقة كلمة مني ولا حتى إني أقرب منك ومش عايزاني جنبك. سهى: أنا يا تميم. تميم بانفعال: أمال أنا... يكمل بسخرية: دنتي مهانش عليكي تسألي عن جوزك بقالي عشر تيام بالبيت لوحدي. مسألتش فيا أنا أكل إزاي، أنام إزاي، محتاج حاجة أو لأ. انتي طلعتي أنانية قوي يا سهى، مش زي ما كنت فاكرك. تميم: انتي إيه؟
انتي لو حاسة بيه مسبتنيش كل الفترة اللي فاتت. لو بتحبيني ماتباتيش بمكان أنا مش فيه. عارفة إني كنت أسهر طول الليل بقول أكيد هتيجي، أكيد هتوحشها وترجع بيتنا. بس لا يا سهى، لا. انتي مش البنت اللي أنا حبيتها وعشقتها. انتي بقيتي واحدة تانية خالص. سهى: رايح فين؟ تميم: هروح بيتي يا سهى. عارفة... سهى: تميم. تميم: والنبي سيبيني فحالي، خلاص أنا جبت آخري منك، مش عايز أقول حاجة أندم عليها.
ليبعد يدها عنه ويغادر، والأخرى مسحت دموعها بقهر ودخلت إلى المنزل، تفكر ما الذي ستفعله وكيف ستعيد زوجها من جديد. حتى صدمت بي... *** استيقظت غزلان بتعب بعد ليلة البارحة ولم تجد عزت بجانبها. نهضت بوهن واتجهت إلى الحمام ليخرج عزت عاري الصدر يجفف شعره، لتشهق برؤيته بهذه الهيئة، وتعود إلى الخلف بسرعة. لكنه ابتسم. وتقدم نحوها. ليقول بهدوء: صباح الخير. غزلان وهي تنظر حولها بتوتر: صـ صبااح النور.
عزت مشى نحوها والأخرى تتراجع حتى اصطدمت بالسرير وسقطت. ليقترب منها وأنفاسه الساخنة تلفح وجهها. لياخذ هاتفه من خلفه ويبتسم بهدوء وقال: اجهزي عشان داده حليمة مستنيانا تحت. أخذت أنفاسها بسرعة واتجهت إلى الحمام بخجل لتغلقه وتضع يديها على صدرها من هول المشاعر التي اجتاحتها. لتتذكر قبلته أمس وتضع يدها على شفتيها دون إرادة. لتستيقظ من شرودها وتأنب نفسها. انتي بتفكري بإيه ياهبلة. ***
كان عاصي يجلس بمكتبه يمسك هاتفه ويتأمل صور شمس وهي نائمة. فهو كان يأخذ لها صور دون أن تدري. ليقطع شروده صراخ سهى. ووووو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!