تنهدت بغضب بعد خروجه. اتجهت إلى المرحاض، غسلت وجهها ثم جففته بمنشفتها. كانت تشعر بالتعب، ولكن وعدت أخاها تنزل تتعشى معهم. فمنذ الحادث وهي لا تأكل معهم. لبست فستانًا وطرحة ونزلت كما طُلب منها. أدارت وجهها إلى الأعلى عندما سمعت صوت أقدامها، لتتسع عيناها بسعادة على ابنتها. فهي لا تصدق، لقد أبدلت ذلك الجلباب الأسمر الذي حاولت بإقناعها أن تخلعه، ولكنها كانت ترفض. اقتربت منها لتقول بابتسامة: “إيه الحلاوة دي؟
أدارت وجهها خجلًا: “شكرًا يا ماما.” سعاد: “طيب تعالي اقعدي، الأكل جاهز.” أسيا: “حاضر.” اتجهت إلى مقعدها على السفرة، ظلت تنظر إلى السفرة بشرود. فجأة خرج شمس من الغرفة ومعه مطاوع. اتسعت عيناها بذهول لتقول: “هو لسه ممشيش؟ عشان كده أصر شمس البس اللبس ده وأنزل. ماشي يا شمس.” أشار بوجهه إلى والدته: “حضرتي الأكل يا أم سعاد؟ سعاد: “أيوه يا حبيبي. تعالي وهات مطاوع.”
اقترب من السفرة بهدوء ليجلس بمقعد بعيدًا عن أسيا. اقترب الآخر ممسكًا المقعد بكفيه: “اوعى يا عم، دي مكاني. من امتى وانت بتقعد هنا؟ وجه أنظاره لها، لتتهرب هي واضعة عينيه بشرود على طبقها. أشار مطاوع بكفيه ليقول: “طيب اقعد فين؟ أشار له بسبابته على مقعد بجوار أسيا. رفعت أنظارها بدهشة تهمس في صمت: “ماشي يا شمس، مش مسمحاك على اللي بتحاول تعمله.” جلس الكل على مقاعدهم. ظل ينظر لتلك الحزينة التي تأكل في هدوء. “الحمد لله.”
“هقوم أعمل الشاي.” قالتها سعاد وهي تتوجه إلى المطبخ. أخذ الآخر يمضغ بعض طعام في فمه وينظر لهم في صمت. “يا كبير… يا كبير.” قالها محروس وهو يتقدم من باب البيت. شمس: “أيوه جايلك ثواني، بعد إذنكم.” “أسيا.” قالها وهو ينظر لها باهتمام. ردت عليه وهي تتصنع تناول الطعام: “نعم.” مطاوع: “حلو فستان ده.” “شكرًا.” قالتها وهي تسحب مقعدها لتغادر السفرة. مطاوع: “رايحة فين؟ أسيا: “أكلت وطالعة أنام.”
تجهت إلى السلالم. اقترب منها مطاوع بسرعة ومسكها من يدها. نفضت ذراعيها بشدة: “متلمسنيش.” أزال قبضته بعيدًا ليشير بها عاليًا: “حاضر، أهو شلتها. بس عاوزك في موضوع.” أسيا: “نعم.” مطاوع: “ليه بتعامليني كده؟ أسيا: “عادي.” مطاوع: “طيب امتى حنجوز؟ أسيا: “ومين قالك إني عايزة أجوز، أو ينفع أجوز؟ مطاوع: “وإيه يقل منفعته يا ابن عمي.” أسيا: “شكلك نسيت اللي حصلي.” مطاوع:
“أيوه نسيت، وإنتي حتنسي عشان خاطري. انسي بقى، دي حادثة وقضاء الله. حتى تيجي انتي تعترضي.” أسيا بدموع: “بس…” مطاوع: “مبسش. وافقي عشان خاطري. اعملي حسابك، مش حجوز غيرك، فاهمة….” أسيا بابتسامة: “طيب.” مطاوع: “يعني نحدد الفرح؟ احمرت وجنتيها بخجل ثم صعدت بسرعة إلى غرفتها بعدما هزت رأسها بالموافقة. مطاوع: “يابويا والله ما مصدق أخيرًا.” التفت بجسده ليهلل كعادته بصوته العالي: “شمس، ياشمس.” اقترب منه ليمسكه بقبضته من جلبابه:
“يابغل، انت إيه بتزعق ليه؟ انت على طول أكده. شوية هدوء يا نطع.” لم يهتم لما يقول، بل حضنه بشدة ليقول: “أسيا وافقت ياشمس. اسمع، إحنا نكتب كتاب بكرة ونجوز بعد بكرة.” أزاح ذراعيه المحاوطة جسده ليقول: “وليه التأخير؟ منكتب دلوقتي أحسن، وتتجوز و بعد ساعتين. إيه رأيكم؟ مطاوع: “انت بتتريق ياشمس؟ شمس: “منتا بتهزر. بكرة إزاي؟ مش فيه حاجات لازم نسويها الأول.” مطاوع: “طيب، اعمل اللي عاوزه، بس خلصني، عايز أتجوز. تعبت.” شمس:
“ههههههههه، طيب روح دلوقتي.” مطاوع: “ماشي، تصبح على خير.” شمس: “وانت من أهله.” “ادخلي.” قالتها أسيا وهي تدس وجنتيها المحمرتين بخجل. أزاح مقعده ليجذبه أمام فراشها. أمسك وجهها الخجول بقبضته ليقول بفرحة: “الكلام اللي بيقوله ولد مطاوع ده صح؟ انتي وافقتي تتجوزي الصايع ده بتاع النسوان؟ تعالت أسارير الغضب وجهها لتقول بصوت متزمر: “نسوان إيه؟ شمس بخبث: “اللي بيسكر معاهم كل يوم.” أسيا: “انت متأكد يا شمس؟
ده أنا حاطين عيشته بس لما أشوفه…” “هههههههههههههههههه.” اتسعت بؤرة عينيها بغضب وهي تنظر إلى ضحكاته المتواصلة، ليكمل هو بخبث: “ولما انتي بتحبيه كده، تاعبة الراجل معاكي ليه؟ حرام عليكي يا مفترية.” ضربت منكبيه العريضتين عدة ضربات متتالية بقبضتها الصغيرتين لتقول بتزمر: “شمس، انت بتهزر، ماشي يا شمس. كنت حصدقك والله يا غلس.” شمس: “حعملك أحلى فرح. فرح ما حصلش في بلد كلها.” أدارت أنظارها أرضًا قائلة: “مافيش لازوم.”
أزاح ذقنها إلى الأعلى ليقول بجمود: “انتي هبلة؟ ده انتي الغالية.” أسيا بابتسامة زينت بها ذلك الوجه الأسمر الطفولي: “ربنا يخليك ليا يا شمس.” بعد أسبوع. في الأرض واقف شمس ومعه مبارك. اقترب منهم ليقطع حديثهم. مطاوع: “صباح الخير.” التفت له مبارك بابتسامة: “صباحية مباركة يا عريس. نومستك كحلي، كل ده نوم؟ شمس: “ههههه، معلش يا مبارك.” مبارك: “معلش إيه؟ دي يدوب كتب كتابه. أمال لما يجوز حيعمل إيه؟ مش حيجي لنا خالص.”
جز على أسنانه بغضب: “آه، شكلكم حابين تتسلوا عليا. أنا أصلاً مش جاي الشغل من النهارده.” مبارك: “ليه بقى إن شاء الله.” “حناخد إجازة وضع.” اقترب مطاوع منه بغضب ليمسكه من جلبابه: “ربنا ما مخليني سايبك يارخم.” أشار مبارك إلى شمس باستغاثة: “الحقني ياواد خالي، أنا مش قده.” ابتسم شمس على هزارهم: “طيب، لما انت مش قده بتهيج ليه؟ خلاص سيبه يا مطاوع.” تركه مطاوع ليقول بحذر:
“احترم فرق السن ياض. أنا أكبر منك، وإلا والله مرة الجاية حديك بونية. سماح مرادي عشان خاطر ابنك اللي جاي في السكة ده، مش عايزينه يتيم بدري.” يضحك شمس بعلو صوته: “طيب خلاص بقى.” اقترب منه مبارك ليقول بأدب: “طيب، مقلتلناش مش جاي ليهم؟ مطاوع: “فيه واحد فرحه بعد يومين. يجي شغل.” مبارك: “آه، فيه. أنا سبت مراتي يوم صباحية وجيت شغلي.” مطاوع: “انت حمار ومبتحسش. أنا بس يجمعنا بيت أنا وأسيا، وحفضل شهر محدش يشوف وشي.” مبارك:
“ليه؟ حتختفوا؟ مطاوع: “لا، حنقضي شهر عسل في شرم الشيخ.” شمس: “هنيالك يا عم.” مطاوع: “عقبالك يا شمس، لما نفرح فيك.” شمس: “ههههه، طيب أنا مروح.” مطاوع: “سلملي على مراتي لغاية ما أجي أشوفها.” شمس: “حاضر، سلام.” ركب حصانه متجهًا إلى منزله. عدا أمام بيتها، كان البيت هادئًا ومفهوش حد، حتى الحراسة اللي كانت على البوابة مش موجودة. كم انشغل عنها في هذه الأيام الأخيرة بسبب ما مر به. يا ترى خير؟ فينك دلوقتي؟ اشتقت لك جدًا.
وصل لبيته، نزل من حصانه ثم دخل. كانت والدته وآسيا يتحدثون سويًا. ألقى عليهم نظرة ليقول: “مساء الخير.” سعاد: “مساء الخير يا ولدي.” تركهم وذهب إلى الجنينة. اعتدلت أسيا قائلة: “حروح أشوف شمس.” هزت رأسها بالموافقة.
بالخارج. ظل ينظر إلى السماء الصافية تشبه زرقاوية عينيه وتلك الشمس الساطعة. عجباً، فهذه الشمس تشبه شعرها المموج. احتضنت كفيه بقوة، أفاق من شروده على لمساتها الهادئة. تلك الصغيرة، كلما ينظر إليها وكأنه يرى نسخة ثانية منه. ابتسمت بلطف لتقول: “مالك؟ شمس: “مليش يا حبيبتي.” مَسكت قبضته على راحة يديها الصغيرة، تحرك أناملها الرفيعة على ظهر يديه إيابًا وذهابًا. تلك الحركة كم يعشقها من شقيقته الصغيرة. ابتسم لها برفق لتقول هي:
“حتخبي عليا؟ تنهد تنهيدة قوية ليخرج كل ما بجوفه من غضب: “مخنوق.” أسيا: “شكلك عاشق حزين.” نظر لها ببلها ليشير إلى وجهها: “هو باين عليا؟ أسيا: “جداً. قلي بقى في إيه.” شمس: “أنا حبيت واحدة.” تهللت بسعادة لتقول: “كويس، اتجوزها.” شمس: “يا ريت الموضوع بالسهولة دي.” أسيا: “وليه مش سهل؟ مش فاهمة.” شمس: “هو مش الأول لازم العروسة توافق؟ قالت بغضب: “ومين دي اللي ما توافقش بيك يا شمس؟ انت مش بتشوف بنات البلد حيموتوا عليك إزاي.”
شمس: “وأنا مش عايز غيرها هي.” أسيا: “مين هي؟ شمس يتردد: “ملك.” “الرائد اللي قبضت عليك؟ شمس: “أيوه.” تركت قبضته لتقول بجمود: “ملقيتش غير دي يا شمس.” شمس: “معرفش بقى، اللي حصل.” أمسكت قبضته الغاضبة مرة أخرى لتقول بابتسامة: “طيب، متعزمها على فرحي.” شمس بفرحة: “صحيح، نسيت.” قام بسرعة ونادى على محروس. محروس: “أيوه يا كبير.” شمس: “اسمع، تروح لبيت الرائدة وتقولها شمس عازمك على فرح أختي.” محروس: “حاضر.”
اتجه محروس إلى بيت ملك، ملقيش حد فاستغرب، فذهب إلى القسم عرف خبر سفرها ورجع لشمس. اقترب منه بسرعة، ظل ينتظره بالخارج بلهفة: “ها، عزمتها؟ محروس: “اتحولت ملامح وجهه من اللهفة إلى الحزن ليقول. ” ليه؟ محروس: “سافرت هي وعيلتها كلها.” شمس: “فين؟ محروس: “مصر. وسمعت كمان كلام من عسكري إنها حتسيب البلد ومش راجعة تاني.” أشار له شمس بالمغادرة، بينما ظل سرحان مش عارف يعمل إيه ويصرف إزاي. اقتربت منه واضعة يديها على كتفيه:
“أسيا: ها، عزمتها؟ شمس: “سافرت وسابت البلد خالص.” أسيا: “ليه؟ شمس: “اكيد زهقت مني ومن اللي عملته فيها.” أسيا: “متقولش كده، خلاص ياشمس، انساها.” صاح شمس بوجهه: “لا، مش حنساها خالص ومش حسيبها.” أسيا بابتسامة: “هو ده اللي كنت عايزة أسمعه منك. متسبهاش، رحلها مصر.” شمس: “تصدقي بفكر في كده.” “بس مش دلوقتي. بعد فرحي أنا محتاجك جنبي.” قالتها وهي تشدد من قبضته. شمس: “حاضر يا حبيبتي، يلا ندخل جوه.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!