اتجه إلى غرفته بالطابق الأعلى والتي تتكون من سرير كبير ودولاب ومكتبة تحتوي على عدد من الكتب. دخل بهيئته، خلع العمامة وجلبابه الصعيدي، وغير ملابسه ثم ارتدى بنطلون أزرق وتي شيرت أبيض أظهرت معالم رجولته. فهو يحب ارتداء تلك الملابس ولكن تمنعه تلك العادات القديمة واحتفاظهم بالتراث الصعيدي، فالجلباب والعمامة تعتبر إحدى طراز البلد. اتجه إلى الفراش، ألقى بكامل جسده عليه ليرتاح قليلاً من ذلك اليوم الشاق.
بالأسفل، جالسة بالصالون مع الضيوف. أدارت وجهها إلى ضيوفها بسعادة: "منورين والله يا حاجة فيروز." ربت على كفيها: "بنورك يا حاجة سعاد. إزيك يا هنية؟ ما شاء الله زي القمر." قالتها إلى تلك الفتاة الجالسة بجانب والدتها. هنية بخجل: "شكراً يا خالة." سعاد: "اسما روحي شوفي شمس اتاخر ليه." سما: "حاضر يا ماما." اسما، أخت شمس الصغيره، تدرس في ٢ أداب. بيضاء البشرة، عيون سود كحيلة، وشعر أسود طويل ومحجبة.
اتجهت إلى غرفة شقيقها الأكبر، فتحت الباب بدون أن تستأذن، فهي وشمس علاقتهما تسودها الحب والاحترام. بالرغم من كونه كبير البلد، إلا أن عند شقيقته الصغيرة تتحل منه تلك الألقاب. اقتربت من فراشه بلطف ثم قبلت جبين ذلك الأسمر. اسما: "شمس.. يا شمس اصحي.. انت نمت." التفت إليها بعيونه الكحيلة بابتسامة على شفتيه ليقول بنعومة: "إيه يا اسما، في حاجة مصحيني ليه يا حبيبتي؟ اسما: "أمي تحت مستنياك وعروستك ووالدتها." تثاءب ببطء:
"عروسة مين؟ اسما: "انت لحقت تنسى؟ شمس: "آه آه افتكرت. طيب حصل." اسما: "طيب متتأخرش، لحسن انت عارف أمك." شمس: "طيب نازل." غسل وجهه حتى يفيق ونزل، وكان باين عليه علامات النوم. لبس جلبيته ونزل لهم. سكت الكل فور دخول شمس. ليقول بابتسامة: "سلام عليكم." كلهم انتبهوا لدخلته، فشمس كان شاب يافع ذو عضلات، لديه لحية سوداء وشعر أسود متوسط وعيون كالصقر واسعة وكحيلة. الجميع: "وعليكم السلام." سعاد: "اقعد يا ولدي."
جلس مستجيباً لرغبة والدته، فاعتاد على الأمر والكل ينفذ. ولكن هنا الاختلاف، فأمه تأمر وهو ينفذ. شمس: "حاضر." ألقى نظرة إلى تلك السيدة بجوار والدته ليقول لها بابتسامته التي لا تفارق وجهه: "كيفك يا مرت عمي؟ سمر: "أهلاً يا شمس يا ولدي." شمس: "مطاوع جي معاكي؟ سمر: "حيحصلنا يا ولدي." سعاد: "شمس يا ولدي.. مش تسلم على حاجة فيروز وبنتها هنية." التفتت شمس إلى تلك السيدة مرحباً بها: "آه كيفك يا خالة." فيروز: "أهلاً يا ولدي."
سعاد: "ووشوشت سمر، شايفه ولد ولا عبرت البنت." سمر: "اهدّي يا خيتي." شمس: "طيب انتو نورتونا والله يا خالة." توقف شمس ليتطلع إليه الجميع. شمس: "بعد إذنكم جاي تعبان وحنام. البيت بيتكم." قال جملته الأخيرة ثم خرج موصد الباب خلفه. تنهدت سعاد بغضب. "بعد إذنكم ثواني." وخرجت وراءه. شمس: "خرجت من الغرفة لتلحق به. نادته بغضب شديد: شمس استنى." التفت لها شمس بابتسامته: "إيه يا ماما، سبتي ضيوفك ليه؟ سعاد: "هو انت خليت فيها ضيوف؟
شمس: "ليه بس؟ مش قلتيلي سلم عليهم، اديني سلمت. بعد إذنك هطلع أنام، راجع تعبان يا حبيبتي." قبل جبينها ثم تركها متجهاً إلى غرفته ليكمل نومه. "ماشي يا شمس." قالتها أمه وهي تضرب كف فوق الآخر. فاقت من شرودها على صوت سمر. سمر: "سعاد." التفتت له قائلة: "أيوه يا سمر." سمر: "تعالي، خرجتي ليه؟ سعاد: "الواد ده حيموتني." سمر: "سلامتك يا خيتي." سعاد: "١٥ بنت ولا واحدة عجبته، دي غير ٢ اللي كان خاطبهم قبل سابق." سمر:
"مفيش فايدة في ولدك غير حاجة واحدة." سعاد: "إيه هي؟ قالتها سعاد تنظر لها باهتمام. سمر: "تنقي له واحدة زينة خالص وتخطبهاله من غير ما تاخدي رأيه، تحطيه قدام الأمر الواقع." ابتسمت بسخرية: "الكلام ده مش مع شمس." سمر: "بس جربي." سعاد: "طيب حجرب، يمكن تظبط." عند ملك، رجعت من شغلها ودخلت بسيارتها الفلة. ركنت سيارتها أمام باب الفلة، أخرجت مفاتيحها من جيوبها لتفتح الباب. ابتسمت برفق عندما وجدت تلك السيدة تنتظرها بقلق. ملك:
"دادة، ازيك." نادية بابتسامة: "الحمد لله يا حبيبتي. اتاخرتي ليه؟ قلقتيني عليكي." تطلعت بعيونها إلى ساعة يديها ثم أشارت برفق: "يا دادة، اتاخرت إيه بس؟ دي لسه مجتش ١٠. اما لو رجعت زي أصحابي بعد نص الليل، حتعملي إيه؟ اندهشت نادية قائلة بسرعة ولهفة: "هو انت عندك أصدقاء بنات يا ملك؟ تعالت ضحكة ملك بشدة لتحتضن تلك السيدة بذراعيها: "أنا أقصد زمايلي في الإدارة، ظباط يعني." التفتت بنظرها إلى يديها ثم امسكتها. نادية:
"يكفيكي. بذمتك دي إيد بنت." ملك باستغراب: "مالها إيدي؟ نادية: "كل دي عضلات! فين الأنثى اللي جواكي؟ وايه اللي انتي لبساه ده؟ نظرت إلى ملابسها: "ماله؟ اهو شميز وألوان كمان عشان مزعلكيش." أزالت بيديها ذلك الكاب الذي يغطي شعرها الأشقر. نادية: "يا شيخة، قربت أنسى شكل عيونك الزرقا اللي مدرياها وسط الزفتة اللي لابساها في عيونك." "بابا فين يا دادة؟ قالتها لتتهرب من كلام نادية. قالت باستسلام وقد فهمت أنها تتهرب:
"في أوضته يا بنتي." ملك: "اتعشى." نادية: "لا، صمم يستناكي." ملك: "حاضر." "حاضر يا بنتي." اقتربت منها حاضنة رأسها بين كفيها لتنظر إلى عينيها بلطف: "حقك عليا يا دادة، متزعليش." "عمري مزعل منك." قالتها بابتسامة على ثغرها لتتركها لتحضر العشاء. طرقت على باب غرفته بلطف ليسمح لها بالدخول. ملك: "بابا، انت صاحي؟ محمد: "تعالي يا بنتي." ملك: "عامل إيه؟ محمد: "بخير الحمد لله." ملك: "مكلتش ليه؟ محمد:
"معرفش آكل من غيرك، منتي عارفة." ملك: "عارفة يا حبيبي، وأنا مبحبش آكل من غيرك." (شردت قليلاً محدثة نفسها بحزن: "طيب هسيبك إزاي يا بابا؟ مقدرش أبعد عنك.") ربت على كتفها برفق: "مالك يا ملك؟ التفتت له ملك بعيون مترددة ثم كسرت تلك اللحظة: "بس مش قادرة. في موضوع لازم أكلمك فيه." نظر محمد إلى عينيها بتفحص: "قولي يا ملك، متخبيش عليا." ملك: "حنتقل الصعيد." قالت جملتها مرة واحدة تنظر إلى ردة فعله. نظر لها محمد ببطء:
"ههههههه، بس كده؟ ومترددة عشان كده؟ متقلقيش، أنا هكلمهم، مين يقلكيش ولا تزعلي نفسك." ملك: "لا، مهو أنا اللي طلبت! محمد: "إيه؟ طلبتي إيه؟ ملك: "بابا، أرجوك اسمعني." نظر لها: "قولي، سامعك. عايزة تقولي إيه؟ جلست أمام ركبتيه لتنظر له بعينيها: "أنا عايزة أروح، عايزة أثبت لهم إن البنت ممكن تعمل أي حاجة وفي أي مكان." محمد: "ساكت." ملك: "بابا، أنا أخدت قراري، ومتقلقش عليا، أنا قدها." محمد: "إزاي تقرري من غيري؟ ملك وحضنته:
"عشان خاطرك، وحياة أمي وحياتك يا بابي، توافق." محمد: "هههههه، فين زمايلك يجوا يشوفوكي وانتي عاملة زي الطفلة كده." أمسكت يديه يكفيها الصغيرتين: "بابي، الطفلة دي سر بيني وبينك. الطفلة اللي جوايا مبتطلعش إلا قدامك بس." من يديها ليقول بابتسامة: "عارف يا بنتي." ملك: "يعني وافقت؟ محمد: "ماشي، بس بشرط." ملك: "إيه؟ محمد: "هاجي معاكي." ملك: "إيه؟ لا طبعاً." محمد: "ليه؟ ملك:
"أنا مضمنش إيه الأحوال هناك، شكلها إيه. مقدرش أخاطر بحياتكم." محمد: "أما تخاطري بحياتك انتي؟ ملك: "بابا، دي شغلي، أنا ظابط. انت كده حتشتت تركيزي، واللهم." محمد: "مليش صالح." ملك بتزمر: "بابا." محمد: "موضوع انتهى. اطلبي منهم واعتذري عن سفر." أشارت بسبابتها: "لا، مستحيل." أمسك سبابتيها بيده: "وأنا مستحيل أسيبك لوحدك." ملك: "طيب يا بابا، ماشي. يلا عشان تاكل دلوقتي."
نزلوا تناولوا العشاء وذهب والدها للنوم، بينما ظلت هي ساهرة تفكر ماذا تفعل، فوالدها قرر السفر معها. رفعت تليفونها واتصلت بالعقيد رفعت. ملك: "مساء الخير يا فندم." رفعت: "مساء الخير يا ملك. إيه الأخبار؟ ملك: "كله تمام. امتى هسافر؟ رفعت: "لما تستعدي." ملك: "تمام يا فندم. بس في حاجة، أنا هسكن فين هناك؟ رفعت: "في بيت مخصص للرايد القديم، حتسكني فيه." ملك: "بيت! إيه شكله؟ رفعت: "أوضتين وصالة." رفعت حاجبيه برفض:
"يا فندم، مش معقول. أنا هسكن في بيت زي ده؟ رفعت: "أما إيه يا ملك؟ ملك: "أنا بعد إذنك هشتري بيت." رفعت: "بيت إيه اللي حتشتريه؟ انتي فاكرة إنك في مارينا؟ بيوت هناك صغيرة ومفيش بيوت للشراء. دي الصعيد يا ملك، لو متعرفيهمش يبقى بلاش تروحي مكان متعرفيش ناسه." أحست ملك وكأنه سكب عليها ماء بارد. قالت بصوت هادئ: "طيب، ابني أنا." رفعت: "وبعدين يا ملك، في دلع ده؟ ملك:
"يا فندم، اسمعني. مش ليا، بابا جاي معايا ولازم أجهز له بيت ليه، انت عارف إنه مريض." رفعت: "هو جاي؟ ملك: "اشترط عليا يسافر معايا لو مسافرتش أنا." رفعت باستسلام: "طيب، أنا هشوفلك قطعة أرض بمعرفتي، بس مين حيبنيها لك في الوقت الصغير ده؟ لازم تسافري في ظرف أسبوع. القسم هناك مفيش حد، والبلد الأمن فيها مش تمام." ملك: "متقلقش يا فندم، أنا حجيب المهندسين اللي في شركتي وحيبنوها في أقل وقت ممكن." رفعت باستسلام:
"ماشي يا سيادة الرايد." ملك: "شكراً يا فندم." رفعت: "العفو. سلام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!