اتجهت إلى غرفتها في الطابق الأعلى. الفلة تتكون من طابقين، ثلاث غرف بالأعلى وأربع غرف بالأسفل، منها غرفة والدها ومكتبه وغرف الخدم، ومصعد ليتمكن والدها من استخدامه بمفرده. غيرت ملابسها وارتدت بنطلون أسود قطن وتي شيرت كات. أفلتت تلك البنس التي كانت تداري بهما شعرها الأشقر الطويل. اتجهت إلى تلك المرآة، قلعت عدسات النظر لتظهر عيناها الزرقاء التي تداريهم خلف عدسات سوداء.
ملك الجندي، ٢٦ عامًا، متخرجة من كلية شرطة. تحب عملها وتتخذ والدها مثلًا أعلى لها، فهو من شجعها على دخول الشرطة. وحيدة، ليس لديها سوى والدها والدادة. والدتها متوفية من زمان. تتميز بالبشرة البيضاء، والعيون الزرقاء، والشعر الأصفر. ترتدي عدسات باللون الأسود، فهي تحاول جاهدة في إخفاء تلك الأنثى التي بداخلها حتى تستطيع العمل في مجالها الحاد مع المجرمين. دائمًا ترتدي بنطلون وقميص وتي شيرتات، لا ترتدي الفساتين.
انتهت من تبديل ملابسها أخيرًا، فهي لا تأخذ حريتها إلا في بيتها. أما خارج البيت، فهي رائد فقط. خرجت من غرفتها متوجهة إلى مكتب والدها. طرقت الباب مرة أخرى ليسمح لها بالدخول. "ادخلي يا ملك." دخلت وأغلقت الباب خلفها. "تعالي يا حبيبتي اقعدي. إيه أخبار شغلك؟ جلست بالقرب منه. "تمام." "بقالك يومين ما بترحيش مكتبك." نظرت له قائلة: "بابا، متحاولش، أنت لسه تعبان، لازم أفضل جنبك." "بس شغلك."
"هما متفهمين وضعي ومش بيكلموا، وبعدين ما أنا بروح نادي أهو أضرب الظباط الجدد وأرجع." "طيب، بس بكره آخر يوم. كفاية، مش بنت محمد الجندي اللي تقصر في شغلها، ولا عاوزاهم يقولوا إن البنات مش نافعين في شغل ده وبيدلعوا." "البنات يقدروا على كل حاجة يا بابا." "عارف يا بنتي، وأنا فخور بيكي. كان نفسي في ولد بس أنتِ بـ 100 راجل." "ربنا يخليك ليا. خلينا بقى في الكلمة." ربت على كتفيها برفق. "طيب يا حبيبتي."
قطع حديثهم طرقات على الباب. "ادخل." "الغدا جاهز." "ماشي يا أم عيشة، جاين وراكي." "يلا يا حبيبي عشان تاخد دواك." "ماشي." جرت كرسي والدها متجهة ناحية السفرة. *** في غرفة الاجتماع، تلك الغرفة تضم عددًا من رجال الشرطة. "القضية دي بتهز أمن مصر كلها، الإرهاب، دي لازم نكشف الخلية دي في أقرب وقت." قالها ذلك الرجل وهو يحكم من قبضته. "تمام يا فندم، إحنا شغالين على القضية دي وفي أقرب وقت هيكونوا معروضين على النيابة العامة."
"وانت يا سيادة العقيد، عملت إيه في تجار المخدرات؟ أنا قضية دي مسلمهالك بقالي شهرين وما سمعتش أي جديد." اتسعت عيناه بقلق، ثم رفع قبضته بتوتر. "لسه يا فندم، ادينا شغالين. المشكلة إننا مش قادرين نعرف الناس اللي بتمولهم من بره، بس قريب حيبانوا." "شد حيلك شوية يا سيادة العقيد." "حاضر يا فندم." "بعد إذنك يا فندم." التفت إليه. "اتفضل يا سيادة العقيد. في حاجة؟
"جتنا إشارة يا فندم من قرية في الصعيد فيها تجار سلاح، وطالبين رائد جديد." "اتصرف يا سيادة عقيد، ابعتلهم أي رائد، إحنا مش هنسيب بلاوي اللي قدامنا دي ونمسك في شوية مقاطيع طرق." "لأ يا فندم، دول مش مقاطيع طرق، دول من أغنياء البلد، واخدين البلد مكانهم اللي بيداروا فيها عشان يقدروا يتاجروا براحتهم في السلاح." أخذ يسمعه باهتمام. "ياه، للدرجاتي؟ طيب ومقبضوش عليهم ليه يا رفعت؟
"يا فندم، كل ما نبعت ضابط يرجع لنا بعد شهرين، مفيش حد بيعمر هناك. دي إمبراطورية في الصعيد، بعدهم عن القاهرة مفكرين نفسهم إنهم بعيدين عن العين." رفع إحدى حاجبيه بتذمر. "طيب ابعت أي كفء رائد عندك يا رفعت، وتابعني بالأخبار دي. إحنا ناقصين كمان الصعيد ومشاكله." "يا فندم، محدش راضي يروح، كلهم مبحبوش الصعيد. الخدمة هناك... "تحب طيب نحجز لهم في مارينا يتابعوا سياحة هناك؟ أطرق المكتب بقبضته بشدة حتى ارتبك الجميع منه.
"دي استهتار يا سيادة العقيد، أنت مش عارف تتحكم في رجالتك؟ دي أوامر يا سيادة العقيد، مش بتاخد رأيهم." بلع ريقه بصعوبة ثم قال بتردد. "حاضر يا فندم، أوامرك." بعد نصف ساعة، انتهى الاجتماع واتجه الكل على مكاتبهم. توجه العقيد رفعت على مكتبه في قمة غضبه. تحدث في الهاتف: "رائد فؤاد، تعال على مكتبي حالا، أنت ومحمد." وبعد ثوانٍ، خبط باب فدخلوا وأدوا تحية. "أمرك يا فندم." خبط على مكتبه بعنف.
"أنا مش هتهزق على آخر الزمن عشان حضراتكم مش عاوزين تروحوا الصعيد." "أرجوك يا فندم، أنا مراتي في الثامن، مقدرش أسيبها." أقبل محمد يقول بسرعة: "وأنا أصلًا يا فندم كنت هقدم على إجازة عشان فرحي بعد أسبوع." "حاجة متخصنيش. حد يطلع منيكم أو من طرفكم بكرة الصبح تجيبولي حد يطلع المهمة دي. أنا مش هتهزق على آخر الزمن ويقولوا رفعت مش قادر يحكم رجالت." "تمام يا فندم، عن إذنك." واتجه داخل مكاتبهم. في فيلا الجندي.
صحت بدري وارتدت ملابسها، فهي سمعت كلام والدها، لا مجال للنقاش، يجب عليها التوجه إلى عملها. ارتدت بنطلون أسود وتي شيرت أزرق، وارتدت عدساتها السوداء، وأمسكت نظارتها الشمس ونزلت إلى الأسفل. "صباح الخير." "صباح النور. راحة شغل؟ "آه يا بابا، بس أوعدني تاخد بالك من نفسك." ثم أدارت أنظارها لدادة. "خلي بالك منه يا داداه، دوا في معاده وياكل كويس." "متقلقيش يا بنتي، خلي أنتِ بالك من نفسك."
"ههههه، حاضر يا داداه، متخفيش، أنا مش راحة حرب، أنا راحة مكتبي." قبلت جبين والدها ثم قالت بابتسامة. "يلا، لا إله إلا الله." "محمد رسول الله." قالها محمد بابتسامة مودعًا ابنته. خرجت متجهة إلى سيارتها لتسوقها متجهًا إلى البوابة، توقفت قليلاً موجهة أنظارها. "خلي بالكم كويس، مفيش حد يدخل جوه مهما كان." "تمام يا فندم."
خرجت بسيارتها لتصل إلى مكتبها، قسم شرطة المهندسين. دخلت من باب القسم، فادوا لها التحية واتجهت ناحية مكتبها. فتحت باب مكتبها. "صباح خير." "صباح الخير." "صباح الخير." أقبل إليها زميلها الأول. "أخبار سيادة اللواء إيه؟ "بخير الحمد لله." "الحمد لله." جلست بمكتبها التي يشاركها فيها زميلاها محمد وفؤاد. لاحظت سكوتهم بغير العادة. "إيه مالكم؟ في حاجة؟ تنهد محمد بحزن. "حاجة كده وهتتحل بإذن الله." "إيه هي؟
"طلبوا حد يروح صعيد في تاجر سلاح هناك. أه، ومين حيروح؟ قالتها ملك وهي تخرج سلاحها لتتركه على المكتب. "أنا." "لأ يا محمد، أنت حتتجوز قريب." "وأنت مراتك محتجالك يا فؤاد." ظلت تنظر إلى هذين الرجلين وكل واحد منهم يضحي من أجل الثاني. وقفت بينهم لتشير بيدها في وجههم. "معلش ثواني، هو مين اللي طلب منكم كده؟ "العقيد رفعت." رفعت حاجبيها باستغراب. "طيب، اشمعنى طلب منكم أنتوا ومطلبش مني؟ هو أنا مش معاكم هنا في القسم؟
"مينفعش يا ملك." "إيه اللي مينفعش؟ "بقولك تاجر سلاح وصعايدة، فهمتي طبعًا." أشارت ملك برأسها. "لأ، مفهمتش!! إيه المشكلة؟ "مينفعش يا ملك، أنتِ بنت. عندهم في الصعيد مبيأمنوش بالمرأة ولا بشغلها كدكتورة حتى أو مهندسة، يبقى إزاي هئمنوا بيها ظابطة عندهم؟ الستات غير عندنا. الست عندهم، وبالذات في القرى، مبتخرجش لوحدها ولهم قواعدهم الخاصة بالنساء." أنهى كلامه ليرى تلك الفتاة تخبط بقبضتها على المكتب بعنف. "كلام جهل."
"اهدي يا ملك، دي عادات وتقاليدهم كده ومش هنيجي إحنا نغيرها." "محدش حيروح مامورية دي غيري." "محدش يقدر ينكر كفاءتك اللي حققتيها هنا من أول ما خرجتي واتعينتي، بس كلام دي هنا بالقاهرة، لكن مش بالصعيد. اعقلي يا ملك وبلاش عناد." "ماشي." قالتها بعناد شديد، خرجت متوجهة ناحية مكتب العقيد رفعت. خبطت بلطف فأذن لها بالدخول. "صباح الخير يا فندم." "صباح الخير يا ملك. حمد الله على السلامة. عامل إيه سيادة اللواء؟ "الحمد لله."
"أنا كنت عاوزة حضرتك في موضوع." أشار بيده ليسمح لها بالجلوس. "موضوع إيه؟ جلست ملك ثم قالت بثقة. "مأمورية الصعيد." أضاق عينيه ببطء قائلاً. "مالها؟ "أنا عاوزه أطلعها." "تطلعي فين يا ملك؟ هي باريس اللي قضيتي فيها عمرك دي؟ الصعيد عارف يعني إيه الصعيد ويعني إيه صعيدة." "إيه المشكلة؟ هو أنا أول مرة أتعامل مع حد؟ أنا مسكت قضايا كتير، وأظن أنت بنفسك يا فندم تشهد لي بكده." ابتسم رفعت بصمت موضحًا له.
"منكرش يا ملك إنك شاطرة، وكل قضية بتطلعيها مع زمايلك بتنجح." "طيب يا فندم، أمّال فيه إيه؟ "الصعايدة دول معندهمش حاجة اسمها ست تشتغل، نقوم نوديلهم ظابطة؟ هيستهزأوا بيكي يا ملك، وبالتالي أنتِ تعتبري رمز الإدارة هناك، ولو استهزأوا بيكي يبقى حيبقى فشل لينا كلنا، والأمور هناك هتفلت مننا، ومش هنقدر نسيطر عليهم تاني." "دي جهل يا سيادة العقيد، وكمان هما مجرمين، مش هيختاروا على مزاجهم اللي هما عاوزينه."
ابتسم رفعت على إصرارها. "اسمعي يا ملك، الحياة هناك صعبة، إذا كان الرجالة مستحملتش، معقول أنتِ يا ملك حتستحملي؟ طيب بغض النظر على إنك بنت، أنتِ يا ملك عشتي طول عمرك بقصور ونص عمرك قضيتيه ما بين فرنسا ومصر. إزاي حتستحملي الصعيد وجوه؟ تنهدت ملك بإصرار. "برضه يا فندم، أنا مصرة على المأمورية دي." "ماشي يا ملك، بس قلت لي لسيادة اللواء." "هقوله، بس اسمح لي حضرتك الأول." "ماشي، موافق." "متشكره يا فندم، بعد إذنك. شكرًا."
أدت التحية ثم خرجت وعلى وجهها كل علامات السعادة. في الصعيد، في بيت شمس. رجع بعد تعب طويل، دخل من باب البيت متجهًا إلى غرفته ليستريح قليلاً. أوقفه ذلك الصوت. "شمس يا شمس." التفت إليها شمس بتعب. "نعم يا ماما." "تعالي اقعد معنا يا ولدي." "مقدرش يا ماما، تعبان ومصدع." "يا ولدي، تعالي بس شوف البنية وبعدين نام." رفع شمس حاجبيه باستغراب. "بنية مين بس؟ "اللي حتجوزها." "شمس، بطل هزار وتعال شوف بنتي." "هي بنت مرادي اسمها هنيه؟
طيب حلو، والله أحسن من بتاعة مرة اللي فاتت." "شمس، بطل هزار وتعال شوف بنتي." "لازم يعني أشوفها؟ اعتبرني شفتها واترفضت." "أيوه لازم، وإلا حغضب عليك." اقترب منها مسرعًا مقبل رأسها برفق. "لأ، كله إلا أنتِ يا ست الحبايب. خليهم يستنوا بقى على ما أغير خلقاتي دي وأنزل لهم." "تغيير إيه يا شمس؟ بلاش أسلوبك ده. كل مرة تتطفش العرايس دي. البنت رقم 15، مش حسمحلك تطفشها زي اللي قبلها."
"خلاص يا ماما، حغير خلقاتي، أقابلهم بهدومي دي، ثواني وراجع." *** يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!