جلست بين أحضان والدها تسترخي بعد بكاء مرير مزق قلبها على أخيها وما أصابه من مصيبة، وفارس هذا الطفل الذي أحبته من صميم قلبها وكان هو الآخر يحبها لدرجة كبيرة يتعلق بها. أما نغم، فكانت شارده الذهن تفكر في سفر طارق المفاجئ إلى لندن بحجة مشاكل في فرع لندن واعتذاره لشمس عن عدم حضوره ووعده لها بزيارتها قريباً حينما يعود من لندن. انتاب جلال حالة من القلق ليسأل: "يعني يا نغم، طارق قالك مشاكل في فرع لندن وبس؟
قالت نغم بابتسامة مبهمة: "اطمن يا خالو، زي ما قالك قال لي بالظبط، كفاية قلق." نظر ناحية ملك الجالسة بهدوء على غير عادتها، ثم أقبلت مبتسمة: "تعالي يا ملوكة، شوفي جدو ماله." تحركت ملك باتجاه جلال، تقف بين ساقيه، تضع رأسها فوق صدره: "جدو حبيبي." قبلها بنهم جلال وهو يبعثر شعرها الناعم: "أنتي اللي حبيبتي وروح قلبي. وكمان فارس، تعرفي يا ملوكة إنك شبه شمس وهي صغيرة؟ كانت جميلة وقلبوظة زيك كده." التفت ناحية شمس
يتطلع إليها بحنان جارف: "إن شاء الله لما ربنا يكرمك يا شمس، بأخ أو أخت لملك، هتكون جميلة زيك أنتي وملوكة." تنهد جلال يقبل رأس ملك وهو حزين: "ربنا يطمن قلبي عليكم يا بنتي، ويخرج أخوكي من محنته بسلامة، وأختك ترجع لعقلها." تبادلت شمس مع نغم النظرات المفعمة بالقلق على جلال، ثم قالت: "حاولت تكلم شروق يا بابا، أقصد بتسأل عليها. عاملة إيه مع الإنسان ده؟ أنا خايفة عليها منه." جلال رأسه بقلة حيلة يقول:
"حاولت أكلمها كتير، تخيلي يا بنتي مكانتش بترد عليا. مش عارف البنت دي طالعة جاحدة وقلبها جامد عليا ليه، حتى على أمها الله يرحمها." وقف جلال يقترب من شمس، ينحني ليقبل رأسها: "يظهر إن يوسف هيتأخر، وبكرة إن شاء الله لازم أكون في النيابة من الصبح عشان أخوكي. مش عارف إزاي طارق يسافر ويسبني في الظروف دي لوحدي." عانقته شمس تقبل وجهه:
"متقلقش يا بابا، إن شاء هشام هيخرج بسلامة، ويوسف هيكون معاك، وكمان كريم وطارق. بس أكيد في مشكلة كبيرة، وإلا ما كانش سافر بسرعة كده." أومأت نغم برأسها توافق شمس على رأيها: "أكيد يا خالي، الشغل زي شمس ما بتقول، وإن شاء الله ربنا يطمنا على هشام." زمّت شمس شفتيها كالاطفال تتدلل على أبيها بطريقتها الطفولية حتى تخرجه من حزنه: "اسمع يا حاج جلال، أنت مش هتتحرك من هنا غير لما تتعشى معانا أنت ونغم. أنت عايز يوسف يزعل؟
وبعدين أنا اللي طبخة بإيدي، مش هنكر إن منى ساعدتني في شوية حاجات، بس أنا اللي عملت كل الأصناف اللي بتحبها أنت ويوسف." هتفت نغم بمشاكسة وهي تغمز لشمس: "أوه، بقينا نطبخ وأصناف كمان؟ يا بختك يا دكتور." احمرّت شمس خجلاً، تخفي رأسها بصدر أبيها، الذي ربت على ظهرها يغمغم بالدعاء لابنته وزوجها بدوام السعادة وراحة البال. وبعد وقت قصير، دق جرس الباب. ركضت ملك بعجلاتها الصغيرة على شكل فيل، والتي أحضرها جلال لصغيرته، ناحية
باب الشقة تهتف بسعادة: "يووووسف! بابايا جه! جدو! خرجت منى من المطبخ، والتي تأخرت اليوم بسبب مساعدة شمس في تحضير العشاء، وبعد الأعمال المنزلية، وقد أكد عليها يوسف قبل أن يخرج ألا تتحرك بمفردها في ساعة متأخرة، وسيقوم بتوصيلها إلى منزلها. هرولت مني ناحية الباب تفتحه، وخلفها ملك تقف، ثم قفزت من فرحتها برؤية مراد أمامها بفرحة: "مراد حبيبي! وحشتني!
قفزت في حضنه تحاوط رقبته بيدها الصغيرة وتنثر القبلات على وجهه. ضمها مراد لصدره بقوة، وعيناه تترقرق بالدموع، يكتم شهقة قوية كادت أن تفلت منه، فينهار. خرجت شمس من الغرفة تتطلع سريعاً إلى مظهرها قبل أن تستقبل حبيبها. اقتربت ترسم على شفتيها ابتسامة، لتسمع ملك وهي تقول بلهفة وتنظر ناحية باب الشقة: "مراد فين؟ يوسف بابايا وحشتني! لم يستطع مراد الرد، فقط كان يتطلع إلى ابنة أخيه بحزن عميق، ليضعها فوق عجلاتها وهو يهمس
لمنى بصوت مختنق من البكاء: "لو سمحتي، خدي ملك أوضتها." رمقت مني مراد المبعثر، ويبدو على وجهه التعب والحزن، وملابسه غير المهندمة وعليها آثار دماء. لتأخذ ملك بسرعة، ويبدو أنها فهمت أن هناك شيء مريب يحدث. خرجت شمس تقول متذمرة: "يوسف اتأخرت لي......
لتتفاجأ بمراد يقف أمامها ولم يتحرك من مكانه. ابتسمت ترحب بمراد، ولكن دقات قلبها التي تعالت فجأة و وخزات من الألم نهشت قلبها، جعلت ابتسامتها تتجمد فوق شفتيها، وهي ترمق مراد بتراقب، وهي تسأله بتردد: "أهلاً مراد، أنت واقف كده ليه؟ اتفضل." اقترب منها مراد بجمود، الكلمات تقف بحلقة كغصة تؤلمه، لا يستطيع نطقها: "شمس، أنا... أنا عايز... ابتسامة مهتزة ارتسمت على شفتيها، تشيح بوجهها الشاحب، المكسو بملامح القلق، تنظر إلى
باب الشقة وهي تشير إليه: "مـ... مراد، فين يوسف؟ ابتسمت مرتجفة، تشبك أصابعها معاً بتوتر: "آه، كريم ومريم معاكم، وهو جاي معاهم صح؟ همس مراد بخفوت: "شمس، اسمعيني." انكمش قلبها بين ضلوعها، لا تريد أن تسمع شيئاً، وعيناها على قميص مراد الملطخ بدماء، وهو يحاول يخفيه تحت سترته. ولكنها أشاحت بوجهها بعيداً حتى لا يتحول الشك إلى يقين، لتقول مرة أخرى بتمتمة، وتلك الابتسامة الباهتة المرتجفة تظهر فوق شفتيها: "آه، أكـ...
أكيد بيشتري حاجات حلوة لملك من السوبر ماركت، صح؟ آه، صح." تعالى صوت مراد أكثر وهو يشعر بتوتر شمس. خرج جلال وخلفه نغم على صوت مراد وهو يمسك شمس من يدها المرتجفة: "شمس، شمس، اسمعيني، أرجوكي. اهدي واسمعيني." قاطعته بغضب وملامح مرتبكة، تنفض يدها من بين يده، تقول: "إيه يا مراد؟ مـ... مالك؟ شوفت أخوك؟ قولتلُه بلاش حاجات حلوة كتير لـ... لملك، بس بس هو حابب يزعلني دايماً."
فقدت قدرتها على الكلام، وجلال يقترب بتوجس من مراد، وعيناه تسأل مراد في صمت. ليهز مراد رأسه بألم، والدموع تجري فوق وجهه. عانقتها نغم بقوة، تحاول أن تسيطر على ارتجاف جسدها المتجمد. اقترب جلال أمام شمس، يحاوط وجهها بين يديه: "اهدي يا بنتي، اهدي يا حبيبتي. يوسف بخير، صح يا مراد؟ يوسف بخير يا ابني." حاول مراد كبح دموعه، لياخذ نفساً عميقاً، ولكن صوته المتردد في الكلام جعل شمس تصرخ بقوة: "بااااااه!
عالية، ثم تمتمت بحالة من الهلع والهستيريا، تقول بنحيب يمزق القلوب: "أيوه يا بابا، يوسف بخير، هو جاي حالاً. هو مش هيقدر يتأخر عليا أنا وملك أكتر من كده." احتواها مراد يحاول تهدئتها من تلك الحالة، أما جلال فشعر بقلبه سيتوقف، حين همس له مراد ببعض كلمات مختصرة: "يوسف انضرب عليه نار وهو في المستشفى." ونغم تنهمر الدموع من عينيها على حالة شمس الهستريا. صرخت بجنون، وعبراتها متحجرة داخل مقلتي عينيها: "يوووووسف!
أنت فين يا حبيبي؟ ليه اتأخرت عليا؟ أنت وعدتني إنك مش هتتأخر." ثم تمسكت بسترة مراد وقميصه، وهي تهتف بصراخ وسط دموعها المنهمرة: "ده دم حبيبي، صح يا مراد؟ دم حبيبي. اتكلم، انطق. يوسف مات؟ مات؟ يوسف موفاش بوعده ليا ومات." ضمها مراد يربت على رأسها بأخوة: "اهدي يا شمس، عشان خاطر يوسف... يوسف محتاجلك." حاول جلال الوقوف بصعوبة بعد شعوره بسقوط ابنته المنهارة. قربها بحضنه، وهي تردد بسرعة لا تتوقف:
"يوسف، متبعديش عني. قولتلُه يا بابا، قولتلُه ميبعديش عني. بس بعد يا بابا، بعد وموفاش بوعده ليا." سمعت ملك صرخات شمس بكلمة: "يوسف مات! لتبكي الصغيرة، ترتمي بصدر منى: "أنا عايزثه يووووثف! بابايا فين؟ يووووثف! ظلت الصغيرة تصرخ بخوف، ولم تهدأ إلا وشمس تركض لتدخل الغرفة بسرعة وتخطفها من صدر منى، تضمها لصدرها بقوة وتبكي: "ملك، روحي حبيبتي، بصي لي. يلا بصي لماما."
رفعت الصغيرة عينيها الباكية، وأنفه محمر من شدة البكاء، تشهق وسط بكائها. ضمت شمس رأسها بين يديها، تقول بوجع يمزقها، تحاول رسم القوة أمام ابنتها الصغيرة: "بابا كويس، متخافيش يا قلبي. بابا بخير وهيرجع عشان... عشان إحنا بنحبه جداً. خليكي هنا مع منى، وقولي يارب يا ملك، عشان بابا يخف بسرعة." سألتها شمس وهي تنهال على وجهها بالقبلات وسط دموع مني وشهقات نغم: "هتقولي إيه يا ملوكة؟ رددت الطفلة ببكاء ينزع الفؤاد:
"قول يارب، يارب عشان بابايا يرجع." ضمتها شمس قبل أن تخرج من الغرفة، تبكي بحرقة وقهر، وكلمة واحدة لا تفارق لسانها: "يارب." استقلت سيارة مراد مع والدها ونغم، لتضمها نغم لصدرها وهي ترتجف بشدة، وصورة يوسف بابتسامته المميزة لا تفارق خيالها.
هرولت بين أوراق المشفى ببكاء لا يتوقف، حتى لفتت لها أنظار الجميع، ومراد يحاول أن يلحق بها حتى لا تسقط مرة أخرى، وخلفهم جلال يستند على نغم، يشعر بساقيه كالماء، لا تحمله من كثرة الصدمات التي يتلقاها.
وصلت إلى قسم الطوارئ، لتدفع من الباب الهزاز، وهي ترى من بعيد مريم منهارة بين أحضان فتاة أخرى، لا تعرفها، ولا تهتم الآن بمعرفتها. وسيف يجلس ووجهه محتقن بالدماء، عيناه لا تفارق باب غرفة العمليات. أما كريم، فيقف متجمداً كالتمثال، يسند رأسه على الحائط، ودماء حبيبها تلطخ قميصه بكثرة نتيجة حمله ليوسف وهو مصاب.
تعثرت أكثر من مرة، وبدأت خطواتها تقل، وضربات قلبها تتزايد، يكاد قلبها أن يتوقف، ولكن ليس الآن، ليتوقف كما يشاء. فقلبها وروحها وكل ما تملك فداء لحبيبها.
حدقت بالجميع بعينان خاوية من أي مشاعر وأحاسيس، دون أن تنبث بحرف. لم تتحملها ساقيها، والتي أصبحت كهلام، لا تستطيع حملها، برغم خفة وزنها. لتخر راكعة أمام ذلك الباب اللعين، الذي يفصلها عن حبيبها، ولا تستطيع أن تراه، أن ترتشف من حبه وحنانه، أن تضمه بين ذراعيها، وتزرف الدموع في بعدها عنه، بعد ما مرت به من ظلم وقهر وبعد عن من تحب، وشعورها بالوحدة والقهر، إلا أنها الآن تشعر بمعنى الفقدان الحقيقي.
فإذا فقدت يوسف، ستفقد الحياة بأكملها، ولا يحق لها أن تعيش في تلك الغابة دون سندها وحبيبها، من خاطر بحياته ومستقبله لأجلها. يوسف قلبها، بل عمرها كله، الذي سينتهي إذا انتهى يوسف. اقترب منها مراد وكريم لمساعدتها على الوقوف، ولكنها هزت جسدها بشدة، تبعد أيديهم عنها، تقول بهمس باكي: "مش هتحرك من هنا، أنا مستنية حبيبي." لم تخجل أبداً بعد ذلك، فقد تأخرت كثيراً في قول هذه الكلمة، وندمت كثيراً.
مر الوقت كالدهر داخل غرفة العمليات. ثلاث ساعات، إضاءة حمراء على باب الغرفة تعلن عن عدم انتهاء العملية. الجميع يجلس بمراقبة. سيف، ذا القلب المنحور على فلذة كبده وابنه. بل إنه صديق عمره، الذي أنجبه وهو في سن الخامسة والعشرين، وشاركه كل سنين عمره.
يوسف الصديق قبل أن يكن الابن لأبيه. ومريم المنهارة بحالة من البكاء الصامت الذي لا يتوقف على أخيها وصديقها وحاميها. أما كريم، لم يتحمل. فصورة يوسف وهو غارق في دمائه، ووجهه أصبح شاحباً، يحاكي الأموات، وشفتيه الزرقاوان تغمغم بصوت ضعيف: "أشـ... ـهدُ ألا إلـ... ـهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمـ... ـدًا رسـ... ـولُ الله."
كانت تلك الحروف المتقطعة بالشهادة، والذي كان يجاهد يوسف لينطقها. آخر ما سمعه كريم من صديقه وهو يحمله بين ذراعيه ويركض به إلى سيارته، يصرخ بمراد المتسمر بمكانه، لا يتكلم: "مـ... ـرراد! فوق! يوسف بيموت! يقال دموع الرجال الغالية، التي لا تسقط بسهولة، ولكن دموع كريم انهمرت منه دون أن يشعر، وهو يحمل بين ذراعيه الصديق الوفي، والأخ الأوحد، صديق العمر والمراهقة والشباب، كاتم أسراره، وحامل همومه.
في مكالماته اليومية لمريم للاطمئنان على مراد وعلى أخباره، علمت لجين وسط بكاء وصراخ مريم: "يوسف! يا لجين! يوسف هيموت، وإحنا كلنا معاه في المستشفى." بصعوبة عرفت لجين مكان المشفى، وبعد أقل من 15 دقيقة، كانت تصل مع نهلة إلى المشفى للاطمئنان على حالة شمس ومراد، بل والجميع، التي تعلقت بهم وتشعر بأنها تنتمي إليهم.
جلست نهلة بجانب سيف الصامت عن الكلام، فقط يردد بداخلة الدعاء لله، ودموعه هو الآخر لا تتوقف. أمسكت يده بقوة تشد عليها، تردد كلماتها بأمل: "سيف، يوسف مش هيستسلم أبداً. خليك قوي زيه، عشان خاطر مراته وبنته ومريم ومراد. ثق في الله، وبلاش تيأس من رحمته بعباده. اتمسك يا سيف، ومتضعفش، عشان يوسف هو كمان ميضعفش." بعد أكثر من ثلاث ساعات، لم تخرج كلمة من بين شفتيه. قال بضعف ووجع أب على وشك أن يفقد ابنه:
"ابني يا نهلة، صاحبي وأخويا هيروح من بين إيديا." كلماته البسيطة مزقت صدرها، لتصل إلى عمق قلبها لتؤلمها. لتردد ببكاء: "لا تقنط من رحمة الله. إن شاء الله يوسف هيبقى بخير، ومش هيفضل صاحبك وأخوك وابنك بس، أنت اجمد وبلاش تضعف." صرختها أفزعت الجميع، تهتف: "يوووووسف! اخرج بقى! كفاية! حبيبي عايزة أشوفك! كفااااايـ... ـه! يارب، يارب!
جلست لجين ونغم بجانبها، كل منهم تحاول أن توقفها، ولكنها صرخت بهم مرة أخرى، وهي في حالة من الهستيريا وعدم الوعي، بعينان باكية جفت من كثرة البكاء: "يوووووو! امشوا بعيد عني! عايزين تبعدوني عن حبيبي ليه؟ استأنفت بنبرة مهزوزة، تحدثه وكأنه يسمعها: "يوسف، أنا هستناك يا حبيبي. وملك كمان بتعيط، يلا اخرج عشانها وعشاني. أنت وعدتني إنك مش هتتأخر."
وكأنه استمع لنداء قلبها وقرر الخروج للحياة مرة أخرى. إضاءة خضراء تعلن عن انتهاء العملية. صوت باب غرفة العمليات يفتح. وقف الجميع، وهي قبلهم تتراقب بجنون خروجه، تعض على أناملها، وكلمة: "يارب، يارب" لا تفارق شفتيها. خرج من غرفة العمليات على السرير النقال، بجسد شاحب، يحيط رقبته وكتفه المصابين ضمادة من القماش الطبي (الشاش) اقتربت من السرير النقال، ودموعها الساخنة تسقط فوق وجهه الشاحب المرتخي بملامح من خوف والحزن: "يوسف."
ذهبت خلفه مسرعة، ترافقها لجين ونغم ومريم. أما باقي المتواجدين، فالتفوا حول الطبيب ليسأله. سيف بصوت متلهف يتملكه القلق: "طمني يا فؤاد، ابني عامل إيه؟ الطبيب فؤاد هو جراح ماهر وصديق شخصي لسيف. ربت فؤاد فوق كتف سيف بابتسامة مطمئنة:
"الحمد لله يا سيف. أهدأ، العملية تمت بنجاح، وقدرنا نخرج الرصاصتين. رصاصة كانت بالكتف اليمين، ودي خرجت بسهولة. أما الرصاصة اللي كانت في الرقبة، منكرش إنها كانت في مكان خطير، بس الحمد لله قدرنا نخرجها. بس كانت المشكلة اللي قبلتنا أثناء العملية إنه فقد دم كتير، وفصيلة دمه كانت نادرة. ولكن الحمد لله، كان من حظه إن الآنسة اللي اتبرعت كانت فصيلتها من نفس فصيلته، وقدرنا نسيطر على الوضع. عشان كده اطمن يا سيف، إن شاء الله يوسف هيبقى تحت الملاحظة 24 ساعة، وبعدها هيزول الخطر."
وضع سيف يده فوق قلبه بارتياح، يردد بخفوت: "الحمد لله." تمسكت نهلة بيده، تبتسم بأمل، زاد من طمأنة سيف. أما جلال، فجلس مرة أخرى فوق المقعد، بعد أن اطمأن قلبه على زوج ابنته، والذي أصبح ابنه أيضاً.
خلف زجاج غرفة العناية المركزة، وقفت ملتصقة بالزجاج، تناظر جسده الملقى حول الأجهزة، وبعض الممرضات والطبيب المساعد يتجمعون حوله بعناية. تمسح عبراتها بأناملها الرقيقة، رفعت يدها تلمس الزجاج، بحركة وكأنها تحرك أناملها فوق جسده. تنتفض مع وضع كل سلك من الأسلاك يلمس جسده، تشعر برغبة عارمة في اجتياح تلك الغرفة وضمه لصدرها. حركة بسيطة فوق أكتافها، أفاقتها من شرودها، على صوت مريم الهادئ: "شمس، تعالي ارتاحي شوية، واقعدي."
هزت رأسها بعناد، تمسح دموعها: "لا يا مريم، مش هرتاح غير لما يوسف يفتح عيونه، وأطمن عليه." أشارت لها نغم برأسها بأن تتركها، ولا تضغط عليها في هذه الحالة. اقتربت منهم نهلة، تعانق شمس لصدرها: "اطمني حبيبتي، الدكتور طمنا، وقال كلها 24 ساعة ويفوق. بس على الأقل كلي حاجة عشان تقدري تقفي." أصرت على موقفها، ولم تتزحزح من أمام زجاج الغرفة، ترفض أي شيء يبعدها عنه.
شعرت ناريمان بالتعب والإجهاد، وهي تقف بعد تصميمها بأنها لن تتحرك من مكانها إلا بعد خروج يوسف من العمليات والاطمئنان عليه، برغم شعورها بالتعب من حالة الإعياء والدوار الشديد نتيجة الحمل. هتف أكرم، والذي حضر بوقت متأخر بعد علمه بإصابة صديقه المقرب: "ناريمان، أنت بخير؟ وشك باهت وشكلك تعبان جداً، يلا بينا أوصلك عند باباكِ. وقفتك ملهاش لازمة، لسه يوسف قدامه وقت لحد ما يفوق."
أومأت برأسها دون كلام، ترمقه بنظرات خالية من أي مشاعر، جعلت أكرم يندهش كثيراً. فبعد رجوعه ومكوثه الدائم معها بالمشفى، شعر بأنها تغيرت تماماً، فهي لا تعايره أي اهتمام، أو حتى تتجادل معه بأي حديث كعادتها، فقط نظرات غير مفهومة، وكلمات بسيطة، أغلبها ينحصر حول حالة والدها الصحية. تحركت مريم نحو ناريمان، تهمس لها بتوتر: "يلا ناريمان، لازم ترتاحي كده غلط على البيبي."
اندهش أكرم، ينظر إلى مريم وهي تهمس بخفوت حتى لا يسمعها. رفعت مريم عينيها تقول بصوت مهزوز: "ناريمان كانت تعبانة ودايخة، وكمان هي مرهقة جداً بسبب خالي، ولازم تستريح شوية." أومأ أكرم برأسه، يجذب ناريمان برفق من معصمها: "مريم عندها حق، أنت شكلك تعبان جداً."
أشار سيف برأسه إلى مراد المتجمد مكانه، لا يتحرك، لا ينبث بكلمة. تأثير صدمته وهو يشاهد أخيه بين الحياة والموت، وصوت إطلاق الرصاصات، والذي لم يسمعه إلا بأفلام الأكشن، يسيطر عليه، وجعله بحالة جمود وتحجر. اقترب مراد من أبيه المرهق، يميل عليه ببطء: "نعم يا بابا." هتف سيف بنزق وهو ينطق اسمها المشؤوم: "فريدة هانم عرفت باللي حصل لأخوك؟ هز مراد رأسه بالنفي: "مش عارف والله يا بابا. وتفتكر لو عرفت هيفرق معاها كتير؟
بيأس ونبرة حزينة، أكمل مراد: "للأسف يا بابا، إحنا ولا نفرق عندها، ماما." ما زالت تقف أمام زجاج الغرفة، تتطلع عليه بلهفة ووجع. يوسوس لها عقلها بأن تدخل الغرفة وتجلس بجانبه، لا تتحرك، فقط تكون قريبة منه. تنحنح كريم، يرمق جلال الجالس بجانب سيف، وأمامه يقف مراد وأكرم، لينضم لهم كريم، يقول بهدوء عملي:
"حاج جلال، استئذان حضرتك إنك تتفضل تروح ترتاح. زميل ليا كلمني وقالي إن كمان كام ساعة هشام هيتعرض على النيابة. لازم ترتاح شوية عشان تقدر تقف معاه." حاول جلال الرفض، يقول: "لا، أنا هفضل معاكم هنا لحد ما أطمن على يوسف." قاطعه سيف المشفق على هذا الرجل وعلى ما يحدث معه من مصائب، تكاد أن تصيبه بأزمة قلبية لولا ستر الله:
"كريم عنده حق، لازم ترتاح شوية عشان هشام محتاج حد معاه. إحنا كلنا هنا حوالين يوسف، وهو لوحده. يلا يا جلال، توكل على الله وخد معاك مدام نغم، وإن شاء الله أنا بنفسي هطمنك على يوسف." أومأ جلال برأسه موافقاً. وقبل أن يستعد للمغادرة، استوقفه سؤال أكرم عن الصحافة: "دلوقتي خبر يوسف وصل للصحافة، وفيه ناس كتير عايزين يعرفوا الحالة. يا دكتور، نقول إيه؟
قبل أن ينطق سيف بكلمة، كان قلب جلال دليله. وكأنه يشم رائحة فهد النتنة تحوم حول حادث يوسف. سحب أنفاس متحشرجة إلى صدره، محاولاً إخماد غضبه، يقول: "قولهم إن حالته خطر، وإنه تعبان جداً." عم الذهول على الجميع. ولكن كريم استنتج شيئاً ما من حديث جلال. اقترب سيف بقلق: "أنت عارف مين اللي عمل كده يا جلال؟ مين اللي كان هيموت ابني؟ أومأ جلال برأسه، وملامحه متهجمة بغضب:
"شاكك، مش متأكد، بس هو مفيش غير واحد بس هو اللي عمل كده عشان يخلص من يوسف ويقدر ياخد شمس." قبض كريم على كف يده، يقول من بين أسنانه المصتكة بغيظ: "فهد العمري."
في قاعة استقبال المشفى، التي تجمع فيها بعض الصحافيين لمعرفة آخر أخبار حادث إطلاق النار على دكتور يوسف سيف الدين، إحدى أشهر الأطباء النفسيين، وابن لأحد أشهر أطباء جراحة القلب والمناظير، دكتور سيف الدين السلحدار. وجده يوسف السلحدار، أشهر السياسيين المشهورين بالنزاهة المالية والعدل في وقت الثمانينات. وأيضاً ربط الصحافيون حادث يوسف بموت ابن خالته نادر العزيزي في حادث شنيع أيضاً في أقل من عشرة أيام.
وسط تلك الضجة والتجمع الهائل من الصحافيين، خرج سيف مستعداً كل قوته وشخصيته، برفقة دكتور فؤاد عيسى، يعطي الصحافيين المتطفلين على حياتهم الشخصية بعض المعلومات عن حالة يوسف الطبية. وقف شاب في الثلاثين من عمره، يراقبه من بعيد، يحمل مسجلاً، يوجهه ناحية سيف، وبعدها أخرج هاتفه يهاتف أحد، قائلاً: "حالته خطر جداً، وإصابته خطيرة، والبوليس هنا في المستشفى، والدنيا مقلوبة جداً." صمت الشاب قليلاً، يستمع إلى الطرف الآخر، ثم أجاب:
"أيوه، هنا. شوفتها وهي داخلة منهارة، بس مظهرتش تاني." هز الشاب رأسه بطاعة: "أمرك يا عيني. مش هتغفل عنهم أبداً يا باشا."
صمت طارق لحظات، وهو يستوعب ما قاله الطبيب عن حالة شروق المتأخرة في الإدمان، والقبض عليها في أحد الحانات المشبوهة، شبه عارية، تسلم جسدها لأحد الرجال مقابل تذكرة هيروين أو حقنة من الكوكايين. صاعقة من الذهول والاشمئزاز حلت على طارق المصدوم في تلك العاهرة، والتي تلقب بأخته. دقائق كانت أمامها بغرفتها، ينظر إليها بقرف مشمئز، وهي شبه مشبوحة، مقيدة بحزام من الجلد نتيجة هيجانها العصبي.
اقترب منها ببطء، يقبض على يده منعا من خنقها والتخلص من عارها وفضيحتها تلك. فتحت عيناها المحلقتان بالزرقة، تقول بسخرية اعتادت عليها، وهي الآن في كامل هدوئها بعد حقنها بالمورفين: "طارق بيه، جاي لحد لندن إزاي ده؟ لم يتحمل سماع صوتها القذر وسخريتها اللعينة، ليصفعها بكل قوته على وجهها، حتى خرج دماء من شفتها السفلى نتيجة الصفعة القوية. لتقول بلا مبالاة، وهي ترفع وجهها الشاحب، تبتسم: "جاي من مصر لحد هنا عشان تضربني؟
بجد تعبت نفسك. آه، صح. أمال فين الحاج جلال؟ هو كمان عشان يجي يضربني أو يقتلني ويغسل عاره؟ رد طارق من بين أسنانه، وهو يقترب منها بنفور: "الحاج جلال أشرف من أنه يوسخ إيده بدم واحدة زيك، مدمنة و... أطلقت ضحكة صاخبة مجنونة، تحاول جذب يدها المقيدة من الحزام الجلدي: "قطعت كلامك ليه؟ واحدة مدمنة وكمان فاجرة، راحت بتعاشر رجالة تانية عشان المخدرات؟
شوفت، أنا عارفة إزاي. أصل خلاص أبوك غسل دماغك وخدك عندها عشان ترضي عنك الواطية." "اخررررسي يا فاجرة! " هتف بها طارق من بين أسنانه بغل، يسألها بجمود: "فين البيه جوزك اللي سايبك ماشية على حل شعرك كده ولا سائل عنك، ولا إيه؟ أخد فلوسك وراح يدور على واحدة تانية؟ لم تتحمل شروق كلمات طارق بسبب غيرتها على فهد، تصرخ بعنفوان: "متجبش سيرته على لساني. فهد بيحبني أكتر منكم، وأنا بحبه وبعشقه، فاهم؟
حتى لو سايبني كده، أنا راضية، بس يفضل جنبي. وبعدين أنا اللي سبته ورحت المكان ده، هو ملوش ذنب، فاهم؟ ملوش ذنب." زفر طارق أنفاسه بغضب، يصرخ فيها: "ملوش ذنب إنه دمرك! ملوش ذنب إنه سابك في بلد لوحدك تدوري على حل شعرك! ملوش ذنب إنه كرهك في أبوكِ وأختك! هتفت فيه بحقد: "أنا مليش أخت، أنا بكرهها ومش عايزة أعرفها. دي واحدة مجنونة." ضحك طارق بسخرية، يتطلع فيها: "مجنونة؟
انتي اللي مجنونة بحب الحقير ده وخلاص. خسرتيني، ولسه هتخسري كل حاجة بسببه يا شروق. صدقيني، فهد ده حقير، بيستغلك عشان يوصل لأهدافه الدنيئة." اقترب منها، يهمس أمام وجهها الغاضب: "وأول غرض، هي أختك اللي حاول يغتصبها، وإحنا وقفنا ضدها عشانه." صرخت بوجهه: "انت كداب! كلكم كدابين ومصدقين واحدة مجنونة قتلت أمك وعايزة تخرب حياتي!
مسح وجهه، يتنفس بضيق، وهو يرى أخته التي أفسدها الدلال، أصبحت رخيصة، يتلاعب بها فهد ويحركها كما يشاء. قال بنفاذ صبر: "للأسف، انتي متعرفيش حاجة، ودمرتي نفسك، وهتدمرى بابا اللي كل ذنبه إننا ولاده. أنا هاخدك على مصر، انتي لازم تتعالجي من القرف اللي بتاخديه ده. وبعدها هتعرفي إنك كنتي عايشة في وهم اسمه فهد." نظرت شمس للممرضة باستعطاف، وعبراتها الساخنة تتدفق فوق وجنتيها:
"أرجوكي، دقيقة واحدة بس أشوفه، وأخرج على طول. والله مش هسبب أي فوضى، بس اطمن عليه." هزت الممرضة رأسها بالرفض والأسف إلى شمس المنهارة: "أنا آسفة يا مدام، مقدرش حضرتك كده تعملي لي مشكلة." زاد نحيبها، تنظر له من خلف الزجاج بقهر، تهمس للممرضة مرة أخرى: "أرجوك، خليني أدخل أشوفه، بس اطمن إنه في نفس بيخرج منه ولا لأ. حرام عليكم."
شعرت الممرضة بالحرج، وهي تحاول أن تقنع شمس أنها لا تستطيع دخول غرفة العناية، لكنها كانت تصر بتوسل لها. ببطء، اقتربت لجين من شمس الواقفة، تستند برأسها فوق الزجاج، وأناملها تتحرك عليه: "شمس، حياتي، اهدى من فضلك. ده شغلها، وهي ممكن تتعاقب لو عملت كده. إن شاء الله يوسف هيبقى تمام، بس انتي اهدى."
شهقت بقوة وسط عبراتها الساخنة، تعض شفتيها من الوجع الذي تشعر به يسري بجسدها وبجسد حبيبها، وهي تراه يرقد أمامها، لا حول له ولا قوة، لا تستطيع لمسه أو القرب منه. تمتمت ببكاء مرير: "لجين، أنا عايزة أقرب منه. يوسف محتاجني جنبه، عشان خاطري يا لجين، كلميها." بدأ صوتها يعلو بتشنج، وهي تفقد السيطرة على نفسها: "أنا مش بطلب غير دقيقة واحدة، دقيقة بس أشوف حبيبي، أطمن عليه، أحسسه إني جنبه ومعاه." هتفت لجين بالممرضة بتوسل:
"لو سمحتي، اطلبي دكتور بسرعة." أثناء هذه اللحظة، والتي كانت شمس تفقد أعصابها ويعلو صراخها بجانب غرفة العناية، كان سيف ونهلة يصلان إلى ممر الغرفة، وخلفهم مريم المصابة بإرهاق، ورفضت أن تترك المشفى مع كريم لتبديل فستانها حتى يفتح يوسف عيناه. ركض سيف على صوتها، الذي أصبح يختفي من كثرة الصراخ، للطبيب: "عايزة أشوف جوزي، حرام عليكم! أشوفه بس دقيقة واحدة يا دكتور، أرجوك." أومأ لها الطبيب برأسه:
"تمام، تمام يا مدام شمس، هتشوفيه. أوعدك، بس لازم أنتِ ترتاحي الأول. مش حينفع تبقي بالشكل ده كده، هتفقدى تحملك في الأوضة في العناية. لو سمحتي." حاوطها سيف من خصرها، وهي تترنح، ونهلة تساعده في جلوسها على أحد المقاعد الجلدية. يقول لها سيف بهدوء: "شمس، يا بنتي، عشان خاطر يوسف، تمالكي نفسك، لأنه لو حس بتعبك، هو كمان هيكون تعبان. أنتِ عارفة إنه روحه فيكي أنتِ وملك، وأكيد أنتم في باله." غمغمت بخوف وقلق، لتتذكر فوراً:
"ملك، حبيبتي، هي لوحدها مع منى من امبارح؟ ملك؟ أخرجت مريم بسرعة من جيب سترة كريم، الذي وضعها بيده فوق أكتافها العارية، هاتفها، تدق على هاتف منى. أجابت منى من الطرف الآخر بلهفة: "الو، آنسة مريم، طمنيني، دكتور يوسف بخير؟ تنهدت مريم بوجع، لتقل باختصار: "ادعيله يا منى. أرجوكي طمنينا على ملك." وقفت تترنح، وسيف ونهلة يحاولون جاهدين إقناعها أن تستريح بغرفة، ولكنها رفضت وبشدة، بغضب، أن تتحرك من أمام غرفته حبيبها:
"لا، لا، مش هتحرك من مكاني. أنا بخير. يوسف محتاجني." التقطت الهاتف من يد مريم، لتقل بصوت يكاد يخرج من فمها بتوتر وتهكم مر: "منى، ملك فين؟ هي كويسة؟ أكلت؟ قالت منى بحزن شديد: "بقت بتعيط طول الليل يا ست شمس، عايزة دكتور يوسف، ومردتش تأكل أبداً، لحد ما عينيها راحت في النوم."
كان يقف بعيداً، يرقبها بصمت وحزن. وما زالت حالة الجمود تحيط وتسيطر عليه بوضوح، حينما خرجت من معمل التحاليل. وتف الجميع حولها، بما فيهم والده، يشكرها بشدة وامتنان لأنها تبرعت ليوسف بالدم. وقف هو بعيداً، يكتفي بنظرات شكر، مع إشارة بسيطة برأسه، جعلت عيناها الواسعة تتعلق بعينيه وتفصيل وجهه. أفاق من شروده على صوت أبيه المرهق: "مراد، مراد." أجاب بنفس الشرود، وعيناه متعلقة بوجهه: "نعم يا بابا." أشار سيف إلى لجين ونهلة،
هو يقترب منهم برفقة مراد: "أنت هتاخد نهلة هانم بيت أخوك عشان تاخد ملك، لأن منى يا ابني لازم تشوف ولادها." وجه سيف كلماته إلى لجين: "لجين، أنتِ كمان لازم ترتاحي يا بنتي شوية، بعد كمية الدم دي، كفاية وقفتكم معانا طول الليل." ربتت نهلة على كتفه، تبتسم: "أرجوك يا سيف، متقولش كده، إحنا أهل." أوما رأسه بابتسامة حزينة: "أكيد أهل يا نهلة، أكيد." ضمت لجين رأس شمس النائمة فوق صدر مريم، تتمتم بخفوت وتعب: "يوسف..... يوسف."
همست بجوار أذنها: "شمس، مش هتأخر عليكِ، ومتقلقيش على ملك." رفعت عينيها لها بتعب، يظهر عليها وعلى ملامح وجهها وجسدها: "هاتي ملك يا لجين معاكي، لازم يوسف يشوفها أول ما يصحى، إن شاء الله." قبلت لجين جبهتها، تطبطب على وجهها بحنان: "حاضر يا شمس، اطمني." غمغمت صباح بنزق: "اصبحنا واصبح الملك لله. اهي صحيت بصوتها العالي." هتف على السفرجى: "يلا بسرعة، روحي بالقهوة والجرايد قبل ما تصرخ علينا زي كل يوم."
غادرت صباح من المطبخ مسرعة، وهي تتمتم بالدعاء من تلك المرأة الشمطاء: "صباح الخير، فريدة هانم، القهوة والجرايد." سحبت نفس عميقاً، تتأمل صباح بعصبية، تتافف: "بصي بقا، أنا مش هنرفز نفسي عشان شوية خدامين أغبياء زيكم. أنا ممكن أمشيكوا في لمح البصر، بس عشان أدهم متعود عليكم. مش عايزة إهمال وتقصير بعد كده. يلا اتفضلي... اتفضلي."
غادرت صباح من أمام فريدة، وهي تشعر بجميع الشياطين يقفزون أمامها بالحديقة. أما فريدة، فاستنشقت الهواء النقي بهدوء، تتأمل جمال الحديقة والمسبح، والذي تجلس بطاولة إفطارها قريبة منه، تقول بسعادة: "ريلاكس يا فري، مفيش داعي تنرفزي نفسك عشان شوية خدامين أغبياء. كفاية اللي مريتي بيه، استمتعي بيه يا فري بسعادة."
ارتشفت أول رشفة من فنجان قهوتها، تتصفح الجرايد كعادتها اليومية بهدوء. قلبت في أول صفحات، تتنهد بملل، وفجأة تركت وحدقت بالجريدة بهلع، وهي تقرأ عنوان كبير يتصدر مقدمة صفحة الحوادث: "ما هي الأحداث المخفية خلف محاولة قتل الطبيب المشهور في عالم الطب النفسي، ومن عائلة سياسية كبيرة؟ النيابة تحقق، والطبيب في حالة خطيرة."
أخذت تقرأ الأحداث، وقلبها ينفطر لأول مرة بغريزة الأمومة، حينما قابلها اسم يوسف. تأكل قلبها من الخوف، لتمسك بجريدة أخرى، وتتطلع إلى نفس العنوان بوجع يعصر قلبها. وقفت تشعر بخنجر حاد يغرس بقلبها، تهمس بخفوت: "يوسف ابني... ابني بين الحياة والممـ... ـوت." ألقت بطاولة بكل قوتها، ليتناثر ما عليها، وهي تركض وتردد بصدمة: "آآآآبنى!
"حاضر يا شمس، اطمني." كانت الجملة الأخيرة التي خرجت من لجين، وهي تضم شمس قبل أن تغادر مع نهلة لمنزل شمس ويوسف لأخذ الصغيرة والاعتناء بها. خطى مراد بجانب نهلة، يتحدث معها بهدوء بخطوات جامدة، وهي تسير خلفه، تتطلع إلى ظهره المشدود وقوامه الفارع. تعترف لنفسها وبشدة أنها اشتاقت له، ولرائحته الخاصة، وإلى تلك النظرة التي تفقدها كل سيطرتها. لتسمع صوته يشق أذنها، قائلاً بترفع: "شكراً لجين، إنك اتبرعت ليوسف."
حاولت إظهار بعض القوة بصوتها، تحرك عينيها بعيداً عنه، حتى لا تستسلم: "مفيش داعي للأسف، مراد. أقصد دكتور مراد." ابتسامة جانبية رائعة شقت شفتيه بسخرية: "شكراً، آنسة لجين." استمر بالمشي بجانب لجين، التي بدورها أنهت مكالمة تليفونية. ولكن جذبه قوية مع شهقة متألمة، جعلته يلتفت لها بذعر. دون وعي، وضعت يدها فوق صدره، تقول بذعر ورجفة: "دم يا مراد، دم! أنت مصاب! قفزت كالمجنونة، تصرخ: "إسعاف! دم! دم!
وضع يده فوق فمها، يضغط عليه بنظرات تتعمق بين خضار عينيها وزمرد عينيها، وهو يقول بهدوء: "شششش... تمام، تمام. أنا بخير." هزت رأسها بعدم اقتناع، والدموع تنهمر من عينيها، تهمس بجانب أذنه، تحاول فك أزرار قميصه: "لا، أنت مصاب، مش بخير." لفحت أنفاسها الساخنة وجهه، أغمض عينيه، يقترب بأنفه من خيوط شعرها الذهبية، يستنشق عبقها بعمق. أتى صوت نهلة المفزوع: "مراد! أنت مصاب يا حبيبي! لا، لازم تتعالج! هروح أشوف دكتور بسرعة."
انحنت أمامه، تمسح دموعها، تتفحّص الجرح الذي ينزف ببطء دون توقف، وشفتيها ترتجف من البكاء. تأمله بعمق، وهي تخفض نظرها، وأناملها تتفحص جرحه برفق. ظل الصمت مسيطراً عليهم، وهو ما زال يتأملها، حتى رفعت عينيها الباكيه، تقول: "حاسس بإيه يا مراد؟ تحركت أهدابه بتوتر، بعض فوق شفتيه بألم، يهدر بانفعال، وصدره العاري يعلو ويهبط من الألم، يهمس متبرماً: "مش حاسس بحاجة. يظهر إني فقدت إحساسي."
توجست، ترجع للخلف بتحفظ، وهي ترفع أناملها المرتجفة ببطء عن صدره، في حين قد وصل الطبيب برفقة نهلة وأكرم، والذي حضر للاطمئنان على يوسف بعد أن أوصل ناريمان إلى والدها بالمشفى.
فحص الطبيب مراد، وبعد عمل أشعة، تبين بأن الإصابة عميقة في إحدى طبقات الجلد، ولكن ليس بالشكل المخيف، وهو خدش نتيجة بعد شظايا الرصاص. عالجها الطبيب بعمل بعض الضمادات، وبعده خرج مراد يشعر بالتعب، ولجين تقف بعيداً، تكتم وجعها وحزنها على عشق فقدته بسبب أقرب إنسان تسبب في فقد كل ثقتها بالرجال. طلب مراد من أكرم أن يوصل نهلة ولجين إلى منزل يوسف، ويرافقهن حتى الرجوع.
نظر جلال بساعة يده، وهو يقف بالقرب من باب وكيل النيابة، ليتقدم نحوه كريم، وهو في عجلة من أمره، يؤشر له: "آسف جداً يا عمي، اتأخرت عليك، بس كان لازم أحضر التحقيق في قضية يوسف." سأله جلال بقلق، يفرك جبهته: "خير يا ابني، عرفوا حاجة؟ قدروا يوصلوا للي عمل كده، ولا لسه؟ الحقير ده لازم يتحاسب." زفر أنفاسه الحانقة بشدة، يضرب الحائط، وهو يكز على أسنانه:
"للأسف، العربية ملهاش ملف في المرور، شكلها مسروقة. بس كل اللي قدرت أتأكد منه، إن اللي ضربه شخص غير محترف بالمرة، من تقرير المستشفى والمعمل الجنائي. الرصاصتين كان مقصود بهما الرأس والصدر، بس الشخص مكنش عنده الاحترافية في ضرب النار. يظهر، والله أعلم يا عمي، إحنا قدام حد خطير ومجرم." هز جلال رأسه موافقاً: "هو فعلاً خطير ومجرم يا ابني، ولازم نوصله قبل ما يهدم حياتنا كلنا بأفعاله القذرة."
فكر كريم ساخراً، يدرك الآن أن كل شيء يتم هو من أفعال فهد الشيطانية. غمغم كريم بعصبية: "أنا لازم ألاقي حل وبسرعة... وإلا فهد ده هيتمادي أكتر." ردد جلال بسخط يتملك من روحه: "أنا هقتله بإيدي، المجرم ده، بس أشوفه قدامي." ربت كريم على ساق جلال بدعم: "أنا هحاول أدخل أتابع التحقيق مع زميلي، وأطمن. متقلقش يا عمي، إن شاء الله خير." رفع جلال عينيه المرهقة، يردد: "إن شاء الله."
دخل كريم مكتب زميله المكلف بالتحقيق مع هشام، يجلس في زاوية بعيدة، يستمع لأقوال الشهود والإثبات، التي ستقدمها النيابة للمحكمة للحكم في القضية. هاتف جلال لأحد رجاله، يأمره بغضب: "اسمعني كويس يا أشرف، اقلب الدنيا كلها على فهد العمري. أنا عايزه، ولازم أشوفه، فاهم يا أشرف؟ وقولي أخبار منصور وعيلته إيه؟ موفرلهم كل حاجة." رد أشرف بكل جدية:
"أمرك يا حاج. متقلقش، هعرفلك مكانه. وبالنسبة لعم منصور، يا حاج، متقلقش، هو بخير وولاده." أخذ جلال نفساً عميقاً، متوجعاً من قوة الطعنات، التي أنهكته. خرج هشام من مكتب النيابة، بعد تحقيق دام لأكثر من 3 ساعات، مكبل الأيدي، يظهر على وجهه التعب والإرهاق. يرتدي سروال رياضي أبيض وتي شيرت رياضي قطن، بذقن غير مرتبة، وعينان تقطر الألم وجعاً. اقترب منه جلال بلهفة، يسحبه لصدره، وهو يطلق (آآآآآآه)
طويلاً. بقى هشام بين أحضان والده، يقبل رأسه ندماً، ثم قال بندم: "ادعيلي يا حاج جلال، وسامحني. أنا محتاج دعواتك، ومش زعلان أبداً. عقاب الدنيا أهون من عقاب الآخرة." دمعت عينا جلال بالعبرات الساخنة، يردد بصوت هادئ: "بدعيلك من قلبي وعقلي. يا ابني، وقلبي راضي عنك." ابتسم هشام، يقبل رأس والده مرة أخرى، قبل أن يتحرك بجانب حراسته المشددة، وإحالته إلى محكمة الجنايات. للحكم عليه. صار بجانب الحرس، ينظر خلفه، ثم هتف بصوت مسموع:
"بابا، فارس يا بابا، خلي بالك منه، وقول لشمس تسامحني يا بابا. قولها ربنا خد حقك من هشام. ربنا أخد حقك." خرج رأفت المحامي، برفقة إحدى تلاميذه، وكريم، يتبادلون بعض الأحاديث، وواضح من علامات اليأس عند وجهم. هرول جلال إليهم: "خير يا رأفت، طمني، حصل إيه؟ زفر رأفت المحامي بأنفاس ملتهبة، يقول بيأس: "للأسف يا جلال، موقف هشام صعب جداً. الأدلة كلها ضده، من أول شهادة شركة خدمات التاكسي، والجيران، وأمن العمارة."
وضع كريم يده في جيوب سرواله، يستمع إلى رأفت جيداً، ثم قاطع رأفت، يقول: "بس في شهادة أمن العمارة ديه، فيها ثغرة قانونية، ممكن حضرتك تلعب بيها." هز رأفت رأسه بتأكيد، ليتلهج وجه جلال ببعض الارتياح، وهو يستمع لكريم ورأفت: "حارس أمن العمارة أكد إنها أول مرة يشوف هشام، وإن رانيا ساكنة في العمارة من سنة ونص، وفي راجل بيجي دايماً يزورها، وهو عمره ما اتكلم معاه، وكان دايماً يطلع وينزل بنظارة كبيرة سوداء." ابتسم جلال بأمل،
يسألهم: "وده معناه إيه؟ ابني هيخرج منها؟ قال كريم بارتباك: "هتخفف الحكم شوية يا عمي، بحيث إن دور أستاذ رأفت هنا، هو إقناع المحكمة إنها جريمة شرف، وإن مراته كانت بتخونه." أشار رأفت لجلال برأسه: "كلام كريم بيه صح. أنا هحاول أجل الحكم بكلام ده. ده غير شهادة حارس الأمن، وشهادة فارس. كده ممكن القاضي يحكم حكم مخفف، ووقت ظهور فارس وشهادته، ساعتها هيسقط أي حكم."
جلس جلال على أحد المقاعد، يتنفس بعمق، بعد أن لمعت عيناه بوميض الأمل والثقة في الله. وصلت فريدة المشفى، تدخل بكل شموخ وكبرياء، تدق الرخام المصقول بكعب حذائها، وملامحها مبهمة، لا تدل على شيء. وقف سيف خلف شمس المتسمرة أمام زجاج غرفة العناية، وعيناها لم تتزحزح عن حبيبها النائم خلف الأجهزة، لا يشعر بشيء. ربت سيف على كتفها: "شمس، تعالي ارتاحي شوية، أنتِ واقفة على رجلك من امبارح." هزت رأسها ترفض بعناد:
"أنا واقفة لحد ما يصحى يوسف، يا أنكل. مقدرش أغيب عنه لحظة، لازم أكون أول واحدة يشوفها لما يفتح عينيه." تتطلع إليها سيف، يقبل جبهتها: "إن شاء الله هيقوم بسلامة. دكتور فؤاد لسه مطمني، وقالي كلها كام ساعة ويفوق، إن شاء الله." أومأت برأسها مع ابتسامة طفيفة ترتسم على شفتيها: "إن شاء الله يا أنكل." التفتت نحو الغرفة، تنظر له بشغف ولهفة، وهي تقول: "هيقوم بسلامة يا أنكل، وهيرجع لينا كلنا تاني، إن شاء الله."
مسحت دموعها المنهمرة بظهر يدها، تحرك أناملها على زجاج الغرفة، تشعر كأنها تلمس صدره العاري، وصوتها الباكي يرتجف: "تصور يا أنكل، أنا معرفتش معنى السعادة غير مع يوسف. كنت حاسة إن فرحتي مش هتستمر، وكل حاجة هتروح من بين إيديا." شهقت، تكتم وجعها، وهي تكمل: "أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير إن يوسف يكون بخير ويفضل معايا." نظرت إلى سيف بدهشة، تسأله: "مفيش أخبار عن اللي حاول يقتله؟ وليه يا أنكل؟ أنا بجد مش فاهمة."
وضع سيف يده في جيوب سرواله، يتطلع هو الآخر على ابنه بلهفة: "أنا كمان مش فاهم، مين له مصلحة في قتله؟ يوسف إنسان مسالم وملوش أعداء، يبقى مين؟ بس إن شاء الله حيظهر ونعرف مين الحقير ده." شعرت بالخوف، وهي تفكر من سيكون هذا الحقير. أراد سيف طمأنتها، يقول بحنان: "المهم، أنتِ خليكي متفائلة، إن شاء الله هيقوم بسلامة." صدح صوت من خلفهم، يحفظه سيف جيداً، يقول بنبرة متسلطة ومتكبرة: "أنتِ السبب في اللي حصل لابني."
التفتت شمس إلى ذلك الصوت، لترى أمامها فريدة، تتطلع عليها بملامح كالصخر، بوجهها الأحمر، وعيناها المتوهجة ببركان غاضب. زفر سيف أنفاسه بضيق، يكز فوق شفتيه: "فريدة، ملوش لازمة أي كلام فارغ، ابنك كان بين الحياة والموت، اشكري ربنا." صرخت بعنف، تقترب من سيف: "البنت دي اللي بتدافع عنها، هي السبب في كل مصايب. بعدت ابني عني، وخدته، ودلوقتي عايزة تموته وتقضي عليه." رمقت شمس المرتجفة بطرف عينيها، تقول بسخرية:
"غير كده بقا، كانت في مصحة مجانين يا دكتور، ولا نسيت؟ شعرت شمس وكأن قنبلة تنفجر في أحشائها، يمزقها، تتجمد مقلتا عيناها البندقيتين، وترقرق بهما دموع باردة، مثل كقلبها البارد، دون حبيبها. نظر سيف حوله، ثم جذب فريدة بقوة من ذراعها بعنف، ينفث غضبه أمام وجهها: "أنتِ عايزة إيه؟ جيتي ليه؟ هه؟ لو مكنتش في مستشفى، وابني مرمي جوه قدام عيني، كنت عرفتك إزاي مقامك." جذبت ذراعها بقوة من بين يديه، ترفع حاجبها بغرور:
"انت خلاص دورك من حياتي انتهى، بس ولادي لسه هما ولادي، وهعرف إزاي أرجعهم ليا." أطلق سيف ضحكة ساخرة، يتحدى بها فريدة: "انتي خسرتي كل حاجة، حتى ولادك، وأولهم ابنك النايم جوه، ومن ساعات كان بين الحياة والموت، اللي متعرفوش يا هانم." نظر ناحية شمس المتسمرة مكانها، ترتجف: "ابنك بيعشق مراته، ومش هيسمحلك إنك تخربي حياته أبداً. ابعدي يا فريدة، وانسى ولادك."
انتفخت أوداج فريدة من الغضب والحنق، تشعر بغليان الدم في عروقها، من سيف، الذي يقف أمامها بعنجهية وغرور، ويبدو أن طلاقه منها لم يؤثر فيها. عقدت ذراعيها أمام صدرها، تقول ببرود: "أنا عايزة أطمن على ابني الأول، وبعدها هنشوف يا دكتور سيف." قبض سيف على كف يده، يقرب شمس منه، ويجذبها بعيداً عن مرمى نظرات فريدة المتسلطة، الغل يقطر من عينيها، كأنها تستحلف لشمس. همس سيف بخفوت:
"دي مجنونة، صدقيني. انسياها، وفكري في يوسف يا شمس، فكري فيه." ألصقت وجهها بالزجاج، وجسدها يهتز من البكاء، تهمس: "يوووووسف، اصحى عشان خاطري." فتح فهد هاتفه، يبتسم بشر: "إيه الأخبار؟ طمني، يوسف السلحدار مات؟ تلعثم الرجل يقول: "لا يا فهد بيه، مفيش أي أخبار غير إنه لسه في غيبوبة، وحالته متأخرة." ضرب فهد عدة ضربات على طاولة مكتبه، يصرخ على رجله: "طيب، عايز إيه؟ بتتصل بيا ليه يا غبي دلوقتي؟ أجاب الرجل بخوف:
"في ست جت من شوية، وطقم الحراسة اللي على الباب دخلها على طول، بس باين على وشها الغضب." فرك فهد جبهته، يفكر، ثم سأل رجله بخبث: "عرفت مين دي؟ ابتسم الرجل، يشعر بفخر: "طبعاً يا بيه، اسمها فريدة العزيزي." هتف بحنق على الرجل: "عايزك تجمع كل حاجة تخص فريدة العزيزي، كل كبيرة وصغيرة عنها، فاهم؟ هتف صوت الرجل بثقة: "أمرك يا بيه." مرر أنامله بين خصلات شعره، يزم على أسنانه:
"يوووووسف سيف الدين، هوصلك، وهاخد شمس، يعني هاخدها، والأيام بينا." خرج الطبيب من غرفة العناية، يبتسم ببشاشة، وهو يربت على أكتاف سيف المتوتر: "حمد لله على سلامة يوسف. دكتور يوسف عنيد، ومستسلميش." تحركت شمس، تبتسم، وقلبها يقفز بين ضلوعها من الفرحة، تسترد روحها الضائعة، وقلبها الممزق. وسيف يعانق صديقه. ومريم تقترب منهم بفرحة، تخرج هاتفها، وترسل رسالة نصية إلى كريم، تخبره بتحسن حالة يوسف. قال سيف بفرحة عارمة:
"ممكن أشوفه يا فؤاد؟ أرجوك." أومأ الطبيب برأسه موافقاً: "ممكن، بس يفضل واحد واحد عشان ميتكلمش كتير." اقتربت شمس من الطبيب، ترسم على شفتيها تلك الابتسامة الساحرة، وقبل أن تتكلم، كانت فريدة تقول بصوت رخامي خالٍ من المشاعر: "أنا أمه، ولازم أدخل أشوفه الأول." صاح بها سيف أمام الجميع: "لا! إلا هتدخل مراته تطمن عليه." صرخت فريدة: "لا! البنت دي مش هتشوف ابني تاني، أنت فاهم؟
تفحص الطبيب تلك الأم التي لم يرها من قبل، ليحسم الموقف، يقول: "أنا آسف إني هدخل يا سيف. أولاً، إحنا في مستشفى، ويريت تلفت نظر الهانم بكده. ثانياً، أفضل أن مدام شمس هي اللي تتفضل، لأن اسمها هي وملك كانوا على لسان يوسف طوال فترة العملية. البنج." نيران مشتعلة قذفت بها فريدة شمس، وهي تستعد لدخول غرفة العناية، وخسارتها الأولى أمام سيف والجميع. "سأقول لك" أحبك *وسنابل القمح تنضج بحاجة إليك.....
والينابيع تتفجر والحضارة تتحضر والعصافير تتعلم الطيران.... والفراشات تتعلم الرسم فوق الأزهار. سأقول لك*احبك*حتى أدخل في دين الياسمين، وأدافع عن حضارة الشعر وزرقة البحر... أريد أن أحبك حتى أطمئن.* *نزار قباني*
رن الصمت الصاخب داخل الغرفة، إلا من صوت دقات قلوبهم تقترب منه ببطء، وكل خطوة تخطوها كأنها دهر من الزمان. عيناها تلمع من جديد، أنفاسها تلهث، قلبها يدق، تدفقت الدماء في عروقها، تغذيها بعد أن أعلنت حواسها عن التوقف، حتى يعود.
أخذت نفساً عميقاً، وهي تتطلع بوجه الحبيب، تمرر أناملها بين خصلات شعره السوداء بلون الليل، تمرر أناملها فوق وجهه وجسده، تشبع منه وتملي العين برؤيته. انحنت برأسها، تقبله من شفتيه، قبلة رقيقة بعثت فيه الروح، وهي تهمس بجانب أذنه، عبراتها الساخنة تتساقط فوق وجهه: "روحي، أنا جنبك، وحشتني يا عمري." نزلت دمعة ساخنة فوق شفتيه، فذوقها، يمرر لسانه فوق شفتيه، ويده تضغط على يدها. تنهدت بسعادة، ترفع يده إلى شفتيها، تقبلها.
ليفتح عيونه النعاسه أخيراً، يتتطلع بوجهها البريء، وابتسامة متعبة تزين شفتيه، يهمس بصوت يكاد يخرج منه: "شمسى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!