الفصل 16 | من 33 فصل

رواية شمس لا تغيب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة سعد

المشاهدات
19
كلمة
8,121
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

هرولت صباح، الخادمة المسكينة التي تخطت سن الأربعين بعامين، نحو باب الفيلا الداخلي لتفتحه تحت صرخات ونظرات فريدة المتذمرة دائمًا وهي تهتف بحنق: "أنا مش فاهمة خدامين إيه دول، بسرعة شوفي مين الغبي اللي بيرن الجرس بالشكل ده! هتفت الخادمة، التي تعاني الأمرين من تحكمات فريدة وغضبها، بخفوت: "أنا عارفة هتمشي امتى." تفتح باب الفيلا لرجل يحمل حقيبة جلدية سوداء اللون لتسأله: "مين حضرتك؟ نظر لها الرجل بجدية يقول:

"مش هنا بيت مدام ناريمان العزيزي؟ هزت صباح رأسها بقلق: "أيوه هو بيت ناريمان هانم." أخرج الرجل ورقة كبيرة عليها بعض الأختام الزرقاء يقول بجدية: "أنا محضر من محكمة الأسرة وعايز الست ناريمان توقع على الورقة دي." ضربت الخادمة صباح على صدرها وهي تشهق: "ياساتر يارب، ع الصبح! محضر خير يابيه." هتفت فريدة من خلفها بحنق: "إنتي في إيه؟ لتنظر للرجل بعلو وكبرياء: "ومين ده؟ أجابت الخادمة بضيق:

"الأستاذ يا هانم، بيقول إنه محضر من المحكمة وعايز ناريمان هانم." ظهرت معالم غضب عاصف على ملامح فريدة: "طيب مستنية إيه، روحي انادي أنا على ناريمان. بسرعة روحي ناديها." لتنظر للرجل مرة أخرى بعدم اهتمام وتبتعد بكل جبروت دون أن تهتم. خرجت ناريمان من غرفتها التي تعتكف فيها حزينة وحيدة لا تهتم بشؤون أحد. تقترب من الرجل وهي تعتلي ملامحها علامات القلق والخوف تقول: "أنا ناريمان العزيزي." مد الرجل يده لها بتلك الورقة يقول:

"ممكن توقعي على الورقة يا مدام." سألته ناريمان بحذر ووجهها يشحب من القلق: "ورقة إيه؟ أجاب الرجل بسرعة: "دعوى طلاق رفعها الدكتور أكرم عبد الرزاق فهمي." ***

داعبت أشعة الشمس القوية جفونه وهو ينام فوق الأريكة المخملية الناعمة بغرفة الليفنج. ليرفع ذراعه يغطي عينيه من أشعة الشمس التي تخترق الغرفة بأشعتها الذهبية. جلس فوق الأريكة يفرك عينيه وهو ينظر حوله ليجد شاشة التلفاز مضيئة على نفس القناة الفضائية التي كان يشاهد عليها بالأمس فيلم أجنبي وجاكيت منامته الحريرية ملقى بجواره. استمر للحظات يستوعب ما حدث بالأمس، أو بمعنى أوضح، يستوعب ما حدث في ليلة زفافه والتي بدل أن يقضيها في غرفته على فراشه الدافئ بجواره حبيبته وزوجته، قضاها هنا على تلك الأريكة الناعمة ينام وحيدًا مقهورًا.

بعد دخول يوسف وشمس برفقة ملك إلى شقتهم، أغلق باب الشقة ووقف يتطلع إلى تلك الطفلة الكبيرة التي تزوجها من ساعات وهي تتناول الشوكولاتة مع ملك بنهم وهما يضحكان. زفر يوسف أنفاسه يقول بهدوء حاول اصطناعه: "يلا ملوكة حبيبتي عشان تنامي في أوضتك." وهو يرمق شمس بطرف عينيه، وبطفولية محببة إلى قلبه قالت ملك وهي تقفز عليه حتى يحملها: "لا يايوسف أنا جعانة." ضرب جانب ساقيه متبرمًا وشمس تحاول كبح ابتسامتها:

"طيب غيري فستانك لحد بابا ما يحضرلك الأكل." ركضت ملك إلى شمس الجالسة بفستانها المنفوش على الأريكة بعد أن خلعت حذائها ذا الكعب العالي وتحاول فك طرحتها، ولكن صوت يوسف أجفلها عما تفعله وهو يهتف بسرعة: "لاااا، أنا هعمل كل حاجة بس غيري لملك الفستان الأول."

التهبت وجنتاها بالاحمرار تهز رأسها مطيعة. بسرعة رهيبة أعد يوسف شطيرة من الجبن والمربى التي تفضلها ملك مع كوب حليب دافئ بعد أن خلع جاكيت بدلته وفك تلك الربطة حول عنقه وظل واقفًا بقميصه الأبيض مفتوحًا حتى المنتصف يرفع أكمامه لمنتصف ساعديه. في الغرفة، وقفت ملك تلعب بخصلات شمس المتدلية حول وجهها بنعومة بعد أن ارتدت منامتها الوردية القصيرة، تستمع إلى شمس بتركيز: "بعد ما تتعشي يا ملوكة، تيجي على طول تنامي في حضني، أوك؟

أوعي تتأخري." هزت ملك كتفيها ببراءة تسألها: "ثموسة، انتي بتخافي تنامي لوحدك؟ قلبت شمس شفتها كالأطفال تهز رأسها: "أيوه ملوكة، بخاف. يلا روحي اتعشي وأنا هستناكي هنا." خرجت ملك من غرفة شمس الخائفة، ولكن ليس من النوم بمفردها، بل من تلك الليلة التي تشعر أن يوسف لن يمررها مرور الكرام. وقفت أمام مرآة الزينة تتطلع على نفسها بدلال عفوي ولم تشعر بهذا الواقف خلفها يتطلع عليها بشوق وعيونه تلتهم كل جزء بها بحب. اقترب منها

بهدوء يهمس بجانب أذنها: "زي القمر حبيبتي." شهقت تلتفت إليه بتوتر ليصدم جسدها الرقيق بصدره الصلب تهمس: "يووووو سف" بتقطع. داعب وجنتها الناعمة بطرف أنامله يهمس أمام شفتيها: "عيون يوسف وقلبه."

أخفضت رأسها بخجل تهرب من عينيه المشتعلة بالإثارة، انحنى يرفع رأسها ليهبط بشفتيه يطبع فوق شفتيها قبلة رقيقة ويده تتحرك بهدوء تنزع طرحتها ليفلت شعرها بانسياب خلف ظهرها. حاولت التملص من بين ذراعيه وهي ترتجف، ولكن ذراعيه القويان التفت حول خصرها يكبلانها برقة همس لها بصوته الأجش: "هساعدك." هزت رأسها ترفض: "لا شكراً، أنا هعرف. روح انت شوف ملك." ابتسم بطرف شفتيه بجاذبية قاتلة: "شكراً، أنا جوزك يا شمسى، انتي نسيتي؟

أنا عارف إنك مكسوفة مني بس اطمني، هغمض عيني." جمع شعرها العسلي بنعومة الحرير على جانب واحد ويده تتسلل بخفة خلف ظهرها يفك تلك الشرائط المنعكسة ببطء، يمرر شفتيه فوق عنقها المرمرى الناعم، ضحك بخفة: "كل دي شرايط؟ أنا عايز يوم أفكه فيه." ابتسمت برقة على كلامه لتنتفض فجأة تشعر بيده تلمس منتصف ظهرها. ابتعدت عنه تتنفس بصعوبة وهي تتمسك بفستانها الذي على وشك السقوط: "خلاص، أنا هكمل. روح شوف ملك يا يوسف، البنت بره لوحدها."

ضم شفتيه باعتراض: "طيب، هروح بس خليكي زي ما انتي، متعمليش حاجة." غمز بطرف عينيه البنيتين بلون القهوة: "أنا الليلة دي اللي هعمل كل حاجة." وقبل أن يخرج من الغرفة، كانت ملك هي من تقتحم الغرفة بضحكتها البريئة: "يوثف، ملوكه أكلت كله." عضت شمس على شفتيها تهرول إلى غرفة الملابس الملحقة بغرفة نومهم تختفي من أمام ملك حتى لا تراها وهي عارية الظهر وفستانها على وشك السقوط. وقبل أن ينحني يوسف يحمل ملك، كانت تسبقه تقفز فوق الفراش:

"أنام بقى يايوسف." تمالك غضبه يقول بهدوء: "يلا ملك عشان تنامي في أوضتك." هزت الصغيرة رأسها ترفض: "لا، ملوكة تنام هنا عشان ثموسة خايفة." وقبل أن يهتف يوسف على ملك غاضبًا، كانت شمس تخرج من غرفة الملابس بمنامتها المحتشمة الحريرية بلون السماء وقد بدلت فستانها بلمح البصر تقول بابتسامة خجولة: "خلاص يا يوسف، خليها تنام جنبي الليلة."

كتف ذراعيه على صدره تشع من حوله طاقة من الغضب تعكسها نظرات عينيه بوضوح وهو يتأمل شمس التي جلست على طرف السرير تضم ملك المرتجفة من نظرات يوسف لصدرها تغمغم برجاء: "معلش يا يوسف، الليلة دي بس." خرج صوته يضج بغضب مكتوم يحاول السيطرة عليه بعد أن أيقن أن تلك التصرفات التي تفتعلها ملك سببها شمس: "طيب، تصبحي على خير." خرج من الغرفة بعد أن سحب منامته بشدة يغلق باب الغرفة بقوة. لتضم شمس ملك لصدرها تقبل رأسها بحنان تهمس لنفسها:

"أنا آسفة يا يوسف، بس أعمل إيه، خايفة." تنفس بعمق يمرر أصابعه بخصلات شعره يتذكر كيف قضى تلك الليلة المميزة أمام التلفاز يقلب محطاته بغضب حتى استقر على فيلم أجنبي رومانسي، وبعد فترة من الوقت غلبه النوم فوق الأريكة الناعمة يحضن وسادتها بدلاً من زوجته الحبيبة. *** دق هاتف جلال يظهر على شاشته اسم كريم ليفتح الهاتف سريعًا يقول بلهفة: "أهلاً يا كريم يا ابني، خير؟ ابتسم كريم يقول برزانة:

"اطمن يا عمي، كل حاجة تمام. الراجل في إيدي وكلها عشر دقايق وهيكون قدامي. الحمد لله بفضل ربنا وبفضلك قدرت أوصله بسرعة." تنهد جلال براحة: "الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد والشكر. كنت خايف جدًا يا كريم." هتف كريم يطمئنه: "ماتقلقش نهائي يا عمي، كل حاجة هتبقى تمام. المهم حضرتك تقدر تتفضل عندي عشان تتابع الكلام." خرج صوت جلال يضج بتوتر:

"أنا عندي مشوار مهم دلوقتي، لو خلصته بدري هعدي عليك، ولو ما قدرتش، البركة فيك يا ابني." صدح كريم بثقة: "تمام يا عمي، ماتقلقش من أي حاجة. أنا هعرف إزاي أتعامل معاه وكل كلمة هسجلها عشان حضرتك تسمع كل الكلام." تنهد جلال يبتهل بالدعاء لكريم بالسعادة وراحة البال ليقول كريم بخفوت: "آآآآآآمين." *** بعد فترة من الوقت، طرق باب مكتب كريم بمبنى النيابة العامة يدخل أحد الضباط المقربين من كريم يلقي بتحيته العسكرية:

"صباح الخير كريم باشا." وقف كريم يصافحه بود: "صباح الفل يا عصام، إيه الراجل معاك؟ ابتسم الضابط عصام بشرف: "طبعًا بره يا باشا، هو انت تقدر تقول حاجة واحنا ماننفذهاش؟ ده انت النيابة كلها." ربت كريم على كتفه بمودة: "الله يخليك يا عصام، طول عمرك شهم وجدع. وزي ما قولتلك، ده موضوع شخصي وماكنتش عايز شوشرة كتير، عشان كده اخترتك تقوم بالمهمة دي انت عشان عارفك كويس." هز عصام رأسه يشكر كريم وبعدها فتح باب المكتب يقول:

"اتفضل ادخل يا عم منصور، كريم بيه عايزك في كلمتين." بخطوات مرتبكة مبعثرة، دخل مكتب كريم رجل متوسط الطول نحيف الجسد يظهر من ملامحه أنه تخطى الستين، يرتدي جلباب بلدي أسود اللون وطاقية بيضاء من القماش تغطي شعره والقليل من جبهته، وعلى عينيه نظارة طبية بزجاج سميك تظهر ضعف نظره الحاد. وقف الرجل المسن أمام كريم الجالس على مقعده الجلدي الكبير بكل فخامة وشموخ لا تليق إلا به هو فقط، يرتجف من الخوف والقلق. ابتسم كريم

يؤشر على المقعد أمامه: "اتفضل يا عم منصور، اتفضل اقعد." تلعثم الرجل يقول: "أنا عملت حاجة يا بيه؟ ليه أنا هنا؟ أنا والله ما عملت أي حاجة." هز كريم رأسه بهدوء: "اتفضل الأول يا عم منصور، ما يصحش تفضل واقف كده قدامي. اقعد وارتاح." جلس الرجل المسن يرتجف وأسنانه تصطك ببعضها البعض من قوة الارتجاف: "يزيد فضلك يا بيه." نقر بأصابعه الأنيقة فوق سطح مكتبه يسأل الرجل بتواضع: "تحب تشرب إيه؟ هز الرجل رأسه:

"لا يابيه، كتر ألف خيرك. أنا بس عايز أعرف أنا هنا بعمل إيه." رفع كريم سماعة تليفونه الداخلي يقول: "لو سمحت ابعتلي في مكتبي كأس ليمون وقهوة مظبوط." وبعد أن أغلق الخط، نظر بتمعن إلى الرجل المسن الذي يجلس أمامه بخوف وعلى ملامح وجهه ترتسم ملامح الخوف الممزوج بندم. رفع حاجبه العريض ثم أخذ نفسًا عميقًا يقول بتعقل:

"اسمع يا عم منصور، انت هنا عشان أدردش معاك في موضوع مهم. مفيش أي اتهامات، مفيش أي حاجة تدينك، بس مجرد سؤال وجواب. بس لو ما اتعاونتش معايا واتكلمت بصراحة، هضطر ألجأ لحاجة تانية." رفع الرجل يده يهتف بخوف: "أقول إيه يا بيه؟ أنا تحت أمرك، وحياة عيالي ما هخبّي عليك حاجة أبدًا، بس اعرف إيه الموضوع." رجع كريم بظهره للخلف وقبل أن يتكلم، دخل عامل البوفيه بكوب مثلج من الليمون وقهوة كريم المضبوط.

"اتفضل اشرب يا عم منصور واهدى كده عشان نعرف نتكلم ونوصل لحل مع بعض." ارتشف الرجل القليل من العصير ثم وضع الكوب أمامه يمسح عرقه بمنديل أبيض من القماش: "اتفضل يا بيه، أنا تحت أمرك." ببساطة وبكل هدوء قال كريم بصوته الواثق: "شوفت إيه ليلة قتل درية الحسيني؟ ارتبك منصور يقول بخفوت: "أنا معرفش حاجة يابيه، ولا شوفت حاجة." قوس كريم حاجبيه بحنق يسأله بنفس الهدوء: "طيب ليه اختفيت مرة واحدة بعد الحادثة؟

مش المفروض كنت تستنى على الأقل الحاج جلال قبل ما تمشي، ولا في حد تاني أمرك تمشي مثلاً؟ أصل اختفائك المفاجئ ده وراه حاجة، ياما تكون مشيت بأمر من حد، أو... مثلاً تكون أنت متورط في الجريمة؟ هز الرجل رأسه يدافع عن نفسه بهستيريا: "لا يابيه، أنا أعمل كده مع الناس اللي خيرهم عليا وعلى ولادي؟ الحاج جلال والست درية! أعمل معروف يابيه، أنا راجل غلبان وعلى قد حالي، أبوس إيدك." حك كريم ذقنه بمكر يردف:

"بصراحة، الحاج جلال الحسيني عايز يفتح ملف القضية تاني وقال لي أتفاهم معاك بالحسنى قبل ما يطلبك في التحقيق." ضرب الرجل على قدمه يندب بقهر: "يادي المصيبة اللي حلت على راسك يا منصور، هتشيل الطين يا منصور." لينظر لكريم بخوف ثم قال بقلة حيلة: "هددوني يابيه بعيالي، ياما أمشي ياما... نطق كريم بجمود: "ياما إيه يا عم منصور؟ اتكلم وقول اللي عندك، وأنا هحميك من اللي هددك ده، بس تقول لي على كل حاجة وتشهد في المحكمة بالكلام ده."

انتفض الرجل واقفًا يقول بهذيان: "ااااشهد! لا يابيه أبوس إيدك، أنا مش مهم أروح فيها، بس بناتي لا، أخاف عليهم." بدأ كريم ينفذ صبره ليضرب على طاولة مكتبه بعنف: "يبقى خلاص، شيل انت بقى القضية لوحدك، عشان كل الخدم هيشهد إنك اختفيت تاني يوم الحادثة الصبح من غير ما تتكلم ولا تنطق. أنا للأسف هضطر أحبسك بتهمة قتل درية الحسنى." صرخ الرجل بقوة يقترب من كريم محاولًا تقبيل يده:

"أبوس إيدك يا سعادة البيه، أنا هقول وأحكي على كل حاجة قدام حضرتك وفي المحكمة، بس اوعدني إنك هتحميني أنا وولادي." هز كريم رأسه بالموافقة: "ماتقلقش يا عم منصور، محدش هيقدر يتعرض لك أبدًا." أخذ منصور نفسًا عميقًا ثم بدأ يسرد لكريم كل شيء عن تلك الليلة المشؤومة:

"الليلة دي يا سعادة البيه، كان الحاج جلال مسافر والكل نايم في أوضته، ما عدا الست شمس كانت سهرانه بتذاكر عشان امتحاناتها. اتعودت قبل أذان الفجر أقوم اتوضى وأصلي في الجامع اللي جنب الفيلا اللي في بناء الحاج جلال. وأنا خارج رايح ناحية الباب، سمعت حد زي ما يكون بيزمجر وصوت دربكة في الدور الثاني. كانت الدنيا ضلمة قوي يابيه، وحضرتك زي ما أنت شايف، أنا نظري على قده. قربت شوية من السلالم أشوف فيه إيه، الصوت كان زاد قوي، لمحت الست درية، حد ماسكها وهي زي ما تكون بتحاول تتفلت من إيد حد.

ناديت بالراحة وقولت: يا ست هانم... أسند كريم ذقنه ينصت لمنصور باهتمام قائلاً: "وبعدين يا عم منصور، كمل." مسح الرجل عرقه يكمل: "وفجأة يابيه، الست درية لقيتها بتتحدف من فوق وهي بتصرخ جامد." تلعثم الرجل قليلاً يقول بتوتر: "ولما قربت منها، كانت سايحة في دمها عشان راسها اتخبطت في حديد الدفاية. قربت منها أهزها وأنا بصرخ لقيتها بتقول بصوت واطي... قتلوووني... بقيت أصرخ وأقول الحقوني." سأله كريم بترقب:

"كل اللي حصل ده محدش سمع أو خرج يشوف فيه إيه؟ زفر الرجل أنفاسه بشدة يكمل: "لا يابيه، الست شمس خرجت من أوضتها تجري وهي مفجوعة وبقت تقول: في إيه؟ إيه اللي حصل؟ ولما نزلت على السلالم تجري وشافت الست درية، بقت تصرخ جامد وقربت منها هي كمان تهزها وتقول لست درية: الله يرحمها، مين عمل فيكي كده يا طنط؟ بس كان وقتها الكل خرج من أوضته على صوت الست شمس. ولما قرب منها طارق بيه وهشام بيه يحاول ينقذوها،

بقت تقول بصوت واطي: شمس، وبعدين قابلت وجه رب كريم. الكل بقى يصرخ وأولهم الست رانيا وبقت تقول: قتلتيها ليه يا شمس؟ حرام عليكي! بس لا يابيه، أقسم على كتاب الله الست شمس بريئة." اهتزت حدقة كريم الملونة بتوتر ثم أردف بشك: "طيب مش يمكن شمس وأنت ماشوفتهاش كويس؟ هز الرجل رأسه نافيًا: "لا يابيه، الست شمس خرجت من أوضتها تجري، وبعدين اللي عمل كده كان راجل ومعاه حد تاني، أكيد كان حرامي يابيه. الخيال اللي لمحته كان لجسم راجل."

ابتسامة أمل أشرقت على ثغر كريم ثم هز رأسه: "كمل، كمل يا عم منصور." أكمل الرجل بتوتر: "ولا قبلين يابيه، جت الحكومة، بس وقتها الست شمس كانت في حالة غريبة، كانت بتصرخ وتضحك وتهلوس كده زي لامؤاخذة المجانين. وأخدوها على سرايا المجانين وقالوا إنها مجنونة." مسح كريم وجهه يقف من على مقعده واتجه يجلس بالمقعد المقابل لمنصور: "طيب ليه ما قلتش الكلام ده في التحقيق وليه اختفيت؟ أخفض منصور رأسه بندم: "هما طلبوا مني ما أتكلمش."

رفع كريم حاجبه يسأله: "هما مين بالضبط؟ أكمل منصور يحكي: "الصبح بعد أخذ الـ... للمشرحة والكل كان مشغول، لاقيت فهد بيه والست شروق بعتولي في المكتب، ولقيت الست شروق بتحط قدامي فلوس كتير لو اشتغلت لمؤاخذة وزير يا بيه، مش هشوف فلوس كده. وقالت لي بعصبية: إنت مش لازم تتكلم ولا كلمة وامشي حالا. ولما سألتها ليه... رد فهد بيه بعصبية هو كمان وشدني من قميصي وكانت عيونه

يابيه بتطق شرار وقال لي: شمس قتلت درية هانم، ولو انت قلت غير كده هتلبسك انت القضية والكل هيقول إنك قتلتها عشان تسرق وتعمل عملية مراتك." امتزج صوت الرجل بالحزن يقول: "أصل مراتي كانت بعيدة عنك يابيه، محتاجة زرع كلية، وأنا كنت مستني الحاج جلال يرجع من السفر عشان يساعدني.

وقتها لقيت نفسي بقول لهم: لا، هعمل كل اللي أنتم عايزينه. وحصل اللي حصل وأخدت الفلوس وعيالي ومراتي وهجيت على الصعيد. كنت خايف، أنا مش حمل بهدلة وورايا كوم لحم." هنا تأكدت شكوك كريم في فهد، ولكن بقى سؤال واحد يتردد في ذهنه: "لو فهد هو اللي قتل درية العزيزي، معقول شروق بنتها تشاركه الجريمة وتقتل أمها عشان تخلص من شمس؟ ربت كريم على كتف منصور يقف أمامه بقامته الشامخة قائلاً:

"الكلام ده لازم تقوله في المحكمة، وإلا بسببك شمس ممكن تنعدم أو تدخل مستشفى المجانين طول عمرها." انتفض الرجل واقفًا يهتف بخوف يحاول تقبيل يد كريم باستغاثة: "لا أبوس إيدك يابيه، ممكن يقتلوني أو يقتلوا حد من عيالي، أنا خايف." تمسك كريم بكتفيه يهزه بقوة: "ماتخفش من حاجة، أنا هحميك ومحدش هيقدر يعمل لك أي حاجة. أنا هحميك بس لازم تقول شهادة حق هتتحاسب عليها يوم الدين يا عم منصور." ***

استيقظت شمس من نومها بابتسامة مشرقة تزين ثغرها الوردي وهي تتطلع على تلك الصغيرة النائمة كالملاك تتنفس بهدوء ترفع ساقها الصغيرة فوق بطنها المسطحة وكفها الرقيق يتمسك بجاكيت منامتها. التفت شمس تقبل خدها الممتلئ كحبات التفاح وتداعب شعرها الناعم تهمس بنعومة وقلب أم بالفطرة: "ملاكي انتي يا ملوكة."

مررت أناملها فوق حاجبها العريض وفمها الصغير كحبة التوت وشعرها الأسود المنسدل بنعومة يغطي جبهتها. ليهاجم خيالها يوسف بوسامته وشعره الأسود الغزير بنعومة وشفتيه المكتنزة. لا إرادياً منها لعقت شفتيها بحنين تتذكر شفتيه وهي تقتحم عذرية شفتيها بقبلة شغوفة تحمل كل معاني العشق. شعر قلبها بالخوف من فكرة أن يتخلى عنها يوسف ويبتعد بعد ما حدث بالأمس في ليلتهم الأولى. كزت على أسنانها تحاول محاربة دموعها من الهطول قبل أن تفسد

فرحتها. فهي تريده زوجًا لها، لا تنكر. تتمنى أن يوشمها بحبه ينثر قبلاته الشغوفة فوق وجهها وجسدها الغض يداعب أنوثتها برقته يمرر أنامله فوق بشرتها بنعومة تحتمي بين ساعديه القويان ويقربها من قلبه تشعر بنبضاته وهي تنبض بحبها. تحتاجها ولكن الخوف من المجهول يسيطر على عقلها. سألت نفسها ماذا لو حبست أو حكم عليها بالسجن أو بقضاء شبابها بمشفى للمختلين عقليًا؟

ماذا سيفعل وقتها؟ سيطلقها ويتخلى عنها أم سيكون بجانبها ويتحمل ما لا يتحمله بشر؟ ماذا ماذا ماذا؟ الكثير من الأسئلة تدور برأسها. الخوف من القادم يسيطر على تفكيرها. الخوف سور من الفولاذ يفصل بينها وبينه. زفرت أنفاسها بضيق تنفض رأسها من تلك الهواجس وتتحرك ببطء من جانب ملك حتى لا تستيقظ تتجه إلى الحمام لتنعم بشاور دافئ.

استخدم يوسف الحمام الرئيسي بالشقة الكبيرة التي اشتراها من فترة طويلة، شقة فخمة جدًا بموقع ممتاز. خرج بعد أن أنعش جسده بحمام دافئ وقف أمام المرآة الكبيرة بالحمام يرش على جسده عطره المفضل ويصفف شعره بأناقة وهو يلف منشفة سوداء من القطيفة حول خصره من أسفل. وضع يده بخصره يتنهد أمام غرفة نومه بعد أن طرق عدة طرقات خفيفة على باب الغرفة ليبتسم بخفة: "أكيد لسه نايمين، أنا هدخل وأمري لله."

فتح باب الغرفة بحذر يلقي نظرة خاطفة القلب نحو الفراش ليجد ملك تنام بملامح هادئة. اقترب منها ينثر قبلاته على وجهها الدافئ الجميل يلفت انتباه صوت تدفق الماء من داخل الحمام. ضحك بصمت وهو يطرق على باب الحمام بخفة: "شمسي حبيبتي صباح الفل، مش محتاجة مساعدة؟ شقت شهقتها سمعه وهي تردف بتوتر: "لا شكراً، أنا خارجة حالا." ضحك بخفة يقول: "خدي راحتك حبيبتي، أنا هحضر الفطار لحد ما تخلصي."

ارتدى ملابسه سريعًا ليخرج بسرعة من الغرفة فهو يعلم جيدًا مدى توترها وخوفها ولا يريد الضغط عليها. خرجت تلف روب الحمام حولها بشدة تتفقد الغرفة بحذر مدت رأسها داخل غرفة الملابس فلم تجده. أخذت نفسًا عميقًا تبتسم وهي تهمس اسمه بعشق: "يوسف."

وقفت أمام المرآة تتأمل ثوبها الجديد الذي ابتاعته بعد إلحاح من نغم ومريم. فكان فستان رقيق بلون بتلات الورد ذات فتحة صدر واسعة وظهر عاري تمام غطته خصلاتها العسلية الطويلة، بينما اتسعت عيناها بخوف وهي تحدث نفسها بحنق: "معقول ألبس حاجة زي دي؟ لا لا، أتكسف." لترد على نفسها بنفس الحنق: "لازم تكسري الخوف اللي جواكي، وبعدين ده جوزك."

خرجت من الغرفة تتعثر في خطواتها من الخجل المسيطر عليها لتتفاجأ به يضع أطباق الطعام على طاولة رخامية مستديرة بمنتصف المطبخ الكبير وحولها بعض المقاعد. اقتربت منه تقول بخفوت: "صباح الخير، أسفة إني صحيت متأخرة." تفاجأت بها أمامه تقف مثل الحوريات. تحرك ببطء نحوها يرسم على شفتيه ابتسامته المهلكة يضمها لصدره العريض يهمس بأذنها بشغف: "صباح الورد على وردتي الحلوة." أزاح خصلاتها برقة ليكشف جانب عنقها لاثمًا إياه ببطء

ممتع وهو يهمس مرة أخرى: "وحشتيني شمسى." ظل يطبع قبلاته على طول عنقها الناعم باحثًا بشفتيه عن ماسته الصغيرة التي أهداها إليها قبل زفافهم بيوم وكانت على شكل فراشة صغيرة. وأخيرًا وصلت شفتيه لمبتغاها فعانق الفراشة الصغيرة بشفتيه. كادت أن تفقد توازنها تسقط بين يديه تمسكت بكنزته القطنية تتشبث بها. ليرفعها بين ذراعيه يضعها فوق أحد المقاعد قبل أن تسقط من شدة خجلها. همست بضعف تجاهد في تنظيم أنفاسها الضائعة: "أنا آسفة على...

لم يدعها تكمل كلماتها فضاعت بين شفتيه وهو يتناولها بشوق هامساً: "بلاش نتكلم في الماضي على رأي عمرو دياب." ضحكت بإغراء يسلب عقله تهمس بدورها: "يعني مش زعلان؟ جلس مقابلها يمسك قطعة التوست المحمر يفرد عليه بعض من الجبن القشدي الممزوج بمربى الكرز ثم مد يده بحنين ينجرف من مقلتيه البنيتين الحنونتين: "أنا هزعل جدًا لو ما فطرتيش. وبعد الفطار هنعمل كوبايتين نسكافيه عشان محتاج أتكلم معاكي في حاجة مهمة."

ارتبكت ملامح وجهها بالخوف. خوفًا أن يصارحها بأن زواجه منها ليس إلا شكليات وحماية. لاحظ بذكائه ما تفكر به ليردف مرة أخرى وهو يضع قطعة التوست بفمها الصغير: "الحاجة المهمة هي أن مهما حصل عمري ما زعلت منك أبدًا. إنتي حبيبتي وقلبي قبل ما تكوني مراتي." تنهيدة عميقة خرجت من بين طيات قلبها المرتجف جعلتها تبتسم باتساع وعينيها المشمشيتين تلمعان بالحب لفارس أحلامها المتجسد في يوسف زوجها. ***

في مقر الجمعية النسائية لسيدات المجتمع أو كما يطلق عليهم بعض الناس سيدات الطبقة المخملية التي تترأسها فريدة، جلست سيدة جميلة يبدو عليها الثراء الفاحش من كمية المصاغ الذهبي اللامع التي تزين به رقبتها ويديها والذي يساعد على حل أزمة 100 شاب، بجانب سيدة أخرى أكثر ترفًا منها في نفس السن تقريبًا أو أكبر بأعوام، هي الأخرى ترتدي بعض الحلي ولكن من الجواهر الثمينة. هتفت السيدة سهام العزيزي، وهي زوجة محسن العزيزي ابن عم فريدة،

بنزق: "شفتي اللي حصل يا قسمة؟ بصوت يدل على الاستقراطية والترفع، جوبتها السيدة قسمة العزيزي، وهي الأخرى زوجة عبد العزيز العزيزي ابن عم فريدة الآخر، جراح قلب شهير: "خير يا سهام هانم؟ قلبت سهام شفتيها بتعجب: "هانم؟ طيب اسمعي بقى يا أختي، آخر الأخبار اللي هحرقلك بيها دم الست فريدة اللي عاملة علينا أبلة الناظرة، مش يوسف اتجوز من يومين؟ رفعت قسمة حاجبيها بتعجب تقل: "إيه؟ اتجوز؟ إمتى؟ وفريدة إزاي ما قالتش؟ ابتسمت

سهام بمكر تقل بخفوت: "تقول إيه يا أختي، يوسف شكله اتجوز من وراها. ابن أختي سلوى بيشتغل في الفندق اللي يوسف عمل فيه الفرح وقال الكل كان حاضر ما عدا فريدة هانم." همست قسمة بدورها: "لا مش ممكن يا سهام، قولي كلام غير ده، معقول؟ هزت الأخرى كتفها بحنق: "ومش معقول ليه؟ أصل اللي زي فريدة دي تعطل المراكب السايرة، أكيد موافقتش طبعاً، أصلها حاطة مناخيرها في السما وبتبص لناس من فوق." ابتسمت قسمة برقة تقل: "إنتي لسه شايلة منها؟

خلاص بقى يا سهام، انسى." رمقتها سهام بغضب: "أبدًا، عمري ما أنسى اللي عملته لما محسن اتجوزني وقالت عليا بنت بتاع الخردة ونسيت إن الخردة دي خلت ابن عمها صاحب أكبر مصانع حديد ومنعت عيالها عن عيالي. بس الشهادة لله جوزها دكتور سيف وعيالها غيرها وكفاية إنهم معانا في كل حاجة وبصراحة أنا فرحت ليوسف قوي، يستاهل كل خير." صمتت قليلاً ثم قالت بجدية: "ده ابن أختي بيقول العروسة قمر، تقول للقمر قوم وأنا أعقد مطرحك."

أغمضت قسمة عينيها تنفر من طريقة سهام في الحديث ثم غمزت لسهام بعينيها: "طيب بس فريدة جت؟ امتزجت ملامح سهام بالفرحة والمكر تهمس لقسمة: "اصبري بقى لما أحرقلك دمها شوية وأكسر شوكتها دي." ***

جلست فريدة في مقدمة الطاولة المستطيلة بكل هنجية وتكبر تلقي التحية على الجميع، ولكن نظراتها المستنفرة رمقت سهام بتكبر، فالولا مساعدة محسن بمبلغ مالي كبير للجمعية كل شهر عندما كانت سهام تجلس بينهم الآن، فهي انفرضت عليها بالقوة. بعد أن تكلمت فريدة في عدة مواضيع تافهة تهم مصلحة العائلة، استمعت إلى اقتراحات الجميع ومساعدتهم المادية لباقي أفراد العائلة، ولكن سهام قطعتها بمكر وهي تقل:

"بس قبل ما نتكلم في حاجة، أحب أبرك لك يا فريدة هانم." التفت الجميع إلى سهام ينصتون إليها باهتمام. امتقع وجه فريدة بتذمر تسألها: "تباركي لي على إيه يا سهام؟ ابتسمت سهام بتشفى: "على فرح يوسف، بس زعلانة منك كده بردو، ما تقوليش كنا جينا وعملنا الواجب، ولا إحنا مش قد المقام؟ شحب وجهها بذهول تتمتم: "فرح إيه ومقام إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. وبعدين يوسف لسه ما خطبش ميرنا بنت عبير هانم." بدأ الحاضرات يهمسن كل منهن للأخرى بتعجب.

لتشهق سهام تتدعي البراءة: "إزاي يا فريدة؟ إنتي متعرفيش ولا إيه؟ إن دكتور يوسف اتجوز من يومين وفرحه كان في فندق من أكبر فنادق البلد، حتى بالأمارة كان عمله في فندق الإنتركونتيننتال اللي بيشتغل فيه أمجد بن أختي، وهو اللي قالي كمان، ده أنا زعلت منك أنا وقسمة هانم وقلنا كده، يوسف حبيب الكل يتجوز من غير ما نفرح بيه، ولا إنتي آخر من يعلم؟

تجمدت فريدة في مكانها تفتح عينيها باتساع تشعر بدلو من الثلج يصب على رأسها وجسدها، جمد الدم في عروقها، شحب وجهها وهي ترى نظرة الشماتة في عيون سهام وبعد الحاضرين وخيم الذهول على الجميع ينتظر رد فريدة. سحبت فريدة نفسًا عميقًا تستدعي به سيطرتها وتكبرها أمام الجميع وقد أيقنت حقًا بأنه حديث يوسف عن زواجه لم يكن مداعبة وأنه بالفعل كان يتخذ قرار الزواج. رسمت على شفتيها ابتسامة مزيفة تمحي بها غضبها وحرقة أعصابها أمام الجميع بفضل تلك الجاهلة

المتخلفة كما تلقبها فريدة: "أنا عارفة كل حاجة يا سهام، يوسف مش بيخبّي عليا حاجة، بس دي مجرد بنت حقيرة واطية فرضت نفسها على ابني وحب يتسلى بيها شوية، بس بالجواز ووعدني لما يقضي معاها شوية وقت حلو هيطلقها طبعاً." همست سهام بغل إلى قسمة المذهولة من تصريح فريدة بهذا الشكل المزعج عن ابنها والذي يسوء لسمعته الشخصية والمهنية: "شوفتي يا قسمة بتقول إيه على ابنها؟ عمرك شوفتي كده؟ هزت قسمة رأسها بتذمر:

"في الحقيقة مش قادرة أصدق الكلام ده على يوسف." وقفت فريدة ترفع رأسها بينهم بكبرياء: "كده الاجتماع النهارده انتهى وأشوفكم الأسبوع الجاي." غادر الجميع قاعة الاجتماعات بالجمعية وكل منهم على شفتيه ابتسامة مزيفة، وقبل أن تغادر سهام القاعة وقفت أمام فريدة تبتسم بحقد وشفاء واضح:

"مبروك ليوسف، أنا هبقى أروح مع محسن أبرك له طبعاً، ربنا يجعلها جوازة العمر يارب، أصل أمجد لما شافه مع عروسته جاله قال لي كان هيشلها من على الأرض شيل، شكله بيحبها أوي يا فريدة، وإنتي ولا هنا." أطلقت ضحكة ساخرة وهي تخرج من القاعة على فريدة التي تكاد تحرق الأخضر واليابس بغضبها واحتقان وجهها. ***

جاهدت فريدة تحاول السيطرة على غضبها، وبعد أن أغلقت سهام باب القاعة خلفها، أطلقت فريدة صرخة مدوية ترمي الأوراق والملفات من على الطاولة بغل، وكل خلية بجسدها ترتجف من شدة غضبها وحنقها وهي تهتف من بين أسنانها: "طيب يا يوسف، بتتحداني انت وابوك؟ أنا هوريكم إزاي تتحدوا فريدة العزيزي، بس اعرف مين السنكوحة اللي اتجوزتها." ***

دخلت مريم مبنى الجمعية وهي تعزم الأمر في إنهاء تلك الأزمة التي تفتعلها فريدة بعنادها وكبريائها، يجب أن تنتهي. فبعد حديثها مع كريم ليلة زفاف يوسف وشعورها بأنها يمكن أن تفقد كريم للأبد، قوي بداخلها الإصرار والعزيمة على مواجهة أمها وحسم أمرها. دخلت مريم قاعة الاجتماعات بعد أن أخبرها سكرتيرة فريدة الخاصة بأنها ما زالت بقاعة الاجتماعات.

اقتربت مريم ببطء من فريدة الجالسة بجانب الطاولة تتكئ عليها وتضع رأسها بين يديها لتتعجب مريم من تلك الفوضى بقاعة. أطلقت تنهيدة قبل أن تقل: "ماما." رفعت فريدة رأسها تنظر لمريم بعينين خاليتين من أي انطباعات لتشيح بوجهها بعيدًا وهي تردف من بين أسنانها: "أهلاً يا هانم، لسه فاكرة إن لكِ أم تسألي عليها؟ وضعت مريم كفها ببطء فوق كتف فريدة تقترب منها لتقبلها، ولكن فريدة انتفضت من مكانها تصرخ كإعصار مدمر:

"ابعدي عني انتي وأخواتك وأبوكي، عايزين تموتوني، عايزين تكسروني، لكن أبدًا مش فريدة هانم العزيزي اللي تنكسر، أنا أدوس عليكم واحد واحد ولا أنكسر أبدًا، فاهمين؟ صرخة فريدة في جملتها الأخيرة. لترتجف مريم وهي تبتعد عنها بخوف وهي تقل بتعلثم: "إيه ده يا ماما؟ مالك؟ ليه بتظلمينا بالشكل ده؟ إحنا مش ولادك؟ هزت فريدة رأسها تقل بغل:

"لا مش ولادي أبدًا، ولاد فريدة زيها من عرق أصيل، لكن أنتم ولاد سيف السلحدار اللي أبوه وعائلته شوية فلاحين متخلفين، بس الزمن هو اللي عملهم بشوات. وولاد ناس كانت أكبر غلطة في حياتي إني اتجوزت أبوكم، كان لازم أعرف إنكم هتبقوا زيه من عرقه. عرق واطي حقير." اتسعت عينا مريم بذهول من كلمات أمها القاسية على ولدها وجدها. دائمًا مريم كانت تشعر وتلاحظ تقليل فريدة من شأن ولدها وعائلته ولكن ليس بهذا الشكل المخيف.

احتقن وجهها تتمتم بغضب: "ليه يا ماما بتقولي كده على بابا اللي بيحبك؟ ليه بتقولي كده على عائلة السلحدار اللي اسمها باقي لحد دلوقتي بين الناس بعزة وكرامة؟ أنسي بقى عائلة العزيزي باشا اللي محدش فاكرها غيرك." هتفت مريم بغضب لم تعرفه من قبل: "انتهى يا ماما، انتهى يا فريدة هانم، عصر البشوات والتحكم ومش باقي لناس غير السمعة الطيبة والأصل اللي هو بيتمثل في عيلة بابا الفلاحين، عيلة السلحدار."

عاصفة من الغضب سيطرت على فريدة جعلتها تصفع مريم بكل قوتها حتى تركت أصابعها علامات على وجنتيها الناعمة تردف بكبرياء: "لازم تقولي كده، مش من عائلة واطية حقيرة وعايزة تتجوزي واحد حقير من عائلة أوطى. وأخوكي الدكتور العظيم راح اتجوز بنت آخرها تبقى بنت شوارع أو كباريهات اتلمت عليه طبعاً، ما الدكتور دايما مش بيعرف غير الأشكال دي." رفعت مريم وجهها المتوهج بالدماء تزيح خصلاتها الذهبية عن عينيها تقل بكل قوة وعزيمة:

"للأسف يا فريدة هانم، إنتي متعرفيش حاجة عننا. زي ما يوسف قال، أخويا اتجوز بنت ناس محترمة، حبها وحبته، حس معاها بالأمان، إنسانة جميلة، حب بنته وهتحافظ عليها، مش كل شوية هتفضل تقولها إنها جت من الحرام. أما أنا بقا أحب أقول لحضرتك إني مصممة اتجوز ابن العائلة الواطية." اقتربت مريم من أمها وفيروزت عينيها تلمعان بالتحدي: "عارفة ليه يا ماما؟

ولا بلاش ماما، خليها فريدة هانم، عشان بيحبني راجل حافظ عليا، مقربش مني وحاول يلمسني حتى وأنا وهو كنا في بيت واحد، حافظ على شرفي مش ندل حقير حاول يغتصبني وينهش عرضي وإنتي بتدافعي عنه." لوت شفتيها بابتسامة حزينة ودموعها تنهمر على وجهها: "عشان من أصل عريق، أصل بشوات بس بقا من الطراز القديم. أنا هتجوز كريم يا ماما وده قراري اللي أخدته بمحض إرادتي قبل ما أخسره للأبد."

اندفعت مريم تخرج من الغرفة تحت نظرات فريدة الحانقة، تقسم أن تدمر حياتهم جميعًا حتى لو كانوا أولادها ومن دمها. أما مريم والتي خرجت منهارة باكية على تلك الأم الجاحدة القاسية، تمسح دموعها بظهر يدها وتضرب رقمًا باتت تحفظه عن ظهر قلب تقل بعزيمة: "كريم حبيبي، ياريت تحدد مع بابا معاد الخطوبة والأفضل يكون كتب كتاب، كفاية الوقت اللي ضاع مننا." ***

أغلق مراد الهاتف ليلقي به بعيدًا والغضب يسيطر على ملامحه. نظر له عدنان من بعيد وبعد انتهائه من صرف وصفة طبية (روشتة علاج) لإحدى المرضى توجه إلى مكتب مراد يسأله باهتمام بعد أن وضع أمامه مجين من الكابتشينو: "مالك يا مراد؟ شكلك مخنوق من الصبح ومتنرفز." فرك مراد وجه بقوة يزفر: "لجين تليفونها مقفول من امبارح، كلمت نانا قالت لي عندها رحلة النهارده بالليل وهترجع بعد يومين." ضرب فوق طاولة المكتب بقبضة يده بقوة:

"الهانم حتى ولا قالت لي إنها مسافرة وعاملة نفسها زعلانة." ربت عدنان على كتفه ليقلل من حدة توتره: "طيب أهدى كده وبلاش نرفزة، معانا ناس تانية في الصيدلية، وبعدين يمكن إنت زعلتها في حاجة من غير ما تاخد بالك." لوى مراد شفتيه بابتسامة حانقة يقل بسخرية: "آه زعلتها، تخيل؟ عشان قولت لها لازم نتخطب، وإيه رأيك نعمل خطوبتنا مع عدنان وزيزو؟ مش عارف إيه اللي حصل فجأة خلاها تقوم من مكانها وتقولي: لا لا، زي الهبلة."

ابتسم عدنان بحزن: "اصبر عليها شوية يا مراد، يمكن عندها أسبابها الخاصة. حاول تحل مشكلتك معاها براحة، وأهم من كده، لجين بتحبك بس يمكن محتاجة وقت تفكر." هتف مراد بغيظ: "طيب مانت وزيزو أهو اتفقتوا وفاضل بس تكلم باباها، ولا كان ما بينكم أي حاجة والبنت وافقت من غير ما تدلع عليك وتسوق الدلال." تهجمت ملامح عدنان يقل من بين أسنانه: "أنا وزينب حاجة تانية، وكنت لازم أساعدها عشان... قطع عدنان كلماته يحاول

السيطرة على صوته الحزين: "وبعدين لازم تطلع من حالة حسام ده." طرق السكرتير المسؤول عن الصيدلية الكبيرة مكتب عدنان ومراد الزجاجي يطل برأسه: "دكتور مراد، في دكتورة جت بره عشان الإعلان، اخليها تتدخل؟ أومأ عدنان برأسه: "أيوه خليها تتفضل."

استنشق كل من مراد وعدنان راحة عطر نفاذ ساحر قبل أن تطل عليها فتاة جميلة في أوائل العشرينات، بيضاء مثل الثلج بشعر أحمر متوهج وعينان خضراوان صافيتان واسعتان وفم أحمر مكتنز. كانت ملامحها صراخة الجمال بجسد متفجر الأنوثة، أكتاف متوسطة العرض، صدر متوسط، خصر مثل حلقة الخاتم، ساقان طويلتان ممشوقتان، ويظهر تلك الأنوثة الصارخة بلوزة سوداء من الحرير وجيب أبيض في أسود. وقفت أمام عدنان ومراد تتباهى بجمالها لتقل بصوت

أنثوي رفيع يكمل الكبرياء: "أنا الدكتورة بشرى العدوي وجيت حسب الإعلان للتدريب معاكم."

بعد جلسة طويلة اتفق مراد وعدنان مع بشرى على متابعة التدريب معهم في الصيدلية الكبيرة، والتي تعتبر بمثابة صرح عظيم تعاون فيه كل من عدنان ومراد بمساعدة سيف، وتضم الصيدلية الكثير من العاملين والدكاترة لكبر حجمها. بشرى العدوي بنت وزير سابق، خريجة صيدلية حديثة التخرج. هكذا قدمت بشرى "CV" الخاص بها لمراد، ترمق عدنان من بعيد بنظرات إعجاب ظهرت في مقلتيها من الوهلة الأولى، لتزم شفتيها بتوتر من عدنان الجالس يستمع لحديثها مع مراد بكل هدوء دون أي اهتمام بها أو بجمالها الفتان. وقف مراد يستأذن بشياكة ليرد على اتصال مهم من نهلة. ليحل محله عدنان ويبدأ بطرح الأسئلة على بشرى بكل جدية، ولكن بشرى قطعت

تلك الأسئلة بسؤال غريب: "إنت تونسي ولا مغربي دكتور؟ سألت برقة وصوت مثير جعل عدنان يبتلع ريقه بتوتر: "تونسي." هتفت بشرى بدلال: "أووه، أنا بحب تونس كتير، زرتها مع دادي، بلد جميلة ومشرقة و... اقتربت بشرى من عدنان ترفرف بأهدابها الطويلة وشفتيها المطلية بأحمر شفاه داكن اللون تتحرك بإغراء: "وكل ناسها وشبابها حلوين كتير."

تنحنح عدنان بهدوء يجلي صوته ويشعر بتوهج وجه من تلك الفتاة المثيرة التي تغري القديسين بجمالها وقامتها الممشوقة، ينطق بلغته الأم التونسية: "عيشك دكتورة." "شكراً دكتورة." ابتسمت بدلال تهز رأسها. وعدنان ما زال متوترًا وغافلًا عن زوج من العيون السوداء الكحيلة تترقرق بها الدموع تراقبه من بعيد بقهر وبوادر غيرة. *** جلس جلال فوق المقعد مصدومًا يحاول يستوعب ما سمعه من عزيز بكل صبر وقدرة على التحمل. أحاط رأسه يبتهل بالدعاء:

"الصبر من عندك يارب، الصبر من عندك يارب. والله يا عزيز أنا فلوسي من الحلال وربنا يعلم تعبت إزاي لما جمعتها وعلمت ولادي الصح والغلط والحرام والحلال. ليه بيحصل معايا كده؟ ليه؟ ربت عزيز على ساقه يؤازر جلال في مصيبته: "أهدأ يا جلال ومتعملش في نفسك كده. أنت كنت متأكد من نتيجة التحليل بتاعت فارس، وبالنسبة لهشام متقلقش، الموضوع لسه في أوله." جلال شفتيه بغضب يهتف بحدة: "الكلبة الحقيرة حملت من الحرام ونسبته لابني!

أنا هقتلها وأشرب من دمها الواطية السافلة! تهجم وجه عزيز يقل لجلال بقلق: "وتدخل السجن بسبب واحدة زي دي؟ حكم عقلك يا جلال، لازم تفكر كويس، أنت بتجمع أدلة ضدها، شمس محتاجاك وهشام وكمان الطفل المسكين ده ذنبه إيه؟ لازم تتحكم في أعصابك كويس وتفكر." ضرب جلال على ساقيه بشدة وهو يقسم:

"والله لأدفعهم التمن غالي أوي، وأول حاجة هعملها إني أطردها بره بيتي بالهدوم اللي عليها، وفارس مش هتشوفه. فارس أنا اللي ربيته مش هي ولا هشام، وعمري ما أفرط فيه. أنا راجل أعرف ربنا كويس، بس هي هنتقم منها شر انتقام." عقد عزيز حاجبيه يقل: "وبالنسبة لهشام؟ سيبني أنا أقول له على كل حاجة، بلاش أنت واقف جنبه يا جلال، ابنك محتاجك." ترقرقت الدموع في عيون الأب المقهور على فلذة كبده يهز رأسه بالموافقة وهو يتمتم بحزن:

"ابني هيموت يا عزيز، هشام لا حول ولا قوة إلا بالله." رد عزيز بأمل: "متقلقش، الورم لسه في بدايته ونموه وممكن استئصاله مع العلاج. المهم تبقى جنبه وتأجل حكاية فارس ليوم الحكم في قضية شمس." جلال رأسه بيأس يردف بألم: "لله الأمر من قبل ومن بعد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...