الفصل 7 | من 33 فصل

رواية شمس لا تغيب الفصل السابع 7 - بقلم سارة سعد

المشاهدات
19
كلمة
9,188
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

دخل يوسف المصحة بكل هدوء ورزانه، يتصنع عدم الفهم واللامبالاة وهو يرى حال الفوضى وعدم الاستقرار تعم أجواء المكان. استقبلته سعاد وهي تحمل حقيبته، وعلى وجهها علامات الفرح قالت: "دكتور يوسف، دكتور أدهم منتظرك في مكتبه." أومأ يوسف برأسه وذهب إلى مكتب أدهم بخطوات ثابتة واثقة. قبل أن يطرق باب الغرفة، سمع نقاشًا حادًا وصوت هتاف شخص يهدد بإغلاق المصحة. تيقن يوسف أن هذا الشخص هو أحد إخوة شمس.

أخذ نفسًا عميقًا ثم طرق باب الغرفة بهدوء. دخل بملامح مستغربة، غير مدرك لما يحدث. وقف أدهم يستقبله ويقدمه لطارق الجالس بتوتر، يفرك يديه وعلى وجهه علامات الحزن والخزي. وهشام الواقف أمام النافذة يدخن سيجارته بنهم، ويرتسم على وجهه الغضب الشديد. نظر إلى آمال الباكية بشدة، تقف في زاوية بعيدة. اقتربت منه بسرعة تستنجد به وهي تبكي بحرقة: "دكتور يوسف، وحياة بنتك، اقف جنبي. والله يا دكتور أنا مليش ذنب." صرخ بها أدهم بشدة:

"بسسسس، مش عايز أسمع صوتك. أنتِ بني آدمة مهملة عديمة المسؤولية." تنحنح يوسف ينظر باستغراب: "إيه اللي حصل يا دكتور؟ زفر أدهم بضيق وجلس على مقعد مكتبه. قبل أن يشرح ليوسف الأمر، التفت هشام بعيون حمراء ووجه محتقن بالدماء، يكز على أسنانه البيضاء بغل. نظرات استياء تبادلها يوسف وهشام معًا، كل منهما ينظر للآخر بطريقته الخاصة. قطع تلك النظرات آدهم وهو يقول بحنق وغضب: "الهانم المستهترة هربت منها مريضة، تخيل يا دكتور."

رد يوسف بصدمة: "إزاي ده يحصل؟ ومين المريضة اللي هربت؟ وفين الأمن؟ ده تسيب." رمقه طارق بحزن شديد: "الحل إيه دلوقتي؟ شمس ممكن يحصلها حاجة. دي مريضة، وغير كده شابة وجميلة. ممكن أي حاجة تحصلها لا قدر الله." جلس يوسف أمام طارق الفاقد السيطرة على حاله، وشعور الأخوة والرابط الدموي يظهر على وجهه. ظهر على ملامحه بعض التوتر: "شمس اختك هربت؟ طيب إزاي؟ مش ممكن شمس حالتها ما تسمحش أبداً بالهروب. أكيد فيه حد هربها من هنا."

هتف بصوت غاضب، يقف أمام أدهم يطرق على مكتبه بقوة: "ده استهتار وسمعة سيئة جدًا للمصحة يا دكتور. ولازم كل الشفت في الوقت ده يتحاسب. ولازم الممرضة المسئولة تتحول للتحقيق فورًا." بكت آمال بشدة، يهتز جسدها: "والله يا دكتور أنا ماليش ذنب في أي حاجة. أنا سبتها ثواني." قبض يوسف على راحة يده، يتمنى أن يهشم وجهها ويكشف كذبتها الحقيرة. وقف هشام بغضب، ينظر ليوسف بعدم ارتياح. اقترب منه بكل هدوء، ينظر له بطريقته المستفزة:

"اختي لازم ترجع، وإلا أنا هدمر المصحة كلها. شمس لازم ترجع، وإلا هقفل المصحة دي. فاهم يا دكتور؟ ابتسم يوسف، يضع يده في جيوب سرواله، ويبادل هشام نفس النظرة المستفزة قائلاً بهدوء: "هشام بيه، أرجوك امسك أعصابك. وأوعدك أنا بنفسي هحاسب الكل." ثم وجه نظره لأدهم المتوتر، يفرك جبهته: "أنا هاخد آمال معايا، هستفسر منها على شوية حاجات لحد ما البوليس يوصل." هز أدهم رأسه: "تمام، اتفضل يا يوسف. اتصرف أنت."

خرج يوسف برفقة آمال. التفت هشام يهمس أمام وجه أدهم بنظرات قاتلة: "أنا مش مرتاح ليوسف ده أبدًا. لازم تتصرف. القضية بعد شهرين، ولازم شمس تتقدم للمحكمة على أنها مجنونة رسمي. فهمت؟ ولا أفهمك؟ اسمعني كويس. أنا مش بدفع كل الفلوس دي عشان شمس تهرب." جذب أدهم من معطفه بقوة. انتفض طارق من مكانه، يمسك هشام بقوة: "اهدأ يا هشام، أرجوك. مش عايزين مشاكل. كفاية اللي إحنا فيه." قال أدهم بغضب وهو ينزع نظارته الطبية عن وجهه:

"أنت بتدفع كل الفلوس دي عشان تقرير مني إن شمس مجنونة وتستحق الوصاية. إحنا الاتنين مصلحة مشتركة، هشام بيه. فبلاش أسلوب التهديد ده معايا." ناظر هشام أدهم باشمئزاز وتهديد: "اتصرف قبل ما أتصرف أنا وأعمل حاجات تندم عليها العمر كله، دكتور أدهم." خرج هشام من غرفة المكتب، وخلفه طارق بغضب. جلس أدهم يلتقط أنفاسه، ليصرخ بغضب: "كله من الغبية آمال. هتدمر كل حاجة. كل حاجة."

انتهى مراد وعدنان وباقي الفرقة الموسيقية من البروفات النهائية للحفل. وقف مراد يهتف بحماس: "أوكي يا شباب، كده إحنا جاهزين. أشوفكم بالليل إن شاء الله." صاح الجميع بحماس شبابي مهللين. لاحظ مراد شرود عدنان الواقف بزاوية بعيدًا. اقترب منه مراد، يربت على كتفه: "إيه يا ابني، مالك طول البروفا وأنت سرحان؟ في إيه؟ سأله عدنان بقلق: "ما تعرفش حاجة عن زينب؟ هتيجي ولا لأ؟ أغمض مراد عينيه، يضرب جبهته:

"أووف، نسيت زينب خالص. دي قالتلي ممكن تيجي مع باباها." عقد عدنان حاجبيه بدهشة: "ممكن ماتجيش؟ رفع مراد كتفيه: "مش عارف. ثواني أكلمها وأشوف. بس لو جت كانت أكيد كلمتني." تفحص عدنان مراد بنظرة رجاء: "طيب، كلمها يا مراد لو سمحت." شعر مراد بالحزن على صديقه المقرب وعشقه لزينب من طرف واحد، ليهز رأسه بابتسامة: "طيب، هكلمها وأسمعك صوتها كمان."

عانق عدنان مراد كطفل صغير ينتظر هديته. هاتف مراد زينب وهو يفتح مكبر الصوت حتى يستطيع عدنان سماع صوتها الناعم. ردت زينب كعادتها المرحة، تصرخ بمرح: "مارووو، miss you جدا." ابتسم عدنان بعشق، يستمع لصوتها الطفولي بشغف واشتياق. ليضحك مراد بقوة: "miss you زيزو، وحشاني جدًا. طبعًا نفضتي للحفلة يا واطية." نظر عدنان ناحية مراد بغيرة مخفية، كم يتمنى أن يكون هو من يتحدث معها ويستمتع بضحكتها الرنانة هو فقط. قالت

زينب معتذرة بصوت طفولي: "sorry مارو، كان نفسي أكون معاك. بس بيبي أصدر القرار وقال لا، أصله بيغير منك." تأفف مراد بحنق: "يادي بيبي بتاعك بيغير مني ليه؟ هو مش عارف إننا أصحاب من قبل هو ما يتولد؟ مش عارف يا زينب الغلس ده بتحبيه على إيه؟ جعد عدنان جبينه، يكتم حسرته وعذابه في حبها. هتفت بغضب: "مراد، please ما تتكلمش كده عنه. مش عارفة ليه انتوا الاتنين مش بتطيقوا بعض. وبعدين أنت تقدر تقول لا لحبيبتك؟

وهنا تذكر مراد وجه لجين الجميل وابتسامتها، ليسرح قليلاً. لتصرخ زينب: "إيه، روحت فين يا مراد؟ تنهد مراد قائلاً: "لما تكوني حبيبة أصلًا. وبعدين عمر حبيبتي ما تاخدني من صديقة طفولتي وتقولي لا، ما تروحش ماتش التنس بتاعها." زفرت زينب أنفاسها، تتأسف لمراد: "sorry، sorry مارو. أوعدك الحفلة الجاية هكون معاك أنا وحسام، حتى لو كانت في المريخ." ابتسم مراد بحنق، يتطلع إلى صديقه البائس الحزين، يقول بسخرية:

"لا، يبقى ما تحضريش أي حفلة ليا أحسن. على العموم، الحفلة هتتذاع أون لاين على موقع الفرقة. يا ريت تشوفيها، ولا بيبي هيقولك لا؟ ضحكت زينب ضحكة رنانة: "اممممم، بايخ. sure، هشوف الحفلة وأستمتع بعزفك وصوتك. ماتتخيلش متحمسة إزاي أشوفكم أنت وعدنان وباقي الفرقة." لتصمت قليلاً قائلة بإرباك واضح في نبرات صوتها: "أخبار عدنان إيه؟ ياريت تسلم عليه." ابتسم عدنان فرحًا بسؤالها عنه، ليبعد مراد الهاتف يهمس لعدنان: "كلمها."

هز رأسه مبتعدًا: "لا، لا يا مراد." رد مراد: "تمام، كويس وهايص هنا مع البنات." سدد عدنان نظرة عتاب لمراد، الذي زجره بغضب. لتصمت زينب قليلاً قائلة بنفس نبرة الارتباك: "تمام، عدنان شاب ممتاز والف بنت تتمناه." قال مراد بسخرية: "لكن هو للأسف يتمنى بنت واحدة من ألف." تنهدت زينب تنهيدة عالية، لتحافظ على نفس نبرة صوتها المرحة:

"أوكي مارو، أتمنالك النجاح وإن شاء الله هتكون حفلة جميلة وتكسر دبي. وسلم لي كتير على أونكل سيف وباقي الفريق." شعر مراد بأنها تريد أن تنهي الاتصال بعد كلامه عن عدنان، لينتهي معها الاتصال فورًا. وقف عدنان يحمل جيتاره بوجه غاضب متألم. ليقف أمامه مراد، ينظر له عبسًا: "ليه رفضت تكلمها وهي بتسأل عنك؟ حرك كتفيه بعدم اهتمام: "مجرد سؤال. ما كانش مستحق إني أكلمها. وبعدين ليه بتتكلم معاها عن حسام كده؟

بلاش يا مراد أرجوك تتكلم عنه بالطريقة دي عشان ما تضايقش منك وتخسرها." كز مراد على أسنانه بحنق: "أنت هتجنني يا ابني. منين بتحبها وبتعشقها وبتتعذب عشانها، ومنين مش عايزني أتكلم عنه كده؟ ده فاشل حقير بيستغلها. وأنت المفروض ما تكونش سلبي بالطريقة دي وتظهر مشاعرك اللي هي أكيد حساها." كور عدنان قبضة يده، يمنع نفسه من الصراخ بوجه صديقه:

"مراد، مراد، أنت مش فاهم. أنا مقدرش أفرض نفسي عليها أبدًا. مش معنى إنها مش بتبادلني نفس الشعور إن إني ما أتمنالهاش الخير وحياة سعيدة مع... اللي بتحبه." اقترب مراد من صديقه، يربت على كتفه داعمًا إياه: "طيب، طيب. اهدأ. عايزك النهارده تعزف من قلبك، كأنك بتعزف ليها. ويلا بقا، دكتور سيف عزمنا على أكلة سمك وجمبري وإستاكوزا. مش عارف بعد الأكلة دي هنعمل إيه في كمية الطاقة الإيجابية إحنا التلاتة." ضحك عدنان،

يلكم مراد بخفة هاتفا: "أنت قليل الأدب وساحل. أكيد الأمورة هتيجي الحفلة بعد ما سوبر مان أنقذها من الموت. مش مصدق لحد دلوقتي إنها اعتذرت لك."

ابتعد مراد عن عدنان، يجلس على حافة المسرح. ثم تمدد بجسده فوق أرضية المسرح الخشبي، شارد يتذكر ذلك اليوم الذي خرج فيه من جلايري نهلة، خالة لجين. يلمحها من بعيد تحمل بعض الأكياس وتتحدث مع صديقتها، تقطع الطريق غير منتبهة للسيارة القادمة من ذلك الاتجاه بسرعة. ليركض عليها مراد بكل سرعته، يجذبها من ذراعها بكل قوته وهو يصرخ: "لجيييييييين."

ليسقط على الأرض وهي فوقه، تغمض عينيها بوجه شاحب وأنفاس متسارعة وجسد نحيف يرتعش بين ذراعيه. فتحت عينيها ببطء، تتفحص وجهه الخالي من الدماء وشاحب كالآموات خوفًا عليها. عيناه الرمادية تترقرق بها دموع الخوف والقلق عليها. ليعلو صدرها وينخفض، وتتعالى دقات قلبها بقوة، يرتخي جسدها بين ذراعيه. لا تشعر بشيء غير ضربات قلبها. التقت عيونهما في حوار صامت، كل منهم ينظر للآخر بطريقته الخاصة. ليستيقظا على صرخات صديقه لجين تسألها بقلق:

"لوجي، أنتِ كويسة؟ لوجي؟ وقفت لجين بمساعدة صديقتها، لتتفاجأ بجمع من الناس ينظرون لهم. شعرت بالحرج الشديد، تتوهج وجنتها باحمرار شديد. ليقف مراد متألمًا من سقوطه بقوة على ظهره. اقتربت منه لجين تسأله بقلق: "أنت بخير؟ ضهرك فيه حاجة؟ لم يهتم مراد بسؤالها متعمدًا أن يتفادى نظرات القلق المتألقة داخل عينيها المتوهجة ببريق الزمرد. لتسأله مرة أخرى باهتمام، تلمس كتفه بحنان، انصهر له جسده: "مراد، طمني. ممكن نروح أي مستشفى قريبة؟

رفع عينيه الرمادية، يقابل تألق الزمرد داخل عينيها، يردد بصوت خالٍ من المشاعر: "أنا بخير. المهم أنتِ، آنسة لجين بخير؟ حصلك حاجة؟ شعرت لجين بكلمات مراد الباردة تمزقها وتشعرها بأنه يحتقرها من وقت ذلك الكف. لتهامس بصوت أنثوي مثير وهي تتعمد النظر لبؤبؤ عينيه الرمادية: "merci إنك أنقذتني. وsorry على أسلوبي الجاف معاك. أرجو إنك تقبل اعتذاري."

نظر لها بعدم اهتمام خارجي، ولكن بداخله يتوهج قلبه نارًا، يتمنى أن يسحقها بين ذراعيه ويقبل شفتيها الممتلئة بنهم بين شفتيه القاسيتين. تنهدت لجين بحزن، وأسبلت هدابها قائلة: "حاسة إن اعتذاري غير مقبول. دكتور مراد، عن إذنك. وأسفة مرة تانية." لتذهب من أمامه بسرعة برفقة صديقتها. كور قبضة يده بقوة، يكز على أسنانه، يمنع نفسه من الذهاب خلفها وجذبها بين ذراعيه. نادى عدنان على مراد المتسطح بجسده فوق أرضية المسرح:

"ااااايه، مراد، روحت فين؟ نظر مراد لعدنان، يسأله بحيرة: "تفتكر هتيجي الحفلة مع خالتها؟ تسطح عدنان بجانبه، يضع يده أسفل رأسه: "حبيتها يا مراد." لم يجيب مراد، التزم بالصمت وعيناه هائمة تتذكر وجهها وتوهج وجناتها اللذيذة كثمرة التفاح. ليكمل عدنان بصوت مبحوح تتخلله العاطفة: "ليه الحب صعب؟ وطريق الوصول له أصعب؟ وكله مرارة؟ أصعب إحساس هو الحب من طرف واحد. شعور مؤلم جدًا يتعب قلبك ويجرح إحساسك." ضرب ناحية قلبه بقبضة يده:

"آه يا مراد، ياريت أقدر أنزع قلبي وأدوس عليه عشان أمحيها منه. ياريت ما شفتهاش واتمنيتها. هي نجمة بعيدة في سابع سما، الوصول ليها أصعب من نزع الروح. ياريت ما شفتهاش أو عرفتها." التفت له مراد قائلاً بنبرة غضب: "كلمة ياريت للضعفاء بس. وأنت مش ضعيف. حاول تكسب قلبها." تنهد عدنان بقلب خافق: "من أول يوم شفتها وقابلتها، اتعلقت بيها وحبيتها. بس هي مش شايلاني أبدًا." لتعود به الذكرى من أكثر من سنة، وهو يدخل مع مراد

النادي ويقول مراد بحماس: "النهاردة زيزو هتلعب ماتش تنس مهم." ليلتفت له عدنان: "مين زيزو؟ واحدة جديدة؟

جلس بجانب مراد بين المشجعين أمام ملعب التنس. لتخرج بزيها الرياضي الأبيض في زهري، وجسدها البرونزي يلمع تحت أشعة الشمس، فتاة جميلة سحرته من الوهلة الأولى وهي تقفز تلتقط الكرة، وشعرها الأسود الناعم على شكل ذيل فرس يتحرك بنعومة مع قفزتها. خطفت قلبه وأشعلت حواسه. وبعد نهاية المباراة التي فازت بها زينب، أو زيزو كما يطلق عليها مراد، ركضت تعانق صديقها الغالي مراد بفرحة: "وحشاني يا زيزو جدًا، وأخيرًا شفتك بتلعبي ماتش."

ليعرف مراد عدنان على زينب: "عدنان صديقي من تونس، بس تقدر تقولي مصري. اتعرفت عليه في فترة وجودك في أستراليا." ابتسمت بود وعينيها السوداء المكحلة بسواد رباني تلمع بمرح: "أهلاً عدنان، أنا زينب." ليكمل مراد التعارف: "زيزو صديقة عمري." رمقها بنظرة إعجاب: "مرحباً زينب، والله مبسوط برشّا بلقائك." ضحكت زينب: "بررررشا؟ ضحك مراد بمرحه المميز: "برشا... يعني كتير أو جدًا. اتعلموها بقا."

تبادل ثلاثتهم الحديث معًا. وعدنان عيناه لم تفارق وجهها، يتفحصها بهيام وإعجاب. أصبح عدنان صديق مقرب لزينب وتعددت لقاءاتهم، حتى جاء اليوم الذي انهارت فيه كل مشاعره وتحطمت، وهو يدخل النادي ويجلس بملعب التنس يحضر تدريب زيزو.

ليأتي شخص طويل القامة وعريض الجسد بشعر أسود وعيون خضراء، ساحر الشكل والمظهر، ولكنه إنسان حقير واطئ يتحدث عنه الجميع بأنه فاسد، زير نساء، يتلاعب بتلك الصغيرة. وبرغم كل محاولات مراد الفاشلة في إقناع زينب بأنه شخص حقير، إلا أنها تصمم على موقفها وتعشقه بجنون.

ليقترب حسام من زينب، يجذبها بقوة من ذراعها يتحدث معها بغضب. تابع عدنان الموقف من بعيد، لا يريد أن يتدخل. ولكن زاد حسام من عصبيته وتعالت صرخاته، ليركض عدنان ويقف أمامه يصرخ عليه ويجذب زينب من بين ذراعيه بقوة قائلاً بغضب: "أنت إزاي تكلمها كده؟ هه." وقف حسام بجسده الضخم أمام عدنان، يضحك باستفزاز: "وأنت بقا هتعلمني أتكلم إزاي يا شاطر؟ يلا روح العب بعيد."

اشتد النقاش بينهم وزينب تقف بالمنتصف، تحاول فض النزاع الذي وصل لحد الاشتباك بالأيدي. لياتي مراد يركض مع بعض أصدقائه، يتدخلون لفض الاشتباك. لينظر حسام بشراسة إلى عدنان اليافع الجسد، والذي لقن ذلك العملاق درسًا: "أنا مش هسيبك ومش هتدخل النادي تاني، وهتشوف يا حقير مين هو حسام الشامي." حاول عدنان الهجوم عليه مرة أخرى، ليدخل مراد تلك المرة، يهتف بغضب: "أنت إنسان تافه، ما تقدرش تعمل حاجة. بلاش تهديد على الفاضي."

كز حسام على أسنانه، ينظر لزينب المنهارة: "وإنت مش عايز أعرفك تاني، غير لما تقطعي علاقتك بدول." ليذهب ويتركها تصرخ باسمه: "حسام، حسام، استنى، حسسسسسام." لتلتفت لعدنان الذي ينزف بشدة من شفتيه، وتقترب منه بغضب ووجه محتقن متشنج: "أنت إزاي تتدخل؟ ما بينا؟ أنت مين أصلًا؟ وإيه اللي دخلك في حياتي؟ واحدة وحبيبها مع بعض، أنت مالك بيا؟ هو أنت أخويا ولا خطيبي؟

تألم بشدة من كلماتها القاسية، جرحت مشاعره بكلماتها الباردة الخالية من الإحساس. ليلتقط مراد هتافها، متهجم الوجه: "إيه يا زينب؟ عدنان كان بيدافع عنك، هو عمل إيه لكل ده؟ أشارت باصبعها في وجه مراد تقول بحنق: "شكرًا له، بس من فضلكم محدش يتدخل في حياتي تاني. ويا ريت ما لكش دعوة بيا، عدنان." لتتركهم وترحل غضبًا، وهو يقف بجانب مراد، يطرق رأسه لأسفل بألم. ليقول بصوت مبحوح مرتجف: "يلا يا مراد."

مرت على تلك الوقعة أكتر من سبع شهور، بعدها لم يخطو عدنان النادي ولم يراها غير مرتين أو أكثر. مرة حين اعتذرت منه بعد إلحاح من مراد، ومرة أخرى في تدريب الفريق في حفل للنادي. واقتصر الحديث بينهم على التحية. ابتعد عنها عدنان ولملم جروحه واحتفظ بحبها في قلبه، يتمنى لها السعادة مع من تعشقه. في مطبخ على الطراز الأمريكي، وقفت مريم تقلب المكرونة، تضع بعض البهارات ثم تذوقتها بحرص وتبتسم: "واااااو، تمام كده. المكرونة جاهزة."

وقف كريم يقطع الخضروات لعمل طبق سلطة مميز. ناظرته مريم وهي تستند بجسدها على حائط المطبخ: "هايل كريم. أنت بتقطع الخيار والطماطم بشكل منظم. أنا للأسف مش بعرف، وأخرى طبق مكرونة." ضحك كريم بشدة، ينظر إلى تلك الطفلة المدللة الجميلة بتلك العيون الساحرة: "أنا اتعلمت من ماما، كنت دايما بساعدها." اندهشت مريم وهي تتناول قطعة من الخيار، تضعها بفمها الصغير: "مش ممكن! أنت بتساعد مامتك؟ أول مرة أشوف وكيل نيابة وطباخ."

تحرك كريم حولها يحضر أطباق الطعام ليصطدم بها غير متعمد. أغمضت عينيها للحظات، تستنشق رائحة عطره الهادئة والمثيرة بنفس الوقت، وهو قريب منها، لا يفصل بينهم إلا مسافة صغيرة. وهو لا يختلف عنها كثيرًا، ووجهه أمام وجهها، يتأمل ملامحها المنسقة وعينيها المغمضة برقة وشفتيها المرتجفة. أما وجنتها، فكان لهم تأثير خاص عليه، وهما محمرتان كحبات الطماطم الناضجة.

لحظات مرت عليهم، وأنفاسهم متعانقة، ودقات قلوبهم متزامنة. ابتعد عنها بعد أن رفعت عينيها، تهمس أمام شفتيه: "كريم، المكر ونه." ساد الصمت للحظات، لتقطعه بصوتها الناعم، تسأله وهو يكمل تقطيع طبق السلطة بطريقة مميزة: "عندك أخوات؟ هز رأسه نفيًا دون أن ينظر لها، يكبح مشاعره الهائجة كموج البحر: "لا، معنديش. أنا وحيد الحاج والحاجة."

ابتسمت ابتسامة عابثة، وهى تراه يتفادى النظر إليها. لم تستطع السيطرة على ضحكتها الرنانة. لينظر لها بعدم فهم، وترتسم على شفتيه هو الآخر ابتسامة هادئة. كبحت ابتسامتها، تسأل بدلالها الأنثوي الفطري: "خطيبتك اللي كانت معاك في المطعم، ولا صديقتك؟ أومأ برأسه بوجه متجهم: "آه، خطيبتي يارا." داهمها الشعور بالضيق، وظهر على ملامحها، لتؤشر برأسها إلى إصبعه: "أنا افتكرت إنها صاحبتك عشان ما فيش دبلة في إيدك." وقف مقابلها،

يجفف يده بالمحارم الورقية: "مش بحب دبلتها." فتحت فمها مندهشة: "يعني إيه؟ مش بتحب دبلتها؟ حرك رأسه بعدم مبالاة: "خلعتها من إيدي من كام يوم. وبالتحديد من 6 أيام." تجمدت مكانها، تشعر بالإحراج وسخونة بجسدها، لتحمر خجلًا. تحاول أن تلملم نفسها، لتسأله لماذا. ولكنه سبقها بالجواب:

"أنا مش بحبها يا مريم. أنا خطبتها عشان ماما وبابا عايزين يفرحوا. افتكرت إني ممكن أحبها، بس اكتشفت إنها إنسانة غيري، كل تفكيرها عكسي تمامًا. وأخدت القرار من كام يوم بس لما قابلتها." هزت رأسها تائهة، تحدق فيه: "ميييين؟

سدد لها نظراته الهائمة، يقبل على الاعتراف بأنها هي من استحوذت على قلبه وأفقدته الرزانه والعقل بجمالها. وقبل أن يجيبها، رن هاتفها، لتنتفض، تلعن الهاتف. كان على وشك الإجابة، ولكن ذلك الهاتف اللعين قطع عليهم. لتنظر لاسم المتصل، وتتبدل ملامحها الهادئة لأخرى مرتبكة. ابتعدت عن كريم مسافة بسيطة، وهو يراقبها، لتفتح الهاتف. وقبل أن تتكلم، صاح نادر عاليًا بصوت عالٍ غاضب: "الهانم فين؟ وليه تليفونك مقفول؟

روحتِ فين من الصبح يا مريم؟ ... اتكلمي." أبعدت الهاتف عن أذنها، تضم شفتيها بحنق. ليصرخ نادر: "مررررريم، أنتِ فين؟ زفرت أنفاسها بضيق، تسيطر على حالها: "أنت لو اديتني فرصة هقولك إني مع ملك في النادي." "ويررريت بلاش نرفزة وصوت عالي يا نادر، وإلا هقفل التليفون." تمتم نادر بغيظ: "أنا هاجيلك حالا، ما تتحركيش من عندك." شعرت مريم بالتوتر، قبل أن تتمالك قوتها وتقول بصوت صارم: "لا، ما تجيش. ممكن."

ظل كريم واقف قريبًا منها، يستمع إلى حديثها بالهاتف، الذي تحول من همس إلى صراخ بعد أن أفقدها نادر السيطرة على حالها: "يظهر إنك اتجننتِ يا مريم. اتعودتي تخرجي من غير ما تقولي، ونسيتي إن النهارده معادنا مع بعض." تمالكت نفسها بعد لحظات، قبل أن تقول بغضب: "نادر، أنا مش ملكك أنت بس. أنا ليا حياتي الخاصة. مينفعش تتحكم فيا بالشكل ده. أرجوك، أنا زهقت... زهقت." رد نادر بصوت ساخر:

"نبرتك اتغيرت وبقت غريبة عليا ومش عجباني بالمرة." قبل أن ترد، وقبل أن يتعاظم الموقف وتزداد حدته، أخذت نفسًا عميقًا وقالت ببرود متناهٍ: "اتعود على طريقتي الجديدة يا بشمهندس. ولو مش عاجبك، يبقى كل واحد فينا يشوف طريقه." صرخ بقوة: "مري.." وقبل أن يكمل، أغلقت الهاتف بغضب، ووضعته فوق الطاولة، وتوجهت نحو المطبخ. لتجده يقف مقابلها، يعقد يديه أمام صدره، يهمس باستياء: "خطيبك؟ أومأت رأسها بعصبية: "آه، هو." تهجم وجهه،

يسألها بغيره: "بتحبيه؟ لهثت أنفاسها بانفعال، تنظر بدهشة من جراءة سؤاله، ولكن نظراته الحنونة أذابتها وصهرت جسدها أمام خضرا عينيه البراقة، لترد بدون تردد، تحضر الطعام لأجل ملك وشمس: "أي بنت في سن المراهقة ممكن تعجب بشخص وتشوفه فارس أحلام. وأنا شفت نادر كده. الشاب الوسيم المهذب... وبعدها تقدم ليا. كان وقتها يوسف في باريس وبابا بيجي مرة في الشهر." تنهدت بحرقة، وعينيها الفيروزية تترقرق بالدموع، تبتعد بوجهها الباكي:

"ماما ضغطت عليا وقتها، فوافقت عليه. لكن بعدها بفترة ظهر على حقيقته، إنسان أناني، مش بيحب غير نفسه. أنا زيك بالظبط، افتكرت إني حبيت وإنه الشخص المناسب، بس غلطت في تقديري." استمع لها باهتمام وشغف، ليستجمع قوته ويسألها: "لحد دلوقتي ما قلتيش حد مناسب لفت نظرك؟ شعرت بالخجل الشديد، وتلونت وجناتها بالاحمرار. ليعيد سؤاله مرة أخرى على مسمعها. وقبل أن تجيبه، رن هاتف كريم، ليرد على هاتفه بغيظ: "آه يا يوسف باشا."

ضحك يوسف ضحكة رنانة: "كريم باشا، أسف على الإزعاج، بس تليفون مريم مقفول وعايز أطمن على شمس وملك." رد كريم: "كل حاجة تمام، ما تقلقش. ومريم من شوية اطمنت على ملك وشمس وكانوا نايمين، وأنا ومريم بنطبخ. ده التقرير بتاع اليوم يا فندم." علق يوسف بصوت حنون: "ملك نايمة جنب شمس؟ ما سألتش عني؟ ضحك كريم بسخرية: "لا، ما سألتش. مشغولة مع صاحبتها الجديدة." تنهد يوسف بحنان، يبتسم ليتذكر الممرضة الجديدة:

"كريم، في ممرضة هتوصل بعد ساعة تقريبًا اسمها منى. ياريت تستقبلها أنت ومريم لحد ما أوصل. آسف يا كريم، احتليت عش الزوجية بتاعك." كريم بعفوية وإخلاص صديق: "عيب يا جو، ما تقولش كده. ده بيتك." ثم وجه نظره لمريم الجالسة أمامه. وقبل أن يغلق، سأله كريم بتراقب: "يوسف، طمني. حصل إيه في موضوع شمس؟ قابلت أخواتها؟ صمت يوسف قليلاً قبل أن يزفر أنفاسه بغضب: "هقولك على كل حاجة يا كريم لما أوصل." أومأ كريم برأسه: "تمام، في انتظارك."

جلست آمال أمام يوسف، ترتجف من البكاء والخوف، تشبك أصابعها بتوتر. وضع يوسف أمامها كوبًا من الماء قائلاً بهدوء: "اشربي آمال، واهدي." ارتشفت آمال من كوب الماء بارتباك، ثم شهقت بالبكاء: "صدقني يا دكتور، أنا ماليش ذنب في هروب شمس." رجع بظهره للخلف، يمط شفتيه بأسف:

"بس يا آمال، اعترف إنك مهملة. شمس اختفت في ورديتك، أنتِ، وأنتِ المسئولة عنها. أنا متأكد إنك ملكيش ذنب في هروبها، بس دكتور أدهم وإخواتها مصممين على موضوع البلاغ واتهامك." وقفت بسرعة، تتجه ناحية مكتبه، تنحني أمامه تريد أن تقبل يده: "أبوس إيدك يا دكتور، أبوس إيدك، بلاش موضوع البلاغ ده." هز يوسف رأسه: "المشكلة إن دكتور أدهم مصمم." زمت آمال شفتيها غاضبة، وتهجم وجهها:

"اسمع يا دكتور يوسف، أنا مش هروح في داهية لوحدي. لو لزم الأمر، هقول على كل حاجة." رفع حاجبه بدهشة: "تتكلمي عن إيه؟ قولي آمال، ما تخافيش، أنا سامعك." تنهدت آمال بخوف: "اعمل معروف يا دكتور، ساعدني. أنا خايفة." أومأ يوسف برأسه: "ما تخافيش يا آمال، أنا جنبك وهساعدك."

بضعف وخوف، قصت آمال كل شيء تعرفه عن أدهم. استمع لها يوسف بانتباه، وقد تشنجت ملامح وجهه، وكز على أسنانه بغضب وهو يستمع لحكي آمال. انتهت آمال، لتنظر ليوسف بأسف، تتطرق رأسها للأسفل: "أنا... أنا آسفة يا دكتور. أرجوك ساعدني." جلس بالمقعد المقابل لآمال، يهمس: "ساعديني عشان أقدر أساعدك. أنا مش عايزك تكوني كبش فداء. وصدقيني، أنا هفضل جنبك للنهاية، واعتبرك شاهد ملك. متقلقيش." أومأت رأسها بخوف: "بجد يا دكتور؟

يعني حضرتك هتساعدني؟ هز رأسه: "أكيد هساعدك يا آمال. بس حاولي تساعديني أنتِ كمان. دكتور أدهم بنفوذه، ممكن بكل سهولة يقلب الوضع وتبقى أنتِ الجاني مش المجني عليها. عشان كده عايزك تبقي معايا خطوة بخطوة، وأنا هساعدك في كل حاجة." استمعت آمال لخطة يوسف المحكمة، وتعزم على تنفيذها بحذافيرها لمساعدة نفسها من تهمة لا مفر منها، ومساعدة يوسف أيضًا، الذي أكد لها وبشدة مساعدته لها والوقوف بجانبها.

تعالت أصواتهم واحتدت في النقاش بقوة. وشروق تهتف بفضب: "إزاي؟ إزاي يا هشام تهرب كده؟ كل حاجة هتدمر، وكل خططنا هتفشل بسبب الغبية المجنونة." تحمل هشام ضغط الألم، يزفر أنفاسه بضيق: "شروق، بلاش صريخ، مش ناقص. كفاية اللي أنا فيه." أخرج من جيب سترته علبة أقراص مسكنة، يتناول منها حبتين للسيطرة على قوة الألم. وقفت رانيا تشعل سيجارتها بتوتر وارتباك، تهز جسدها: "طي... طيب، محدش شافها وهي خارجة؟ أكيد...

أكيد يا هشام، حد هربها صح؟ اتكلم." فرك عينيه المرهقتين بشدة: "قولتلكم مش عارف. محدش شافها ولا لمحها. الكاميرات اتعطلت، زي ما يكون حد عارف كل حاجة بالمصحة." صرخت شروق بصوت رفيع غاضب: "ده جنون! في لعبة كبيرة بتتلعب علينا، ولازم نلاقي المجنونة دي قبل ما كل الأمور تتعقد." شردت رانيا لوقت، تفكر بجنون وهي تقضم شفتيها: "يمكن اللي هربها فهد. هو أكيد لسه بيفكر فيها وعايزها. فهــــــد."

همست وهي تكز على أسنانها. ليدخل طارق برفقة فهد، مهلكين الجسد من البحث عن شمس في جميع الأماكن التي يمكن أن تتواجد فيها. ركضت شروق على فهد، تعانقه بشدة: "حياتي، أنا آسفة، تعبت معانا." لترمقها رانيا بغل، تمشط شعرها بيدها، تجلي صوتها: "مفيش جديد؟ روحتوا كل الأماكن؟ هز فهد رأسه بيأس: "آه، كل مكان، بس مفيش فايدة." أغمض طارق عينيه: "ولجين مسافرة إجازة، يعني بعيدة كل البعد عن اختفاء شمس." صرخ هشام بغضب، يهشم التحفة الثمينة:

"رااااحت فين؟ ومع مين؟ إزاي يحصل كده؟ إزاااااااااي؟ بمساعدة نغم والعصا الطبية، استطاع جلال الوقوف والمشي ببطء. ليقول في قرارة نفسه: "جه الوقت اللي تتحرك فيه يا جلال. خلاص، لازم ترجع تحزم الأمور." همست نغم بسعادة يغمرها حزن على شمس المسكينة: "خالي قادر ينزل؟ هز جلال رأسه، يشد من عزمه وقوته بعد أن منحه الله عز وجل الشفاء ومن عليه: "أنا بخير يا نغم. ربنا شفاني عشان شمس، الحمد لله."

نزلا الدرج ببطء. وكلما اقترب جلال ونغم، تعالت الأصوات أكثر. وهشام يصرخ بحقد دفين: "أنا لازم أموتها، زي ما كانت سبب في موت أمي." لترد شروق بنفس الغل الأسود: "المجرمة قدرت تهرب. أكيد كان ليها عشيق عشان تقدر تهرب." لكن كلمات طارق الحنونة طغت على حزن نغم، وهي تسمع زوجها وحبيبها يقول بحيلته المعهودة: "لازم نعذرها. هي ما كانتش في حالتها الطبيعية أبدًا، وممكن تكون مظلومة. وبعدين دي اختنا، من لحمنا. كفاية عذابها كل ده."

لتصرخ رانيا: "إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ ونص الثروة يا طارق بيه، مش صعبة عليك؟ ليقول فهد بخبث ممزوج بالغضب: "طارق بيتاثر بكلام نغم، وبتعرف تسيطر عليه كويس." ليقف طارق بعيون محمرة غاضبة أمام فهد، يلهث أنفاسه: "قصدك إيه يا فهد؟ اتكلم عن مراتي عدل."

اشتد النقاش، ليقف هشام يحاول أن يفصل بينهم. وكل من رانيا وشروق تصرخان بشدة، حتى انفتح باب المكتب بقوة، يصدر صوت، ويعم الصمت المكان. الجميع يقف مصعوقًا من تلك النظرات الجامدة، الحادة كعيون الصقر، يقف بشموخه المعتاد قبل مرضه. انصعق هشام، ليبتعد عن الجميع، ويقول بدهشة وصدمة: "باااااااااابا."

بعد أن مر اليوم الأول بسلام، واستطاع يوسف إقناع آمال بالمساعدة. واستطاعت بخطته الذكية تهديد أدهم، إما بالبقاء في المصحة، أو البقاء بقسم الشرطة وهو برفقته، وعليها وعلى أعدائها. وبالفعل، خضع أدهم لتهديداتها، وأبقاها بالمصحة، وما زال البحث قائمًا عن شمس. رجع فيلا كريم، ليلتقي بتلك الفتاة، قريبة سعاد، "منى". فهي فتاة في الثلاثين من عمرها، محجبة ومحترمة. اطمئن لها يوسف، واطلعها على جميع التفاصيل، والأهم السرية.

أومأت برأسها، تخبره بابتسامة آمنة: "مدام سعاد عرفتني بكل حاجة يا دكتور، متقلقش. آنسة شمس في عيوني."

وحان موعد تعرف منى بشمس والعكس. لهفة وقلق وشعور برعشة أصابت قلبه، وهو يفتح باب الغرفة ويطالعها كبدر البدور، تجلس باستمتاع، وصوت ضحكتها الرنانة يصهر قلبه ويفقده عقله. وعيناها بلون العسل، تخطف أنفاسه بنظراتها البريئة المثيرة، وهي تداعب صغيرته الجميلة التي تحلق بجانبها كالفراشة، وتقفز بخفة، تصفق بيديها بضحكات طفولية بريئة. تعانق شمس، ومريم تجلس بجانبهم، تمرح معهم.

تهلل وجه يوسف، واتسعت ابتسامته الجميلة. ليدخل الغرفة ومعه الممرضة الجديدة. ركضت عليه ملك، تعانقه وتتعلق برقبته، تقبله. ووقفت مريم تستقبل أخاها. أما هي، فتعلقت عيناها عليه، تتفحصه وتلتهم تفاصيل وسامته، بداية من شعره الأسود الكثيف الذي يغطي جبهته، إلى وجهه الأسمر الوسيم بتلك الذقن الرائعة، الجسد العضلي الممشوق بعضلات بارزة تظهر بالقميص الأبيض. لم تبعد عينيها عنه، ولم تهتم بأمر منى الممرضة، فقد كان وجوده يشتت ذهنها وعقلها ويخطف قلبها. ابتسمت برقة، وهي ترى ملك تتململ بين يديه وتقبله، وتلوح بيدها الصغيرة بكلماتها الصغيرة غير المفهومة، تقص عليه يومها مع شمس وفرحتها.

تعرفت شمس على منى، وبطيبة منى ووجهها البشوش، ووجود ملك، استطاعت شمس تقبل منى والارتياح لها. بعد عذاب وإرهاق وتودد، وقفا كل من يوسف ومريم وكريم أمام ملك المتعلقة بشدة بشمس، وبكائها المرير يمزق قلب يوسف ويفطره. تتشبس بها بشدة، وشمس تضمها لصدرها بحنان، وتقبل وجنتها الممتلئة ويدها الصغيرة. والصغيرة ما زالت متمسكة بها، ترفض أن تتركها وترحل، تصرخ: "لا يوثف شمث، لا يوثف."

ترقرق الدموع بعيونها هي الأخرى، تتمسك بملك وتقبل شعرها. وبعد عناء أكثر من ساعة وبكاء مستمر، استسلمت الصغيرة للنوم بين ذراعيها. حملها يوسف بين يديه، وعيون شمس لا تفارقهم، وإحساس الوحدة يداهمها مرة أخرى، لتهامس بحزن: "يوسف، خليك معايا. أنت وملك." تفاجأ يوسف من كلماتها البسيطة الرقيقة، ليقترب منها، ينحني يقبل رأسها بحنان: "مش هتأخر عنك أنا أو ملك." خرج من الغرفة، تاركًا قلبه بين يديها.

تقلب فوق الفراش بقلق، يتأمل في الفراغ، شارد الذهن يفكر: "ياترى صاحية ولا نايمة؟ بتعمل إيه دلوقتي؟ والأهم، البنت الجديدة اتعودت عليها ومش خايفة؟ أمسك بالهاتف، يفكر: "أتصل أطمن عليها." جلس بنصف جسده في الفراش، يعبث بأزرار الهاتف: "لا، الأفضل أروح أحسن." نظر للوقت، ليتراجع عن قراره: "الساعة 11، أكيد هتكون نايمة. لا، مش هروح. الوقت اتأخر جدًا."

حدث نفسه وعقله وقلبه لا يكفوا عن التفكير في ظلال عينيها، ببركان العسل الصافي. تلبك شفتيها المنفرجة، يغزو خياله ويجعله لا إراديًا يفرج شفتيه. فطيفها لا يفارق خياله. تورّد وجنتيها باللون الأحمر القاني، يزيد من لهيب قلبه. تخيلها بكل ما يحمل الرجل من مشاعر واحتياج وحب. لن ينكر إعجابه بها من الوهلة الأولى بجمالها الفاتن وشعرها السلسبيل كخيوط الشمس الذهبية، وهي تشع الدفء والنور.

استقل سيارته بتهور، بعد أن اتخذ قراره أن يذهب إليها ويطفئ لهيب شوقه إليها مهما كلفه الأمر.

▪▪في حالة من الذهول والصدمة العارمة، اتسعت عيون الجميع بذعر، والجميع يرى جلال يقف على قدميه كالمارد الضخم، يلهث بأنفاس غاضبة وعينان تبرقان بالقوة. لاحت على وجه نغم ابتسامة انتصار، وهي ترى وجوههم تتقلب ألوانًا، يناظرون جلال الحسينى يقف أمامهم بكل ما يملك من قوة ووقار. أول من ركض إليه مبتسمًا سعيدًا بعينيه الزرقاء بلون السماء الصافية مثل قلبه الحنون، يهتف بفرحة:

"حمدًا لله على سلامتك يا بابا، حمدًا لله ع السلامة يا حاج. أنت بخير وواقف قصادنا، مش مصدق نفسي. الحمد لله." ردد طارق كلماته السعيدة النابعة من داخل أعماقه بحب صادق لوالده، يقبل يده ورأسه ووجهه الحبيب. "الله يسلمك يا حبيبي، الله يسلمك يا طارق. أنا بخير الحمد لله." مسح طارق دموعه، يقبل مقدمة رأس والده: "الحمد لله يا حاج."

لينظر إلى زوجته نظرة حب وامتنان على ما فعلته تجاه والده. أغمض هشام عينيه بقوة ووجع لرؤية نظرات اللوم في عيون أبيه. ليقترب بهدوء من والده، ينحني أمامه وهو يقبل يده، وحالة الصدمة ما زالت تسيطر عليه: "بااااابا، أنت بخير؟ الحمد لله، بتتكلم وواقف على رجلك." سحب جلال يده ببطء، يناظر ابنه الكبير بحزن وخيبة أمل: "الحمد لله يا هشام، أنا كويس وواقف قدامك أهو." أدار بعينيه على وجوه الجميع، يضحك بسخرية:

"ولا الكل اعتقد إني خلاص هموت؟ زمن جلال الحسينى انتهي؟ جلال الحسينى راجل عجوز بيخرف وبيهلوس يا شروق." لتسقط رأسها لأسفل بعيون يملؤها الندم والحزن. أجاب هشام بتردد: "إزاي يا بابا حضرتك تقول كده؟ أنت مش متخيل سعادتنا." تنحنح فهد بعد ما أفاق من صدمته وحالة الذهول التي سيطرت عليه، على نكز زوجته: "عمم مي، حمد لله ع السلامة. نورت بيتك." رفع جلال عصاه الطبية، يثبتها للأمام في صدر فهد وهو يقترب منه، يضحك

بسخرية ومرارة بذات الوقت: "عندك، ما تقربش مني يا كلب يا ناكر الجميل أنت وبنتي، كنتم عايزين تموتوني." هتفت شروق بصوت منكسر: "إحنا يا بابا؟ لا، أرجوك متقو... وقبل أن تكمل جملتها، صرخ جلال بجنون: "أخرسي، أخرسي. دي آخرتها؟ دي آخر دلالي وتدليلي فيكي وموافقتي على الجواز من كلب زي ده؟ تبقوا عايزين تموتوني؟

لكن ربنا كبير. أكبر منكم ومن تفكيركم الشيطاني. ونسيتوا كلكم، حتى ولادي، إني جلال الحسينى، وما فيش حد يقدر يقهرني ويذلني غير ربنا."

حول نظره للواقفة بجانب النافذة، يرتعش جسدها برجفة خوف ورهبة، تتذكر كل ما دار من حوارات أمام ذلك العجوز الخرف المريض كما كانت تنعته دائمًا. وضعت يدها فوق فمها وعينيها تبرق من آثار الصدمة، تتذكر تلك الليلة التي دخلت بها الغرفة برفقة فهد، تتمايع وتتمايل بإثارة وهما يقفان أمام سرير جلال، يعتقدان أنه نائم من تأثير تلك الأدوية الخاطئة التي تدمر خلايا المخ وتدخله في مرحلة اللاوعي. وهي تقبل فهد وهو يضمها من خصرها إلى صدره، يضحكان بسخرية، وفهد ينظر لجلال بتشفٍّ:

"هانت يا حبيبتي، هانت. ما تقلقيش، أنا عارف بعمل إيه. بس يموت الراجل ده ويتحكم في القضية، وساعتها أنا وأنتِ ناخد حقنا تالت ومتلت." وبنظرات مغرية حقيرة، ردت رانيا خلفه: "ده حلمي من زمان، إننا نخلص من كل ده ونعيش أنا وأنتِ اللي اتحرمنا منه يا فهد. أنا عايشة مع هشام غصب عني، وكل ده عشانك أنت وعشان حلمنا. بس نخلص كمان من بنته، وساعتها كل حاجة هتبقى تمام." غمز فهد لرانيا، يضمها لصدره وينال على وجهها بقبل حارة:

"إنه بنت فيهم؟ أنا عايز أخلص من الاثنين، مش من واحدة." لفت ذراعيها حول رقبته، تهمهم أمام شفتيه: "شروق الغبية أمرها سهل. الدور والباقي على شمس، بس يتحكم في قضيتها، وكل حاجة تمشي زي ما إحنا عايزين." لم يخطر على بال كلاهما بأن هناك زوجين من العيون تتربص بهم وتسمع كل ما يدور من حديث بينهم، ليكتشف جلال خيانتهم وقذارتهم. أفاقت من شرودها على تلك العينان الجامدة كالصخر، تتطلع إليها بقسوة وغضب. يكمل حديثه بصوته القوي:

"مرضي وشدتي ورقدي في سريري كان بيساعدني على معرفة كل اللي بيدور من حواليه، وأنتم أغبياء مش حاسين أو عارفين حاجة غير الخداع والخيانة والمؤامرات القذرة." انحنى طارق أمام والده، يقبل رأسه بدموع الألم والندم: "سامحنا يا حاج، سامحنا." ربت جلال على رأس ابنه الأكثر حنانًا وشفقة، ولكن كلمات الشياطين من حوله هي من أفقدته صوابه وجعلته يسير خلفهم كأعمى لا يبصر ولا يسمع، ولكنه متأكد من معدن طارق الأصيل وطيبة قلبه.

رفع جلال عينان جامدتان كالصخر، يصرخ على ابنته وزوجها: "أنتِ وهو، آخرجو من بيتي. مش عايز أشوف وشك. أنتِ وهو، روحوا معاه، مع جوزك اللي بتحبيه واتفقتِ معاه على أبوكي وأختك. يلا، اخرجو من هنا، مش عايز أشوفكم تاني." رفعت شروق عينين متسعتين بالدموع والقهر، تقول بصوت متقطع: "أنت بتطردنا يا بابا؟ أنا وفهد كنا عايزين مصلحتك." هتف جلال بحنق وغضب مشتعل بنيران القهر: "مصلحتي إنكم تموتوني وتدخلوا أختك السجن؟

مصلحتي إنكم تحكموا عليا بالعجز والموت؟ أنا هشربك من نفس كأس شمس، أنا هخليكي تدوقي المر على إيد جوزك بعد ما أحرمك من الثروة والفلوس. اخرجووووو يا كلاب."

ارتسمت على الجميع الدهشة والارتباك، ينظرون جميعًا إلى فهد وشروق وجلال يطردهم من بيته بكل إصرار. نظر فهد لجلال بغضب مستعر وعينان ذئب متوحش، يركض من الغرفة وخلفه شروق منكسرة بحسرة. وجهت رانيا نظرها لزوجها الواقف أمام والده، منحني الظهر، مطأطئ الرأس مذلول. انتابها الشعور بالخوف هي الأخرى، خائفة من اكتشاف حقيقتها القذرة وخيانتها أمام هشام، وهي تعلم حق المعرفة بأنه جلال اكتشف أمرها مع فهد، ولا مفر من ظهور الحقيقة. رفعت عينيها تواجه جلال، ليهز رأسه بسخرية وعينيه تتحدث بكل شيء يعرفه. تنهد، طالبًا من أولاده الجلوس أمامه ليحدثهم في أمر مهم يخص شمس. لتستأذن نغم بالخروج لتترك الأب مع أبنائه.

رفع جلال كفه: "لا يا نغم، يا بنتي، اقعدي هنا. أنا عايزك معانا. اللي هتخرج من هنا الغريبة في وسطنا." ضمت رانيا جسدها بذراعيها، تنظر لجلال بغل وحقد، قائلة من بين أسنانها: "أنا مش هخرج، أنا مع جوزي." ابتسم جلال لها بمكر رجل عجوز، أخذت منه الدنيا أكثر مما أعطته: "لكن أنا عايز ابني لوحده من غيرك أنتِ. قريب هتحصلي فهد وشروق."

نطق كلماته وهو يشدد على حروف اسم فهد، لتتأكد رانيا من شكوكها وتتأكد بأن جلال كشف كل شيء يخصها. حاول هشام الاعتراض على أوامر والده: "لكن يا حاج، رانيا ملهاش دعوة بحاجة، أرجوك." رفع له جلال عينان غاضبة: "لو مش عاجبك، اتفضل معاها أنت كمان واخرج من بيتي. اتفضل." وقف طارق أمام هشام يهدئ من الموقف والنيران المشتعلة: "اسمع كلام بابا يا هشام. وأنتِ يا رانيا، من فضلك اخرجِ دلوقتي، من فضلك."

نظرت رانيا ناحية هشام، تنتظر منه الاعتراض على طلب والده، لكن هشام نكس رأسه بانكسار واضح، يهز رأسه بقلة حيلة: "اخرجِ دلوقتي يا رانيا، لو سمحت." رفعت رأسها بكبرياء مصطنع وجمود، قائلة: "أنا هاخد ابني وهخرج من هنا خالص يا حاج." مط جلال شفتيه، يضرب بعكازه الأرض: "عايزة تحصلي فهد. ثم صمت قليلاً وأكمل كلامه: وشروق لو عايزة تخرجي معاهم، معنديش مانع، بس تسيبِ فارس هنا، حفيدي." هتفت رانيا بغضب: "مش ممكن!

فارس ابني، واستحالة أسيبه." ليخرج هشام عن طوره، يصرخ عليها بعصبية وحنق: "رانياااااااا، اطلعي على فوق وأنا هحصلك." خرجت من الغرفة بنيران مشتعلة وغضب أسود وخوف من القادم، تقف بقرب الباب المغلق، تتسمع عليهم. أما خلف ذلك الباب المغلق، نظر جلال لأبنائه بجمود وبقوة، يسألهم بهدوء: "فين شمس؟ عايز أعرف كل حاجة عنها من ساعة ما خرجت من هنا." بسيارته، استمع لصوت نجاة الصغيرة تتغنى: "آه لو تعرف يا حبيب قلبي وأنت معايا بحس بإيه؟

خلي شوية لبكرا يا قلبي الحب ده ما أقدرش عليه... بصي في قلبي يا عيون قلبي، شوف كام حاجة بتتمناك، فرحة وشوق وأماني كبيرة وليالي حب بتستناك... بحبك حب خلاني أخاف من فرحتي جنبك... يشوف حد يحسدها ويحسدني على حبك." تغنى بحب وهو يبتسم، وقلبه يسبقه شوقًا إليها. حتى وصل عند باب الفيلا، وفتح له الحارس ذات العقد الخامس من عمره الباب، ليطل برأسه من نافذة السيارة: "كل حاجة تمام يا عم مبروك." هز الرجل رأسه يبتسم:

"تمام يا دكتور، متقلقش، الهانم في عيني." نزل من السيارة، يرفع رأسه ينظر لنافذة غرفتها ليجدها مضاءة. وقف أمام باب الفيلا متوترًا، يشعر بشيء غريب يحدث معه. لقد أصبح لا يطيق أن يفارقها، حتى عزم الأمر ودق برفق على باب الفيلا عدة طرقات خفيفة. اقتربت منى من الباب، تنظر من ثقبه لترى يوسف يقف أمام الباب. فتحت الباب تستقبله: "أهلاً وسهلاً يا دكتور، اتفضل." تنهد بخجل قائلاً: "أنا جيت أطمن عليكم. شمس عاملة إيه معاكي؟

قالت منى بود: "لا يا دكتور، ما شاء الله. من ساعة ما مشيت حضرتك مع آنسة مريم وملك، وهي هادية ووشها بيبتسم." نظر لمنى بارتياح، وسألها بهدوء: "اتعشت؟ أومأت برأسها: "آه، اتعشت وأخدت الأدوية، وقولت أعملها مج شوكولاتة باللبن تشربها." هز يوسف رأسه بابتسامة: "طيب، هتعبك معايا. ممكن فنجان شاي معاكي معلقة واحدة سكر." أومأت منى برأسها بسعادة: "عيوني يا دكتور."

صعد درجات الدرج ببطء، حتى اقترب من غرفتها، ليجده نصف مغلق. تنحنح قليلاً ودق على الباب، ليطل منه ببطء، ليجدها تجلس في الشرفة بهدوء، تتمسك بدمية ملك، وعلى شفتيها شبح ابتسامة رقيقة تزين ثغرها.

استند بجسده على باب الغرفة، يتأملها بنظرة خاصة، بثوب نومها الوردي القصير بحمالات عريضة تغطي أكتافها الناعمة، وشعرها ينسدل خلف ظهرها بإنسياب مع حركة رأسها الخفيفة. وقف ينظر إليها وقتًا، وهي ما زالت شاردة تتمسك بالدمية، لا تتحرك. اقترب بخطوات هادئة، لا تتناسب مع دقات قلبه العنيفة التي كاد أن يخرج من بين ضلوعه، وهمس بصوته الحنون: "شمس."

رفعت رأسها إليه، ليستمتع بترقرق أمواج العسل بشعورها الجديد بالاطمئنان، الذي أدركه بحدسه، والذي انعكس على عيناه البنية التي لمعت ببريق خاص، وهو يهمس ببطء متردد: "أنا جيت أطمن عليكي. مقدرتش أنام قبل ما أشوفك." جلس بالمقعد المقابل أمامها، وهو يهمس أمام عينيها المتوهجة ببحور العسل الصافي، تنظر إليه، تتنفس من بين شفتيها المنفرجة بصعوبة: "على فكرة، ملك حبيتك جدًا. بدليل لعبتها اللي في إيدك." عاد يبتسم، يكمل:

"أكتر حاجة استغربتها، إن عروستها دي هديتي لها، وملك أي حاجة مني مش بتفرط فيها بسهولة." ضحكت ضحكة مشرقة، خفق قلبه بها، قائلة بهدوئها المعتاد: "ملك تشبهك كتير." أغمض عينيه للحظات، يستوعب. لقد تكلمت بوضوح دون تردد أو خوف، بصوتها الناعم الشجي. نظر لها متيمًا بجمال وجهها تحت ضوء القمر: "أنا مبسوط إني سمعت صوتك. ياريت أسمعه كده دايما، واثق، جريء، ناعم."

احمرت خجلًا، تهرب من عينيه، تتمسك بالدمية وكأنها تحميها من تأثيره الخاص على قلبها. شعرت للحظات أنها ليست مريضة كما يزعمون، أنها تشعر وتحس بكل ما يدور حولها من أحداث، تستشعر كلماته، ويدق قلبها لحنانه. ابتسمت، تقوى نفسها وتردد: "أنا مش مريضة." رفع ذقنها إليه، يخرجها من شرودها، يقترب أكثر من وجهها، لا يفصل بينهم إلا صوت أنفاسهم الساخنة. عيناه تسبح بتفاصيل وجهها، يهمس بصوت عاشق: "أنتِ جميلة ورقيقة يا شمس. ابتسمي دايما."

أغمضت عيونها، تذوب في أنفاسه الحارة، تستسلم أمامه، خاضعة لشفتيه التي سحقت شفتيها بقبلة ناعمة عميقة، اندمجت بها أنفاسهم. ولم يقطع اندماج شفتيهم سوى طرقات منى على باب الغرفة. ابتعد يوسف وهو يتصبب عرقًا، وقف يستند على حافة الشرفة، يستنشق الهواء بعمق، يطفئ نارًا احتلت جسده الرجولي. أما هي، فظلت على حالها، تائهة بشفتيها المنفرجة وعينيها تترقرق بالدموع، وحمرة وجهها تزداد توهجًا. دخلت منى تحمل بين يديها المشروبات:

"اتفضل يا دكتور الشاي، وأنتِ يا آنسة شمس، اشربي الكاكاو ده." التفت يوسف بعد أن تمالك نفسه ولملم حاله: "شكرًا يا منى." وأومأت منى برأسها: "أنا في أوضتي لو حضرتك احتجتني." وخرجت بعدها، تغلق باب الغرفة خلفها، تاركة كل منهم على حاله. وقف مترددًا أمامها، يشعر بأنه تهور في التعبير عن مشاعره. وهي تشهق مرتجفة، لترتمي على صدره، تنكمش أكثر بين أحضانه، وأصابعها تغرسها بكتفيه العريض، قائلة بين شهقاتها: "أنت مش...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...