الفصل 31 | من 46 فصل

رواية سحر سمرة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم أمل نصر

المشاهدات
24
كلمة
1,744
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

سنوات من البعد وهى تمنى نفسها برؤيته.. سنوات طالت وزاد معها ألم الاشتياق وتعدى كل الحدود.. حتى فقدت الأمل وتعمدت التكيف والتعود والنسيان. لكن أن تراه هكذا بدون سابق إنذار.. هذه هي المفاجأة التي جعلت قلبها على وشك التوقف. بكاءها العنيف بداخل أحضان أبيها المتشبث بها بقوة.. كاد أن يشطر قلبه لنصفين.. اقترب منهما يربت بكفه على ظهرها التي تساقطت عليه دمعات "أبو العزم" هو أيضًا!

"خلاص يا سمرة، اهدى مش كده.. بعياطك الشديد ده ممكن يجرالك حاجة والله.. أنا كنت عاملهالك مفاجأة.. بس شكلك كده عايزاني أندم." عاد أبو العزم برأسه للوراء ليرفع وجهها إليه وهو يبتسم لها بدعابة: "عاجبك كده؟ أهو هايندم إنه جابني هنا." ابتسمت مع بكاءها وهي تخرج من أحضانه بتمهل. أدارها من كتفها إليه ليرى وجهها: "يانهار أبيض.. شوف وشها بقى إزاي؟ يعني يعجبك كده يا عمي؟

رفع "أبو العزم" ذقنها إليه بأطراف أصابعه وهو ينظر لوجهها جيدًا، الذي أغرقته الدموع مع هذا الاحمرار والانتفاخات الطفيفة بفعل البكاء: "أنا بنتي زي القمر في ليلة تمامه.. أميرة من كتب الخيال.. جمالها يأسر القلوب وحسنها يخضع أقوى الرجال." فغر فاهه مذهولًا: "لألالا ده أنت خطر عليا.. إيه الكلام اللي يجنن ده؟ ردت هي بصوت ضعيف: "ده أنت كمان ماشوفتش أشعاره.. أحلى كلام وأحلى وصف.. ماهو كان بيعتبرني حبيبته وياما كتبلي."

قبلها على جبهتها بقوة وهو يسألها: "أنتي لسه محتفظة بيهم؟ أومأت برأسها تجيب: "كلهم ومافيش ورقة منهم ضاعت." صاح "رؤوف" على الاثنين: "أقسم بالله بدأت أغير.. أنا حاسس إني بقيت عزول وسيكم." استدارت إليه بابتسامة ولا أروع: "بعد الشر عليك ما تبقى عزول.. أنت ما يليقش عليك غير الحبيب." تهللت أساريره بمرح: "أيوه بقى هو ده.. سمعيني كلام حلو زيك." أومأ له بكف يده: "انبسطت كده يا عم.. أهي حطتك في مرتبة الحبيب."

هز برأسه بسعادة غامرة: "انبسطت قوي طبعًا.. طب إحنا هانفضل هنا عالباب.. ومش هندخل؟ اتفضل يا عمي اتفضل." *** "طلعت متجوزة يا شيماء.. ومن بيه كبير قوي كمان في مصر." قالتها وهي تضرب بكف على الأخرى بغيظ احتل قلبها.. وأمام صمت الأخرى المحدقة إليها بصمت تابعت. "عشان لما قلتلكم من الأول إن البت دي فاجرة كذبتوني وماحدش صدق عليها رغم عملتها السودة وكانكم عميتوا مش شايفين.. ماتردي يامحروسة ولا البسة أكلت لسانك." أجفلت

الفتاة ترد عليها حانقة: "عايزة إيه يا رضوى مني؟ ولزوم إيه كلامك ده معايا أساسًا؟ فغرت فاهها وكأنها أصابها العته: "أنتي حتى كلام مش متحملة عليها يا شيماء.. هو فيه إيه بالظبط؟ نهضت عن مقعدها لتقف أمامها بغضب: "بصراحة أنا مش فاهماكي يا رضوى.. ولا فاهمة إنتي عايزة إيه بالظبط؟ ياستي إن كانت طلعت عفشة ولا زينة.. ماهي راحت لحال سبيلها وأمها اعتبرتها ميتة." خرجت منها تنهيدة حارقة وهي تحدق إليها بغل:

"عايزة تعرفي أنا إيه اللي مجنني؟ .. اللي مجنني حظها اللي ضارب في السما.. وسحرها اللي بترمي عالرجالة في أي حتة تروحها.. يعني حد في الدنيا دي يصدق إنها تطلع هربانة من بلدنا.. وبدل ما يحصل فيها زي كل البنات اللي بتهرب وتجيب العار لأهالها.. لأ دي تروح تتجوز بيه من اللي بيتعدوا عالصوابع في مصر.. ده أبويا وأبوكي ما قدروش يلمسوا شعرها منها.. وبعد ده كله لسه بتسأليني.. عايزة إيه منها؟

استدارت "شيماء" صامتة.. تجلس مرة أخرى على طاولة مكتبها وهي تتلاعب بكتبها وقد ضاق صدرها من هذه الضيقة الثقيلة. دنت منها "رضوى" تسألها بتعجب: "إنتي مالك يا شيماء سكتي ليه وما بترديش على كلامي؟ أجابتها بسأم: "ويعني عايزاني أقولك إيه؟ بصراحة كل واحد حر في تصرفاته وأنا مش هأشغل نفسي بـ سمرة ولا غيرها.. أنا أهم حاجة عندي دراستي." اعتدلت في وقفتها تنظر إليها بقنوط:

"هو إنتي مضايقة من جيتي يا شيماء ولا معطلاكي ولا حاجة عن دراستك.. قولي قولي يكون كمان مش طايقاني؟ زفرت بضيق: "استغفر الله العظيم.. هو أنا غلطت فيكي يا بتي؟ ولا أنتي مضايقة وبتجري شكلي وخلاص؟ "مالكم يا بنات صوتكم طالع لبره ليه؟ هو إنتوا كنتوا بتتعاركوا؟ سألتها "ثريا" وهي تدلف للغرفة حاملة صينية لأكواب العصير. تقدمت عليها "رضوى" تتناول الكوب: "جيتي في وقتك يا مرة عمي.. أحسن أنا كنت هاموت من العطش."

"ألف هنا يابتي.. اشربي وأنا أجيبلك غيرها.. ده عصير مانجة من شجرتنا." نظرت إليها "شيماء" بحنق قبل أن تسأل والدتها: "هو أبويا صحي يا ماما ولا لسه؟ "أبوكي صحي من زمان ولبس جلابيته وطلع مع الحاج سليمان أخوه يزور رفعت.. أصلهم قلقانين عليه من ساعة ماسبوه.. بيقولوا إن حالته كانت لا تسر عدو ولا حبيب." توقفت عن شرب العصير تبتسم ساخرة: "خليه يشرب.. عشان كان طاير بيها وكأنه ملك نجمة من السما." خبطت "شيماء" بيدها على طاولتها

متمتمة مع نفسها بغيظ: "اللهم طولك يا روح." *** بقلب يرفرف من السعادة كانت جالسة بجوار أبيها وأمامها السيدة "لبنى" وزوجها "رؤوف" الذي ظهر إليها من العدم كي يحميها.. ويبحث بشتى الطرق لإسعادها وتعويضها عن كل ما مرت به.. يبدو لها أنها قد بدأت سنين العوض.. فاقت من شرودها لتجد السيدة "لبنى" تخاطب أباها. "نورتنا جدًا يا أستاذ أبو العزم.. هو أنا ليه حاسة إني شوفتك قبل كده.. بس فين مش عارفة." مط بشفتاه مفكرًا:

"بصراحة حضرتك أنا ماسبقليش المعرفة بيكي.. بس فيه حاجة.. أنا كنت بنشر في جرايد ثقافية.... قاطعته "لبنى" سائلة: "إنت كنت بتنشر أشعار صح؟ .. أنا دلوقتي بس افتكرتك." أومأ الرجل برأسه فتابعت "لبنى": "واضح قوي من لبسك وطريقتك إنك فنان." أكمل "رؤوف" على كلماتها: "أنا دلوقتي بس عرفت سمرة وارثة التحضر والرقي دي منين؟ قربها إليه ينقل نظراته منها وإليهم: "سمرة وارثة حاجات كتير مني زي ما هي وارثة كمان من والدتها جمالها."

عبس بوجهه "رؤوف" ممازحًا: "لأ حضرتك مافيش شبه خالص.. أنت شكلك ماشوفتهاش من سنين كتيرة باين." اعترضت سمرة مع ابتسامتها المستترة: "بس يا رؤوف هازعل منك والله.." "خلاص متزعليش أنا بهزر.. بس بصراحة أنا مدايق قوي منها وماحدش بقى يلومني فيكم.. يعني اللي اسمه قاسم دا ينفع عريس عشان توافق بيه؟ خبأت ابتسامتها وهي تجيبه: "والله ما أنا عارفة هي ليه كانت مصرة قوي كده عليه؟ "بس أنا عارف."

خرجت من أبيها بصوت متألم قبل أن يتابع أمام نظراتهم المترقبة.. أصلها كانت شايفة في جنانه وعصبيته صورة عكس جوزها الخايب اللي كل همه يكتب في أشعار ويرسم في صور ولما يجي يفتح مشروع بورثه.. يخسر. بصوت حنون: "خلاص يابوي ماتزعلش وانسى كل اللي فات." أكمل "رؤوف" على قولها: "فعلاً يا عمي متزعلش.. دي كانت وجهة نظرها وسبت بالدليل القاطع إنها غلط." بابتسامة لم تصل لعينيه:

"أنا مش زعلان منها بالعكس.. أنا زعلان من نفسي عشان مقدرتش أصلح صورتي قدامها ولا قدام أي حد." "أنا مش معاك في الكلام ده." خرجت من "لبنى" فأجفلتهم جميعًا.. فتابعت: "أنا كنت بقرا أشعارك وكانت ممتازة.. إنت بس كان ناقصك شوية حظ زي معظم المبدعين في بلدنا." *** عادت من عملها مساءً لتجد أولادها الاثنان يتسابقون في الشارع بدراجات صغيرة وحديثة بجوار المبنى الذي تقطنه.. هتفت عليهم بغضب.

"خد يا واد أنت وهو.. واخدين العجل دا من مين؟ صاح ولدها الأصغر بحماس: "دول بتوعنا إحنا يا ماما مش بتوع حد تاني." تخصرت باستنكار: "ودول إن شاء الله دفعتوا تمنهم منين يا عين أمك؟ ولا يكونش كسبتوهم في كيس الشيبسي." "أنا اللي جبتهم للولاد يا سعاد." استدارت بغضب تواجه صاحب الصوت الذي تعلمه جيدًا: "ده بجد بقى الحكاية مش هزار من العيال! بقولك إيه يا ممدوح أنا ميت مرة منبهة عليك تبعد قرشك الحرا.... قاطعها صائحًا:

"بس بقى بلاش فضايح في الشارع.. بكلام يودي في داهية ادخلي جوه خلينا نتكلم." دبت بقدمها على الأرض قبل أن تتقدم بخطواتها داخل المبنى القديم وهو خلفها. "اديك اداريت من عيون الناس في الشارع يا ممدوح.. ممكن بقى تفهمني جبت تمن العجل دا منين؟ أطرق بوجهه أرضًا وهو يجيبها بحزن: "مكنش العشم دا يا سعاد.. مكنتش أتخيل إنك يكون دا رد فعلك لما أجيب حاجة لولادي عشان أفرحهم وتيجي تكسري بفرحتي وفرحتهم." زفرت طويلًا بنفاذ صبر:

"بقولك إيه يا بن الناس ماتركبنيش الغلط.. إنت عارف كويس أوي أنا اعتراضي على مصدر الفلوس." "وأنا مستعد أحلفلك دلوقتي إنهم من فلوس حلال." قالها بتشدق ليتابع بعد ذلك: "ياسعاد أنا جبت دول من عمولة سمسرة جات قدامي بالصدفة.. رزق من عند ربنا اعترض وعشان تتأكدي من صدق نيتي.." أنا دلوقتى بدور على شغل عشان أرجع لك انت والولاد، وناكل لقمة بالحلال وبس. بسأل كل اللي أعرفهم عشان يدلوني. -انت بتتكلم جد يا ممدوح؟ -وأكذب عليك ليه بس؟

جربي كده وجيبي لي شغل وشوفي بقى إن ما كنتش أشرفك، ما بقاش أنا. -طب وأنا هعرف منين بس يا ممدوح؟ -ليه يا سعاد متعرفيش؟ دا انتي صاحبتك خطيبة البيه اللي شغال عنده، يعني سهلة أهي. صمتت قليلا تفكر في الأمر بحيرة: -بقولك إيه يا ابن الناس، بصراحة أنا أخاف أكلمهم فتقصر برقبتي وتحرجني بعد كده مع سمرة وجوزها. بنبرة ساخرة: -هو لحق يتجوزها؟ دا أول امبارح كان خطيبها! شكل صاحبتك بتستغفلك وهي لا مراته ولا خطيبته. صاحت عليه بغضب:

-لا بقولك إيه، أنا ماسمحلكش تغلط في حد فيهم. دي سمرة أشرف منها ما فيش، ورؤوف بيه الأدب والاحترام كله. دا كفاية إنه عقد عليها وهي في بيته، ومع ذلك لسه ملمسهاش ومنتظر لما يعمل فرحهم في أكبر قاعة فيكي يا بلد. -انتي متأكدة من كلامك دا يا سعاد؟ -طبعًا متأكدة، دي صحبتي ومابتخبيش حاجة عني. ................................

كان جالسًا أمامهم بجمود، زم شفتيه يستمع إليهم دون رد فعل. فلا أحد يشعر بالنيران المستعرة بداخله، ولن تنطفئ إلا بالانتقام من هذا الشقيق الذي استحل دمه سابقًا، كي يرغمها على تركه ولم يبالي بصلة دم أو أرحام. أجفل من شروده على صوت سليمان. -انت رحت منينا فين يا ولدي؟ هز برأسه مجيبًا: -نعم يا عم سليمان، انت كنت بتقول إيه؟ -يا ولدي كنت بقولك، بلاش الزعل الواعر ده وفوق لنفسك. انت كبير عيلتك وكل المصالح بيدك.

أكمل على قوله حسن: -يا عم رفعت، انت زينة شباب العيلة، وألف واحدة غير اللي غارت دي... قاطعه بحدة قائلاً: -حن عليك ما تجيبش سيرتها يا عم حسن. أومأ الرجل برأسه متفهمًا: -خلاص يا ولدي مش هجيب سيرتها. بس أنا بقولك أها، انت تستحق أحسن واحدة في الدنيا. شاور بس انت على أي واحدة في العيلة ولا في بلدنا كلها وشوف. -جوزني بتك. -نعم يا ولدي؟ -مش انت بتقول شاور على أي بت في العيلة؟ وأنا بقولك أها، أنا طالب يد بتك.

................................ كان جالسًا على إحدى المقاهي الشعبية ينفث دخان أرجيلته في الهواء، عندما صدح هاتفه برقم أخيه. -الو... أيوه يا رفعت. رد عليه بتماسك رغم هذا الطوفان بقلبه: -أيوه يا قاسم، هو انت زيارة صحبك دي مخلصتش؟ نفث دخانه مرة ثانية قبل أن يجيبه: -لا ما أنا لقيته غير العنوان غلط، وأنا دلوقتي بدور على عنوانه التاني عشان أخلص من الأمانة.

-ماشي يا واض أبوي، بس آخرك بكرة وتنزل عشان عايزك في موضوع ضروري. وأجل موضوع صاحبك ده لبعدين. -بس... -ما فيش بس يا قاسم، بقولك عايزك ضروري. -حاضر حاضر، مش هاعوج كده إن شاء الله. كان على وشك الجدال مرة أخرى، ولكنه اضطر للموافقة لإنهاء المكالمة سريعًا، حينما رأى من أتى أمامه ليجلس بالكرسي المقابل. -مساء الخير يا عم قاسم. -مساء النور يا سيدي، ها قول لي الكلام اللي سمعته بالمظبوط. -طب براحة يا عم، آخد نفسي الأول.

-اخلص يا ممدوح، ما تتعبنيش. -شوف يا سيدي، هي أكدت لي إنه كتب كتابه عليها، لكنه ملمسهاش لأن قريبتك مصرة فرح وهيصة. -كويس. -كويس إيه؟ دا بقت مراته رسمي. -مدام على ورق يبقى لسه فيها صرفة، والحل قريب إن شاء الله. لكن لو كان لمسها، ساعتها ما فيش حاجة هاترضيني غير إني أموتها بيدي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...