الفصل 30 | من 46 فصل

رواية سحر سمرة الفصل الثلاثون 30 - بقلم أمل نصر

المشاهدات
25
كلمة
1,853
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

دنا برأسه يبحث في أدراج مكتبه عن شيء. يبدو أنه كان يعرف وجهته، فلم يستغرق في البحث إلا دقيقة أو أقل ليخرج ممسكًا بعلبة أنيقة من القطيفة وهو يتقدم بخطواته إليها. تبسمت باكتفاء: -تاني برضوا هدايا؟ مش كفاية العقد اللي يجنن ده وأنا لابساه! ابتسامته اتسعت أكثر وهو يفتح العلبة مردفًا لها: -ياحبيبتي العقد ده كان هدية عادية، لكن دي شبكتك ياقلبي.

قال الأخيرة وهو يتناول كف يدها، يضع أسورة من الألماظ الحر على معصمها وتبعه خاتم ومحبس لأصابعها من نفس الطقم. رفع يدها إلى فمه طابعًا عليها قبلة عليها بحنان. -يارب يكون عجبوكي! ارتعاشة من الفرح والارتباك انتابتها وهي تردف بخجل: -أنا مش عارفة أقولك إيه، بس أنت بتعاملني كملكة وده كتير عليا قوي. جذبها من كفها التي ما زالت بيده ليقربها إليه، فوضع الثانية على خصرها وعيناه تحاصر خاصتيها بتملك:

-أنتِ فعلاً ملكة وتستاهلي أكتر من كده بكتير. وعلى فكرة يا "سمرة"، أنا مفاجأتي الحقيقية لسه هتشوفيها بكرة بعينك. عقدت حاجبيها بتساؤل: -وليه بكرة مش دلوقتي يعني؟ طب حتى قوليلي إيه هي وبعدين أشوفها. هز رأسه بحركة مداعبة: -متحاوليش معايا عشان مش هاقولك، اصبري لبكرة أحسن. ودلوقتي خلينا في المهم. -إيه هو المهم؟ قالتها ببلاهة قبل أن تصمت مرغمة حينما لامست شفتاه شفتيها برقة. وقبل أن يتعمق في قبلته، ابتعدت بوجهها بتوتر أجفله.

-مالك يا "سمرة"؟ هو أنتِ اتضايقتي؟ أطرقت بوجهه خجلًا قبل تجاوبه: -ممكن تقبل طلبي وتسمعني الأول. أفلت ذراعيه عنها وهو يجلي حلقة قبل أن يومئ برأسه موافقًا: -اتفضلي اتكلمي براحتك وأنا سامعك. تلاعبت بأصابع يديها بحركة مكشوفة لتوترها وعيناها لا تقوى على النظر إليه، وقد جلس أمامها على حافة المكتب ينصت إليها باهتمام. فخرج صوتها بصعوبة:

-بصراحة، أنا طول عمري بحلم بالفستان الأبيض وليلة فرح جميلة زي كل البنات. ومع عمايل "قاسم" معايا، الحلم ده بيجي بعيد قوي. بس أنا لما سمعتك من شوية وأنت بتقول لأهلي على فرح، الحلم رجع من تاني يداعبني من تاني. أومأ بيده أمامها: -وأنا صادق في كلامي على فكرة، وهاعملك فعلاً فرح حقيقي تتحاكي عليه مصر كلها. عضت على شفتها بإحراج قبل أن تردف بصوت خافت يكاد لا يُسمع: -طيب، هو ممكن تبقي فرحتي كاملة ونأجل... اممم...

كل حاجة لوقتها الطبيعي بعد الفرح؟ فعرف فاهه بخيبة أمل ليردف أخيرًا: -يعني أنتِ عايزاني أستنى أسبوعين لميعاد الفرح؟ هزت برأسها تؤكد على كلامها بحرج متزايد. فصمت هو ناظرًا إليها بصدمة وتفكير فترة قاربت الدقائق. ثم ما لبث أن يرد بيأس: -للأسف مقدرش أقولك لأ، حتى ده لو كان ضد رغبتي. لكن الأهم عندي دلوقتي هي فرحتك، اللي أنتِ عايزاها مكتملة زي ما بتقولي. رفعت قبضتها تداري هذه الابتسامة المتسعة عن عينيه قائلة بامتنان:

-متشكرة قوي ليك إنك فهمت موقفي. أومأ برأسه بابتسامة ساخرة: -خلاص يا "سمرة"، ماتشكرنيش وروحي دلوقتي نامي، ينوبك فيا ثواب يا شيخة! *** وفي اليوم التالي خرجت "نفيسة" من غرفتها في الصباح الباكر كي تصلي فرضها، فاتفاجأت بشبح فرد جالس على مقعد صغير في بهو المنزل معطيًا لها ظهره بلا حركة كالصنم أو قطعة من الأثاث. اقتربت منه بهدوء لتتبين وجهه. -بسم الله الرحمن الرحيم... هو أنت يا "رفعت"؟

قالتها بجزع وهي واضعة يدها على قلبها. رفع أنظاره إليها ولم يرد، فتابعت هي: -هو أنت رجعت إمتى؟ وجاعد لوحدك كده ليه من غير ولا حركة ولا حس؟ خرجت الكلمة من فاهه بصعوبة: -أنا راجع يدوبك من شوية، مطولتش يعني! اقتربت منه كي تجلس بجواره وتسأله بتوجس: -مالك يا ولدي شكلك ما يطمنش خالص. هو إيه اللي حصل بالظبط؟ هو أنتوا لقيتوها بت "بسيمة" ولا يكونش عملتوا فيها حاجة يا ولدي؟ أوى تكون غلطت معاهم وأذيتها؟

هما خوالها وحرين فيها، لكن إحنا مالناش دعوة... -ما أذيتهاش يا أمي ولا سطيتها... قالها بمقاطعة لوالدته التي أجفلت من حدتها. فتابع هو: -المحروسة اتجوزت واحد كبير في مصر وغني قوي من اللي بيجوا في التليفزيون. وأنا وخوالها وأمها وقفنا قدامه زي العيال وإحنا ما عرفينش نكلمها. وهو بيدافع عنها ويهددنا بعين قوية. ده إحنا دلوقتي مانقدرش حتى نبصلها، فهمتي يا أمي. تحدثت المرأة مستنكرة: -واه يا بت "بسيمة"، ودي عثرت عليه فين دي؟

ولا هربت معاه ولا إيه بالظبط؟ ضرب بكفه على حافة المقعد بقوة قبل أن ينهض عن مقعده بغضب مردفًا لوالدته من بين أسنانه: -أنا رايح على أوضتي أريح جسمي شوية ومعنديش مرارة للحديث تاني. ماحدش يدخل عليا يصحيني خالص. أوقفته "نفيسة" قبل أن يصل لغرفته: -طب وأخوك "قاسم" مجاش معاك ليه؟ أجاب والدته وهو واضعًا يده على مقبض الغرفة قبل أن يفتحها:

-ولدك بعد ما ركب معانا، نزل في نص السكة قبل ما نطلع من مصر. قال عليه دين لواحد صاحبه وعايز يرده! *** دخل غرفته بنيرانه المستعرة داخل قلبه، وقد انقشع عنه قناع الجمود بعد أن أصبح وحده ولا يراه أحد. تناول صورتها من تحت وسادته، يحدثها بصوت متألم: -عملتي فيا كده ليه؟ طعنتيني في ضهري بعزم ما فيكي بسكينة تلمة ليه؟ أنا كان عيبي إيه؟ ده أنا كنت قايلدلك صوابع العشرة شمع. كان إيه مبررك عشان تدبحيني؟ إيه كان مبررك؟

قال الأخيرة بصرخة وهو يلقي بيده كل ما تواجد على مكتبه ليسقط جميعهم على الأرض من ملفات وأوراق مهمة وحاسب آلي صغير (لاب توب) يخصه، وبعض الأشياء الأخرى. فلمح من بينها هاتفها الذي أعطاه لها سابقًا في بداية خطبتها كهدية. ترك الصورة فتناول الهاتف بعنف يتفحصه، فوجده لم يتأذى إلا ببعض الخدوش البسيطة: -أما أشوف نمرته عندك ولا أنتِ تعرفيه من إمتى؟ قالها وهو يتفحص الهاتف وسجله ورسائله. ***

خرج من المنزل القديم المتهالك بالحارة الضيقة يجلي حلقه المتحشرج وهو يسعل بقوة كعادته كل صباح، بفضل المكيفات التي يتعاطاها. تفاجأ بهذا الواقف أمامه على قدم واحدة والأخرى مستند بها على الحائط. -اسم النبي حارسك، أنت جيت يا حيلتها؟ اعتدل بوقفته وهو يجاوبه بنظرة محذرة: -لم نفسك يا ممدوح بدل ما أعملها معاك. أنت عارفني مجنون وما بخافش. بصق على الأرض وهو يتقدم بخطواته إليه حتى أصبح أمامه تمامًا، فخاطبه قانطًا

وهو يمد إليه رأسه: -لهو أنت كنت فاكرني هقابلك بالأحضان ولا أقولك متشكرين، بعد ما هربت وكلت حقي. أبعده قليلاً ليتجنب أنفاسه: -طب بعد شوية كده، مش متحمل ريحة الهباب اللي طالعة منك. صاح بصوته عليه: -يا عم وأنا كمان قرفان من وشك، اديني حقي ويدار مادخلك شر. أنت تروح لحالك وأنا أروح لحالي. تنهد قاسم قبل أن يخرج من جيب سترته رزمة كبيرة من المال فوضعها بكف ممدوح: -يرضوك دول ولا عايز أكتر؟

ازدرد ريقه بأعين منبهرة وهو ينظر إلى المال قبل أن يرفع رأسه مجيبًا: -هو فيه حد يكره الزيادة يا عم "قاسم"؟ أنا معاك يا باشا في اللي تطلبه ومن إيدك دي لإيدك دي. أومأ برأسه مردفًا: -كويس خالص، يبقى تسمع اللي هاقولك عليه وتنفذه بالحرف. *** "أنت فعلاً مجنون، مين قالك إني ملكك؟! مين اداك الحق فيا؟!

أخوك ما طلبش الجواز مني غير لما عرف إني لا يمكن هأرضى بيك. أخوك عمل اللي مجدرش حد في البلد يعمله، خوفًا منك ومن عمايلك. بعد ما وقفت حالي بالسنين، أنت إيه يا أخي؟! لا بترحم ولا بتخلي رحمة ربنا تنزل." -لأ يا "سمرة"، وهاقولهالك تاني، أنتِ ملكي وأنا هدافع عن ملكي إن شاء الله حتى بالدم."

كان هذا آخر نص التسجيل الذي سمعه "رفعت" بعد أن تفحص الهاتف جيدًا بحثًا عن دليل لخيانتها له، ولكن تفاجأ بهذه الرسائل المسجلة بصوت أخيه، وقبلها استمع لتسجيل آخر بصوتها هي في رسالة أخرى. برقت عيناه تطوف بالغرفة بغير هوادة وهو فاغر فاهه بصدمة، شاعرًا بثقل يجثم على أنفاسه، يهذي بكلماته وكأنه فقد عقله: -يا وجعتك المطينة يا "رفعت"، يا يعني أنا كنت حمار وكل ده بيحصل من ورا ضهري؟ أنا كنت حمار، أنا كنت حمار!

عندها حق تسيبني وتطفش بعيد. كان عندها حق تدور على اللي يحميها بدل مني. ركبتني العار يا قاسم، ركبتني العار يا واض أبوي. ما أبقاش راجل لو ماخدتش حقي منك. ما أبقاش راجل ولا أتحسب عالرجال لو ما دافعتك تمن عملتك دي غالي قوي، غالي قوي يا قاسم. صمت بأنفاس لاهثة من فرط انفعاله يستمع لتسجيلها مرة أخرى. "السلام عليكم، يا رب تكون وصلت للتسجيل يا رفعت عشان تعرف حقيقة اللي حصل معايا وخلاني أبعد وأسيب البلد كلها." ***

"أنت بتقول إيه؟ بتتكلم جد ولا بتهزر؟ سألتها "سعاد" بذهول بعد أن قصت عليها "سمرة" ما حدث. ناولتها فنجانًا من القهوة أعدته وهي تجلس أمامها على طاولة صغيرة في المطبخ قبل أن تجيبها بابتسامة مشرقة: -بصراحة، عندك حق ما تصدقيش، أصل اللي حصل كان كتير قوي على استيعابي أنا شخصياً. وبحركة مفاجئة زمت "سعاد" شفتيها وهي تنظر إلى "سمرة" صامتة بغموض مما أجفلها، فعقدت حاجبيها تسألها بدهشة: -مالك سكتي ليه؟ ونظرتك بقت غريبة؟

أجابتها "سعاد" باستحياء: -أصلك قدمتي لي القهوة اللي عملاها بإيدك وأنتِ ناسيه إن ده واجب عليا. عشان أنا اللي شغالة عندك مش العكس. بابتسامة ودودة ضربتها بخفة على كفها المسنودة على الطاولة: -ما تجوليش كده عشان مزعلش منك.. واياكي تعملي فرق بيني وبينك فاهماني كويس ولا أعيد من تاني.. أنا "سمرة" بتاعة امبارح وعمري ما هاتكبر على أصلي ولا عليكي يابنت الأصول. تبسمت "سعاد" تردف بامتنان:

-انتي طيبة أوي يا "سمرة" وعشان كده دايماً ربنا بينجيكي ويحفظك.. شالله دايماً يارب. هزت برأسها ضاحكة: -انتي بتجولي فيها.. طب وربنا المعبود أنا مكانش يجي في خيالي أبداً إن أهلي يشوفوني كده قدامهم.. من غير ما يخلصوا عليا ولا يخطفوني ويدبحوني بعديها.. بس جه "رؤوف" ربنا يحفظه كان واقف قدامهم زي الأسد وهو بيدافع عني. سعاد وهي رافعة يدها في الهواء بسعادة:

-يارب يا "سمرة" يابنت "بسيمة" يفضل دايماً كده سندك طول العمر ويجعله أبو عيالك بحق جاه النبي.. ألا هو فين صحيح؟ أنا من ساعة ما دخلت ماشفتوش! أجابتها بعفوية: -هو طلع بدري النهاردة وراح شغله. ضربت على صدرها شاهقة: -يالهوي عليا.. وهان عليه يسيبك في يوم صباحيتك! بضحكة مكتومة اهتزت لها أكتافها: -ماهو مافيش صباحية أساساً. غرّت فاهاها بنظرة مستنكرة وهي تهتف: -عملتي إيه يا "سمرة" خليتي الراجل يطفش؟ ***

كان "رؤوف" بغرفة مكتبه في الشركة منكباً في مراجعة بعض الأوراق والعقود.. حينما اقتحم عليه "تيسير" هاتفا: -أقسم بالله ما صدقت لما قالولي إنك موجود في المكتب. أجفل شاهقاً من حماقة صديقه: -يخربيتك يا أخي خضتني.. وما صدقتش ليه بقى إن شاء الله؟ اقترب بخطواته يجلس أمامه وبلهجة ذات مغزى: -برضه ده كلام.. تيجي الشغل النهاردة وأنت دخلتك كانت امبارح يا معلم؟ تحمحم بتوتر وهو يضبط رباط عنقه:

-لا ماهي مكانتش دخلة.. دا كان كتب وبس والفرح بعد أسبوعين بإذن الله. بنبرة متشككة: -يا راجل.. مكانش ده كلامك امبارح وأنت واقف مش على بعضك وبتمشيني بقلة ذوق من القصر عندك! زم شفتيه وهو يتلاعب بقلمه يردف بضيق: -أصلها رغبة العروسة ياسيدي.. عايزة فرح وهيصة الأول. ابتسامته ازدادت مشاكسة: -وأنت بقى هاتصبر أسبوعين وهي قاعدة قصادك وفي نفس البيت كمان؟ زفر حانقاً:

-ما خلاص يا "تيسير" ماتعصبنيش يا أخي أكتر من كده.. المهم بقى أنا عايزك تراعي الشغل عشان خارج بدري النهاردة وعندي مشوار مهم! -مشوار إيه؟ -مالكش فيه.. أنت تسمع وبس. *** وفي المساء بداخل القصر. كانت "سمرة" جالسة بغرفتها حينما سمعت صوته منادياً بمرح: -سمرة.. ياسمرة.. انتي فين ياقلبي؟ خرجت من غرفتها مجفلة على صوته لتجده بمدخل القصر واقفاً ينتظرها: -أنا جيت أهو يا "رؤوف".. حمد الله عالسلامة.

بابتسامة ولا أروع وهو مقيماً لها متأملاً بجمالها بعد أن فردت شعرها الحريري الأسود على ما ترتديه من ملابس متحررة بعض الشيء عن ما سبق. -مساء الجمال على أحلى "سمرة". تبسمت بخجل وهي مطرقة رأسها: -مساء الفل ياسيدي.. إيه.. أنت هاتفضل واقف كتير عندك جمب الباب؟ ازدادت اتساع ابتسامته مردفاً: -في الحقيقة أنا مستني المفاجأة اللي وعدتك بيها هي اللي تدخل. عقدت حاجبيها كي تسأل ولكنه أجفلها وهو يردف بصوت مسرحي:

-ادخل وبان عليك الأمان. شهقت وهي فاغرة فاها برهبة حينما رأته يدلف أمامها بجسده الهزيل وملامحه الوسيمة رغم هذه التجعيدات الحديثة التي ظهرت على بشرته وشعر رأسه الذي اكتسى بالبياض لم تدرِ بنفسها وهي تركض إليه هاتفة بصوت مشتاق: -أبويا! ارتمت بأحضان تشهق من البكاء ودموعها تنزل بغزارة لألم الاشتياق: -وحشتني يابوي وحشتني جوى. شدد "أبو العزم" من احتضانها يقبل قمة رأسها:

-وأنا أكتر ياعيون أبوكي.. ربنا وحده عالم إني ما بعدنيش عنيكي غير الشديد الجوي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...