جالسه بجوار أبيها المريض على الفراش تطعمه بيدها وتُحادثه في عدة موضوعات تهربًا من الإجابة على أسئلته المكررة لها وهو يأكل بصمت مستمعًا لها. حتى إذا توقفت أجفلها بسؤاله. -ها خلصتي حكاوي ولا لسه في كلام تاني؟ ردت مرتبكة. -هاا... صدق إيه يا بوي؟ سألها بوضوح. -أخواتك فين يا مروة؟ مش شايف حد من امبارح فيهم ليه؟ تلعثمت في الرد. -ااايابوي منا جولتلك معاهم شغل بره البلد ومش فاضين! تابع بأسئلته.
-إيه اللي حاصل في البيت يا مروة؟ جوليلى يا بتي ريحينى؟ لو في مصيبة حصلت جوليلى عليها أنا شديد واجدر أتحمل! تشدقت قائلة. -واه يا بوي ربنا يكفينا شر المصايب... ليه بس بتجول كده؟ انت شوفت حاجة جلجتك؟ تنهد الرجل بعمق ليردف. -شوفتك انتي وأمك يا "مروة" بتضحكوا في وشي وتمثلوا وعينكم بتجول العكس. فاجأها أباها بفراسته ولكنها لا تريد إضافة الحزن إلى قلبه، يكفي ما يعانيه من أوجاع. بلعت ريقها لتمثل الضحك.
-واه عليك يا أبو رفعت دا انت عليك حاجات.. ما الدنيا رايجة وكل حاجة زين.. انت ليه بس فاكر إننا مخبيين عليك حاجة؟ صمت قليلاً مضيقًا عينيه ثم مالبث أن يأمرها بغضب. -شيلي الوكل دا من جدامي واطلعي دلوك على طول. -بس انت مخلصتش وكل يابوي. قالتها بمحايلة فازدادت لهجته حدة. -اخلصي بجولك شيلي الوكل وجومي.. نهضت عن الفراش مضطرة لترفع صنية الطعام وتخرج بها وهو يتمتم بصوته ينظر لأثرها.
-طب مكسح ورضينا وحمدنا.. ربنا لكن كمان عايزين تستعمونى! فخرجت مروة لتقابل والدتها التي كانت تقف بجوار باب الغرفة وسمعت بعض الحديث. أومأت لها بيدها لتصمت فسارت خلفها حتى ابتعدتا الاثنتان عن الغرفة وحتى اطمأنت لبعد المسافة سألتها. -أبوكي كان بيزعج ليه؟ وضعت مروة صنية الطعام على الطاولة التي بجوارها قبل أن تقول. -أبويا حاسس ياما إن في حاجة كبيرة حاصلة في البيت وكان بيسألني بس أنا مجدرتش أجوبه بالحقيقة.
تنهدت المرأة واضعة كفها على وجنتها. -بكرة يعرف يا بتي.. ماهو مافيش حاجة بتستخبى.. وحكاية الفرح اللي آخر السبوع دي هتفضح الدنيا لوحدها.. ربنا يستر وما يروحش فيها. وضعت "مروة" يدها على قلبها تردف بجزع. -يارب ياما يارب.. دا أنا خايفة جوي من اللحظة دي ودا اللي خلاني مجدرتش أتكلم لما سألني.. لكن ياما هو ولدك "قاسم" راح فين؟ بيدور مع أخوه ولا لوحده ولا هو في سكة تانية خالص؟ نفيسة بحيرة. -الله أعلم يا بتي!! ........ .......
استيقظ قاسم من نومه بالمقاعد الأمامية للسيارة على هذه الأصوات القوية الصادرة من صديقه أثناء نومه بالخلف فاعتدل بجذعه مضطرًا مردفًا بصوت متحشرج من أثر النوم. -اعدل راسك يازفت انت ولا جوم أحسن.. جوم ياض. قال الأخير بصوت عالٍ أيقظ صديقه فنهض مزعورًا. -في إيه يا "قاسم"؟ انت دايما كده تخلعني؟ أخرج سبه من فمه أولاً ثم فتح باب السيارة ليخرج وهو ي هندم في ملابسه، قائلاً قبل أن يذهب.
-ولا ليك فايدة ولا عايدة.. بس عمال تصفر لي من مناخيرك طول الليل وتطير النوم من عيني لما خليت الوجت سرجني وانت بارضك ماشبعتش نوم جاك الهم. -طب انت رايح فين دلوك؟ -غير أشوف اللي ورايا.. اتنيل انت على عينك. نظر لأثره ببلاهة ثم عاد لنومه مرة أخرى مردفًا غير عابئ. -غور مطرح ما تغور انت حر... أكمل أنا نومي. ....................................... انتي بتقولي إيه يا سعاد؟ عايزاني أشتغل خدامة؟
قالتها سمرة بغضب وهي تنهض عن مقعدها، فنهضت سعاد هي الأخرى تصحح. -يا بنتي جليسة لواحدة مسنة.. مش خدامة؟ التفت لها بغضب. -يعني هاتفرق؟ ما الاتنين واحد! -لا تفرق يا "سمرة" البيت اللي انتي رايحاه مليان خدم وحشم وانتي هاتبقي وظيفتك بس الست الكبيرة تراعي مواعيد أكلها وأدويتها وتشاركيها وقتها بدل الوحدة اللي عايشة فيها. هزت برأسها تنفي تقبل الأمر وهي تجلس مرة أخرى.
-يعني بعد ما كنت مدرسة وليا وضعي.. اشتغل عند ناس غريبة في بيتهم خدامة ولا جليسة زي ما بتقولي؟ جلست سعاد خلفها وهي تجيب. -اسمعي يا سمرة أنا يا بنت الناس إن كان عليا مش عايز اكي تفارقيني.. بس انتي بنفسك بتقولي إن اللي اسمه (قاسم) ده ممكن يط ب عليكي في أي لحظة وانتي عايزة شغل وعايزة سكن ودول عندهم الاتنين.. همت لتجادلها ولكن "سعاد" أكملت.
-أنا عارفة إن الموضوع صعب عليكي بس يا "سمرة" انتي طالبة الأمان وأنا شايفه إنك هناك هاتبقي بأمان ودا لأن الناس دي مش ساكنة في عمارات ولا وسط الناس زينا.. لا يا حبيبتي دا دول ساكنين في مدن ليهم لوحدهم وأساميها بتتطلع في التليفزيون.. ماحدش زي حالاتنا بيدخل عندهم غير بالبطاقة دا غير الحرس اللي محاوط القصر.. يعني صاحبك ما يقدرش يوصل ولا يهوب هناك..
أطرقت بوجهها وهي واضعة كفيها على وجنتيها صامتة ثم ما لبثت أن تسأل بلهجة أخف. -طب هي الست دي ساكنة لوحدها؟ ابتسمت سعاد بخفة ثم أجابت. -شوفي يا سمرة هي معاها ابن بنتها راجل أعمال معاها في البيت وعازب لسه... فتحت فمها تعترض وتقاطع ولكن أوقفتها سعاد بإشارة بيدها تتابع.
-وهايخطب قريب على فكرة.. دا غير إنه اليوم كله مشغول وتقريبًا مش بيرجع غير وقت النوم.. دا راجل محترم أوي يا سمرة عكس التاني ده ابن خالته اللي ساكن في شقة لوحده ومقضيها نسوان.. أنا دخلت البيت دا كتير لما كنت بوصل فساتين للست الصغيرة أخته قبل ما تتجوز وتسافر بلاد بره ناس طيبين أوي ومحترمين. بللت شفتيها بتوتر وهي تفرك بوجهها لا تدري ماذا تقرر، فتابعت "سعاد".
-يا "سمرة" أنا قولتلك على كل حاجة وانتي قرري بنفسك ياختي واختاري وأنا معاكي في أي قرار تاخديه. صمتت قليلاً ثم أجابت بتردد. -طب أنا هاروح إزاي عندهم يا سعاد وأنا معرفهمش ولا أعرف بيتهم دا فين؟ وهاقدم نفسي إزاي ليهم؟ أجابتها سعاد بحبور. -أنا هاروح معاكي يا حبيبتي وهاقدمك ليهم وإن شاء الله متيسرة معانا.. أنا هاروح أتصل بالهانم دلوقتي أفرحها وجيالك حالا. قالتها ونهضت على الفور فرجعت سمرة بظهرها للمقعد تتمتم لنفسها.
-ياترى إيه مخبي لك الزمن تاني يا سمرة. .................................
بعد أن أبلغتها "سعاد" بموافقة "سمرة" بالعمل جليسة للسيدة "لبنا" مع تفاخرها بما تملكه "سمرة" من شهادة جامعية بالإضافة لثقافتها العالية وحسن مظهرها الذي يجعلها هدية غالية منها للسيد لرؤوف. ورغم تشكك "صافيناز" من صدق "سعاد" بالإضافة إلى فشل بحثها عن أخرى قامت بالاتصال برؤوف الذي كان جالسًا بغرفة جدته "لبنا" النائمة واضعًا قدميه على الكرسي المقابل وفوقهم "الاب توب" يتابع أعماله به واضعًا نظارته الطبية على عينيه والتي خلعها بعد أن تلقى الاتصال ليرد على "صافيناز".
-الو.... أهلاً يا صافي. وبلهفة فتاة مراهقة بعد سماع اسمها بصوته. -أهلاً يا رؤوف.. أخبارك إيه. ابتسم برزانة يقول. -أخباري يا ستي انتي عارفاها. خبأت ابتسامتها قليلاً حينما تذكرت مرض جدته لتسأله. -عاملة إيه تيته "لبنا" دلوقتي يا رؤوف؟ مش في تحسن برضو. تنهد بارتياح نسبي. -الحمد لله يا ستي.. هي أحسن من الأول بكتير بس أنا تعبت أوي.. انت لسه ملاقتيش واحدة تنفع جليسة؟ تلعثمت قليلاً بتردد.
-بصراحة يا رؤوف أنا من الصبح وأنا بلف على المكاتب اللي أعرفها وملاقتش واحدة بالمواصفات اللي انت طالبها بس يعني. أجفل لترددها قائلاً. -يعني إيه؟ هو في حاجة يا صافي. فركت بأطراف أصابعها على جبهتها تخبره بتوتر. -شوف أنا معايا بنت اسمها سعاد شغالة عندي أكيد انت تعرفها بتقول إن معاها واحدة قريبتها فيها كل المواصفات دي وأكتر بس أنا بصراحة مش مصدقها.. هاشوفها بكرة ولو لقيتها كويسة هاجيبها معايا....
كان يستمع إليها بتركيز شديد حينما ذكرت "سعاد" وقريبتها لا يعلم لماذا أتته صورتها وشعر أنها ربما لو كانت هي المقصودة لذلك حينما انتهت "صافيناز" عاجلها بقولها. -هاتيها وتعالي. أجفلت من قوله فردت عليه بتوتر وهي تنظر للمرآة وهي غير مستعدة على الإطلاق بعد أن خرجت من حمامها. -يا رؤوف أنا لسه ماشوفتهاش.. أشوفها الأول تنفع ولا لأ وبعدين أقولك. كرر مرة أخرى بتصميم أكثر. -ابعتيها مع سعاد يا "صافي" وأنا هاقرر تنفع ولا لأ.
ودت لو تقولها بصوت واضح أنها ليست جاهزة لمقابلته وتريد مهلة على الأقل ساعتين فأردفت. -طب ما تخليها بالليل أجيبها معايا. زفر بضيق وهو يبعد الهاتف قليلاً حتى لا تسمع ليردف بعد ذلك بكياسة. -شكلي تعبتك معايا يا صافي أنا بصراحة مش عارف أشكرك إزاي. ردت بسعادة غمرتها. -تشكرني ليه بس يا رؤوف.. مش عارف معزتك انت وتيته "لبنا" في قلبي إزاي. أكمل بمكر.
-عارف يا صافي عارف.. ارتاحي دلوقتي واتصلي بـ "سعاد" تجيب البنت أشوفها.. وتبقى تيجي انتي بالليل براحتك البيت بيتك يا صافي. ضغطت على شفتيها بابتسامة حالمة. -حالا يا رؤوف هاتصل بيها أبعتلك البنت.. وأنا إن شاء الله على بالليل أبقى أجي أطمئن على تيته وبالمرة أشوف البنت. تنفس بارتياح بعد أن أنهى المكالمة وأغلق هاتفه، فنهض عن مقعده وهو يتمتم مع نفسه. -أما نشوف بقى هاتطلع هي ولا لأ. ............................
استيقظ "محسن" من غفلته الثانية على صفقة قوية لباب السيارة وصوت "قاسم" وهو يسب ويلعن بأبشع الألفاظ حظه العسر.. بلع ريقه يسأل بخوف. -هو في إيه؟ حصلت حاجة؟ التفت إليه بعينين تقذف شررًا وأنفاس لاهثة من أثر انفعاله. -الزفت أبوها طلع محبوس.. تاهت مني تاني يا زفت الطين يا خ*م النوم. -كيف يعني محبوس؟ وانت عرفت منين؟ ضرب بكف يده على المقود بقوة يزفر حانقاً:
-عرفت من جارتها المرة العجوز. لا والادهى إنها جات امبارح تسأل عليه ومعاها صاحبتها. يعني لو كانت آخرت يوم واحد بس كنت هاجيبها بمنتهى السهولة. أجاب الآخر شارداً: -صاحبتها! وهي لحقت تصاحب كمان؟ نظر إليه بأعين نارية. لدب الخوف بقلب محسن وهو لا يعلم بما يدور بعقل هذا المجنون، فسأل بصوت مرتجف: -مالك بتبص كده ليه؟ اقترب منه يومئ بيده:
-أنت صح يا "محسن". أنا كنت ناسي. لما جالنا رمزي على البت اللي هاتساعدها هنا عشان ترجع لأبوها. محسن ببلاهة: -بت مين؟ -هاتعرف دلوقتي يا محسن. قالها وهو يدير محرك السيارة ثم قادها بسرعة هائلة ذاهباً إلى عنوان "سعاد" الذي أخذه من رمزي. وبعد بضعة دقائق معدودة توقفت سيارة أخرى في نفس المحيط. وترجل منها ثلاثة رجال. فنظر الأول بتفحص للمبنى يسأل: -أنت متأكد إن ده العنوان يا رفعت يا ولدي؟ خرجت منه تنهيدة مثقلة بالألم:
-متأكد يا عم "سليمان". ما أنا جيت هنا قبل سابج! سأل حسن مذهولاً: -جيت كيف يعني؟ نظر إليه قليلاً بغموض ثم أردف قائلاً: -إحنا هانفضل هنا في الشارع كتير. مش يدوبك بقى نروح نسأل ونشوفها قاعدة جوا ولا لأ. سليمان بلهفة: -عندك حق يا ولدي. يلا بسرعة يا حسن حرك رجلك. بلاش تبلّم كده.
وبداخل بهو القصر كانت تنظر إلى كل ما حولها بانبهار شديد. لا تصدق أن ما تراه حقيقياً. وهي التي لم يشغلها المال طوال سنوات عمرها. لكن مع هذا الثراء الفاحش اهتزت حصونها وشعرت بالفرق الشاسع مع هؤلاء القوم. سعاد وهي تتبعها بعينيها: -إيه رأيك؟ شوفتي الحاجات دي قبل كده يا سمرة؟ ابتسمت بسخرية: -بصراحة إحنا أغنى عيلة عندينا. اللي هي عيلة رفعت والزفت "قاسم" بيتهم ما يجيش نص القصر ده. وبيدها أومأت سعاد:
-لا والأهم بقى. إن ما حدش هنا يقدر يوصلك يا "سمرة". واديكِ شوفتي بنفسك تيران الحراسة اللي بره. الواحد فيهم يسد عين الشمس. ردت عليها ببعض الارتياح الذي يشوبه الخوف: -بس لو قبلوني بقى. "استاذه سمرة! التفتت الاثنتين على مصدر الصوت. ووجدوا فتاة بيونيفورم عاملات المنازل. فردت عليها "سمرة": -أيوه يا آنسة أنا سمرة. أومأت لها الفتاة بيدها ناحية باب المكتب تقول: -طب اتفضلي حضرتك البيه مستنيكي جوا. سعاد بلهفة:
-ومقالكيش على اسم سعاد. عشان أنا اللي جايباها. الفتاة بتهذيب: -حضرتك خليها هي تتفضل الأول وتبقى تدخلي أنتِ وراها. -يعني أنا هاخش لوحدي؟ أنا خايفة جوي يا سعاد. رتبت على كتفها تؤازرها: -ادخلي ولو معجبكيش الجو نمشي ولا يهمك. أجمعت شجاعتها ونهضت لدخول المكتب.
وقف ينظر لصورة أبيه المعلقة على الحائط معطياً ظهره لباب المكتب وهو يتلذذ بمذاق القهوة. بعد أن تأكد من ظنه حينما رآها من خلف ستائر مكتبه وهي تدلف للقصر مع سعاد. سمع طرقاتها الخفيفة على باب المكتب فأمر بصوت قوي: -ادخل. دلفت بخطوات خفيفة لداخل الغرفة حتى وصلت للبساط المفروش أرضاً وتوقفت خطواتها لتقول بصوت بالكاد يخرج منها من فرط توترها: -حضرتك أنا سمرة. التف بجسده بالكامل ينظر إليها بابتسامة متسلية:
-ما أنا عارف إنك "سمرة". أنتِ بقى فكراني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!