الفصل 34 | من 46 فصل

رواية سحر سمرة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم أمل نصر

المشاهدات
29
كلمة
1,861
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

أحس بالعجز عن حمايتها والتصدي لهذا المجرم وإيقافه، كاد أن يقتله. ليته استطاع مقاومته حينما اقتحم المنزل على حين غرة وفاجئه بهجومه المباغت، ليته امتلك القوة لمقاومته، ليته ما خرج من سجنه من الأساس، حتى لا يرى ابنته وهي تتعرض للابتزاز أمام عينيه، وهو مقيد الأيدي والأرجل في هذا الكرسي اللعين. حتى مقاومته المخزية لم تجدِ أي نفع. ولكن إلى متى سيظل بوضعه هكذا وهو لا يعلم شيئاً عن ابنته التي اختفت عن عينيه واختفى صوتها، ولم يعد يصل إليه في هذه الغرفة الموحشة، ولا حتى صوت هذا المجرم. ترى ما الذي حدث؟

فمنذ أن دخل إليه منذ قليل وحل وثاق أقدامه فقط عن الكرسي اختفى، ولم يعد مرة أخرى واختفى بعد ذلك أي صوت، فعاد المنزل إلى حالته الأولى في السكون. ولكن أين ابنته؟

لقد وصل أخيراً إلى باب المنزل، متحاملاً على آلامه بعد رحلة معاناة طويلة من السير مكمم الفم، ومقيد اليدين بالكرسي، الذي أجبر بحمله والسير به بفعل القيد. الوغد الملعون فك قيد أقدامه ولم يفك وثاق يديه، ليتركه في رحلة صراع للسير بالكرسي المقيد به، ورحلة مريرة للخروج من باب الغرفة، وها هو الآن أمام باب المنزل ولابد له من استحضار قوته مرة أخرى، حتى يشعر به أحد من السكان، فيجد منه المساعدة في فك قيده.

ظل "أبو العزم" في محاولته البائسة، والحركة المفرطة بالكرسي على باب المنزل مع صوت ندائه المكتوم في طلب النجدة حتى خارت قواه ولم تعد به طاقة. فظهرت بارقة الأمل أخيراً، حينما سمع طرقاً على باب المنزل، فزمجر بصوته بكل قوته وهو يقفز بالكرسي بصوت مزعج، فلم ينتظر كثيراً حينما وجد باب المنزل يُدفع بقوة فدلف رجل ضخم البنية الجسدية بصورة غير طبيعية. "يا نهار أسود، إيه اللي حصل بالظبط؟

قالها وهو ينزع اللاصقة الطبية عن فم "أبو العزم"، ويهم بفك وثاق يديه. أخرج "أبو العزم" نفساً طويلاً ومتحشرجاً، قبل أن يهتف بصوته: "أبوس إيدك يابني فكني بسرعة، عايز ألحق أدور على بنتي اللي اتخطفت وأعرف حصل لها إيه." التفت إليه برأسه بنظرة جزعة: "بنتك مين؟ أوعى تكون "سمرة" هانم؟ أنا "إسماعيل" الحارس الخصوصي بتاعها، وكنت جاي عشان أشوفها لما اتأخرت." صك بأسنانه وهو يجيبه بغضب:

"توك ما افتكرت يا أخويا، خلصني يا عم وفكني الله يسيئك، بلا حارس خصوصي بلا نيلة." دنا "إسماعيل" مرة خلف ظهر "أبو العزم" ليفك القيد المحكم جيداً على يديه وهو يهذي بزعر وخوف: "يا خراب بيتك يا "إسماعيل"، يا سواد عيشتك في الأيام اللي جاية يا "إسماعيل"، الله يخرب بيتك يا "ممدوح" أنت كمان وبيت "نت"! *** صرخ عليها بوحشية: "سمررررررررره!

وهو يراها تتدحرج على الطريق الممتلئ بالسيارات، كاد أن يفقد عقله حينما رأى سيارة توقفت بغتة عن دهسها، بمسافة لا تتعدى الشبر، لتتوقف على أثرها باقي السيارات. كل هذا في وقت لا يتعدى الدقيقة ولا يتعدى استيعابه. استفاق لنفسه، ليضرب بكفه بحركة عصبية على مقعد السائق وهو يهتف عليه صارخاً: "وجف العربية ياسوكة، وجف بسرعة يازفت انت." هتف الآخر من مقعده: "أوقف فين يا عم انت هاتودينا في داهية؟ صاح عليه بجنون: "هاتوقف يازفت انت؟

ولا أطلع مسدسي من جيبي وأخلص عليك؟ اضطر للتوقف مضطراً على مسافة ليست بقريبة منها، وسط هذه الفوضى من السيارات التي توقفت بسببها. ترجل من سيارته ناظراً إليها، ليجد مجموعة من البشر تجمعت حولها ومعهم سائق السيارة الذي كان يصرخ بصوت عالٍ: "ياساتر يارب، على المصايب اللي بتتحدف علينا، أنا كنت هاروح في داهية وأدوسها، يامنجي من المهالك يارب، ودي إيه اللي رماها قدامي دي وفي سكتي؟

سمع همهمات من بعض الأفراد ليجد أحدهم وهو يشير عليه بيده بصوت عالٍ وصل إليه جيداً: "زي ما بقولكم كده يا جماعة، هي نطت من العربية اللي هناك دي، والظاهر كده إن الرجلين اللي هناك دول هما اللي كانوا خاطفينها! اتجهت جميع الأعين على "قاسم" والسيارة و"وسوكة" الذي قفز سريعاً بداخل السيارة مردفاً لـ"قاسم" بخوف: "لسه برضوا عايز تروح لها؟ عشان تاخد لك علقة موت وبعدها تتحاكم في جناية الخطف، خليك يا عم أنا مالي."

ومع حركة البشر التي اتجهت نحوه للفتك به، قفز هو الآخر سريعاً، ليفاجأ بهذه البقعة الغزيرة من الدم التي تساقطت من كفه وأغرقت بنطاله والتي ما زالت مغروزة بها الشفرة، ومع تسارع الأحداث قد نسيها بيده، وتناسى الألم أيضاً بعد مشاهدة حبيبته وهي تقفز من السيارة بهذه الصورة المرعبة، لتضيع من يديه مرة أخرى مفضلة الموت عليه! ***

خرج مهرولاً من غرفة الاجتماعات التي نهاها قبل أن يبدأها وهو يصرخ في الهاتف بصوت جهوري دون مراعاة لمنصبه أو وضعه أمام العاملين لديه والشركاء الآخرين لأعماله. "أنا هاخرب بيتك انت والسواق يازفت انت! مبقاش أنا "رؤوف الصيرفي" إن ما كنت أندمك على عمرك النهاردة يا "إسماعيل" الك... انت والزفت التاني اللي معاك." "......... "اخرس خالص ما أسمعش صوتك وغور دور عليها بنفسك، على ما أجلك أنا والرجالة غووووور." جذبه "تيسير"

من ذراعه يوقفه: "إيه اللي حصل يا "رؤوف"؟ مالك كده شكلك بيقول إن في مصيبة حصلت! ربت بيديه على كتف "تيسير" بصورة عصبية: "ادخل انت كمل الاجتماع، أنا ورايا موضوع مهم أوي ولازم أخلصه بسرعة." "طب يا "رؤوف" فهمني الأول.... لم يكمل جملته فقد تركه الآخر مهرولاً ناحية المصعد دون الالتفات إليه وهو يتكلم في هاتفه مع "صفوت" رئيس الحرس.

وقف على باب غرفة الاجتماعات متسمراً وهو ينظر في أثره متعجباً من ما يحدث مع ابن عمه ولا يريد إخباره به! *** وفي الناحية الأخرى بعد أن أنهى "إسماعيل" المكالمة نظر لـ"ممدوح" بزعر: "اديني هاروح في داهية بسبب الفيلم اللي أصرت عليا إني أشوفه معاك، روح يا شيخ الله يخرب بيتك." هتف عليه الآخر حانقاً: "في إيه يا عم وأنا مالي؟ وأنا كنت عملتلك إيه بس؟ خبط الرجل بيديه على جانبيه ضارباً باستياء:

"عندك حق تقول ما بدالك، ما أنا اللي أستاهل عشان عيني غفلت عن الهانم في أول مشوار ليا معاها، أنا اللي أستاهل اللي يجرالي عشان اتسايرت مع واحد زيك! رفع جانب شفته مردفاً بغيظ: "واحد زيي!!! ليه يا خويا إن شاء الله؟ كنت كوخة أنا بقى ولا مش قد المقام مع سيادتك؟ استدار عنه ملوحاً بكفه قبل أن يهرول إلى والد "سمرة" الذي كان يسأل كل من يراه قادماً أو ذاهباً. وصل إليه سريعاً ليسأله بقلق:

"عرفت حاجة يا سعادة البيه عن الهانم بنتك؟ ولا حد من اللي بتسألهم دلهم على مكانها؟ أجابه "أبو العزم" بصوت خارج بصعوبة: "أنا سألت كل البقالين اللي هنا وكل الناس اللي أعرفها في المنطقة، كلهم بيأكدوا إن في واحدة نزلت من ساعة تقريباً ولابسة نقاب مع عيل صغير غريب عن المنطقة، وركبوا عربية حمرا وبعدها نزل واحد تاني من العمارة وغريب برضوا عن المنطقة، وركب معاهم العربية الحمرا ومشوا بيها! ***

فتحت عينيها وهي تستعيد وعيها، لتجد نفسها في غرفة جدرانها مطلية باللون الأبيض، موصل بكفها محلول معلق وهي نائمة على تخت طبي. تنفست بارتياح فيبدوا أن المعجزة قد حدثت، وتمكنت بالهروب منه بحركة مجنونة كادت أن تودي بحياتها، وهي الآن بغرفة داخل مستشفى لعلاجها. ولكن ما الذي يجعلها متأكدة أنه هربت منه؟ ولما لا قد يكون ما زال موجوداً معها هنا في داخل المشفى، وربما كان واقفاً الآن خلف الغرفة أيضاً!

فتح باب فجأة بقوة، فصرخت بأعلى صوتها وهي تتخيله هو من اقتحم الغرفة! فازدادت صرخاتها وهي تغمض عينيها، عله كان كابوساً فتستفيق منه. "اهدّي يا "سمرة"، اهدّي يا روح قلبي، أنا "رؤوف" وموجود معاكي أنا "رؤوف"، فوقي يا "سمرة" أنا... "انت "رؤوف"؟ والنبي بجد انت مش "قاسم"؟ قالتها وهي ترتجف من الخوف وتفتح عينيها بصعوبة، حتى تفاجأت بوجهه القلق أمامها، فشهقت ببكاء مرير وهو يشدد عليها داخل أحضانه.

"أنا آسف ياروحى، أنا آسف ياقلبي، سامحيني إني غفلت عنك المرة دي." ظل يهددها داخل أحضانه بفترة ليست بالقليلة، لتخرج أخيراً وهي تكفكف دموعها: "قاسم كان هايخطفني يا "رؤوف" وأنا هربت منه على آخر لحظة، دا وصل لأبويا وكان مكتفه...... آه صحيح، ابعت حد والنبي يروح ينقذه ويحل قيوده... "اهدّي اهدّي.... قالها بمقاطعة وهو واضعاً كفه على فمها وتابع بصوته الحنون:

"أنا عايزك تطمنيني على والدك، هو زمانه دلوقتي على وصول، عشان يطمنك بنفسه إنه بخير." تهلل وجهها الملئ بالكدمات وزينته ابتسامة رائعة منها: "والنبي انت بتتكلم صح يا "رؤوف"؟ يعني أبويا كويس دلوقتي بجد؟ أجابها وهو يمسح بطرف أصابعه على كدمات وجهها: "والله زي ما بقولك كده، بس أنا كنت عايز أسألك، هو انتي بجد يا "سمرة" رميتي نفسك على الطريق وسط العربيات؟ وما خفتيش لتروحي فيها؟ هزت برأسها وهي وقد أغشت عيناها بالدموع:

"العمر غالي جوي يا "رؤوف"، بس أنا مالقيتش قدامي سكة غير كده للهروب، دا مجنون ومش معترف بجوازي منك أصلاً." صك على أسنانه بغضب: "أنا إن ما كنت أربيه وأعلمه الأدب مبقاش أنا، المهم دلوقتي عايزك تحكيلي كل حاجة بالتفصيل الممل." وفى المساء وصل "تيسير" إلى قصر "رؤوف" بعد أن أنهى اجتماعه مع رؤساء المجموعة وبعض الشركاء. دلف إلى داخل القصر ليطمئن على ابن عمه، الذي خرج من الشركة بشكل ينبئ بحدوث كارثة.

ولكن ما حيره حقًا هو هذا التكتم الشديد من جانب "رؤوف"، وهو شيء لم يفعله معه طوال سنوات عمرهم. وصل إلى الباب الداخلي للقصر، وقبل أن يدلف، استوقفه هذا الصوت المنبعث من قريب لمشاجرة. كان صوتًا أنثويًا معروفًا لأذنيه، مع صوت رجولي لا يعرفه. ومع ذكرهم لاسم "سمرة"، زوجة "رؤوف"، ارتد بخطواته إليهم، حتى وقف بجوار شجرة صغيرة تخفيه عن أعينهم، ولكن تمكنه من سماع حديثهم جيدًا. سعاد وهي تهتف بصوت عالٍ:

-بلاش ملاوعتك دي معايا يا "ممدوح"، أحسن وديني لأكون فاتنة عليك قدام "رؤوف" بيه، وهو اللي يشوف صرفته معاك. هتف هو الآخر بصوت أعلى: -انتي اتجننتي يا ولية انتي وعايزة تلبسيني تهمة بالباطل؟ هو أنا أعرف منين الزفت "قاسم" ده عشان أتفق معاه وأساعده يخطف "سمرة" كمان؟ بشبه ابتسامة ساخرة: -طيب لما أقول لك يا حبيبي، إن "سمرة" قالت بنفسها إن "سوكة" صبي القهوة في منطقتنا كان بيساعده، يبقى أنت تفسر ده بإيه؟

وأنا وأنت عارفين كويس قوي، إن "سوكة" ده يبقى صبيك في بيع الهباب والبرشام لزباين القهوة. قول يا "ممدوح" بالحقيقة وريح قلبي الله يسيئك. ضرب كفيه بقوة: -الله يخرب بيتك يا شيخة! عايزة تلبسيني مصيبة على الفاضي، عشان مجرد وهم في دماغك. اقتربت منه تطالبه برجاء: -اسمعني كويس يا "ممدوح". أنت لما طلبت إني أساعدك في الشغل هنا، أنا ماتأخرتش وكلمت "سمرة" اللي ما صدقت إنها تساعدك عشان تاكل لقمة بالحلال. رد عليها بسأم:

-عارف أنا كل الكلام ده يا بنت الناس، بس ده إيه لزومه معايا دلوقتي؟ -لزومه إننا نحفظ المعروف وما نؤذيهاش. "قاسم" دا مش طبيعي يا "ممدوح". دي لما هربت من البلد مكانش من أهلها ولا خطيبها، لا دا كان من "قاسم" ده، اللي هددها بقتل أخوه لو استمرت في خطوبتها منه وكملت بجوازها. دا مجنون بحبها بشكل مرضي، يعني ماتستبعديش عنه أي فعل إجرامي في سبيل الوصول ليها. بلع ريقه وهو يحاول التماسك أمامها: -برضه أنا ما يخصنيش كلامك ده!

عشان أنا راجل نضيف وما فيش على حيطتي غبار، ولا أعرف "قاسم" ولا غيره. اكتفى بهذا القدر قبل أن يعاود لطريقه مرة أخرى في الدخول للقصر، بعد أن عرف سر الجميلة زوجة ابن عمه وحبيبها المهووس. *** في اليوم التالي خرج من غرفته مجفلًا على هذه الأصوات الصادرة من داخل المنزل، لوالدته "نفيسة" وهي ترحب بولدها وتعانقه بحنان الأم لأبنائها، حتى لو كانوا سيئين ولا يستحقوا.

برقت عيناه وهو ينظر إليه بغضب مستتر، وهو يعيد بذهنه كل كلمة سمعها في التسجيل. بابتسامة مريبة وغامضة: -حمد الله عالسلامة يا جلب أخوك. أنت رجعت بالسلامة يا "قاسم" من امتى كده؟ رد على شقيقه بوجوم: -الله يسلمك يا خوي. أنا لسه واصل حالا أه، واسأل أمي حتى. بزاوية فمه ابتسم بجمود: -ما فيش داعي إني أسألها، كفاية إني شوفتك. يالا بقى عشان تاكل لقمة وتريح جسمك وبعدها، تجيني على الشغل في الشونة، أنا عايزك ضروري. تدخلت "نفيسة"

معارضة: -وهي طارت الدنيا عن الشغل يا "رفعت"؟ ماتسيبوا يريح النهاردة وبكرة يجيلك. رد على كلامها بتصميم: -أنا قلت ياكل ويريح جسمه الأول يا أما، ثم إني أنا عايزه في موضوع ضروري. دي فايدة وفلوس كتيرة يا "قاسم". حتسيب حقك برضه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...