ترجلت من سيارتها الفارهه بعد أن اطمأنت جيدًا لملبسها، وأعادت مرة ثانية وضع الزينة على وجهها أمام مرآة السيارة حتى تصبح بأبهى صورة. تهادت بخطواتها وهذا الحذاء العالي حتى وصلت إلى باب منزله الجميل فدخلت أمام الحارس دون استئذان، والآخر رفع يده بإشارة ترحيب وهي اكتفت بالنظر إليه فقط. أكملت السير وهي تعلم وجهتها جيدًا بداخل الحديقة، فاقتربت منها بخطوات بطيئة حتى أصبحت خلفها تمامًا، فقبلتها على وجنتها المجعدة.
-صباح الخير يا تيته. ضحكت المرأة بعد أن أجفلتها بقبلتها. -صباح الفل يا أحلى صافي. جلست أمامها وهي تردف. -وحشتيني يا تيته، قولت أجي أشوفك وأشرب الشاي معاكي. ردت المرأة بحبور. -يا حبيبة قلبي انتي، دا انتي تأنسي وتنوري. يا "حسنية" يا بنت، راحت فين دي؟ -بتندهي على مين يا "تيته"؟ زفرت المرأة بضيق. -بنده عالبنت اللي جايبها رؤوف مخصوص عشان خدمتي، تاعبة قلبي، ولا مرة أما أعوزها ألاقيها جنبي. أردفت "صافي" بضيق. -وسيباها ليه؟
ماتمشيها! ردت المرأة بابتسامة. -وأقطع عيشها يا بنتي، قطع الأرزاق حرام. تشدقت أمامها بضيق. -إزاي يعني تبقى مهملة وانتي هامك إنك ماتقطعيش عيشها؟ صحتك يا تيته "لبنى" دي أهم حاجة. -مالها صحة تيته؟ تسارعت دقات قلبها حينما سمعت صوته الآتي من قريب، فنظرت إليه تتحدث بفرحة. -رؤوف، انت هنا من امتى؟ -أنا حالا واصل اهو، حبيبة قلبي أخبارك إيه النهارده؟
قالها وهو يقترب بحلته الجميلة ويقبل رأس جدته، فغمرتها رائحة عطره المميزة لتستنشقها باستمتاع، فرفع رأسه. -عاملة إيه يا "صافيناز"؟ أجابت بابتسامة رزينة. -الحمد لله يا "رؤوف"، أخبارك انت إيه؟ أجابها وهو يجلس أمامهم. -أنا الحمد لله يا ستي، كنتي بتقولي إيه بقى عن صحة جدتي؟ -مافيش يا حبيبي، أنا صحتي تمام و عال العال. قالتها المرأة بسرعة، فراجعتها "صافيناز" بتشدق.
-لأ يا "تيته" ماتغيريش الموضوع، إحنا بنتكلم عن البنت اللي جايبهالك "رؤوف" مخصوص لصحتك، وهي دايمًا بتسيبك وتهمل في رعايتك. نظر إلى جدته بغضب. -هي البنت دي فين صحيح ومش موجودة جمبك؟ -يا ابني "صافي" بتهول... قاطعها هو يصيح بصوت عالٍ. -حسنية، انتي يا بنت يا "حسنية". أتت البنت مهرولة. -أيوه يا سعادة الباشا، أنا جيت اهو. نظر إليها بغضب. -كنتي فين وسايبة تيته وحدها؟ أجابت البنت بلهفة.
-أبداً، يا سعادة الباشا، أنا كنت بكلم أمي في التليفون وجيت على طول أما ندهتلي. -طيب اعملي حسابك دي آخر مرة تهملي مع الست الكبيرة، انتي فاهمة ولا لأ. قالها بصرامة أرعبتها، وهي ردت بخوف. -فاهمة يا باشا، فاهمة ومش هاتتكرر تاني. نهض عن كرسيه وهو يأمرها. -طيب يلا شوفيها اتغدت ولا لأ. أجابت البنت بلهفة. -لا هي لسه ماتغدتش، أحضرلك يا هانم الغدا حالا. أجابت لبنى.
-حضري يا "حسنية" عشان "صافي" هاتتغدى معانا، ولا إيه رأيك يا صافي؟ نظرت إليه بهيام. -أنا موافقة، دا أنا حتى بحب قوي جو العيلة، ولا إيه رأيك يا رؤوف؟ أومأ برأسه بابتسامة لطيفة أمام نظرات جدته الفرحة. -طبعًا دا أكيد، طيب أنا هاروح أغير هدومي بقى وأرجع أتغدا معاكم.
دلف إلى داخل المنزل وشياطينه تتراقص أمامه، بداخله شحنة من الغضب لو أفرغها في قرية كاملة لأحرقها بالكامل دون استثناء، ولكنه لا يريد كشف أوراقه الآن وافتضاح أمره. -مساء الخير. ألقاها إليهم فأجفلهم بها وهم جالسون على مائدة الطعام يتناولون وجبة الغداء، نهضت والدته عن مقعدها أمام الطعام بلهفة تعانقه وتقول. -انت جيت يا ولدي، أخيراً، يا حبيبي دا أنا مخي كان بيودي ويجيب عليك، ليه كده بس يا ولدي تجلجني عليك بس؟
ترك رفعت طعامه ينظر إليه بغضب. -مش هاين عليك تتصل انت ولا ترد على اتصالاتنا تطمنا عليك، طب حتى جدر لهفة المسكينة دي عليك! قال الأخير بإشارة إلى والدته، فنظر الآخر إلى والدته قبل أن يجيب. -أنا تعبت امبارح واتحجزت في المستشفى. نهض رفعت عن طعامه بلهفة و"مروة" أيضًا، وتشبثت به والدته قلقًا. -ألف سلامة عليك يا حبيبي، دا انت صح وشك مصفر، إيه اللي جرى لك؟ مروة بلهفة. -سلامتك يا خوي ألف سلامة. رفعت وقد اقترب منه يتفحصه بقلق.
-إيه اللي تاعبك يا "قاسم"، قول لي وطمني. وزع نظراته إلى الثلاثة يردف. -أنا جعت من طولي امبارح و"محسن" خدني المستشفى، الدكاترة قالوا لي ضغط وحجزوني من امبارح، مطلعتش غير دلوك لما صرحوا لي بالخروج. صاح "رفعت" منفعلًا. -طب ما جولتناس ليه؟ ولا رديت على اتصالاتنا، ومحسن الزفت دي مجاش ليه وقالنا باللي حصل؟ أجاب عليه بفتور. -أنا اللي نبهت عليه عشان ما تجلاجوس عليا. أردفت "مروة" بدهشة. -انت اللي نبهت!
نظر إليها بطرف عينه وصمت، وتكفلت والدته بالباقي وهي تجذبه بيدها ناحية غرفته. -ألف سلامة عليك يا ولدي، تعالي ريح جسمك يا حبيبي، تعالي وأنا هاحضرلك لقمة تسند بيها نفسك، تعالي. نظرت "مروة" في أثره مع أخيها "رفعت" لتردف. -مش بعاده يعني يتعب ويتألم وما بجولناش ولا يعمل فيها غاغة عشان تعبان! بادلها "رفعت" النظرة دون أن ينطق بحرف.
وبداخل القطار وعلى مقعدها كانت جالسة بتوتر وقلق، فهذه أول مرة تخرج وتسافر وحدها، رغم تعبها ورغبتها الملحة في النوم مع هذه المسافة الطويلة التي استغرقت ساعات وهي حاضنة حقيبتها الكبيرة وكأنها درع حماية لها، مما أثار ريبة كل من رآها، خصوصًا وهي تتجنب الحديث معهم، وإذا سُئلت عن شيء أجابت على قدر السؤال، وخوفها الشديد جعلها تتوقع رؤيته في القطار مع كل فرد سار أمامها، ولكن الأمل بلقاء أبيها هو ما كان يهون عليها، وكأنها عادت طفلة صغيرة مع هذه الاتصالات المتكررة من صديقتها "رحمة" التي تدعمها، رغم كل هذا التخبط والخوف الذي تشعر به، لكن ببعدها وسفرها الآن، ما الذي سيحدث وما الذي ينتظرها؟
في المساء وبداخل منزل "سليمان" كان الرجل يقطع المنزل ذهاباً وإياباً بقلق وهو ينظر لساعته كل دقيقة. -واعية بتك يا "بسيمة" وعمايلها، في رحلة تجعد لـ 9 بالليل، خبر إيه؟ دي عمايل ناس عاجلين برضو؟ فردت كفها بقلة حيلة. -يعني أنا كنت شفتها أساساً وهي طالعة! ردت "نعيمة" زوجة سليمان. -يا بوي أنا اللي أعرفه قولته، البنية كانت شايلة شنطة كبيرة وبجولها رايحة فين بالشنطة الكبيرة دي.
جالت لي دي هدوم وأدوات للطلاب عشان الرحلة اللي طالعة معاهم. تدخلت "رضوى" تردف بريبة. -شنطة كبيرة كيف يعني؟ وأدوات إيه دي اللي هاتاخدها في رحلة مدرسية؟ وكمان طالعة من جبل ماحد فينا يصحى، خبر إيه رحلة سفاري هي؟ سليمان وقد ازداد الشك بقلبه. -واه، انتي ليه هاتخلي الفار يلعب في عبّي يا "رضوى"؟ دي حتى ما بتردش على اتصالي بيها. ردت بسيمة. -ماهي ماخدتش تليفونها وباينها نسيته عشان التليفون قاعد فوق في أوضتها. صاح سليمان بقوة.
-كيف يعني ما تاخدش تليفونها معاها؟ هي بتك عيلة صغيرة! دي العيلة الصغيرة ما بتسيبش تليفونها من يدها، فين التليفون ده خليني أشوفها. نهضت "رضوى" عن مقعدها بحماس. -هاروح أنا أجيبهولك يا بوي، وأشوف اللي حاصل بالظبط. قالتها ولم تنتظر الرد من أبيها فقد هرولت مسرعة لتصعد الدرج. -يعني عدت من جدامك وما شوفتهاش؟ قالها "محسن" بشماتة مستترة لـ "قاسم" الذي نهض عن مقعده بعصبية. -كل ما افتكر بت الـ...
اللي لخمتني بالكلام وخليتها تعدي جدامي بالنقاب وتهرب مني نار تجيد فيا. -عندك حق بصراحة، دي ما جابتهاش ولادة دي اللي عرفت تلخّمك وتخدعك. -لم نفسك يا "محسن" بدل ما أخلص عليك دلوقتي. قالها بصوت جهوري أثار الرجفة بقلب صديقه، فحاول تفادي غضبه وسأل. -طب انت ما عرفتش هي ليه أخدت إجازة بدون مرتب؟ صك على أسنانه بغيظ.
-ماهو دا اللي هايطير برج من نفوخي، واللي غايظني أكتر إني برن عليها فوق المية مرة ومش معبراني، يعني أروح أثبت خالها بالسلاح وأخطفها من جدامهم. -واه، يا وجعة طين دي تبجى فتنة في البلد كلها. قالها "محسن" بدهشة شديدة وجزع، والآخر نظر إليه بقوة ليؤكد مقصده. -إن شاء الله حتى تولع نار وتروح فيها البلد كلها، أنا هاجيبها وأتجوزها غصبًا عنها وعن الكل. -يا منجي من المهالك يا رب.
قالها "محسن" بصوت خفيض خوفًا من هذا المجنون، أما الآخر تناول هاتفه يحاول الاتصال بها للمرة المئة عسى أن تجيب، هذه المرة لم ينتظر كثيرًا، فقد أتاه الإجابة من الناحية الأخرى. -الو، مين اللي بتكلم؟ هم بالصراخ عليها أو الرد، ولكن أجفله الصوت فصمت ليتأكد، فاتاه الصوت مرة أخرى. -الو، مين اللي بيتصل؟ قفل الاتصال وهو يتمتم بغضب ودهشة. -رضوى! ودي إيه اللي وصلها لتليفون "سمرة"؟ هو في إيه بالظبط؟ قبل قليل.
بعد أن دلفت "رضوى" لغرفة "سمرة" تفحصتها قليلاً قبل أن تذهب لخزانة الملابس وتجد اختفاء بعض الملابس الأنيقة التي معروفة بهم "سمرة" وبعض الملابس البيتية، وبنظرة إلى صندوق المجوهرات وجدت أنه فارغ، فتأكد ظنها، شعور بالسعادة طفى عليها بشكل غريب. حينما رأت الهاتف وجدت الورقة مطوية تحته لتقرأها باستمتاع، وخصوصاً هذا النص الذي تذكره "سمرة" بأسفها للمغادرة والهروب.
كادت أن ترقص من الفرحة، فقد تحقق حلمها وانزاحت عن طريقها أكبر عقبة في طريقها. ولكن هذا الاتصال الذي فاجأها قبل أن تخرج من الغرفة. نظرت إلى الرقم المدون على الهاتف بعد غلق المكالمة وكأن سكينة حادة اخترقت قلبها. "قاسم! قالتها بصدمة حقيقية، فهي تعلم رقمه وتحفظه جيداً. وبنظرة سريعة رأت عدد الكم المهول من مكالماتها التي لم ترد عليها، مع اتصالات "رفعت". طبعاً، سقطت الدمعة الساخنة وكأنها تحرق عينيها.
إنه ما زال يحاول معها ويستجدي رضاها، بالإضافة لخطيبها المزعوم الذي يغدق عليها بحبه، وهي المسكينة التي تهاتفه مئات المرات ولا حتى يكلف نفسه عناء الرد عليها. صرخة خرجت منها وهي تهرول من الغرفة وتصيح: "سمرة هربت وجابتلكم العار يابا.. سمرة هربت." *** وقفت "سمرة" في المكان الذي وصفته لها "سعاد" بدقة داخل المحطة، بعد أن كلمتها في الهاتف بناءً على توصية جيدة من "رحمة".
قلبها يرجف بقوة خوفاً من هذا المكان الكبير والمزدحم بالبشر. "مساء العسل." هذه المرة الثانية التي تُقال لها من رجال لا تعرفهم. كلما مروا بجوارها ألقوا إليها بعض كلمات الغزل. وهي ممسكة بحقيبتها بقوة وهي تردف الأدعية الحافظة لها والمنجية. "القمر قاعد لوحده ليه؟ أجفلت منتفضة من هذا الغريب الذي يحدثها بنظراته الجريئة لها. أجمعت شجاعتها ترد بقوة: "وانت مالك؟ اقترب أكثر مائلاً إليها برقبته: "ليه بس ياقمر؟ دا إحنا نحب نخدم!
ارتدت برأسها للخلف تردف بحدة: "خبر إيه يا جدع انت؟ حد طلب منك خدمة ولا زفت! ابتسم بخبث: "حلو أوي.. انتي من الصعيد بقى.. وجاية مع حد تاني ولا هربانة؟ فتحت فمها بدهشة وهي تنظر برعب، مما شجعه على مسك يدها. "طب تعالي بقى دا أنا هاسكنك في أحلى حتة في البلد." حاولت جذب يدها وهي تصيح بخوف: "سيب إيدي يا جدع انت.. انت اتجننت ولا إيه! جذبت انتباه المارة الذين توقفوا للسؤال، فأردف إليهم بخشونة:
"دي مراتي يا جدعان وعايزة تمشي وتسيبني.. ماحدش يدخل ما بينا." صرخت هي بعلو صوتها: "والله ما مراته دا بيكذب! وبكل كذب: "عيب عليك يا سميحة.. بلاش تفرجي الناس علينا." تساقطت الدموع من عينيها من هذا الرجل الذي يدعي عليها بهتاناً وزوراً وهو ممسك بمعصمها وبقوة. تحاول أفلات يدها ولا تستطيع، وهي تصيح بنجدتها ولا أحد يقدر على مساعدتها. حتى وجدته يصرخ أمامه من ضربة قوية بالحذاء أتته من الخلف. "بتضربيني يابت ال...
انتي اتجننتي ولا عقلك طار منك؟ "سيب إيدها بدل ما أجيبلك أهلها من بيوتهم حالا يقطعوك حتت يابن ال... نظرت إليها "سمرة" فتحققت منها جيداً، إنها هي "سعاد" صاحبة الصورة التي في الهاتف والتي حدثتها منذ قليل. "الحمد لله.. انتي جيتي! قالتها وسقطت مغشياً عليها بعدها. *** وبداخل بيت "سليمان" وكأن نيران اندلعت فيه بعد هذا الخبر المؤلم الذي ألقته "رضوى".
"بسيمة" تندب وتضرب على خدها، و"نعيمة" تبكي بحسرة على "سمرة" التي خدعتها وفعلت هذه الفعلة الشنيعة بحقهم. أما "رضوى" فكانت جالسة كالصنم وقلبها يحترق من الداخل. أما "سليمان" فكان يضرب كفاً بالأخرى وهو يصيح بصوته: "أقول إيه للناس وبتك دخلتها آخر السبوع يا بسيمة.. أقول إيه وبتك جابتلي الفضايح يا بسيمة، لكن أعمل إيه؟
كله من تحت راسك انت يا وش المصايب.. شايفها ماشية ولامة هدومها.. بتضحك عليكى وتمشي من جدامك. أطبق في رجابتك دلوك وأحط غلبي فيكي." قال الأخيرة بإشارة إلى "نعيمة" التي ازدادت في البكاء. فتدخلت "رضوى" بشراسة: "أمي ملهاش ذنب.. دي دوكها هي اللي فاجرة ولا همها أهل ولا فضايح." "بسيمة" بقسوة: "أنا لو وشوفتها دلوك ها أقطعها بسناني." صاح أخوها بسخرية: "مش لما تشوفيها يا أختي.. حد عارفها راحت فين؟
"يادي فضيحتك يا سليمان اللي هاتبجى بجلاجل.. ياريتها كانت ماتت ولا كانت عملت اللي عملته." صاح هاتف "سمرة" فجأة، فنظر الجميع ناحية "رضوى" الممسكة به. "نعيمة" بأمل: "افتحي يا رضوى لتكون هي المتصلة." نظرت "رضوى" بقسوة للهاتف حينما رأت الاسم، ودون تردد فتحت على المتصل. "الو..... أيوه يا أستاذ رفعت دا تلفون سمرة بس هي مش موجودة ودا لأنها طفشت وهربت!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!