فى حى قديم من أحياء القاهرة ومكتظ بسكانه، كانت تسرع بخطواتها وهى ترفع بيديها العباءة عن المياه الراكده فى الأرض واليد الأخرى ممسكة ابنتها الصغيرة. -يالا يا "حنين" مدى برجلك شوية، خليني أوديكى عند ستك عشان أحصل صاحبة الشغل ترفدني، ياللا يا حبيبتي. -ازيك يا "سوسو"؟ قالها هذا الرجل الذي خرج لها من العدم يتصدر أمامها. شهقت مفزوعة: -يخربيتك ياشيخ، أنت اتجننت يا جدع أنت؟ ضحك بسماجة حتى ظهرت أمامها أسنانه:
-أنت اتخضيتى يا "سوسو" هههههه؟ نظرت إليه بامتعاض تردد: -شالله تخيب أكتر ما أنت خايب! -ليه بس الدعا يا "سوسو" على حبيبك؟ لوحت بكفها بازدراء: -يا خي حبك برص، أنت ياراجل أنت مش ناوي تتعدل بدل الخيابة اللي أنت فيها دي؟ وضع يده على قلبه يتنهد: -بقى حبى ليكي بقى خيابة، يا خسارة يا "سوسو". صاحت بغضب: -بقولك إيه، أنا مش ناقصاك يا "ممدوح" ومش فاضية لعمايلك دي، سيبني أحصل شغلي يا ابن الناس الله لا يسيئك. ابتعد عن طريقها يردد:
-خلاص يا "سعاد"، عدي يا حبيبة قلبي وحصلي شغلك، وأنا موجود وأنتي موجودة والكلام عمره ما هايخلص مابينا. تخطته تردف بغيظ: -شالله عمرك هو اللي يخلص يا بعيد، ياللا يا بت مدي برجليكي كفاية تأخير. ......................... -استنى يا أبله انتي وهي، خبر إيه مش سامعيني؟ قالها وهو يتقدم بخطواته خلفهم. هوى قلبها وكادت أن تسقط مغشياً عليها وهي تنظر لصديقتها برعب. أومأت لها الأخرى بالتقدم والتفتت هي له تومئ بسباتها.
-أنت بتكلمنا احنا؟ -حد غيركم أبلوات يعني في الشارع؟ صاحبتك مشيت وسابتك ليه؟ قالها وهو يومئ برأسه ناحية "سمرة" التي أكملت طريقها دون الالتفاف. أحكمت السيطرة على توترها وأجابت بغضب: -وأنت مالك بصاحبتي دي، ملتزمة وجوزها محرج عليها تتكلم مع راجل، أنت بقى عايز إيه؟ أجفل من حدتها فقال: -وأنا مالي بيها ياستي؟ أنا كنت عايز أسأل عن واحدة بما إنكم أبلوات، اسمها "سمرة" تعرفيها؟
أربكها سؤاله وهي لا تدري بما تجيب بالصدق أم بالنفي، ولكنها أجابت في الأخير: -هي زميلة معانا، أنت مالك بيها؟ -واه، أنت كل اللي عليكي مالك بيها؟ دي قريبتي وبت عمي، فكنت عايزك تندهي لي عشان عايزها في موضوع ضروري. يتحدث بموضوعية تخفي غرابة شخصيته، ولكنها أيضاً تجيد التحدث. -يا أستاذ بتوقفني في الشارع وتقول لي انده لي بنت عمك، ما تدخل بنفسك المدرسة ولا روح لعم "عطية" البواب، قول له ينده لك، أنا مالي أنا؟
الله يجازيك عطلتني عن مشواري وخلت صاحبتي سبقتني، الله يجازيك! ظلت ترددها وهي تسير من أمامه وتتركه ينظر في أثرها مذهولاً منها. ............................... ترجلت من سيارة الأجرة وهي تسرع بخطواتها كالركض حتى وصلت للباب الزجاجي لمحل الملابس الفاخر، دلفت إليه تتنفس بسرعة. -ازيك يا هانم. قالتها للفتاة الجالسة أمامها بارستقراطية على مكتبها الزجاجي وهي تقلب في صفحات المجلة أمامها. رفعت الفتاة رأسها تنظر لها بغضب.
-تاني تأخير يا "سعاد"؟ بلعت ريقها تتحدث بتقطع: -معلش بقى يا هانم، أنتي عارفة العيال ومدارسهم. نظرت إليها بامتعاض: -خد نفسك الأول وبعدين اتكلمي، ثم إن الشغل ما فيهوش عيال ولا غير عيال، الشغل شغل. سعاد بلهفة: -طبعاً يا هانم، الشغل شغل بس معلش سامحيني المرة دي، أنتي عارفة اللي ورايا. نزلت بانظارها للمجلة ثانية وهي تردف بحنق:
-اخلصي روحي البسي يونيفورم المحل وشوفي الهدوم اللي متعلقة دي وظبطيهم كويس وخلي واحدة من البنات تيجي تساعدك، اخلصي. أسرعت بحماس: -أوامرك يا هانم، هوا ورجعالك. رددت الأخرى وهي تقلب في المجلة: -اعمل بس، ما لو ما كنتيش شاطرة وشايلة المحل، كنت استغنيت عنك من زمان! -بتبرطمي مع نفسك تقولي إيه؟ رفعت رأسها تنظر لصاحب الصوت مبتسمة: -أهلاً، تيسير باشا بحاله عندنا! رفع نظارته السوداء عن عينيه وجلس بخيلاء أمامها:
-عاملة إيه يا "صافي"؟ وحشتيني؟ رفعت حاجبها الرفيع تردف: -قال يعني بتسأل! ماتشوفش وحش يا روحي! تشدق قائلاً: -مشغولياتي كتير طيب يا "صافي"، أعمل إيه بس؟ ضحكت بسخرية: -أنت هاتعملها عليا يا "تيسير"، فاكرني مش عارفة! إن اللي شايل الشيلة كلها في الشركة "رؤوف" ابن عمك. -رؤوف، حبيب القلب! نظرت إليه غاضبة: -بطل تستفزني يا "تيسير"، أنا بقولك أهو. مال بجسده أمامها: -واستفزك ليه بس يابنتي؟
رؤوف بدأ يستسلم لزنّي أنا وتيته "لبنا" وإن شاء الله قريب هاتلاقيه متقدملك، بس متنسنيش بقى بالحلاوة. داعب الأمل قلبها ولكنها ردت بجدية: -اسمع يا "تيسير"، إياك تكون بتهزر، أنا مش فاضية للعب بتاعك. ابتسم بزهو وهو يضع قدم فوق الأخرى: -وغلاوتك يا عيني يا "صافي" ليحصل! ..............................
وعوده لـ "سمرة" التي وقفت بجوار زاوية بحائط مبنى بعيدة عن أنظار "قاسم" وهي تضع يدها على قلبها في انتظار صديقتها "رحمة". تدعو الله بكل تضرع، حتى أجفلت لرؤيتها أمامها وهي تضحك. -عرفتي تعدي منه؟ أجابت "رحمة" بتفاخر: -طبعاً يابنتي، هو أنا هينة. أردفت "سمرة" بفرحة: -الحمد لله، أنا كنت هاموت من الخوف، بس كويس إنك عرفتي تخدعيه! ردت عليها بمرح:
-وأخدع عشرة غيره كمان، يالا بقى خلينا نوصل المحطة ونحصل القطر، وكمان عشان تلحقي تغيري النقاب في حمامات المحطة. قالت هي الأخيرة وهي تسرع بخطواتها، و"سمرة" تومئ برأسها توافقها وهي تعدو بسرعة مثلها. ..............................
كان يسير ذهاباً وإياباً أمام سيارته بعصبية، وهاتفه لا يتوقف عن الرنين. ود لو يستطيع الدخول إليها، ولكنه أيضاً لا يريد انكشاف أمره. زفر بضيق من هذا الهاتف فأغلقه تماماً، وذهب باندفاع ناحية حارس المدرسة العم "عطية". اقترب بهدوء يلقي الصباح على الرجل: -صباح الخير. اعتدل الرجل في جلسته: -صباح النور يابيه. -بجولك إيه يا عمنا، كنت عايزك في طلب. أجفل الرجل منتبهاً: -طلب إيه يابيه؟ أنا مجدرش أتحرك من جدام المدرسة.
أخرج بعض النقود الورقية ليضعها في كف الرجل ويطبق عليها فيقول: -يارجال وأنا هاسخرك بعيد؟ أنا بس عايزك تدخل المدرسة تنده لي الأبلة "سمرة" وبس كده. تهللت أسارير الرجل حينما رأى كمية النقود في يده: -وأقولها مين عايزها؟ -قول لها، واد عمك بره وعايزك في موضوع ضروري يخص الوالدة. نهض الرجل يتحدث بحماس: -مدام يخص الوالدة يبقى ضروري تطلع لك، ثواني يابيه أندهها وأيجي. -إذنك معاك.
قالها وهو يضع السيجارة في فمه، وانتظر بعض الدقائق، حتى أتى إليه الرجل مهرولاً: -الأبلة "سمرة" مش موجودة جوه، لأنها مشيت يابيه. نظر إليه بغير تصديق: -مشيت فين؟ أنا قاعد هنا من الصبح، يبقى إمتى مشيت؟ -والله زي ما بجولك يابيه، أنا دخلت سألت عليها عند المدرسات وقالوا لي إنها مشيت من يجى نص ساعة بعد ما خلت المديرة تمضيلها على إجازة من غير مرتب. اندفع يمسك الرجل من تلابيب ملابسه: -أنت بتخرف بتجول إيه؟
هاتكون عملت لها جناحين يعني وطارت! الرجل بخوف: -وأنا مالي بس يابيه؟ أنا إيه ذنبي! سأل بغضب: -المدرسة دي ليها باب تاني؟ هز الرجل رأسه نفياً: -لا يابيه، احنا مدرستنا صغيرة. فهدر بشراسة: -أمال يعني هاتكون راحت فين ولا طلعت إزاي، لبست طقية الإخفاء... لم يكمل جملته، حينما تذكر النقاب والمرأة التي أقرعته بحديثها، فترك الرجل بعنف ليركض إلى سيارته. وبداخل السيارة كان يتنفس بخشونة وصوت عالٍ:
-بتلبسي نقاب يا "سمرة" وتجرطسيني، ده أنا هادبحك أنتِ والمحروسة اللي وقفت تضحك عليا، حاضر حاضر. -تبجى تخلي "رفعت" ينفعك بعد كده؟ ...................................
وبداخل وكالة الغلال الكبيرة كان "رفعت" جالساً على مكتبه، يكاد يقتله القلق، فقد هاتفها مرات عديدة وهي لم ترد عليه ولو مرة واحدة، وهذه ليست من عادتها، فمنذ أن أتى لها بالهاتف الجديد وهي ملتزمة معه بالرد وإن لم تستطع أرسلت له رسالة أو عاودت الاتصال في وقت لاحق. وما زاد قلقه بمراحل هو اختفاء أخيه منذ أمس، وهو أيضاً لم يرد على أي من الاتصالات، فرك على وجهه بكفه الخشنة يقول بصوت خفيض:
-استغفر الله العظيم يارب، أنا مخي راح فين بس؟ هز برأسه يجلي هذه الأفكار عنها، ثم تناول هاتفه يحاول ثانية، ففوجئ بالرد هذه المرة ولكن بصوت مختلف: -الو، مين عالتليفون؟ رد عليها يتحقق من الصوت: -أنتي خالتي "بسيمة"؟ المرأة وقد تبينت هويته من صوته: -أيوه يا "رفعت" يا ولدي، أنا خالتك "بسيمة"، "سمرة" نسيت التليفون النهارده، وأنا توي اللي دخلت أوضتها لما سمعت الرنة. عقد حاجبيه بريبة: -كيف يعني نسيت تليفونها؟ أجابت المرأة:
-يا ولدي أنا معرفش كيف! أنا أساساً من الصبح ماشوفتهاش. كل اللي عرفته من مرة خالها إنها طلعت بدري الصبح عشان معاها رحلة. ازداد انعقاد حاجبيه ليردف بدهشة غريبة: -رحلة!! على المقاعد الخشبية جلست تنتظر وصول القطار ومعاها صديقتها بعد تخطيهم هذه الرحلة العصيبة في الوصول للمحطة وخداع هذا القاسم.
كانت جالسة بحزن تنظر لصديقتها بذهن مشتت. هي خايفة من القادم ولا تريد العودة للوراء، فهي تعلم تمام العلم أنها لو بقيت لن يحدث خير ولن يكون هناك أمان، وبسفرها هذا الله وحده الأعلم بما سيحدث. كم ودت لو صارحت "رفعت" بالأمر كله لتجنبه هذا الجرح العميق الذي سيصيبه بسفرها، ولكن لا حيلة لها الآن.
كانت "رحمة" ماسكة بكفها تطمنها وتؤازرها ببعض الكلمات المحفزة، وبقلب الصديقة الوفية كانت شاعرة بها وبما يقلقها. هي لا تريد البعد عنها ولكن لا يوجد حل آخر. أتت الساعة الحاسمة وتوقف القطار في ميعاده. نهضت "سمرة" عن مقعدها وهي ترفع حقيبتها. -أشوف وشك بخير. قالتها وصمتت، ثم ما مالبثت أن ترمي على صديقتها تعانقها والأخرى تبادلها بحرارة ودموعها تسيل بغزارة.
-خلي بالك من نفسك، حَرِّصي كويس على شنطتك، وأنا هتابع معاكي إنتي و"سعاد" بالتليفون. أومأت برأسها وهي تكفكف دموعها. -تسلميلي يا "رحمة"، أنا لو ليا أخت ما كانتش هاتعمل معايا أكتر من اللي عملتيه. نكزتها بقبضة يدها بخفة تقول بجدية: -بس يابت ماتقوليش كده، إنتي أكتر من أختي.
تحركت "سمرة" بعد ذلك بأقدام مثقلة، حتى صعدت للقطار واستقرت على مقعد قريب بجوار النافذة تنظر لصديقتها التي تلوح لها بيدها وهي تبادلها أيضاً، بقلب مرتجف لما ينتظرها. هل القادم سيكون خير أم ستكون لها مرحلة أخرى من العذاب؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!