فى الصباح الباكر استيقظ من نومه بنشاط وحيوية افتقدها منذ فترة ليست بقريبة. فتح ستائر نافذته ليستمتع بنسمات الصباح العليله وهو ينظر لحديقة منزله المزروعة بكافة انواع الزهور لتبعث فى الروح البهجة والراحة. تنفس بشهيق كبير يشبع حواسه من هذه الرائحة الجميلة. علها تنسيه رائحة عطرها التى علقت بذهنه طوال الليل مع تذكره لهيئتها البديعة رغم تواضع بيجامتها وبساطتها. أجفل لنفسه فرجع برأسه لداخل الغرفة يتمتم:
-وبعدين بقى يارؤوف هو انت رجعت عيل مراهق ولا ايه بس؟ هز برأسه يجلي هذه الأفكار المتلاحقة على عقله قبل أن يذهب إلى حمامه ويمارس نشاطه اليومي. بعد أن تركت أولادها عند الجارة أم أيمن تناولت حقيبة الملابس التي تخص "سمرة" لتخرج بها من المنزل وتعيدها إلى صاحبتها. ولكن بمجرد إغلاق الباب فوجئت بهذا الصوت الآتي من الأسفل وهو يقول: -رايحة فين يا أم العيال؟ أوعى تكوني هاتجى وتسيبنى أنا والعيال. شهقت مخضوضة
وهي واضعة يدها على قلبها: -يخربيتك خضتنى يا شيخ! ابتسم بزهو وهو يصعد الدرجات المتبقية حتى وصل إليها. وجدها واقفة بتحفز وهي واضعة يدها على خصرها قائلة: -نعم يا سي ممدوح جايلى هنا البيت ليه إن شاء الله كده عالصبح؟ تنهد بتملق يقول: -الحق عليا يعني عشان جاى أطمن عليكي انتي والعيال يا سوسو. ردت عليه متهكمة: -اسم الله يا أخويا ودا من امتى بقى إن شاء الله؟ مال بوجهه لها ساخراً:
-من ساعة ما بقيتى مهمة وبتجيبى بنات هربانة من أهلها تتاويها عندك وتعرضي حياة عيالك للخطر! نظرت إليه حانقة ترد بغضب: -بلاش كلامك دا يا ممدوح انت عارف إني قوية وأقدر أحافظ على عيالي كويس أوي واللي يقرب لهم آكله بسناني يعني بلاش حجج فارغة. اختفى الهزل من وجهه ليردف بجدية: -طب سيبك من الحجج الفارغة انتي بقى مش ناويه تحني يا سعاد على قلب حبيبك اللي بقولوا سنتين مستنيكي؟ شاحت بنظرها عن عينيه تردف بتصميم:
-إن شاء الله حتى تقعد العمر كله مش راجعالك يا ممدوح غير لما تبطل بيع الهباب ده اللي هايضيع صحتك وانت كمان بتتعاطاه! أمسك بيدها يضعها جوار قلبه قائلاً: -ارجعيلى يا سعاد وأنا أرجعلك ممدوح بتاع زمان وعشق زمان انتي مش فاكرة يابت أيامنا وليالينا الحلوة. نزعت يدها ترد عليه بخشونة: -فاكرة يا ممدوح ماهو شوية الذكريات دي هي اللي عايشة عليها دلوقتي لحد أما ربنا يهديك. -ذكريات!!! قالها بتعجب فتابع بعدها:
-بقولك اقفي معايا عشان أبطل تقوليلى عايشة عالذكريات ماتمسكي بايدي يا بنت الناس عشان أبطل تعاطي وبيع كمان! كتفت ذراعيها فظهرت شبه ابتسامة ساخرة على وجهها تردف بألم: -انت بتتطلب مني أنا أساعدك يا ممدوح؟
بعد كل اللي شوفته معاك من ذل وحوجة للي يسوى واللي مايسواش على أمل إنك تخف من اللي انت فيه وتستنى زي بقية الستات. آسفة يا حبيبي أبلغك إني مش هاقدر أكرر الأيام السودة دي تاني. أنا عيالي بيكبروا ومش عايزة قرش حرام يدخل جوفهم ولا عايزة هم يشوفوك ويقلدوك. عن إذنك بقى خليني أشوف شغلي عشان اتأخرت. همت لتذهب وتتركه لإحباطه ولكنه أوقفها على حين غفلة:
-طب خلي بالك بقى يا حلوة الواد اللي كان هنا امبارح هو وصاحبه لسه معسكرين جوا عربيتهم بره الحارة مستنيين صاحبتك اللي مجاتش من امبارح. تسمرت مكانها تنظر إليه مجفلة! خرجت من غرفتها لتصعد للسيدة "لبنى" ولكنها تفاجأت بالسيد "رؤوف" جالس على مائدة الطعام يتناول إفطاره ويتصفح هاتفه. فنظرت لساعة يدها مجفلة: -صباح الخير هو أنا صحيت متأخرة ولا إيه؟ رفع رأسه عن الهاتف فابتسم لها بإشراق:
-صباح الفل لا يا ستي مصحيتيش متأخرة ولا حاجة أنا اللي صحيت بدري النهارده يالا بقى تعالي افطري معايا وافتحي نفسي. أومأت برأسها رافضة: -لا شكراً حضرتك أنا طالعة أشوف "لبنى" هانم. -استني عندك يا سمرة متطلعيش دلوقتي تيته لسه نايمة أنا نازل من عندها حالا واطمنت عليها. قالها ليوقفها عن الصعود فالتفتت إليه مرتبكة. -طب خلاص أنا رايحة أوضتي.... قاطعها هو قائلاً:
-هو أنا بقولك كده عشان تدخلي أوضتك تاني أنا بقولك كده عشان تفطري معايا ممكن! -حضرتك مينفعش. -لا ينفع ارجوكى بقى أنا نفسي ألاقي حد يشاركني الفطار بدل ما أنا بفطر وحدي ولا تحبي أترجاكي. -مش موضوع تترجاني بس بجد أنا مش هاقدر أفطر. -طب خلاص اقعدي افتحي نفسي وخلاص ممكن! أخجلها بتواضعه فتقدمت تجلس على المائدة مضطرة. ابتسم هو يخاطبها بسعادة: -متشكر أوي إنك مكسفتنيش.
كانت جالسة أمامه خجلة وهي تنظر بعينيها بعيداً عنه وهو يتناول طعامه بشهية وعيناه لا تبارح وجهها. فجفلها سائلاً: -انتي اتجوزتي قبل كده يا سمرة ولا اتخطبتي؟ بلعت ريقها وهي تحاول أن تجاوب بثبات حتى لا ينكشف أمرها. فهزت برأسها تنفي فتابع هو مندهشاً: -مش معقول هي الرجالة عندكم عميت في البلد ولا إيه؟ ابتسمت بتكلف من فرط توترها: -متشكره حضرتك على المجاملة الكريمة دي. ترك ما بيده من طعام وهو يردف بجدية:
-بس أنا مش بجامل يا سمرة انتي فعلاً جميلة وجميلة أوي كمان. رفعت أنظارها إليه مجفلة فجاوبت عليه بالجواب المعتاد: -النصيب بقى كل شيء نصيب. -فعلاً كل شيء نصيب! قالها بابتسامة واسعة ورائعة. وفي الجنوب اجتمع الأشقاء الثلاثة مع زوجاتهم بداخل منزل الأخ الأكبر "سليمان" ومعهم رضوى ووالدتها نعيمة. التي بهت وجهها واحمرت عيناها من كثرة البكاء. حسن وهو مستند بمرفقيه على ركبتيه مشبك كفيه ومائل بجسده للأمام:
-لقينا طليقك محبوس يا بسيمة وضيع علينا فرصة إننا نلاقي البت أبو العزم عملها فينا. بسيمة وهي جالسة باستقامة على مقعدها وممسكة بمسبحتها ابتسمت ساخرة ترد: -عادته ولا هايشتريها هو دايماً كده مفيش من وراه فايدة. سليمان بنزق: -بلاش كلامك الواعر ده يا بسيمة الراجل ماشوفناش من وراه حاجة عفشة هو بس دماغه اللي مضيعاه. تدخلت نعيمة تسأل: -طب المهم دلوك انتوا هاتدوروا عليها فين تاني ولا هاتسكتوا؟ حسن بعصبية:
-نسكتوا كيف يا مرة أخوي؟ إحنا بس نعرف طريق صاحبتها وأنا إن ماكنت جبتها من شعرها مابجاش راجل. ردت رضوى بابتسامة ساخرة: -ودي هاتعرفوا مكانها إزاي دي كمان في البلد الكبيرة المليانة بالخلج دي. تنهد سليمان بيأس: -والله ما عارف يا بت ادينا بنحاول وخلاص لعل ربنا يعثرنا فيها ويسترها علينا من الفضايح. تذكر حسن فسألها مندهشاً: -أيوه صح يا رضوى هو "قاسم" أخو جوزك راح فين أنا مش شايفه واصل يا بت هو الموضوع ده مايخصوش برضك؟
بلعت ريقها المحتقن بالألم تجاوب بخجل: -يمكن بيدور عليها هو كمان بس أنا معرفش هو فين. -ماتعرفيش! أمال مين اللي يعرف؟ دا إحنا نسينا خالص ميعاد الفرح بتاعهم. قالها حسن مخاطباً أخيه فرد عليه الآخر بتشتت: -والله ما أنا عارف إيه اللي هايحصل هايتم الفرح في ميعاده ويتجوزها قاسم لوحده ولا نأجل بالمرة أنا لازم أسأل رفعت فيها دي مع إني وشي منه في الأرض ومش عارف أجيبها إزاي. -ماهو انت لازم تسأل يا سليمان عشان تعرف راسك من رجليك.
قالها حسن لأخيه سليمان الذي أومأ برأسه موافقاً. و"رضوى" بنت أخيه وهي صاحبة الشأن تنظر إليهم بخواء. إزاي يعني مش قاعد معاكم وسيبكم لوحديكم؟ انتوا بتتكلموا إزاي؟ قالها "رفعت" بعصبية وهو يخاطب والدته وشقيقته. فردت عليه "نفيسة" وهي تربت على ظهره بحنان: -هدي نفسك شوية يا ولدي وبلاش تتعصب! نظر إليها بدهشة:
-كيف ياما معصبش نفسي هو معندوش دم عشان يسد عني ولو مرة واحدة في حياته أنا طلعت أدور على اللي هربت جوم يسيبكم هو لوحديكم وانتوا اتنين ولايا دا غير أبوه العيان دا أنا على كده لو مت يسيبها تخرب! لحقته مروة بعجالة: -بعد الشر عليك يا أخوي ماتقول كده وتفول على نفسك. التفتت إليها وهي مازالت على فراشها يقول: -أخوكي مش هايجيبها لبر يا مروة طب حتى يوريني وشه عشان نعرف هانعمل إيه في موضوع الدخلة اللي كانت آخر الأسبوع دي.
نعيمة وهي تجلس بجواره على الأريكة: -دخلة إيه كمان اللي تتم بعد ما بتهم هربت منينا؟ زفر حانقاً وهو يشيح بعينيه بعيداً ليخفي ألمه. -ياما أنا بتكلم على دخلة "قاسم" و"رضوى" إيه ذنبهم نأجل فرحهم هما كمان. مروة وهي تشعر بما يمر به شقيقها أردفت بحنان: -فكر في نفسك يا أخوي وسيبك من قاسم وبلاويه وإن كان على ميعاد الفرح فأجله حتى عشان الظرف اللي إحنا فيه. ضيف كمان إن أخوك باينه كده الفرح مش همه عشان مسألش. تنهد
بثقل قبل أن يرد عليها: -ماينفعش أسيب الأمور معلقة يا مروة أنا الكبير واللي شايل المسؤولية ودا نصيبي. في المخزن وبجوار الملابس المعلقة كانت تتحدث بصوت خفيض: -أيوه يا سمرة أنا مقدرتش أخرج بشنطة هدومك من الحارة عشان الزفت قريبك دا ماياخدش باله ويعرف مكانك. سمرة..... -يانهار أسود يا سعاد يعني أنا هافضل كده بهدومي دي تاني كمان دا أنا امبارح استلفت بيجامة صوفي. سعاد... -طب أعملك إيه طيب؟
شوفي أنا لو عرفت أتهرب من الواد الأهبل اللي بيراقبني ده... هاجبلك معايا أي حاجة من المحل وابقى أسدد تمنها بعدين. سمرة: ياريت والنبي يا سعاد وأنا هاديكي تمنها يا حبيبتي، على ما ربنا يفرجها بقى وتجبلي شنطتي. -انتي يازفتة ياللي اسمك سعاد تعالي شوفي الزباين. سمعتها سمرة في الهاتف، قطعت جملتها وسألت سعاد: -مين دي اللي بتنده بقلة أدب؟ سعاد بضحكة:
-الله يحفظك يا سمرة، دي المحروسة صاحبة المحل بعيد عنك، جاية من أول الصبح وحاطة نقرها من نقري، يا أختي دي بتعاملني بعداوة كده معرفش ليه. سمرة: -أنا عارفة عشان انتي صاحبتي، ماهي جات امبارح وعملت معايا خناقة كبيرة. -انتي يازفتة، انتي غورتي فين؟ هذه المرة كانت بصوت أعلى مما أزعج سمرة، فخاطبت سعاد: -خلاص روحي انتي يا سعاد، أنا مش عايزالك الأذية. سعاد بلهفة وعجالة: -ماشي ماشي، أنا هحاول أتصرف وأجيلك عشان تحكيلي، سلام بقى.
تنهدت سمرة بحزن: -سلام، سلام يا سعاد. خرجت سعاد من المخزن مهرولة: -أيوه يا هانم، أنا جيت أهو. صاحت فيها صافيناز بغضب: -ساعة بنده عليكي مابترديش، انتي مش عاملة لي اعتبار يازفتة انتي ولا إيه؟ هاه، قوللي. سعاد وهي تحاول ضبط أعصابها معها: -استغفر الله العظيم يارب، هو أنا عملت إيه بس يا ست هانم لكل ده؟ مش انتي اللي قولتي لي انزلي تحت ونضفي المخزن، فين بقى قلة الاعتبار؟ زفرت بضيق تردف متهكمة:
-ولما أنده عليكي ومترديش، ده يبقى اسمه إيه؟ تابعت سعاد بحكمة: -المخزن كله تراب وكراتين مترمية، ده غير الهدوم القديمة والمركونة، هاسمع إزاي بس أنا في وسط كل دول. صكت على أسنانها بغيظ: -ما أنا عارفة نفسي، مش هخلص منك النهاردة، غورى من وشي وشوفي الزباين اللي ياللا، غورى. تحركت سعاد من أمامها وهي تتمتم مع نفسها بصوت خفيض: -باينها اتجننت دي ولا إيه، هي مالها النهاردة كده، عاملة زي زعبابيب أمشير! ***
وفي الخارج كان محسن واقفاً في الشارع يستظل بشجرة، وهو يتحدث مع قاسم في الهاتف: -أيوه يا قاسم، زي ما بقول لك كده، هي لسه مخرجتش من المحل مكان شغلها. قاسم: -يعني متأكد إنها مارحتش في حتة تانية غير الشغل؟ محسن بسأم: -والله يا سيدي ماراحت في حتة تانية، ده أنا من الصبح مراقب المحل وشايفها من جاز المعرض وهي بتبيع للزباين. قاسم:
-امممم، ما أنا عارفها، وليها واسطة ومش سهلة، أنا عايزك تعرف لي المحل ده بتاع مين وتجيب لي أسامي كل البنت اللي شغالة فيه. صرخ محسن بتعب: -أسأل إيه تاني يا بوي، أنا تعبت وعايز أروح. قاسم بقوة: -اخلص غور ياض وبطل جلع ماسخ، اتحرك يا محسن ياللا وجيب لي الأخبار. أغلق الهاتف مع محسن الساخط، حينما رأى ممدوح وهو يتقدم إليه بخطواته وهو ينظر إليه بريبة وبفمه السيجارة المحشوة، ابتسم مرحباً به: -أهلاً أهلاً ممدوح باشا.
بصق ممدوح بفمه أرضاً: -نعم يا أخويا، باعت لي الواضح سوء وبتقول عايزني في كلام مهم، إيه هو بقى الكلام المهم؟ قاسم بابتسامة واسعة: -خير، كل خير يا ممدوح باشا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!