زواج رجل الأعمال الشاب رؤوف الصيرفي على المدعوة سمرة أبو العزم. هذا كان أول عنوان قرأه على بضع مواقع أخرى بصيغ مختلفة لم يركز فيها، فعيناه تسمرت عليها وهي بداخل أحضانه بجمالها الخاطف وابتسامتها زادتها روعة وجعلتها قبلة للأعين. تنهد بثقل مع رؤيتها والم موجع شق قلبه نصفين. رفع عيناه أخيراً إليهما، وصوته بالكاد يخرج منه وارتجافه بداخله يحاول السيطرة عليها بصعوبة مع نظرته الحادة إليها كالسهام:
-لكن الصورة دي جديدة والكتب الكتاب كان النهاردة بالظبط. الأيام اللي فاتت بقى كانت معاك بصفة إيه؟ دا لو هنمشي على كلامك! خرج صوتها بارتعاش للدفاع عن نفسها ولو قليلاً: -أنا جيت هنا أساساً جليسة لـ "لبنى" هانم جدة "رؤوف"، وهو اتعرف عليا هنا. حسن وهو يميل برقبته أمامها بسخرية:
-يا ماشاء الله. دا انتي طلعلك صوت أخيراً. آه، بعد ما كنتي من الصبح سيباه هو يتكلم بالنيابة عنك وبصراحة الباشا جايم بالواجب وزيادة. اخص عليكي وعلى تربيتك يا بت أبو العزم، ياريتها دفنتك قبل ما تشوفي اليوم ده. صاح "رؤوف" بصوت عالٍ: -ما كفاية بقى يا أخينا انت، أنا ساكتلك من الصبح ومصبر نفسي عليك لكن أقسم بالله... -هاتعمل إيه؟
قالتها "بسيمة" بمقاطعة بعد فترة طويلة من الصمت أجفلت الجميع. فتحركت بخطواتها أمامهم جميعاً وأمام "سمرة" وقفت بتحدٍ وعيناها تحدق إليها وإليه أيضاً، فتابعت بصوت منخفض ومريب وهي تخاطب "سمرة":
-طول عمرك شايفاني قاسية عليكي وشديدة، ومش حنينة زي أبوكي مدرس الرسم خايب الرجاء اللي ضيع حجه في ورث أبوه على كلام فاضي. كان بيجلد فيكي ليل ونهار وهو مفهمك إنك أميرة ومحدش من عيلتك ولا أهلك وناسك كلها يناسب جمالك وحسنك. سابك ليا وأنتِ عمرك 13 سنة. حاولت أصلح اللي خسروا أبوكي فيكي عشان تتواضعي وتعيشي عيشة أهلك، لكن ما عرفتش. عارفة ليه يا بت بطني؟ عشان ما عملتش كده.
ضربة قوية بكف يدها هوت على وجه "سمرة" فخرجت صرختها بصوت عالٍ وجعلتها تترنح لولا ذراع "رؤوف" التي سندتها ليضمها إليه وهو يصرخ على والدتها بغضب جحيمي وقد فقد السيطرة على أعصابه: -أقسم بالله لولا إنك والدتها وواحدة ست لكان ليا تصرف تاني معاكي. تقدم "سليمان" يجذب شقيقته من ذراعها متمتماً بصوت خفيض: -تعالي يا بت أبوي، مالهوش لازمة تتعبي نفسك على الفاضي. -في إيه يا "رؤوف"؟ ومين دول بالظبط؟
قالتها "لبنى" وهي تنزل على الدرج بخطوات بطيئة. أجابها و"سمرة" وجهها مدفون بصدره ودمعتها بللت قميصه مع شهقاتها المكتومة: -ثواني يا جدتي وهاقولك. التفت إليهم بحزم وشدة يومئ برأسه ناحية جدته:
-دي تبقى "لبنى" هانم جدتي، اللي كانت "سمرة" جليسة ليها. أظن إن كل حاجة وضحت الآن وأنا مش هازود أكتر من كده. أنا النهاردة كتبت كتابي عليها وبعد أسبوعين من دلوقتي هعمل فرح مصر كلها تشهد عليه. هاتيجوا الفرح تشرفوا وتأنسوا، مش هاتيجوا انتوا حرين ونورتونا. *** وبأسفل القصر وداخل حجرة ضيقة كان يصرخ بجنون يطرق بقوة على بابها بكفيه المفتوحتين:
-افتح الباب ياض، افتح بدل ما اندمك انت وسيدك على اليوم اللي شفتوني فيه. افتح ياض بدل ما أكسر الباب. انفتح الباب فجأة ليطل عليه "صفوت" الحارس والذي توقف ليدخل سيده مكفهر الوجه عاقداً حاجبيه بشر. وبمجرد رؤيته صاح عليه "قاسم" بصوت عالٍ: -أهلاً بالباشا اللي متحامي في كلا... عشان يحرسوه مني. تقدم إليه ليقف أمامه بتحدٍ وثبات:
-اديني واقف قدامك أهو وأنت حر ومش متكتف زي المرة اللي فاتت. جرب يالا وريني شطارتك، ولا أنت بتشوف نفسك على الحريم وبس. هدر عليه بصوت جهوري رافعاً قبضته أمامه في الهواء: -لم نفسك يا جدع انت، أنا مش عايز أتهور عليك دلوقتي عشان ما اطلعش روحك في يدي. يهتز شعرة وهو يأمره بجدية: -لو راجل انزل بيها وجرب تضربني، عشان أعرفك بجد من "رؤوف" الصيرفي. ضرب بكفه على طاولة خلفه وهو يصرخ بجنون: -انت عايز مني إيه يا جدع انت؟
وحبستني ليه دوناً عن كل ناس اللي جم معايا؟ اقترب منه برأسه بلهجة محذرة: -جينا للمفيد. اسمع بقى يا أفندي انت، عشان ما أكررش كلامي كتير. اياك ثم اياك ثم اياك تفكر تاني في "سمرة" ولا تقربلها عشان أنا ما أضمنش نفسي المرة الجاية هاعمل معاك إيه. سمرة خط أحمر فاهم؟ ولا أحب أفهمك. صك على أسنانه بفحيح: -ليه بقى خط أحمر؟ أفهم إيه السر اللي مخليك بتعمل كده مع واحدة شغالة عندك؟
وربنا المعبود لو عرفت إنها فرطت في نفسها معاك لأكون... لم يكمل جملته فقد باغته "رؤوف" بضربه برأسه جعلته يترنح ليمسكه من ذراعه ويثنيه خلف ظهره بقوة لم يستطع "قاسم" الفكاك منه فحاصره في الحائط: -أنا حرّمت عليك إن ما تجيبش سيرتها يا حيوا... "سمرة" اتكتبت على اسمي واللي يمسها يمسني، فهمت ولا أفهمك. صاح "قاسم" بصوته الخارج بصعوبة من محاصرة الحائط: -تتجوز مين يا ابن الـ... دي مكتوبة على اسمي، يعني ماحدش ليه حق فيها غيري.
ضغط بكفه المطبقة على ذراع قاسم بشدة جعلت ألمه يزداد أكثر: -أنا ماسك نفسي عليك بالعافية عشان ما أفضحكش قدام أهلك بناءً على رغبة "سمرة"، لكن وديني لو ما كنت مكانك لأكون مطلع عليك كل اللي عملته مع "سمرة" جديد ولا قديم. قال الأخير وهو يدفعه بقوة ليسقطه أرضاً فتلقاه "صفوت" ينهض به عن الأرض. صاح بصوته وهو ينفض عن ثيابه الأتربة: -انت فتحت على نفسك طاقة جهنم باللي عملته دلوقتي. وعد مني مش هاخليك تتهنى بيها ولو على موتي.
تحدث من بين أسنانه يخاطب "صفوت" بأنفاس لاهثة: -ارميه بره القصر حالاً يا "صفوت"، أنا عايزه يخرج لاهله سليم قبل ما أتهور وأقتله بإيدي. *** وفي الخارج كان الثلاث رجال واقفين بجوار السيارة في انتظار خروج "قاسم" كما وعدهم "رؤوف". و"بسيمة" جالسة بالداخل. رفع كان مكتفاً ذراعيه ناظراً أمامه بجمود، أما "حسن" فكان يثرثر بغيظ:
-آه يا ناري. من الواضح ابن الفرطوس ده اللي لفنا كلنا وطلعنا من بيته يد ورا ويد جدام. بقى البت تعمل عملتها السودة دي وأنا أشوفها قدامي كده وما أقدرش أطبق في رقبتها ولا أكسر عضمها بإيدي. رد عليه أخيه "سليمان" بحنق: -وآه يا "حسن"، يعني كنا هانعمل إيه بس معاه بعد ما بقت مرته؟ وأنت شوفت بنفسك صورها اللي مالية الدنيا. ودا راجل مش هين عشان ناخد منه مرته كده قدام عينه. نظر إلى أخيه وهو يطبق بكفيه غيظاً:
-يعني بت أبو العزم عجزتنا وكتفت إيدينا ورجلينا كمان. آه يا ناري لو أشوفها قدامي دلوقتي! نكزه "سليمان" بخفة وهو يومئ له بطرف عينه ناحية "رفعت" المتجهم كي يفهم ويراعي شعوره. صمت "حسن" على مضض وأدار رأسه ناحية القصر في انتظار "قاسم" الذي خرج بعد قليل بشرارة ونيرانه المستعرة بداخله، حتى إذا وصل إليهم هتف عليهم: -واقفين هنا ليه من غير ما تجيبوها معاكم؟ واقفين وبتكم قاعدة جوه مع راجل غريب؟
أجفل "حسن" من تهكمه فمسح بكفه على وجهه حتى يستطيع التحكم في أعصابه. رد عليه "سليمان" ببعض الهدوء: -براحة يا "قاسم" وبلاش كلامك الواعر ده، دي بقت مرته خلاص يعني مش غريب عليها. قفز عن الأرض يتحدث بجنون: -انت كمان بتقول مرته؟ بدل ما تطلع بندقيتك دلوقتي وتبندجه ابن الـ... طب على الأقل اسحبها من شعرها وهاتها معاك دي شرفك، ولا أنت نسيت.
قال الأخيرة بصرخة أثارت حنق الشقيقين وهما يحدقان إلى بعضهما غير مصدقين ما وجه إليهم. صرخ عليه "رفعت" بغضب: -وإذا كان هما خوالها سكتوا ورضوا باللي حصل؟ انت بقى متعصب ليه؟ ولا يكونش دمك أحمى منهم؟ استدار إلى أخيه ينظر إليه بأعين مطلقة شراً وكأنها حمم بركانية، فبادله "رفعت" النظر مضيقاً عينيه بغموض. خرج صوت "بسيمة" من السيارة أجفلهم جميعاً وهي تهتف بغضب:
-ما تخلصونا بقى خلونا نمشي من هنا ونحصل بيوتنا. تاعبين نفسكم على الفاضي. أنا بنتي ماتت وخلاص على كده فوضوها بقى. تقدم "قاسم" من نافذة السيارة ينظر إليها بتفحص قبل أن يخاطبها قائلاً: -خالتي "بسيمة"... ازيك يا غالية؟ دا أنا كنت ناسيكي!! ***
وفي الداخل. في البهو الكبير للمنزل كانت "لبنى" جالسة على الأريكة الكبيرة وهي حاضنة "سمرة" تهدهدها بحنان، وهي التي لم تجف دمعتها ولم يصمت شهيقها بعد، وهي تبكي بمرارة. دلف إليهم "رؤوف" بعد أن أنهى مهمته مع "قاسم" متحدثاً بألم: -هي لسة ما بطلتش عياط؟ ردت عليه "لبنى" بحزن: -الله يكون في عونها يا ابني، دي أمها طلعت ست شديدة قوي. تنهد بقوة وهو يجلس بجوارها فجذبها من ذراعها كي تخرج من أحضان "لبنى" وتلتفت إليه:
-قومي يا حبيبة قلبي قومي، وبلاش تحرقي قلبي عليكي بالشكل ده. حدق بعينيه إلى وجهها الذي أصبح كتلة حمراء ملتهبة وهي تطبق عيناها عن رؤيته بكسرة موجعة. أخرج محرمته يكفكف دمعاتها وهو يخاطب جدته: -خلاص اطلعي يا تيته انتي أوضتك، عشان ترتاحي وأنا هاعرف إزاي أهديها. تحاملت المرأة على عكازها كي تنهض عن مقعدها: -أنا فعلاً تعبت قوي النهاردة، خلي بالك منها يا "رؤوف". صعدت "لبنى" الدرج فتناول هو يدها يجذبها كي تنهض معه.
-تعالي معايا قومي، أنا هاعرف إزاي أخليكي تفكي وتخرجي من حزنك. *** وفي مكان آخر بإحدى الملاهي الليلية. كانت جالسة تنظر إلى هذه الضوضاء والأجساد العارية التي تتراقص مع الشباب على أصوات الموسيقى الصاخبة. تحتسى المشروبات المذهبة للعقل بكثرة، علها تنسيها هذا العشق الذي تمكن منها وأصبح كالمرض بقلبها وعقلها. أجفلت على صوت إحدى الشباب الذي خاطبها بلباقة وهو يدنو بوجهه منها: -قاعد لوحدك ليه ياقمر؟ ماتيجي ترقصي معايا وتهيصي.
نظرت إليه بازدراء من رأسه لأخمص قدميه، تنفث دخان سيجارتها بوجهه باستعلاء: -ماليش مزاج أرقص مع حد مش عاجبني. اعتدل في وقفته يرد عليها بحنق: -براحتك ياختي، خليكي قاعدة وأنا كمان ماليش مزاج أرقص معاكي ولا أبص في وشك حتى. تناولت الكأس من الطاولة تشرب ما تبقى منه وهي ناظرة في أثره دون مبالاة. فجلس "تيسر" بجوارها ضاحكًا: -عملت إيه يامصيبة إنتي في الواد؟ دا ماشي من عندك يبرطم بكلام مش مفهوم وشكله يا عيني دمه محروق.
فغرت فاهها بترنح: -ما يتحرق في دمه ولا يغور في داهية حتى، أنا مالي! قال أرقص معاه قال؟ هو إحنا هانعيّل كمان؟ تحدث وعيناه على التي تتراقص أمامه بميوعة: -ومالهم بس ياصافي العيال؟ ماتعيشي حياتك معاهم ودوري على غيرهم بعد ما تزهقي، وأهو التغيير حلو برضه. تحولت بعينيها لما ينظر إليه فردت بعصبية: -يعني أنا يبقى من نصيبي العيال والفلاحة الهربانة تتجوز "رؤوف" حلم كل البنات. تأفف بصوت خفيض:
-وبعدين بقى يا "صافي" انتي مزهقتيش من البكا والعويل في الموضوع ده؟ حتى إن كنت جايبك هنا في وسط اليغمة دي عشان تفكي برضه مافيش فايدة. تنهدت بأسى وعيونها شاردة: -آآآه يا "تيسير" أنا كل ما افتكر ببقى هاتجنن، ياترى هو بيعمل إيه معاها دلوقتي؟ ضحك بسخرية من سؤالها قبل أن يتمتم مع نفسه: -دي بتسأل بيعمل إيه معاها؟ ودي محتاجة سؤال مع واحدة زي دي عاملة زي الصاروخ؟ دا تلاقيه عايش معاها دلوقتي أحلى الليالي. ***
محاوطًا وجهها بكفيها يلتقط بابهامه كل دمعة متساقطة أو على وشك السقوط على وجنتيها التي يلامسها بحنان: -خلاص بقى ياحبيبتي انسى ومتزعليش، أنا قولتلك إني مش هاخلي حد فيهم يلمسك، بس والدتك دي بصراحة فاجئتني وأنا لولا خايف على زعلك كنت دفعتها تمن القلم ده كتير قوي. تكلمت أخيرًا ما بين دمعتها:
-أنا مش واجعني ضربة القلم على الرغم إن دي أول مرة أتهان فيها وأتضرب، أنا اللي واجعني نظرة الاتهام في عيونهم وكأني واحدة خاطية مش بنتهم اللي ربوها وياما افتخروا بتربيتها وتعليمها قدام الناس الغريبة. قبلها على جبهتها متحدثًا بثقة:
-وحياتك عندي لاخليهم يرجعوا ويفتخروا بيكي زي الأول وأكتر، دا هايبقى شغلي الشاغل الأيام اللي جاية دي، أنا كان هاين عليا النهاردة أتكلم وأفضح الزفت ده اللي اسمه "قاسم" بس عشان خاطرك إنتي بس سكت مع إن ده ضد رغبتي. رفعت عينيها ترد بحزن يسكن أعماقها: -مكانش ينفع تتكلم النهارده قدام أهلي، رفعت أول واحد كان هاىتجرح في كرامته لو الموضوع ده اتفتح قدامهم. التوت زاوية فمه بامتعاض:
-رغم إني مش متفق معاكي في إنك تشيلي الحمل ده كله لوحدك، بس أنا برضه مش هزعلك. ابتسمت إليه بامتنان: -على فكرة أنا متشكرة جوي يا "رؤوف" على اللي عملته معايا، جميلك ده مش هنساه أبداً لما دافعت عني قدامهم. دنا بوجهه يوزع قبلات رقيقة على وجهها وهو يتحدث بصوت متحشرج: -متشكرة على إيه بس هو أنا عملت حاجة؟ دا أنا ادافع عنك قدام الدنيا دي كلها وبرضه قليل. ارتبكت من حديثه وقبلاته أخجلتها وهي تحاول إزاحة كفيه فعجزت عن النطق.
أفلت هو كفيه عن وجهها فجأة مبتعدًا عنها لناحية المكتب وهو يقول: -شوفتي بقى... اديكي نستيني المفاجأة اللي عملاهالك، دي هتعجبك قوي. أجفلت متفائلة بدهشة: -مفاجأة إيه؟ أنا مش فاهمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!