بداخل الغرفة الصغيرة كان مختبئاً. يده على مقبض الباب المفتوح بمواربة، حتى يستطيع سماع كل كلمة تقال من الثلاثة. "الملعونة تستمع لكلماتها الفرحة باختيار فستان الزفاف لغيره. استطاعت أن تفعلها وتهرب منه وتظن أن بإمكانها الزواج منه أيضاً!
صدره كان يعلو ويهبط بسرعة رهيبة وهو يحاول السيطرة على أعصابه وكبح جماح نفسه من الخروج الآن، لكي يطبق بيديه الاثنتين على رقبتها. ولا يتركها إلا وهي معتذرة عما تفعل أو يزهق روحها، لكي تأخذ جزاء ما اقترفته في حقه. حتى جاءت جملة "صافي" وهي تطلب منها الدخول إلى غرفة القياس، لكي ترتدي الفستان أمام المرآة. توقفت دقات قلبه في انتظارها لكي تأتي إليه الآن وفي الغرفة وحدهما! ...........................
وفي الخارج وبعد أن تحركت قليلاً في اتجاه الغرفة وهي ممسكة بهذا الفستان الرائع، الذي رأته لأول مرة وهو معروض في واجهة المحل. فخطف لب قلبها فوقفت أمامه مشدوهة بروعته وكان سبباً في لقائها برؤوف، الذي شاء القدر أن يجعله من نصيبها وتتحقق الآن أمنية ارتداء هذا الفستان الرائع. وقبل أن تضع يدها على مقبض الباب الخاص بغرفة القياس تفاجأت به وهو يهتف عليها: -استني عندك يا "سمرة". ردت مندهشة: -نعم يا "رؤوف". في حاجة؟ قال محذراً:
-عايز أفكرك لما تلبسي الفستان، تشوفيه وتقيميه مع نفسك. ولما تخرجي تقوليلى رأيك. لكن إياكي يا "سمرة" إياكي تخرجي وإنتي لابسااه. تبسمت "صافي" بتكلف: -ليه بقى يا "رؤوف"؟ هو إنت مش عايز تشوف عروستك وهي لابسااه؟ أجابها مبتسماً: -إزاي بقى؟ دا أنا هاموت وأشوفها لابسااه. بس أكيد لما يكون في وقته. حكم أنا أسمع إن رؤية العريس لعروسه وهي لابسة الفستان قبل كتب الكتاب، بيبقى فال وحش. قالت "سمرة" مذهولة: -معقولة يا "رؤوف"؟
إنت بتصدق في الخرافات دي؟ -وما صدقتش ليه؟ وحتى لو مش مقتنع، أنا أغامر ليه في حاجة مهمة زي دي، وأنا بعد الساعات والدقائق عشان تتم. قالت "صافي" مستنكرة بحقد مستتر: -مش لدرجادي يا "رؤوف". إنت بتكبر الموضوع قوي. أنا كل يوم بتيجي عندي عرايس ويلبسوا فساتينهم قدام عرسانهم عادي خالص ومابيحصلش حاجة. مال برقبته إليها يتفوه برد ألجمها: -وإنتي بقى معاكي سجل بأسمائهم؟ وبتعرفي إن كان جوازاتهم بتكمل ولا بيطلقوا؟
أنا خليني في السليم يا "صافي". اسمعي الكلام يا حبيبة قلبي. الله يرضى عنك. كانت دقات قلبها تتراقص طرباً لكلماته، ومع خوفه الشديد حتى من صدق الخرافات. وضعت يدها على مقبض الباب ولكنها تراجعت فجأة تقول: -بس أنا كنت عايزة حد يقولي رأيه في الفستان وأنا لابسااه يا "رؤوف". دي حاجة ضروري. شعر بصدق حاجتها فخاطب "صافي": -ادخلي إنتي معاها وقوليها رأيك. وإنتي طبعاً أستاذة في الموضة والشياكة.
أجفلت "صافيناز" من طلبه الثقيل على قلبها وارتبكت في الرد. ولكن أنقذتها "سمرة" وهي تعترض بذوق: -لا طب خلاص يا "رؤوف" بلاها حكاية القياس دي أساساً. أنا هاخد الفستان وأظبطه في البيت لو لقيت حاجة ناقصة فيه. متشكرين يا "صافي". -خلاص ياقلبي. وإنتي أساساً بيليق عليكي أي حاجة تلبسيها. نتحاسب إحنا بقى يا "صافي". .......................
شتم حظه بأقذر الألفاظ. فبعد أن أسكرته رائحتها بقربه وهي أمامه بعدة سنتيمترات فقط، يشبع عيناه في النظر إليها وهي غافلة في الحديث مع عريس الهنا والمدعوة "صافي". وكانت على وشك الدخول إليه بالغرفة وقياس الفستان أمامه. أمامه يالها من لحظة سعيدة لو اكتملت! كيف كان سيتحكم في نفسه وقتها؟ ظل يراقب الوضع حتى ذهب الاثنان. فخرج من الغرفة ليجد "صافي" جالسة على حافة المكتب تنظر في أثرهم بشرود. أجفلت على صوت
خطواته فاستفاقت من شرودها: -إنت كنت مستخبي فين؟ قال ببساطة: في أوضة القياس! هبت عن جلستها مرعوبة: -يخربيتك. يعني لو كانت دخلت المحروسة بتاعتك تقيس دلوقتي؟ كانت حصلت مصيبة وروحت أنا في داهية؟ قال غير مبالٍ: -ما خلاص إنتي هاتعمليها حكاية ماهي مادخلتش. ولو كانت دخلت، أنا كنت هأدس في الهدوم المكومة جوا دي. مش صعبة يعني. -إنت كل حاجة عندك كده مالهاش حساب؟ بابتسامة جانبية واثقة أجابها: -وأنا هاخاف من إيه عشان أعمل حسابي؟
أنا طول عمري بعمل اللي أنا عايزه وباخد اللي أنا رايده. أنا "قاسم". ............................................ وفي القصر بعد عودتهم. كان "رؤوف" جالساً بغرفة مكتبه وأمامه "صفوت" رئيس الحرس واقفاً في انتظار إنهاء المكالمة، التي يجربها "رؤوف" مع أحدهم وهو يصيح بغضب: -إنت بتقول إيه ياباشا بس؟ إزاي يعني مالقيتوش؟ هو فص ملح وداب؟ -....................... -طيب وبعدين يعني؟
هأفضل أنا كده مهدد أنا ومراتي، من حتة عيل زي ده. مايساويش تمن طلقة من سلاحي. -..................... -أرجوك ياباشا ماتقوليش هدي نفسك. لإن أنا بصراحة مش هأهدى من كلمة ولا كلمتين. ياباشا أنا عايز فعل. أرجوك. -........................ -أنا فرحي بعد يومين ومع ذلك مش حاسس بالأمان. الولد ده لازم يتجاب قبل الفرح. لازم ياباشا. -................. -تمام. تمام حضرتك. أنا برضه شاكر سعة صدرك. ومجهودكم محدش ينكره.
زفر مطولاً بعد أن أنهى المكالمة. يحاول تهدئة أعصابه. فقال حانقاً: -وبعدين يا "صفوت". لا إنت ولا رجالتك ولا الحكومة. قادرين تجيبوا الزفت ده؟ -ياباشا رجالتي مسحوا الأرض شبر شبر هناك في البلد. .. ومالقوش ليه أثر بس إحنا أغراب. والواد مصيبة وعارف مداخل البلد ومخارجها. ودا اللي خلاه يقدر يهرب مننا ومن الحكومة. من قبل مانعتر عليه. قال حازماً:
-دور تاني وتالت ومتنساش كمان القاهرة هنا. وشدد حراسة البيت كويس أوي وزود في الرجالة على قد ما تقدر. مش عايز خياله هنا في الكومباوند. أما تأمين يوم الفرح فأنا عامل حسابي كويس وعلى أعلى مستوى. ماشي يا "صفوت"؟ -تمام ياباشا. -طب اتفضل دلوقتي إنت. ذهب "صفوت" من أمامه. ولكنه كاد أن يصطدم بـ "تيسير" الذي كان بالصدفة يدلف إلى داخل الغرفة. تراجع "تيسير" مرتداً يردد بمزاح: -إيه يا عم "صفوت"؟
خلي بالك إن فيه بشر غيرك معدية في الأرض وممكن تدوسها. هو أنا قدك يا عم. أومأ الرجل ضاحكاً وهو يخرج من الغرفة يفسح الطريق لـ "تيسير": -اتفضل ياباشا. العفو. خرج "صفوت" ودلف بعده "تيسير": -مساء الخير يا عريس. رد عليه التحية بوجه متجمد: -مساء النور يا "تيسير". تعالى هنا اقعد جنبي. جلس بجواره على الأريكة يسأله بمشاكسة: -إيه يا عم بقى؟ في حد يبقى فرحه بعد يومين ويبقى دا منظره كده وهو مكشر. بابتسامة باهتة قال:
-أديك قلت بنفسك بعد يومين. يعني لازم يكون طالعان عيني في الترتيبات والتحضيرات. المهم بقى إنت بعت الدعوات اللي نبهتك عليها. -حصل يا كبير. أنا قبل ما أجيلك حالا دلوقتي وأجيبلك ورق المناقصة. اتأكدت من مصادري الخاصة إن الدعوات وصلت!! .............................
كان ممسكاً بورقة الدعوة المغلقة بشكلها الرائع والذي يليق بصاحب الفرح وعروسه. قرأ صيغة الدعوة، مرة بعد مرة وظل صامتاً بشرود. ولكنه أجفل على صوت شقيقته "مروة" التي دلفت إلى الغرفة دون أن يشعر بها. تسأله بريبة: -هو دا كارت الدعوة بتاع فرح "سمرة"؟ رفع عيناه إليها شارداً للحظات قبل أن يجيب: -هو فعلاً يا "مروة" بس إنتي عرفتي منين؟ قالت بشبه ابتسامة: -عرفت من "شيماء". ماهي نفس الدعوة وصلتلهم هما كمان. أومأ برأسه صامتاً.
فقالت بجرأة: -بصراحة أنا عمري ماكنت أتوقع إن دعوة فرحها توصلنا. تفتكر يا خوي عريسها ده يقصد إيه بالحركة دي؟ قال بابتسامة متحسرة: -عريسها بيوفي بوعده يا "مروة" معاها. زي ما حماها منينا، كمان عايز يفرحها ويكبر بيها قدام مصر كلها. عايز يرفع راسها قدامنا وجدام الكل. تنهد بثقل ثم تابع: -عريسها بيعمل اللي مقدرش أهلها يعملوه يا "مروة". بدت متأثرة من كلمات أخيها ولكن هذا لم يثنِ فضولها:
-طب إنت وأمها وخوالها، هاتقدروا تروحوا يا "رفعت". كان الرد هو الصمت فقط مع نظرة من عينيه غير مفهومة. ........................... في غرفتها، كانت السيدة "لبنى" وصديقتها "سعاد" منتظرتين على أحر من الجمر. حتى خرجت إليهم من حمام الغرفة تلملم فستانها بوجه قلق. لمعرفة رأيهم بما ترتديه. أطلقت "سعاد" زغروطة بصوت عالٍ اهتزت لها أركان القصر. أجفلت "لبنى" منها بخضة وهي تبتسم بسعادة:
-بسم الله ما شاء الله يا "سمرة" الله أكبر عليكي يا حبيبتي. سألت بتوتر وعدم ثقة: -يعني حلو عليا الفستان؟ هتفت "سعاد" بفرحة غامرة: -حلو دا إيه؟ إنتي يابنتي مش شايفة نفسك؟ دا الفستان هياكلك حتة. دا إنتي ولا البرنسيسات اللي بنشوفهم في المسلسلات. قالت لها بعدم تصديق: -مش لدرجادي يا "سعاد" إنتي كده بتبالغي. ردت عليها "لبنى" بغبطة:
-لا يا "سمرة" هي مش بتبالغ. وإنتي قدمي برجلك شوية لعند المراية عشان تشوفي بنفسك. إنتي فعلاً أميرة يابنتي والفستان لايق عليكي جداً. حقيقي إنتي ذوقك ممتاز. أخذت بالنصيحة وهي تلملم بفستانها وأمام المرآة وقفت تنظر لنفسها. أشرق وجهها بابتسامة رائعة وهي تستدير بجذعها. مرة لليمين ومرة لليسار. لقد أحسنتِ الاختيار لفستان ليلة العمر، حتى في أحلامها لم تتصور أنه سيكون بهذا الجمال. "الله يا جماعة، الفستان فعلاً جميل ولايق عليا."
قالت سعاد بخبث: "عارفة يا سمرة، أحسن حاجة عملتيها إنك جبتيه هنا تقيسيه عليكي، مش في المحل ونبقى إحنا نشوفه أول ناس عليكي. ده مش بعيد كنتِ اتحسديتِ من الحيزبونة لما تشوفك بالجمال ده." تمتمت الأخيرة بصوت منخفض وهي تغطي بكفها على فمها، حتى لا تفهم لبنى ما تقصده. فسألتها لبنى بفراسة: "بتبرطمي بتقولي إيه يا سعاد وتخبي وشك عني؟ "هاكون بقول إيه بس ياهانم؟
ماتخديش في بالك إنتي. بصراحة أنا فرحانة وعايزة أزغرط تاني، ممكن ياهانم؟ "زغرطي يا سعاد وخذي راحتك كمان." وكأنها أعطتها إشارة البدء، قامت سعاد بإطلاق زغروطة أكبر من سابقتها وبنفس أطول، لتتبعها بمجموعة بعدها. لتدخل السرور بقلب لبنى وسمرة، التي أزاحت دمعة على وشك السقوط، حتى لا تفسد اللحظة وحتى تتمنى لو كانت والدتها معها الآن. ..............................
إطلاق الزغاريد بشكل متوالٍ جعل السرور يدخل في قلب رؤوف، فظهرت ابتسامة الفرح على وجهه وهو يراجع أوراق المناقصة التي على وشك البدء فيها. أجفل تيسير في البداية، ولكن مع التكرار أصابته موجة من الضحك. "إيه الجنان ده يا عم رؤوف؟ ده البيت بقى مورستان! ازداد اتساع ابتسامته رغم انشغاله، فقال دون أن يرفع عينيه عن مراجعة الورق: "دي أكيد سعاد، هايكون مين غيرها يعني؟ قال تيسير بدهشة: "والله؟
يعني سعاد بتنزل عليها حالة، تخليها تزغرط كده لوحدها، وإنتوا بقى مبسوطين بالجنان ده؟ رفع عينيه قائلاً بمزاح: "وإيه مانبسطتش ليه؟ إحنا ناس عندنا فرح، وعاملين عرض خاص للناس المجانين في بيتنا. يعني لو جبت لي واحد من الشارع ييجي يرقص في بيتي مش هامانع. إيه رأيك يا عم، تحب إنت كمان تنضم؟ قال تيسير مذهولاً:
"يانهار أبيض، ده إنت هبلت منك خالص يا رؤوف. بس ولا يهمك، حقك برضه، وليك عليا أنضم أنا كمان لفرقة المجانين، بس لما ييجي الفرح بقى، أصل أنا مش مجنون قوي لدرجة دي يعني. ماشي." "ماشي." تنهد تيسير برؤية المرح على وجه ابن عمه في مشهد غاب عنه سنوات، فقال متمنياً بصدق: "ربنا يكمل فرحتك على خير يا رؤوف." .........................
لطالما كانت شديدة معها في المعاملة، ظناً منها أن ذلك هو الصح، لكي تستقيم الفتاة التي دللها أبوها حتى الإفراط. كم من مرة أتتها باكية وهي صغيرة ترجوها أن تقف في وجه قاسم، الذي يفرض نفسه عليها بشكل مزعج ويدعي أنها خطيبته بهتاناً وزوراً. فتكن النتيجة هي ابتسامة متهكمة منها وهي تأمرها بحزم: "وماله يابت قاسم؟ عفش ياختي؟ هو إنتي تطولي إنك تتجوزي واحد زيه؟ ده كل بنات العيلة يتمنوا ضفره! "بس أنا لأ ياما، مش عايزاه، هو غصب!
"غصب في عينك بت قليلة الحيا، ده أبو عمك يابت، ومش هاتتجوزي غيره ولو وقفتي على شعرة من راسك، فاهمة ولا لأ." "حرام عليكي ياما." "تحرم عليكي عيشتك، اتعودتي على دلع أبوكي الماسخ، خيب نفسه وعايزك تخيبي زيه، لكن ده على جثتي يا سمرة. لولا بس خايفة أبوكي يشتكيني، لكنت جوزتك من قبل ما تتمي السن القانوني، عشان إنتي دلعانة ومافيش غير قاسم اللي هايربيكي." "والله حرام عليكي، والله ياما حرام عليكي."
مازالت تستمع لصوت بكائها، الآن فقط شعرت أنه كان بحرقة. تتناثر في عقلها الذكريات التي تبين كم كانت غبية وقاسية مع ابنتها الوحيدة. الآن فقط أدركت أنها كانت السبب في تنمية جنون قاسم ناحية ابنتها، فلو ردعته من البداية لما كانت هذه النتيجة الآن وهو يظنها جزءاً من أملاكه. مسحت بيدها دمعة بعد أن سقطت أخرى على هذه الورقة المغلفة وهي كارت الدعوة، دعوة لحضور فرح ابنتها الوحيدة كالغريبة.
ابنتها ستتزوج بمن يليق بها، وليس بمن فرضته هي عليها سابقاً. ابنتها تعد نفسها للزواج وهي جالسة الآن بغرفتها، تتذكر وتندم بعد فوات الأوان. تنهدت بثقل وهي تقول لنفسها بصوت واضح: "إنتي اللي فزت يا أبو العزم، إنتي اللي فزت." ظلت ترددها مع نفسها بحسرة حتى أغمضت عيناها، ولكنها فتحتهما فجأة، جفلة تردد بهذيان وخوف: "الورقة يا بسيمة!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!