الفصل 3 | من 46 فصل

رواية سحر سمرة الفصل الثالث 3 - بقلم أمل نصر

المشاهدات
29
كلمة
2,316
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

دلفت "بسيمة" لغرفة ابنتها "سمرة" لتجدها جالسة على مقعد صغير تتناول حذاءها وتضع قدمها داخله بعد أن أكملت ملبسها. نظرت إليها مندهشة: -لابسة كده، ورايحة فين على أول الصبح؟ -رايحة شغلي، يعني هاروح فين؟ قالتها "سمرة" وهي تنهض لتفاجأ بوالدتها تمسك بذراعها توقفها. -يابت انتي اتجننتي، في واحدة تطلع وشبكتها كانت امبارح! -أنا رايحة شغلي، مش رايحة اتفسح.

-يابت ماتتعبيش قلبي، الناس اللي هاتيجي تبارك، ولا ناس العريس لما يجيبولك شنطة الهدوم، هانقول لهم إيه؟ تناولت حقيبتها لتضعها على ذراعها قبل أن ترد: -مالكيش دعوة بناس العريس، أنا هاتصل بـ"مروة" وهأفهمها، أما بجى حكاية الجيران والناس اللي هاتبارك، فـ"رضوى" بت خالي أهي قاعدة وتسد عني! ***

وفي مكان آخر بالعاصمة، في حي راقٍ لا يسكنه إلا النخبة المتميزة من السكان، دخلت المرأة العجوز وهي تتحامل على نفسها لغرفته. اقتربت منه وهو جالس بالشرفة يتناول قهوته بشرود. -سرحان في إيه؟ قالتها المرأة وهي تضع كف يدها على ذراعه، جعلته يجفل منتفضاً. ليتناول يدها بعد ذلك مبتسماً ويقبلها. -ست الكل منوراني بنفسها. -طب أعمل إيه؟ بقالي كام يوم عايزة أشوفك عشان واحشني، وأنت ولا سائل!

ابتسم ببشاشة وهو يتناول كف يدها ويقبلها مرة أخرى. -ينهار أبيض، بقى "لبنة" هانم بنفسها، نفسها تشوفني وأنا أتأخر، سامحيني يا ست الكل، أنا آسف حقيقي. ضربت بالكف الأخرى على جبهة رأسه. -بطل كش، ووفر كلامك الحلو ده للعروسة. أشاح بوجهه للجهة الأخرى مستنكراً. -عروسة إيه بس يا تيتيه؟ انتي لسه برضوا حاطة الكلام ده في دماغك. صمتت المرأة وهي تنظر إليه بغضب، فأنب نفسه ليردف:

-خلاص يا تيتيه بقى، ماتزعليش، انتي عارفاني مقدرش على زعلك. زفرت بضيق قبل أن تقول: -يا بني أنا مش بجبرك عليها، بس "صافيناز" ماتتعايبش، وأنت مش صغير عشان تستنى تاني على جوازك، أنا عايزة أفرح بولادك قبل ما أموت. تقدم منها ليقبل رأسها. -ألف بعد الشر عليكي يا ست الكل، ربنا يخليكي ليا، دا انتي اللي فاضلالي من ريحة الغاليين. -أنا مش عايزة إك تراضيني، أنا عايزة فعل. قالتها وهي تنظر لعينيه لتتبين صدقه، ليومئ برأسه هو.

-حاضر يا تيتيه، هأفكر في الموضوع بجد المرة دي، و"صافيناز" بنت حلال زي ما بتقولي انتي، بس والنبي اديني فرصة كام يوم. -رؤوف! -خلاص يا تيته بقى، أنا وعدتك! *** وعودة ثانيةً للجنوب، وبداخل مدرسة (أخلاق العظماء) ، كانت جالسة على كرسي خشبي في فناء المدرسة مستمتعة بهذا الهواء النقي الذي ينبعث من مجموعة الأشجار القديمة حولها، لاهيةً نفسها بمتابعة مباراة كرة القدم المقامة بين فريقين من الطلاب. لتجفل منتفضة على صوت صديقتها.

-يا ما شاء الله، العروسة قاعدة هنا وأنا بدور عليها. -بسم الله الرحمن الرحيم، خضتيني يا "رحمة". قالتها "سمرة" وهي تضع يدها على قلبها. -سلامتك ياقلبي من الخضة، قوللي بقى، انتي إيه اللي جايبك النهارده، وانتي أساساً كنتي واخدة إجازة عشان خطوبتك؟ ضغطت بأطراف أصابعها على جبهتها وهي تشيح بوجهها عنها، فردفت صديقتها بطرافة: -دا انتي باينك عاملة مشكلة، هببتي إيه يابت مع خطيبك؟

التفتت لها "سمرة" بعينين لامعتين، مما جعل صديقتها تجفل لرد فعلها. -لاااا... دا يبين الموضوع كبير، احكيلي يا "سمرة"، إيه اللي واجعك بالشكل ده، احكيلي يا صاحبة عمري اللي تاعبك. *** -راحت المدرسة!! إزاي يعني؟ هذا ما ردفه "رفعت" لأخته "مروة" باندهاش، لترد الأخرى: -أنا برضوا استغربت زيك كده وجلتلها، بس هي كان ردها إنها عايزة تخلص المنهج المتراكم عليها مع الطلاب. ردف هو غاضباً: -وبتتصل بيكي انتي ليه، وما تقوليش أنا؟

-ماهي اتصلت بيك يا "رفعت"، وانت كنت نايم ومرديتش عليها. تناول هاتفه ليتبين صدق ما تردف به "مروة"، فالتفت لأخته حانقاً. -ويعني هي افتكرت تتصل بيا وأنا نايم، وما هانش عليها ترد على اتصال واحد مني الليلة اللي فاتت!! -ماهي جالتلي اعتذرلك، عشان كانت نايمة وعاملة التليفون صامت. قالتها بمكر وهي تنظر إليه بتفحص، لتكمل بعدها بسؤال: -هو إنت بتحب "سمرة" من زمان يا "رفعت"؟ أسبل عينيه بعيداً عنها وهو يهدر بجدية.

-امشي يا "مروة" حضري لي الفطار، اخلصي بابت، امشي من قدامي. ازدادت ابتسامتها اتساعاً وهي تتحرك للخروج من الغرفة. -ماشي يا أخويا اللي تؤمر بيه، رايحة أحضر لك الفطار... يا عريس. زفر بقوة بعد أن خرجت من الغرفة، وكأنها أمسكته بفعل إجرامي. *** -ينهار أسود! انتي بتتكلمي بجد ولا بتهزري؟ قالتها "رحمة" بدهشة. فمالت زاوية فمها الأخرى بسخرية، مع هذه الدمعة التي سقطت دون إرادتها.

-ياريت يا "رحمة" يكون هزار، ياريت يكون كابوس وأصحى منه وبعدها أعيش حياتي، ياريت. هزت رأسها مستنكرة. -بس أنا عايزة أفهم، إنتوا إزاي اتخدعتوا فيه، ونسيتوا تاريخه الزفت وعمايله!! زفرت "سمرة" بقوة. -إذا كان قدر يقنع أخوه وناسه، مش هايقدر يقنع خالي وبنته. -يعني بعد ما قولنا إنه خلاص بعد عنينا وخلصنا منه، يطلع لنا تاني بنفس إجرامه القديم. لعقت دمعة على شفتيها ثم أردفت. -انتي عارفة يا "رحمة" أنا إيه اللي تعبني صح؟ ....

النظرة اللي شوفتها في عينيه، نظرة تبين لك حقيقي إنه مابيهزرش، ولا بيهوش بالكلام. -طيب وبعدين يا "سمرة"، هاتتصرفي إزاي معاه؟ أخذت نفساً طويلاً ثم أخرجته ثانيةً. -مش عارفة يا "رحمة"، مش عارفة، مخي وقف وأنا مش لاقية حل، بس انتي عارفة أنا نفسي في إيه؟ -جولي يا "سمرة"، نفسك في إيه؟

-نفسي أروح لأبويا وأقول له يحميني، نفسي أسأله، انت ليه مشيت وما سألتش عليا تاني، وسبتني لأمي اللي غلطت أكبر غلطة في حقي لما وعدت "قاسم" بجوازي منه، عشان المجنون ده يمسك في الكلمة دي ويسود لي عيشتي. قالتها الأخيرة بصوت مبحوح، لتردف صديقتها وهي تربت على ذراعها. -يعني هي كانت تعرف اللي هايحصل، أمك لما وعدتوه كان هو لسه صغير وما كانش باين عليه إنه هايبقى بالجنان ده، يلا بقى النصيب، ربنا يكون في عونك. ***

وعند "رضوى" التي كانت تتلقى التهاني والمباركات من النساء الأقارب والجيران، وهي تبتسم بسعادة، تظهر حقيقة ما تشعر به، فتبرع أيضاً في إخفاء هذه الغصة الموجودة بداخلها. زفرت بضيق بعد أن خرجت إحدى النساء الجيران من البيت، لتنظر لوالدتها بعينين مشتعلتين. -شايفة ياما مجصوفة الرقبة، اللي جايبالي الكلام والحديث! -مجصوفة مين؟ وكلام إيه اللي بتجولي عليه؟ -الست "سمرة" اللي راحت شغلها، وسابتني أنا لأسئلة الحريم اللي حرقت أعصابي.

-قصدك يعني على شنط الهدوم، ماهي "مروة" جالتلك إنها هاتيجي بيهم بعد الضهر. -بعد الست البرنسيسة ما ترجع من الشغل، عشان ياخدوا رأيها فيهم، وأنا أولع مع نفسي وتتحرق أعصابي من أسئلة الحريم، اللي نفسها تتفرج على حاجتي وهدية العريس، اللي لسه في انتظار الهانم. نظرت إليها صامتة، فهدرت "رضوى". -ساكتي ليه ياما؟ ما تتكلمي! -يعني هأقول إيه بس يا بتي؟

-تقولي إن الزفتة دي، زي ما خدت حظي طول السنين اللي فاتت، كمان قاطعة فرحتي دلوقتي. هزت المرأة رأسها يأساً وهي تمتم بصوت خفيض. -ربنا يهديكي يا بتي. ***

بعد أن ترجلت من سيارة الأجرة، وقبل أن تصل لموقف السيارات التابع لقريتها، توقفت شارده تنظر لهؤلاء البشر الخارجين بكثافة من محطة القطار، التي تمر عليها ذهاباً وإياباً في كل مرة ذهبت فيها لعملها. كم تمنت لو كان أباها ضمن هؤلاء البشر، لتهز برأسها وتنفض هذه الفكرة التي آلمتها من كثرة التخيل. -انتي بينك رجعتي لهبل الطفولة تاني يا "سمرة"!!

تمتمت بها لنفسها، لتفاجأ به واقفاً أمامها بجوار سيارته ناظراً لها بابتسامة جميلة، فتقدمت بخطواتها إليه. -انت هنا من امتى؟ قالتها بابتسامة ساحرة، أسرت قلبه ليرد عليها عالمُغيب. -أنا في انتظارك بقالي زمن طويل. أجفلت لمقولته مندهشة. -إزاي يعني زمن طويل؟ تجصد مستنيني من بدري! هز برأسه وكأنه فاق من شروده. -اركبي يا "سمرة" أوصلك، يالا اتحركي، أنا خطيبك وواد عمك، مش غريب عليكي يعني!

قال الأخيرة بإصرار، جعلها تدلف للسيارة دون اعتراض. *** وبداخل السيارة، تحدث بعتب. -برضوا دا كلام يا "سمرة"، تيجي شغلك تاني يوم خطوبتك. -ما أنا فهمت "مروة" إنه غصبن عني، عشان المنهج و... -قالت لي "مروة" كل اللي هتقوليه، بس برضوا أنا زعلان، عشان قعدت الليل كله امبارح أرن عليكِ، وأنا نفسي أسمع صوتك. بلعت أرياقها بتوتر وهي مسبلة عينيها. -عندك حق، بس أنا كنت تعبانة، فنمت زي الأموات. -ما سمعتش أي رنة.

-بعد الشر عليكي من الموت يا "سمرة". قالها بسرعة وعيناه عليها وهو يقود السيارة، وبعدها تناول علبة مغلفة من جواره. -امسكي يا "سمرة"؟ دا تليفون عشان أكلمك بيه. -لا يا "رفعت"، أنا معايا واحد. قالتها وهي تهز رأسها، فنظر إليها غاضباً. -اخلصي يا "سمرة" وما تزعلنيش، دا حقك عليا أنا خطيبك. شعرت بالحرج، ولكنها لم تشأ إغضابه، فتناولته لتتفاجأ منبهرة. -إيه ده يا "رفعت"؟ دا أحدث نوع في السوق واسمع إنه غالي جداً.

نظر إليها ليردف بصوت أجش. -ما فيش حاجة تغلى عليكي يا "سمرة"، انتي اتخلقتي عشان تبقي برنسيسة. فتحت فمها وأقفلته عدة مرات، وهي لا تجد كلمة مناسبة لهذا الكرم منه، وهو يبادلها بنظراته الحنونة، رغم انشغاله بالقيادة، فأردفت ممتنة بابتسامة خجولة. -أنا متشكرة جوي، على ذوقك وكلامك اللي يجنن. ليرد هو بصوت دافئ. -متشكرنيش... انتي أتمني بس وجولي عاللي نفسك فيه. اتسعت ابتسامتها لتردف بمرح.

-لا يا عم أنا بالشكل ده أبقى طماعة، دا زين جوي كده. -زين جوي يا "سمرة". قالها بطرافة فبادلته هي بابتسامة رائعة، ولكنها أجفلت منتفضة على صوت السيارة التي أوقفها "رفعت" على حين غرة لدرجة آلمتها، حينما فوجئ به واقفاً أمامه وسط الطريق، ليهدر بزعر. -انت اتجننت يا "قاسم"؟ مش خايف لادوسك بالعربية!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...