كانت تسير مسرعة وهو خلفها، يريد أن يقطع الشك باليقين، ليه تتصرف هكذا؟ وليه يشعر ناحيتها بما يشعر؟ وهل شعوره صحيح أم ماذا. همت كي تغلق الباب بقوة لكن بقوة أكبر منعها، يضع يده الغليظة كحائل يمنعها عن غلق الباب. ينظر لها باستغراب، به من الإصرار ما يكفي، استغراب لذلك البغض اللي يفوح من عينيها. مستغرب من قوته الهائلة اللي جعل مجرد نظرة من عين تصل بتلك القوة للشخص المقصود بها، من شدة ما هي قوية نابعة من الأعماق.
ما اللي فعله لها كي تبغضه هكذا؟! كانت هي المبادرة تتحدث بغل من بين أسنانها المصكوكة وكأنها تحذره: -أبعد إيدك عن الباب. شملها بنظرة سريعة ثم قال بإصرار: -وليه؟ أنا عايز أتكلم معاكي. تحولت نظرته الفاحصة لأخرى غامضة وهو يردد: -ولا هتروحي تحطي حجاب على شعرك وتقفلي بجامتك. لم تنمحِ نظرة البغض والغل، وإنما تعززت بالاحتقار ولم تجيب. سحب نفساً عميقاً يردد:
-على فكرة أنا أخوكي عادي، والأخ على حد علمي ممكن يشوف أخته بالبيجامة وشعرها عادي. أربكها حديثه مما خفف من قبضتها على الباب فاستطاع فتحه، يتقدم بخطوة فتعود للخلف مثلها، تنظر لأعلى بسبب الفرق الغير عادي في الطول. نظر لها من كل الجوانب وهو أخيراً معها، هو وهي وحدهما بمكان، تقف أمامه بوضوح لا يحجبها عنه شخص ولا حتى حجابها اللعين هذا.. كانت صغيرة الحجم بجواره، قصيرة جداً و... لذيذة.
جمال عينيها تشتته.. نجحت في تشتيت تفكيره وتوقف عن الحديث. أنفاسه ساخنة ينظر لها لا يستطيع أن يحيد بعينه عنها. إنها جميلة جداً.. جمال لا شفقه فيه ولا رحمة، ليس من العدل أن تكون جميلة هكذا. كانت هي المسيطرة في هذا الوقت وذهنها حاضر تتلاعب به وهي تقول: -أنت إيه اللي موقفك هنا كده وإيه الطريقة اللي دخلت بيها أوضتي دي؟! حديثها أنتشله من هيامه بها يفكر ويحاول أن يتذكر سريعاً سريعاً ليه جاء خلفها بتلك الطريقة.
إلى أن تحدث يقول: -عايز أتعرف عليكي. اقترب الخطوة الفاصلة بينهم يختبر شيء ما... احتل عيناه الغموض وهو يراها قد ارتبكت واتسعت عيناها من اقترابه الشبيه بالالتصاق يكمل: -نقرب من بعض أكتر. شبه ابتسامة ساخرة تكونت على جانب شفتيه وهو يكمل: -مش أخوات. مد يده بمنتهى الصفاقة والخبث يضعها على رقبتها يتحسسها وهو يكمل: -مش الأخوات لازم يبقوا قريبين من بعض خصوصاً لما يكتشفوا بعض بعد سنين طويلة.
زاد ارتياح لعين بقلبه وهو يشعر بعدم راحتها من كف يده التي تسير بحرارة على عنقها. ونفضت يده بقوة تردد وهي تحاول أن تبتعد عن مرمى نظراته: -لأ أنا مش عايزة لا أتعرف على حد ولا أقرب من حد، ولو سمحت تخرج دلوقتي من أوضتي. أخذ نفساً عميقاً مرتاح يسير بتبختر نحو أحد الأرائك ويضع قدم فوق أخرى يفرد ذراعيه على ظهر الأريكة وهو يردد: -أنتي مش عايزة براحتك، بس أنا عايز وما عنديش ما يمنع. تحدث من بين ضحكته الساخرة يقول:
-أنتي عندك ما يمنع؟ نظرت له بأعين متسعة غاضبة من جرأته وخبثه، تشعر بشيء غير عادي به. تشك أن نظراته غير بريئة، إنها نظرة رجل لفتاة وليست شقيقته. وكأنه يشك أنها أيضاً تعلم ما يعلمه هو. لكن نظراته أيضاً يختلط بها الخبث والمكر، ذلك الماجد يتلاعب. يراهن على من سيربح بالنهاية، يتلاعب بأعصابها، يرتكز على أنهما أشقاء. أوووه يا له من أخ حنون.......
ابتسمت بتحدي وثقة بنظرتها أربكته حقاً كان مفادها "أهلاً أخي الحنون.. إن أردت اللعب لنلعب إذا" وتقدمت تجلس لجواره مستغلة كل نقاط الضعف التي استشعرتها، فنظراته التي تشك بنواياها كافية لحفر قبره. سارت بتحدي تجلس لجواره على نفس الأريكة تبتسم وهي ترى خبث وتحدي عينيه قد استحال للاستغراب والترقب. يحاول فهم ما يدور بخلدها وكان السبب في هذا التحول اللحظي.
منذ قليل كانت تقف ترتجف بين يديه تحاول قدر ما استطاعت الحفاظ على مسافة معقولة بينهما. إنما الآن فهي وكأنها تتحداه..... بالفعل توترت نظراته وأنفاسه أيضاً وهو يراها ويشعر بها تجلس لجواره. بل والتفت تواجهه وتبتسم.. كأنها تقول له "من أنت يا ابن العز والقصور.. من أنت كي تستطيع التلاعب بفتاة تربت بالشارع وتعايشت مع إحساس الجوع والنقص" بتحدي سافر مدت يدها له بالسلام تقول:
-ما علش أصلي فجأة كده بقى ليا أب وأخ مش متعودة عليهم خالص، ولا واخدة على إني أبقى بشعري قدامهم. اتسعت ابتسامتها تتحدث وكأنها تستسمحه: -أعذرني مش متعودة.. بس مسيري أتعود أكيد. نظرت ليدها الممدودة بالسلام حتى الآن ثم لوجهه المذهول وأنفاسه المتوترة من قربها تبتسم ابتسامة متحدية وتقول: -إيه؟! مش هتسلم عليا؟! هفضل مادة إيدي كتير؟! ابتلع رمقَه بصعوبة ثم مد يده للسلام.. يتمزغ غيظاً من نظرتها المتحدية وكأن لعبتها واضحة له.
وهي أيضاً تعلم أنها الآن تلعب على المكشوف، والشاطر من سيصمد أمام الآخر. لذا ابتسم لها وهو يربط على يدها يحكم قبضته ثم رفع حاجبه وقال: -لأ لو كده يبقى أخدك خضن أخوي بقى. اتسعت عيناها.. فعلاً قد فهم لعبتها.. خصمها غير سهل إطلاقاً. بلمحة عين منها للباب المفتوح قليلاً غيرت رفضها القاطع وابتسمت متصنعة التساهل تفتح له ذراعيها بنظرة بعيدة عن الأخوة نهائياً تقول: -موافقة. اتسعت عيناه بصدمة، هل هي صادقة، أم أنها تتلاعب به؟!
خانَه قلبه وتغلب بمهارة على عقله يراها بريئة جداً بعيدة كل البعد عن الخبث والمكر. وبجسد متلهف وذراعين مشتاقتين اقترب منها يغتنم الفرصة ينوي أن يعتصرها بين ذراعيه حتى يتشبع صدره من رائحتها ويطبع جسدها برائحته. لكن .... صوت مألوف به طيف من الغضب صدح من خلفه أخرجه من ذلك العالم الوردي الذي غرق به يردد: -مساء الخير.
اتسعت عيناه وتوقف جسده عن الاقتراب ما زال يعطي ظهره لمن خلفه ينظر لتلك الملاك البريء بجواره والشر يقطر من عينه وهو يجدها تبتسم له كأنها تخبره بفوزها هذه الجولة من اللعبة تغمز له بإحدى عينيها. ثم تحدثت بحيادية لتلك الواقفة: -مساء النور يا ندى. صك أسنانه بغيظ وغل ينظر لها بأعين حمراء ثم اعتدل ببطء ينظر ناحية زوجته التي تناظرهم بشك. ثم تحدثت بنبرة متعالية قليلاً: -البيجامة بتاعتي جت مقاسك أهو.
اصفر وجه فيروز.. ببساطة ذكرتها بمعاناة سنوات وأيام ترغب في نسيانها. وبغصة مريرة لم تفت ذلك الجالس بجوارها يتابع ويلتقط أدق التفاصيل منها وهي تقول: -آه شكرا.. أنا خلاص هنزل أشتري لبس كتير أوي ليا وأرجعلك البيجامة. بنظرة نافرة مشمئزة قوست ندى فمها لأسفل تردد وهي تشير بيدها متقززة: -لأ طبعاً... ترجعيلي إيه حبيبتي أنا أكيد مش هلبسها من بعدك. صمتت ثواني تلاحظ شحوب وجه فيروز قالت كملت متصنعة البساطة والطيبة:
-سوري حبيبتي هو أكيد دي حاجة مش هتفهميها أنتي بس أنا مش بقدر ألبس حاجة حد غيري لبسها سواء قبل أو بعد. كأن أحدهم صفعها بقوة على وجهها.. فيروز الذكية الخبيثة تقف الآن لا تستطيع الرد أو الصد. وكأن ماجد يقف لجوارها كالمرجل المشتعل، كأن الصفْعة وجهت له وليس لفيروز، يشعر بمرارة كبيرة بحلقه. قربها منه يضمها عليه ثم قبل جبهتها يقول بعناد: -طبعاً يا روزا البيجامة دي بقت بتاعتك خلاص أصلاً مش هتبقى بالجمال ده على حد غيرك.
صدح صوت ندى غاضب تسأل: -قصدك إيه يا ماجد؟ نظر لها بنظرة باردة ثم سأل: -هو لما أنتي مش عايزة البيجامة كنتي جاية عندها ليه؟ تمزغت غيظاً لا تحدد سببه للآن.. لكن شعور خفي جعلها غير مرتاحة لتقاربهما معاً رغم أنها شقيقته وأنها ليست ذلك الشخص الغيور غيره غير عادي، لكنها حقاً غير مرتاحة. تحدثت بحدة وغضب: -النهاردة خطوبة بنت خالتي سناء وأنت واعدني تيجي معايا.
ارتفع حاجباه دليل على تذكره وقد لاحظت فيروز ذلك فالتصقت به تشبك يدها بذراعه فوراً تقول: -إيه ده وعدك إمتى.. أصله لسه من شوية عرض عليا ييجي معايا ويختارلي كل لبسي بنفسه. اتسعت عيناه ينظر لها مصدوم.. مذهول. كذلك كان الحال عند ندى التي تحدثت بغضب: -ده حصل فعلاً يا ماجد؟! نظر ماجد لذلك الملاك وهي ترفرف بأهدابها بمنتهى البراءة ثم نظر لندى يضع يديه بجيوب بنطاله يردد بثبات: -أيوه حصل. حاد بعينه عن ندى ينظر لفيروز يردد:
-مش أختي. صمت ينظر بمغزى مريب داخل عينيها الرمادية وأكمل: -حبيبتي. ذهب العبث من على ملامحها ونظرت له بتشتت تسمعه يكمل هو بعبث وخبث: -لازم أروح معاها وأختار لها لبسها كله بنفسي اه... مش أختي بقى وأنا أخ غيور أوي. نظرت له بأعين مذهولة وهو يلتوي شدقَه بابتسامة لعوب غير بريئة النوايا أبداً عن القادم. أخذ حسن يدق الباب بقوة مرة خلف مرة حتى استفاقت من نومها العميق هذا ووقفت بتشوش تتجه ناحية الباب تردد بتعب: -مين؟ صدح صوت
غاضب من خلف الباب يقول: -أنا حسن. اسمه وحده يزلزلها، اهتزت داخلياً بحق. ابتلعت رمقَها تحاول استجماع شتات نفسها ثم قالت: -عايز إيه يا حسن. خرج صوته غاضب حاسم يردد: -افتحي. أغمضت عينيها تتنهد بتعب ثم قالت: -امشي يا حسن. جن جنونَه من تصرفاتها الغير عادية يسأل: -هو إيه اللي حصل، بتعملي كده ليه؟ هو أنا حصل مني حاجة زعلتك؟ تحدثت بتعب: -لأ. حسن بجنون: -أمال في إيه بس؟!!
أخذت نفساً عالياً وزفرتَه بقوة تفكر لثوانٍ، التهرب ليس حلاً، يجب أن تتعامل معه بحيادية وهدوء، بالنهاية هو لم يرتكب أي خطأ ولا ذنب له إن وقعت هي له من أول نظرة تراه فتى أحلامها. لذا فتحت الباب تبتسم له وهو ينظر لها مصدوم، يقسم داخلَه بأعْظَم الأيمان أن تلك الفتاة مجنونة، مجنونة حقاً. منذ ثوان معدودة كانت تتحدث بحزن كبير شق قلبه، والآن تفتح له الباب تبتسم. سمعها تتحدث بهدوء مرددة: -صباح الخير يا حسن.
يا ويله على نطقها اسم حسن بلغتها الركيكة تلك.. إنه يذوب حقاً ولا أحد يشعر به أو يشفق عليه. حاول التحدث بصعوبة يرد عليها: -صباح النور، أنتي فين من إمبارح؟ حاولت بصعوبة عدم النظر مباشرة لعينيه وقالت بصوت باهت: -لأ ما فيش، بس كنت مرهقة ومحتاجة أنام. كان ما زال يقف على الباب، مشدوه من طريقة تحدثها معه يسأل بحيرة: -أنتي بتكلميني كده ليه يا نغم؟! هزت كتفيها مع فمها وصورة غنوة لا تذهب عن بالها فتتحدث بجفاء أكبر:
-بكلمك إزاي؟ أنت أصلاً كنت جاي ليه. اتسعت عيناه مما تفعل وتقول، ابتلع رمقَه يردد بصوت مختنق: -كنت جايبلك حاجات للفطار. مدت يدها تأخذ منه الكيس البلاستيكي، فمد يده لها بدورَه مذهول. ابتسمت مجاملة تردد: -شكراً يا حسن. كان ما زال صامت مصدوم، طريقتها بالفعل جافة جداً وصادمة. وضعت يدها على دلفة الباب المفتوح بحركة مفادها أنها تهم بغلقه تسأله باستغراب: -في حاجة يا حسن؟ هز رأسه سريعاً يردد: -لأ ولا حاجة.
رمش بعينيه مصدوماً وفر من أمامها سريعاً ينقذ الباقي من كبريائه وهي تشيعه بنظرات حزينة وعيون حمراء لكنها لا تقدر على خيانة شقيقتها أبداً. لذا أغلقت الباب بقوة تقنع نفسها أن كل هذا ما هو إلا نزوة وانبهار بشخصيته لأول مرة تواجهها وسريعاً ستنمحي. تنظر بحنان للكيس الذي بيدها وتسير به للداخل كي ترى ما به.
وقف على قدميه مستغل الوضع أسوء استغلال يرتكز بجسده كله تقريباً عليها وهي تقوم بمساعدته على المشي وهو يستند على كتفها يضمها له قدر ما استطاع، تائه برائحتها وقربها منه أذاب قلبه وأشعل جسده فأصبح كالبركان على وشك الانفجار. تسير معه خطوة بخطوة كأنه طفلها وأكمل عامَه الأول لتوه تعلّمَه السير وكم استلذ ذاك الإحساس جداً جداً. نظرت له مستغربة تسأل: -بس إيه كل البادي جاردات اللي برا دول؟! تحدث بألم يردد:
-مجايب سي ماجد، مصر أني ألازمني حراسة. غنوة: -أنت ليه بيحصل معاك كده وليه رغم كل المحاولات دي مش بتمشي بحرس خالص. تحدث لها بصدق بعيد ومتجرد من أي فكر.. معها فقط: -مش عايز خصمي يحس إني اترعبت، لو استخدمت حرس أبقى خايف منه، لكن كده هيفضل هو اللي هايبني وخايف من قوتي، خوفه مني هيربكه ويشتت تركيزه. ابتسمت غنوة ورددت: -صح عندك حق. صمتت ثواني وهي تلف به عند آخر الغرفة لتبدأ السير به من جديد تسأله باستغراب:
-بس ليه لمى ما جتتش ولا اتصلت لحد دلوقتي، أنا هنا بقالي كتير؟ ابتسم ينظر لها بعمق ثم قال: -عشان أنا ما قولتش لحد، ولا حتى لمى.. أنتى كفاية عليا. نظرت له بصدمة واستغراب، تتعالى دقات قلبها، تهم بسؤاله ألف سؤال وسؤال. لكن دقة عالية على الباب منعتها، وهي تجد الطبيب يدخل الغرفة ينظر لما يفعلوه باستغراب كأنهما معاتيه ثم ردد: «هو المشى رياضة وكل حاجة بس إنت عامل كده، على فكرة الطلقة في كتفك مش رجلك.»
ضيقت غمضة عينيها، تفتح فمها تربط الخيوط ببعض، ثم تنظر لهارون باتهام، تراه يقف دون الحاجة لأحد يبتسم باتساع وصفى أسنانه فوق بعض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!