الأمر أصبح مريب وغريب بشكل غير عادي، كاظم الآن بالسجن وها هو يتعرض للقتل للمرة التي توقف عن عدها. عقله سيطير منه، من يفعل به هذا. فتح الباب ليدخل الطبيب المعالج بابتسامة مهنية باردة. يمد يده للوحة المعلقة على مقدمة السرير باهتمام وتركيز، ثم يرفع عينه له يردد: "لأ عال عال، أنت... قاطعه هارون يردد بتعب: "أنكتب لي عمر جديد."
زوى الطبيب ما بين حاجبيه ينظر لماجد باستغراب. فرد ماجد على الطبيب ساخرًا: "لأ ما تأخذش في بالك، بس أصله سمعها كتير." رمش بعينيه مستغربًا ثم أكمل: "الحمد لله الرصاصة جت في كتفك، أنت إن شاء الله يومين وهتبقى تمام." امتعض وجه هارون يردد: "أقدر أخرج امتى يادكتور؟ رد عليه الطبيب: "يعني مش أقل من ٣ أيام." عاد هارون للخلف برأسه من شدة
الضيق ونظر له ثانية يردد: "لو سمحت يا دكتور تكتب لي على خروج أنا مش بكرة قاعدة المستشفيات." قاطعه ماجد يردد: "هارون أنت واخد طلقة يا حبيبي.. دي مش حتة إزازة دخلت في رجلك، وكويس إننا هنا عشان نعمل كل الفحوصات على قلبك." هارون بسأم: "أهو ده اللي ناقصني فعلاً." نظر ماجد للطبيب وقال: "إحنا محتاجين نعمل رسم قلب وشوية فحوصات طبية كده." استغرب الطبيب كثيراً يسأل: "ليه؟ الرصاصة الحمد لله كانت بعيدة تمامًا عن القلب."
مط هارون شفتيه وردد بسخرية وهو يشيح بيده: "اتفضل احكِ له مأساتي وقصة حياتي." ضحك ماجد بخفة ثم أشار للطبيب أن يذهب معه كي يشرح له الوضع. وبعدما خرج، ألقى هارون برأسه للخلف يتنهد بإرهاق. ثوانٍ وارتفعت رأسه عن الوسادة في وضع مستقيم قليلاً كأنه تذكر شيئًا مهمًا لتوه. حاول جذب هاتفه بيده الحرة يفتحه بصعوبة ويطلب رقمًا ما. انتظر ثوانٍ يستمع صوت الهاتق دليلًا على الاتصال إلى أن أتاه
الرد من صوت ذكوري يردد: "هارون باشا.. يا مساء الخيرات." ردد هارون: "ازيك يا منير عامل إيه؟ منير: "الحمد لله تمام." صمت لثوانٍ ينتظر الطلب الذي اتصل به من أجله شخص كهارون الصواف، ولم يطول انتظاره إلا وتحدث هارون سريعًا: "بما إنك مدير الأتش آر عند لمى مختار، فأكيد أكيد ماحدش هيقدر يخدمني الخدمة دي غيرك." جاوب منير سريعًا بلهفة: "أنت تأمر أمر يا باشا."
رد هارون برضا عنه يقول: "في موظفة اتعينت النهارده واكيد الـ CV بتاعها عدى عليك، فـ أنا عايز رقم تليفونها." لم يفكر منير كثيرًا، حتى لم يسأل لماذا، هارون تسبقه سمعته، رجل ويريد رقم فتاة فلما سيحتاجه، الأمر بديهي. فتحدث على الفور: "سهلة يا باشا عشر دقايق ويبقى عندك." هارون: "دلوقتي يا منير، افتح الاب بتاعك وابعتّه دلوقتي." أخذ منير نفسًا عاليًا وقال بإذعان: "أوامر معاليك، ثواني ويتبعت لك على الواتس، بس هي اسمها إيه."
اللمعت عينا هارون وارسمت ابتسامة جميلة على شفتيه يردد بنعومة ودفء: "غنوة، اسمها غنوة صالح." منير: "تمام يا باشا دقايق ويبقى عندك." أغلق معه الهاتف يعود برأسه مرة أخرى للخلف والابتسامة تعود لوجهه تلقائيًا تتسع وتتسع. يفكر بها وبكم سيفيده وجوده بالمشفى رغم كرهه المكوث بها. ثوانٍ وعلى صوت هاتفه برسالة على تطبيق الواتساب من منير بداخله رقم صاحبة العيون الساحرة. اللمعت عيناه بتلهف يتصل بها دون تفكير. ***
استيقظت من غفوتها، فهي لم تنم جيدًا من شدة التفكير، تشعر بالتخبط والتذبذب وأشياء أخرى لم تقدر على وضع مسمى لها. لكنها تستشعر زيادة في معدل خفقان قلبها لا يمكن التغاضي عنها كلما تذكرت حديثهما أمس.
وقفت تؤدي روتينها اليومي ثم تخرج من خزانتها "هاي كول" أبيض سادة مع بنطال من الجينز الأسود ومعطف من قماش الجوخ الثقيل يتناسب مع الطقس غير المستقر بهذا الصباح، ومعه وشاح من التريكو السميك بإحدى درجات العسل تلفه حول رقبتها يعزز شعورها بالتدفئة مع حجاب من ألوان ممتزجة متداخلة صنعت شكلًا جميلًا أضفى وهجًا على بشرتها الجميلة الصافية، فهي وإن تخلت في أيام كثيرة عن وضع أي مساحيق تجميل فلم ولن تتخلى يومًا عن كحل عينها الأسود، هو جزء لا يتجزأ من شخصيتها إطلاقًا.
ألقت نظرة واثقة متباهية على هيئتها في المرآة وأخذت نفسًا عميقًا تقوّي حالها ككل يوم وخرجت. سارت بخفوت حيث غرفة نغم شقيقتها تفتح الباب بهدوء تنظر عليها وهي تنام على جانبها الأيسر مولية ظهرها للباب متدثرة بغطائها السميك وعلى ما يبدو أنها غارقة في النوم. لكن الأمر أصبح غير عادي، بالأمس حينما عادت كانت نائمة والآن لم تفق بعد... ماذا هناك؟ كأنها تتهرب من شيء، هل تتهرب منها هي؟ أم أن هناك ما يحزنها؟!
كانت ستقترب من الفراش توقظها لكن توقفت تسأل نفسها، هل تضايقت من خروجها مع حسن؟ وهل خرج معها فقط لأنها لا تعرف هنا أي شيء أم لوجود سبب آخر؟ وهل ذهابها مع هارون كان بسبب ما حدث وما شعرت به؟ وهل لهذا تتهرب منها شقيقتها؟ أم أنهما تشاجرا؟ هزت رأسها باستنكار، لم يمضِ على مجيئها لهنا يومان هل سرعان ما تولد بينها وبين حسن أي مشاعر؟ بيومان... يومان فقط؟
نظرت على شقيقتها، عيناها عليها لكن عقلها يشرد ويعود ليتذكر حديث ذلك الضخم حين أخبرها أنه فقط انجذاب وتلاقي إما أن يحدث منذ البداية أو يظل الشخصان معًا سنوات دون الشعور بأي شيء. هل كانت هي هكذا وحسن؟! هل كل ما هو بينهم فقط شعور بالعشرة والتعود والألفة، أنه منها وهي منه، عشرة عمر طويلة، بينهما ذكريات جميلة. أم أنها تحبه بالفعل؟ لو كان لما لم تدافع عن حبها بشراسة؟
هل هي بتلك الطيبة والسماحة كي تتنازل عنه لشقيقتها التي علمت بوجودها فقط أول أمس؟! لم تكن يومًا بتلك السماحة، تعلم أنها شرسة عنيدة لا تتنازل عما تريد أبدًا، لو أحبت شخصًا ما تركته بتاتًا، لو أرادت شيئًا لا ترتاح إلا بعدما تملكه حتى ولو بعد فترة، إن وضعت برأسها هدفًا تتوقف عن رؤية أي شيء غيره، لو ذهبت يمينًا وضعته يمينًا ولو اتجهت يسارًا أخذته معها يسارًا حتى يتحقق.
استدارت تخرج من الغرفة وبعدها البيت كله وهي ما تزال تفكر. حسن كان أمامها لسنوات، تعلم أنه يريد الزواج منها، ووالدته مرحبة جدًا، فاتحها بالموضوع من سنتين مرتا وهي أجلت النقاش متحججة بمواضيع وأشياء غير مهمة وهو تفهم وصبر. السؤال هنا... إن كانت تحبه لما لم تفعل وتزوجته حتى الآن أم أن أهدافها كانت أكبر وأهم منه... من حسن.
تحركت وهي تريد مغادرة الحي سريعًا تتجنب الحديث مع أي شخص، هي اليوم بمزاج متضارب غير مستقر ولا تريد التعامل بشكل غير جيد مع أي شخص. تقابلت مع حسن الذي يجلس على أحد الكراسي الخشبية أمام محله. تحاشت عن عمد النظر له وهي تنظر لهاتفها الذي صدح صوته يخبرها بوجود اتصال من رقم غريب.
زوت ما بين حاجبيها تنظر للهاتف باستغراب، في العادة ما كانت لتجيب لكنها ودت الهرب من الحديث مع حسن. تعلم أنه كان يجلس ينتظرها، فتحت الهاتف تجيب وهي تتحرك ناحية البيت وقد لاحظت انتصاب جسد حسن عن مقعده يبدو متأهبًا كي يتحدث معها. فتحدثت بهدوء: "ألو." كانت تتحرك خارج باب البيت متجهة للشارع وعلى يمين يدها محل حسن عندما أتاها الرد من صوت عميق يردد: "غنوة." ضيقت عيناها بشك، وتحدثت تسأل: "هارون؟
لم ترى تلك الابتسامة السعيدة التي ارتسمت على شفتيه وهو يعود برأسه للخلف يستريح، لكن وصلها صوته الذي تبعه تنهيدة حارة وهو يقول: "عرفتي صوتي لوحدك، وده له معاني كتير، وكلها حلوة." لكن حسن لم يستطع الصبر وقطع ردها الذي همت بنطقه ليتحرك تاركًا محله للشخص الذي يعمل معه. وتوقف لجوارها تمام يقول: "غنوة، استني عايز أتكلم معاكي."
استمع هارون لصوته بوضوح يصك أسنانه وشعور بشع ينهش أحشاءه ويشعل صدره لم يحدد ماهيته إلى الآن. لكن وجد صوته يخرج من بين أسنانه المصكوكة بغل وغضب يسأل بخفوت حذر: "مين ده؟ صمتت لا تعلم أيهما تجيب واضعة الهاتف على أذنها تنظر لحسن. لكن هارون صرخ بغضب صم أذنها: "بقول لك مين ده وعايز منك إيه؟ ردي عليا." صمتت لثوانٍ ثم قالت للذي على الهاتف: "ثواني."
أبعدت الهاتف عن أذنها تسمع بضعف صوته وهو تقريبًا يردد صارخًا: "أنا ثواني.. أنا يتقال لي ثواني." إنما نظرت لحسن تقول بوجه به قدر لا بأس به من الصلابة والحيادية تردد بفتور: "صباح الخير يا حسن." تلبك قليلًا من طريقة حديثها معه الجديدة بعض الشيء، لكن... الغريب أنه يشعر ناحيتها بالتقصير... التقصير فقط وليس شيء آخر كما اعتقد. تحدث بحرج وتردد: "أنا آسف إني اتأخرت عليكي امبارح بس....
قاطعته بإشارة من يدها أن يتوقف. علام يعتذر... لقد ترك المكان كله وذهب أول ما عرف أن نغم ستخرج وذهب معها... لا يوجد تفسير آخر إلا الذي وصلها. فهي لا تعلم بأن أحدًا هاتفه كي يأتي لفض نزاع نشب داخل محله، آخر شيء حدث بينهما هو توصيله لها ووعده أن يظل أسفل الشركة حتى تنتهي هي. إذا فما التفسير الوحيد لكل هذا... وإن كان.. فما على القلب من سلطان. نغم شقيقتها وهي أحبتها جدًا... لذا ستصمت وتنسحب بهدوء.
كان يقف مبهوتًا من إشارة يدها التي تعني أنه لا حاجة للمزيد وتحدثت بعدها تقول: "حصل خير يا حسن، أنا اللي كنت عايزة أشكرك على توصيلك لنغم وإنك أخذت بالك منها.. بس عن إذنك عشان عندي شغل مهم ومستعجلة." همّ حسن كي يتحدث بلهفة لكن هاتفها قد ارتفع رنينه، نظرت له باستغراب فأخر شيء كان هارون على الخط، الغريب أن هناك اتصالًا باسمه. هل أغلق المكالمة وهاتفها من جديد.
تحدثت هي على عجالة تسكته: "ما علش يا حسن متأخرة دلوقتي.. سلام." ظل ينظر لأثرها بندم، ودد أن يسألها عن نغم ولما هي مختفية منذ الأمس. يريد الاطمئنان على حالتها بعدما حدث. أما غنوة فقد فتحت الهاتف تجيب عليه باستغراب تهم بسؤاله لماذا أغلق الهاتف لكنه بادر بهجوم عنيف عبارة عن سيل من الأسئلة: "دلوقتي حالا عايز أعرف مين وليه وبأمارة إيه... بسرررعة."
وقفت في منتصف الحارة مذهولة لا تعلم عما يسأل، وقد كان لهجومه الضاري أثر كبير عليها جعلها ترتبك قليلًا. تسأل بجهل حقيقي: "هو إيه؟ كانت النار تستعر داخله زيارة وهو يقابل برودها هذا، تتحدث وكأن لا شيء قد حدث. صرخ بها وقد تمكن الغضب علاوة على ألم كتفه منه: "ردي علياااا." استجمعت تركيزها وتحدثت: "فيه إيه.. ده حسن."
اتسعت عيناه وهو يتذكر ذلك الشاطر حسن وطريقتها المتلذذة بنطق اسمه حينما كانا بالمصعد معًا، إنه ذلك الوسيم الذي أوصلها صباح أمس. خرج صوته منخفضًا مخيفًا يردد: "يا سلام.. ده حسن؟! إيه يعني مش فاهم." همت كي تتحدث: "هو فيه إيه أنا.... أنت أصلًا جبت رقمي منين؟ أخذ نفسًا عميقًا يحاول
استدعاء هدوئه ثم قال: "أنا في المستشفى، اتضرب عليا نار بعد ما مشيتي.. وأنا دلوقتي في مستشفى****." قالها بحزم لكن بطريقته الكثير من الابتزاز العاطفي واستدرار العطف بطريقة مستكبرة لكنه محتاج. وأضاف بطريقة ممتزجة ما بين الرجاء والكبر يسأل مستنكرًا بترقب: "إيه مش هتيجي تطمنيني عليا؟!!! ابتسمت بضعف وهي تستشعر نبرته المتوسلة يحاول أن يخفيها في كبره اللعين وقالت: "لأ هجيلك أكيد عشان أطمن عليك... بس... " صمتت تفكر بحيرة
وخوف وصل له فأثلج صدره: "مين بيعمل فيك كده، وإزاي اتضرب عليك نار كده كتير قوي أنت تقريبًا مش بتلحق تقوم من الوقعة اللي قبلها." أخذ نفسًا عميقًا متعبًا وقال بصوت حاول ألا يظهر مختنقًا لكن معها خانته قواه وظهر عليه التعب يقول: "تعالي عندي يا غنوة، أنا محتاج لك." صمتت تزم شفتيها، اليوم أول يوم عمل لها عند لمى.. ماذا تفعل؟ حاولت التحدث وقالت: "هحاول أستأذن من شغلي وأجيلك أطمن عليك."
وجد نفسه يصرخ بها مرددًا: "بقولك مضروب بالنار ومرمي لوحدي في المستشفى وإنتي تقولي هحاول." صمتت لا تعلم بماذا تجيب، فصمت هو الآخر يشعر بحزن عميق ثم ردد: "خلاص يا غنوة خلاص." استغربت وهي تسمع صوت الهاتف يغلق تردد مناديه: "هارون... هارون." مطت شفتيها تتنهد بحيرة ثم تخذت نفسًا عميقًا وتقدمت في خطواتها بقوة. ***
عاد ببصره للخلف يتنهد بحزن وأسى تزامنا مع دخول ماجد مرة أخرى. حاول التظاهر بأنه لا شيء ينظر له لثوانٍ ثم يغمض عينيه ليتحدث ماجد متسائلًا بحيرة: "هو بعد إذن السيادة عايز أفهم لما النيابة تيجي أنت هتتهم مين؟ فتح عينيه يردد بخفوت: "مش عارف.. مش عارف." ماجد بحيرة: "تفتكر مين." رفع هارون حاجبه الأيسر يردد: "مش عارف بس.. كاظم محبوس، ده معناه إنه مش هو." فكر ماجد قليلًا
ثم قال: "مين قال.. سهل أوي يعمل كده وهو جوه، خصوصًا بعد ما حبسته بإيدك وهو عرف.. وأنت عارف سهل أوي بالفلوس تأجر ناس من جوه السجن تعمل لك اللي أنت عايزه، ده في ناس عايشين على المصالح دي هما وعيالهم يعني مش بعيد يكون هو." فكر هارون لثوانٍ ثم قال: "عندك حق." تنهد ماجد يردد: "بس زي كل مرة مافيش في إيدينا دليل على أي حاجة ولما النيابة تيجي هتتقيد ضد مجهول تاني."
صمت لثوانٍ وحاول تغيير الموضوع ينظر لماجد متسائلًا: "ما قلتش صحيح كنت عايزني في إيه امبارح." تنهد ماجد بحزن شديد ثم قال متهربًا: "مش مهم.. خلاص، خلينا في اللي أنت فيه دلوقتي." نظر له هارون باستغراب يردد: "امال بس كنت مهموم وحزين ولازم أقابلك دلوقتي ومحتاجك وبتاع.. جتك آلارف." ابتسم ماجد بحزن ووقف على قدميه يغادر قائلًا: "أنا لازم أمشي دلوقتي، هروح أغير ما غيرتش هدومي من امبارح، ماتقلقش في بادي جرادات مأمنة أوضتك."
هز له رأسه بلا اهتمام ينظر على صديقه وهو يغادر بحزن وتيه. زفر هارون هو الآخر بتعب، كل شيء حقًا أصبح بلا طعم أو معنى، فحتى حياته أصبحت مهددة، لم يمضِ يومان على محاولة قتله بالسم ليرقد في اليوم التالي بنفس المشفى بعد ضربه رميًا بالرصاص على يد قناص محترف كان هدفه صميم قلبه لولا ذلك النادل الذي خرج خلفه كي ينبهه على رنين هاتفه المتواصل والذي تركه على الطاولة مع باقي متعلقاته حين وقف سريعًا بلهفة كي يوصل غنوة للباب.
على ذكر سيرة غنوة أخذ ينظر حوله في كل ركن يريدها هي... هي فقط، أن تكن معه تراعيه. اعتمل الحزن قلبه يشعر بغصة قوية من الوحدة واليتم والاحتياج. انتفض يرفع رأسه بلهفة للباب الذي فتح يسبقه رائحة عطر خفيف لا يخطئ فيه أبدًا. يمنع عينيه من البكاء بضعف، فشعوره الآن كطفل يتيم حرارته عالية لا يجد من يدفئه وقد عادت له أمه من الموت تقول له أنا هنا صغيري اطمئن.
نظر لها بعينين حمراوين فيهما ما يكفي من الضعف والاحتياج. ثوانٍ وحاول مزج نظرة عينيه ببعض من القوة والثبات، وألا يظهر عليه الضعف أبدًا. لكنه فشل وهو ينظر لها بروح منهكة يفتح ذراعيه لها يستجديها أن تقترب سريعًا يردد: "غنوة."
اقتربت منه سريعًا وقد هالها هيئته، فكم بدا ضعيفًا مهزومًا كطفل ضائع من عائلته في شوارع مدينة ملبدة بالغيوم والمطر يقف يرتجف بحثًا عنهم. نظرته لها هزتها كليًا فقد بدت له وكأنها عائلته ووجدها ينظر لها بلهفة يستجدي الدفء. لكن سرعان ما عاد ذراعه لجواره يشيح بنظره عنها بنفس نظرات ذلك الطفل، عابس حزين منها جدًا لأنها تخلت عنه ولم تأتِ سريعًا.
أخذت تقترب بخطواتها لا تفهم ما هذا التطور الرهيب والغير عادي بعلاقتها معه، وكيف أنها تفهم عليه لهذا الحد؟! أم أنه فقط يخيل لها. توقفت قريبة منه جدًا مقابل وجهه تردد بخفوت: "صباح الخير." التف بوجهه للناحية الأخرى عابس الوجه يزم شفتيه غير راغب بالرد عليها لكنه يريد المزيد من التدليل وسيُجيب. ابتسمت له تردد بنعومة تمط حروف اسمه قاصدة المزاح ربما تخفف عنه: "هارووون." التف بوجهه لها على
الفور يردد بابتسامة واسعة: "عيون هارون." رفعت حاجبيها من تحوله المريب، لتتسع عيناها وهي تسمعه يردد بصوت مختنق: "اتأخرتي عليا ليه؟! لم تجد ما تجيب عليه به، بللت شفتيها بارتباك تردد: "ما علش بس كنت لازم أستأذن بتأخير لأول يوم." زمت شفتيها تنظر له بلوم واتهام مرددة: "بسببك أنت كذبت وقولت إن أختي تعبانة." عاودت تلك الابتسامة الجميلة تزين ثغره، ثم توقف عنها ينظر لها مليًا وهي تبادله بتوتر
إلى أن قال بتعب منهك: "انتي وحشتيييييني." اتسعت عيناها الجميلتان تأسرانه تبلل شفتيها بارتباك مجددًا وهي تنظر له بتوتر وهو يبتسم من تأثيره عليها. *** أما ببيت غنوة فللآن لم تستطع نغم النهوض من سريرها ولا حتى الاستجابة للطرق المتواصل على الباب تردد داخلها فليحترق الجميع. تسبب ذلك الطارق الذي أيقظها من نومها مجبرة، إنها إحدى سماتها، عندما تحزن كثيرًا تنام كثير هربًا من كل شيء.
تنهدت بخفوت حين توقف أخيرًا الدق على الباب، تبتلع غصة مسننة بحلقها تتذكر ما حدث أمس من أول حزنها وتوبيخها لنفسها على ما فعلته بأختها ثم إلى التحرش، ثم دخول حسن بسببها في شجار مع مجموعة من الشباب، وشجارهم معًا. ووصولًا إلى الهم الأكبر حين عادا للبيت وتشاجرت معه عازمة إيقاف نفسها على الانجراف معه نحو الأعمق تعلم أنها أحرجته كثيرًا.
تتذكر أنها دلفت لبيتها وهي تسمع صوت أحدهم يناديه وعلى ما يبدو كانت والدته. ذهبت للشرفة تفتح شقًا صغيرًا لا يظهرها من الداخل تراها وهي تتحدث معه بطريقة عصبية فعلى ما يبدو كانت توبخه رافضة شيئًا ما رفضًا قاطعًا وهي تشير بيدها على بيتها هي وشقيقتها. بالطبع الأمر لا يحتاج للذكاء الكبير كي تفهم، كانت هي المعنية بكل ذلك.
تنهدت بحزن وألم تغمض عينيها تنوي النوم مجددًا تهرب فيه وهي تفكر بحزن أنه في الكثير من الأحيان إكرام الحب دفنه. *** دلف
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!